من الإنتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية
(أثر الإنتفاضة على الكيان الصهيوني)

     
         

د. عبد الوهاب المسيري

         

 

هذا هو الشهر الثامن عشر من انتفاضة العرب والمسلمين، انتفاضة الأقصى والاستقلال، أو بالأحرى حرب تحرير الأقصى وفلسطين، والتي يحمل عبئها الشعب الفلسطيني، والتي يرصد الإعلام العربي أحداثها بتجرُّد وبرود شديدين، وبدون استخلاص أية نتائج، ودون محاولة لتخطي البيانات العسكرية التي يدلي بها المتحدثون الرسميون الصهاينة، ثم تطيِّرها وكالات الأنباء وما يسمَّى "الصحافة العالمية" (أي الغربية) وكأنه يرصد انتخابات البلدية في بوليفيا، أو مسابقة ملكة جمال العالم، أو تزايد عدد القطط في زنزبار.

ولذا فالانطباع العام الذي يصلنا هو أن الفلسطينيين شعب يقاتل لأنه من هواة القتال الذي لا يُرجى من ورائه فائدة ويضحي بنفسه لأنه يستعذب الألم، شعب يذهب ممثلوه يومياً يحملون أواني الدم الغالي ليسكبوه بشكل آلي منتظم عند آلهة الانتقام الصهيونية الوثنية، فهو شعب دخل في طريق العذاب المسدود، مما يجعل الجهاد والتضحية أموراً لا طائل من ورائها.

 

المقاومـة و الإرهاب

وقد استخدم الصهاينة والإعلام الغربي لفظ "الإرهاب" للإشارة لأعمال "المقاومة" ولفظ "الانتحار" للإشارة إلى عمليات "الاستشهاد"، وتبنت بعض وسائل الإعلام، فضلاً عن معظم النخب الحاكمة، هذين المصطلحين. وفي هذا الإطار الإدراكي لم تعد القضية هي "تحرير الأرض السليبة"، أو "استعادة الحقوق الضائعة"، أو "التصدي للعدو وهزيمته"، أو "دعم الانتفاضة سياسياً ومالياً وعسكرياً وعدم الاكتفاء بالدعم اللفظي الرتيب"، أو "الضغط من أجل تحويل مكاسب الانتفاضة الميدانية والعسكرية إلى مكاسب سياسية"، أو "رد الاعتبار للأمة العربية واستعادة كرامتها". بدلاً من هذا كله تصبح القضية "رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني"، و"إيقاف العنف"، وفي رواية أخرى "الإرهاب"، ووقف العمليات الانتحارية، بل و"العودة إلى مائدة المفاوضات"، و"التنازل عن حق العودة حقناً للدماء"، واذهب أنت وربك فقاتلا.. إنَّا هاهنا قاعدون.

ونحن لا ندري هل هذا الموقف الإعلامي المتخاذل هو نتيجة الهزيمة الداخلية التي تجعل البعض غير قادرين على رصد أي شئٍ سوى مؤشرات الهزيمة، أم أنه يتم بتوجيهٍ من بعض الحكومات العربية التي يهمها ألا تعرف الجماهير حجم الانتصارات الفلسطينية على العدو الصهيوني؛ الحكومات التي لا تكف عن الحديث عن قوة العدو وعن خيار السلام باعتباره "خياراً استراتيجياً"؟!!

 

المستوطنون بين الاعتدال والتطرف

  ولكننا لو قرأنا رصد الصحافة الإسرائيلية لأحداث الانتفاضة وأثرها على المجتمع الإسرائيلي لوجدنا صورة مغايرة تماماً، تعيد لنا الثقة في أنفسنا، وفي مقدرتنا على التصدي للعدو. وحتى نعرف ماذا حدث في المستوطن الصهيوني بعد الانتفاضة، فلنحاول ابتداءً أن نرسم صورة للمستوطنين الصهاينة قبل اندلاعها، استناداً للصحافة الإسرائيلية.

تصوَّر المستوطنون الصهاينة، خلال السبع سنوات السمان (ما بين توقيع اتفاقية أوسلو واندلاع انتفاضة الأقصى) أنهم سيتمكنون من إحكام هيمنتهم على الشعب الفلسطيني وعلى الأرض الفلسطينية من خلال سلطة فلسطينية، لا سلطة لها، منعدمة السيادة تماماً. سلطة يمكن إفسادها عن طريق رشوتها، سلطة سياسية تقوم بإلغاء الحياة السياسية وتحكم بشكل مطلق، فتُهمش الجماهير مما يؤدي إلى ضمور الإحساس القومي والديني لديها وتتحول بالتالي إلى مجرد وحدات اقتصادية إنتاجية استهلاكية تتبنى رؤية اقتصادية محضة، ومن ثم تنسى الكرامة والوطن وتركز بدلاً من ذلك على تحسين مستوى المعيشة، وبالتالي يصبح من الممكن رشوتها هي الأخرى (وهذه هي رؤية بيريس لما سماه "الشرق الأوسط الجديد").

ولوَّح الغرب والصهاينة للسلطة وللجماهير الفلسطينية بأشياء وردية مثل تحول فلسطين/إسرائيل (والأردن) إلى سنغافورة وهونج كونج الشرق الأوسط، بلد لا تاريخ له، عدد سكانه محدود، ولكن إنتاجيته مرتفعة إلى أقصى حد، ومستوى المعيشة فيه مرتفع إلى درجة تدير الرؤوس الاقتصادية الاستهلاكية. وكل من تسول له نفسه أن يقف ضد هذه الرؤية يمكن لقوات الأمن التابعة للسلطة أن تقوم بترويضه أو القضاء عليه إن اقتضى الأمر، أي أن علاقة الكيان الصهيوني بالسلطة الفلسطينية - حسب تصوُّر الصهاينة لاتفاقية أوسلو - هي علاقة كولونيالية في جوهرها، تلعب فيها الدولة الصهيونية دور الراعي الإمبريالي الذي يوظف الدولة المستعمَرة لصالحه إما مباشرةً من خلال قواته العسكرية أو بشكلٍ غير مباشر من خلال النخبة المحلية الحاكمة. وهكذا كان المفترض في السلطة الفلسطينية أن تلعب دور الدولة/السلطة الوظيفية (المملوكية) المنبتة الصلة بالجماهير الفلسطينية، التي تضطلع بوظيفة تسخير الجماهير لصالح الراعي الإمبريالي، نظير بعض المكاسب التي تحققها لنفسها.

وقد استنام المستوطنون الصهاينة لهذه المتتالية اللذيذة التي كان من المفترض أن تجعلهم قادرين على الاستمرار في زيادة المستوطنات وفي تسمينها وتحسينها والاستمتاع ببحبوحة العيش، دون أن يدفعوا أي ثمن. وقد وصلت الطمأنينة الزائفة التي تمتع بها المستوطنون إلى درجة أن الخريطة السياحية التي أصدرها المجلس الإقليمي لمستوطنات غور الأردن قبل اندلاع الانتفاضة لا يظهر عليها أي قرى أو مدن عربية، كأنها قد أُزيلت، أو كأنها لم توجد أصلاً. ولذا كان غور الأردن -حسب هذه الخريطة الوهمية- هو أكثر الأماكن أمناً على وجه الأرض. حقاً إنها أرض بلا شعب، أو على أسوأ تقدير، أرض شعبها مكبل بالأغلال، يمكن توظيفه وتسخيره.

   

الصهيونية وبناء المستوطنات

والصهيونية -في تصوُّرنا- ليست ظاهرة يهودية كما يدَّعي الصهاينة، وإنما هي إفراز للتشكيل الاستعماري الغربي، شكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، الذي يقوم باغتصاب الأرض من أصحابها، وبطرد سكانها الأصليين منها وإبادتهم إن أمكنها ذلك، شأنها شأن كل الجيوب الاستيطانية الأخرى. لقد تم تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 على الجزء الأكبر من أراضي فلسطين، ثم تم الاستيلاء على الجزء المتبقي في حرب يونيو 1967، وبدأت بعدها عمليات مصادرة الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة وبناء المستوطنات عليها. وفي البداية تم التركيز على وادي الأردن والمناطق القريبة من الخط الأخضر وهي مناطق ليست كثيفة سكانياً (فلسطينياً). ثم أقيمت مستوطنات داخل مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية بعضها تحول إلى مدن مثل مستوطنة معالي أدوميم. وخلال العام الأخير من ولاية نتنياهو وطوال فترة ولاية باراك تكثفت عملية توسيع المستوطنات. وقد تضاعفت مساحة المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الفترة الممتدة من عام 1993 (توقيع اتفاقية أوسلو) وحتى عام 2000.

وكان انتخاب باراك بالنسبة للكثيرين يمثل دخولاً إلى الشوط الأخير في السباق نحو إنهاء الصراع التاريخي. وقد ترافق هذا مع مناخ اقتصادي متفائل يعود أساساً إلى ازدهار شركات التكنولوجيا المتقدمة (هاي تك). كل هذا منح المجتمع الإسرائيلي، المرهق بفعل أعوام كثيرة من الصراع، أملاً بمستقبل جديد، تستطيع إسرائيل أن تصبح فيه واحدة من الدول الغربية التكنولوجية ("كئيبون وعاجزون ويرفضون التعلم" لداني زكائي، مجلة نيم، العدد 17، صيف 2001).

كانت الحياة بالنسبة للمستوطنين الصهاينة حياةً ورديةً، فكان "سكان مستوطنات غور الأردن [على سبيل المثال] مقتنعون تماماً بأنهم على وشك دخول مرحلة من الانتعاش. فبدأت إذاعة المنطقة حملة لجذب مستوطنين جدد. واشترك في الحملة مغني إسرائيلي دعا المستوطنين إلى الانتقال إلى الوادي ليحققوا أحلامهم"، فلتنتقل إلى بيت خاص، في مستوطنة متميِّزة، ولتتمتع بالهدوء والاستقلال في أجمل بقعة في وادي غور الأردن" (هآرتس، سبتمبر 2001).

وبدأت مستوطنة يافيت حملة ناجحة في اجتذاب عشرات الأسر التي عبَّرت عن رغبتها في الاستيطان (وكان من بينهم أسرة/زوج من المساحقات). بعضهم فكَّر في إقامة مركز كلي ومزرعة بيئية (لا تعتمد على أي سماد صناعي). وكانت هناك امرأة متخصِّصة في الروحانيات قررت أن تعيش بمفردها في مبنى مهجور لتقيس درجة الروحانية داخلها، وتوصلت إلى أن الطاقة الكامنة فيها ستكفيها لمدة عام على الأقل!

ثم جاءت ثماني أسر وسجل أفرادها أنفسهم في حي "ابن بيتك بنفسك". وكان انطباع أبناء المؤسسين إيجابياً إلى درجة أنهم قرروا العودة إلى المستوطنة بعد أداء الخدمة العسكرية. وتم بيع 130 منزلاً بعد حملة التسويق. وهكذا عادت الحياة مرةً أخرى إلى مستوطنة يافيت وأصبحت المنطقة المخصصة للعب الأطفال مليئة بالحياة. وبدأت الحضانة تعمل مرةً أخرى، وعادت الليالي الاجتماعية مرةً أخرى، وغمرت السعادة الجميع خاصة كبار السن. وكانت الحياة الوردية تسير على ما يرام بشكل روتيني، فكانت آلاف السيارات تستخدم الطريق العام رقم 90 كل يوم. وكان هناك محطة بنزين، تقف فيها السيارات، وعادةً ما كان قائدي السيارات يطلبون ساندوتش، أي أن كل شيء كان على ما يُرام.

وهنا، وقبل أن نعرض ثمرات الانتفاضة لابد أن نتوجه لظاهرة الاعتدال والتطرف الصهيونيين، إذ يقول بعض دعاة المهادنة والاستسلام إن جوهر الصراع نفسي، وإنه لابد من اجتياز الحواجز النفسية والفكرية بيننا وبين المستوطنين الصهاينة، وهذا لن يتأتى إلا بإدخال الطمأنينة إلى قلوبهم وإشعارهم بالأمن، وإن فعلنا ذلك سيسود شكل من أشكال الاعتدال بينهم بدلاً من التطرف الذي اكتسحهم. وحينما يحدث ذلك سيجلس ممثلو المستوطنين إلى مائدة المفاوضات ويتباحثون مع الفلسطينيين بشكل عقلاني، حتى يصل الجميع إلى صيغة معقولة ترضي كل الأطراف المتنازعة.

 

وما يتجاهله هؤلاء أن الصراع العربي الصهيوني لم ينشأ بسبب حالة نفسية أو حالة عقلية وإنما لأسباب موضوعية ملموسة، وهي أن كتلة بشرية غربية وافدة جاءت إلى الأرض الفلسطينية فاستولت عليها وطردت شعبها، ولا يمكن إصلاح الوضع إلا بإرجاع الأرض إلى أصحابها وعودة الشعب الذي طُرد.

 

ولكن يظل السؤال يطرح نفسه: ما هو تفسير هذا التطرف الصهيوني المتزايد؟ وما سر هذا التأييد الشعبي العارم لشارون؟ لِمَ لَمْ يولِّد الخوف من الهجمات الاستشهادية قدراً من الاعتدال؟ أليس انتخاب شارون دليل قاطع على صدق مقولة دعاة وقف الانتفاضة، فشارون المتطرف حل محل باراك المعتدل بسبب الهجمات الاستشهادية؟

 

وللإجابة على هذه الأسئلة لابد أن نشير إلى أن المستوطنين يدركون السكان الأصليين من خلال ثلاثة أنماط أساسية: الإنسان الغائب – الإنسان الهامشي – الإنسان الحقيقي. وهذه الأنماط ليست ثابتة أزلية، وإنما تتغيَّر بتغيُّر الظروف، شأنها في هذا شأن أية خريطة إدراكية. فموازين القوى قد تساهم في تقويض نمط إدراكي، كما قد تساهم في دعمه.

 

ويمكن تلخيص تحولات الخريطة الإدراكية الاستيطانية على النحو التالي:

1- في حالة اتجــاه موازين القوى لصـالح المستوطنين وضـد صـالح السكان الأصليين، فإن هذه الموازين ستدعم الإدراك الاستيطاني العنصري المتحيِّز. وسيرى المستوطنون أن البنية الاستيطانية/الإحلالية قد حققت لهم الأمن الذي يبغونه والمستوى المعيشي المرتفع الذي يتطلعون إليه. وسيساهم ذلك في تحويل الواقع التاريخي إلى شيء هامشي باهت، ويتدعـم البرنامج السياسـي الاستيطاني/الإحلالي بوصفه مرشـداً للتعامل مع الواقع، ويُهمَّش السكان الأصليون إلى أن يغيبوا تماماً من شاشة الوجدان الاستيطانية ومن خريطة المستوطنين الإدراكية.

 

2- في حالة اتجاه موازين القـوى لصـالح السكان الأصليين وضـد صــالح المستوطنين، يتولد قدر من الواقعية لدى المستوطنين، إذ يكتشفون أن البنية الاستيطانية/الإحلالية لم تحقق لهم الأمن الذي يريدونه ولا الرفاهية التي يبغونها، ومن ثم تظهر على شاشة وجدانهم صورة السكان الأصليين، وتتعدل خريطتهم الإدراكية تدريجياً. وتتناسب درجة التحول تناسباً طردياً مع حجم المقاومة ودرجة تزايدها. وتساهم عملية إعادة صياغة الإدراك في تبديد الأوهام والأساطير الأيديولوجية. أي أن ميل موازين القوى لصالح السكان الأصليين يؤدي إلى ترشيد العقل الاستيطاني. ولكن تحلل الخريطة الإدراكية يُعد من أكثر التجارب إيلاماً، ولهذا يُلاحظ أنه قبل الوصول إلى مرحلة الواقعية والاعتدال يمر المستوطنون عادةً بمرحلةٍ من التطرف والوحشية دفاعاً عن خريطتهم الإدراكية، ولا تستمر هذه المرحلة لفترةٍ طويلةٍ في المعتاد إن استمرت موازين القوى لصالح السكان الأصليين من خلال استمرار مقاومتهم.

 

ويمكن أن نفسِّر التطرف والاعتدال في الجيوب الاستيطانية في ضوء الاحتمالين السابقين. فإن ظل السكان الأصليون ساكنين دون أن يتَحَدّوا الرؤية الإدراكية الاستيطانية أو موازين القوى السائدة، أصبح من الممكن قبولهم ككمِّ متخلف هامشي غائب، ويصبح من الممكن إظهار التسامح تجاههم، بل ومنحهم بعض الحقوق مثل "الحكم الذاتي" (وهنا تكمن المفارقة). أما إذ تحرك السكان الأصليون لتأكيد حقوقهم ورفضوا الهامشية المفروضة عليهم وتَحَدوا الرؤية الاستيطانية وبدأوا في تغيير موازين القوة لصالحهم، فإنهم يصبحون مصدر خطر حقيقي ومن ثم يتعين ضربهم ويصبح التسامح معهم أمراً غير مطروح، وبالتالي يتزايد التطرف والبطش.

وهذا ما حدث في جنوب أفريقيا، فمع تصاعد مقاومة السكان الأصليين للمستوطنين البيض لجأ هؤلاء للبطش وضرب المقاومة بيدٍ من حديد على الطريقة الشارونية. ولكن المقاومة استمرت بل وتصاعدت رغم بطش النظام العنصري، إلى أن اكتشف المستوطنون البيض عدم جدوى الإرهاب المؤسسي، وانتهى الأمر بسقوط النظام العنصري. أي أن تطرف المستوطنين هو مؤشر على أن الرسائل المسلحة التي يرسلها السكان الأصليون بدأت تصل إليهم، وأن التطرف والشراسة ليسا سوى المرحلة قبل الأخيرة التي تسبق تحطم الأسطورة والرضوخ للأمر الواقع..

ولما كنا نعيش في عالم يؤمن بالحواس الخمس وبكل ما يُقاس، عالم يستند إلى القوة والبطش، أو على حد تعبير أحد الزعماء الصهاينة "إن ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بمزيدٍ من القوة"، فإن إيصال القيم غير المحسوسة مثل الحق والعدل للعدو يتطلب الضغط على حواسه الخمس من خلال العديد من الرسائل المسلحة حتى يعرف أن العربي الحقيقي ليس مجرد صورة باهتة في وجدانه يمكنه تغييبها وإنما هو قوة واقعية يمكن أن تسبب له خسارة فادحة إن هو تجاهلها أو حاول تهميشها وتهشيمها.

   

التطبـيع مع إسرائيل

ولعل هذا هو القصور الأساسي في محاولات التوصل للسلام حسب الشروط الصهيونية. فقد ظن مهندسوا هذه الاتفاقيات أنهم عن طريق رفع رايات السلام والاعتدال والحديث الهادئ على مائدة المفاوضات سيُغيِّرون صورة العربي في وعي العالم ويهدئون روع الصهاينة ويقنعونهم بأنهم معتدلون وراغبون في السلام، وأن هذا سيخلق دينامية تفرض على الحكومة الإسرائيلية أن تصل إلى اتفاق عادل أو شبه عادل. ولكن الذي يحدث هو عكس ذلك تماماً. فكلما ازداد "الاعتدال" العربي زاد التطرف الصهيوني وزاد التمسك بالمستوطنات وبكل شبر من الأرض المحتلة. والعكس بالعكس، فكلما زاد "التطرف" العربي، أي المقاومة والحوار المسلح، ازداد الصهاينة رشداً واستعداداً لتَقبُّل فكرة السلام الذي يستند إلى العدل والمقررات الدولية، بدلاً من السلام حسب الشروط الصهيونية، أي الاستسلام الكامل.

 

ونفس الشيء ينطبق على دعاة التطبيع، فهم يفترضون أن عملية التطبيع عملية نفسية، غير مدركين أنها عملية بنيوية (أي أنها مرتبطة ببناء الدولة الصهيونية، والبناء بطبيعته لا علاقة له بالحالة النفسية أو العقلية). إن بنية إسرائيل ذاتها بنية غير طبيعية، ولذا فالتطبيع معها غير ممكن. فهي دولة لا ترى نفسها باعتبارها دولة لمواطنيها وإنما هي دولة لكل يهود العالم، ولهذا السبب أصدرت قانون العودة الصهيوني العنصري الذي يعطي الحق لأي يهودي في العالم أن يهاجر إلى فلسطين المحتلة (بعد فترة غياب مزعومة لحوالي ألفي عام) حتى لو كان هذا اليهودي لا يود الهجرة (والحقيقة أن معظم يهود العالم لا يرغبون في ذلك) بينما يُحرم من هذا الحق الفلسطيني المنتزع من أرضه ووطنه منذ فترة خمسين عام على الأكثر، والذي يربض في مخيمات اللاجئين بجوار الوطن السليب يقرع أبوابه بشتى الطرق ويحاول دخوله. والدولة الصهيونية تقع في الشرق الأوسط ولكنها تؤكد أنها فيه ولكنها ليست منه وهي دولة تعتمد اعتماداً كاملاً على الغرب وعلى معونات يهود العالم، فكيف يمكن أن تنشأ علاقات طبيعية مع هذه الدولة العنصرية المتخندقة داخل عنصريتها، التي تستمد حياتها من خارج المنطقة وتواصل إشعال الحروب وشنها على من يحيط بها.

   

تصاعد الأوهـام وسقوطها

والملاحظ أن نمط التطرف والاعتدال الاستيطانيين اللذين سبقت الإشارة إليهما ينطبق تمام الانطباق على فلسطين المحتلة، فحين اندلعت الانتفاضة اهتزت آمال المستوطنين، وبحثوا عن مخرج عسكري أمني سريع حاسم، فانتخبوا شارون (البلدوزر) ليحل محل باراك الضعيف وانتعشت آمالهم مرةً أخرى. فشارون صاحب فكر صهيوني أسطوري توسعي إرهابي. ومن أقواله مؤخراً أن "المستوطنات لها أهمية تاريخية وإستراتيجية لأنها تحمي مسقط رأس الشعب اليهودي، كما توفر لنا عمقاً إستراتيجياً لحماية وجودنا".

ويذهب شارون إلى إيجاد المبررات التي تدعم سياسته الاستيطانية معتبراً أن اتفاقات أوسلو لا تمنع إقامة مستوطنات جديدة ولا توسيع أخرى قائمة، مستنداً إلى نظرية أطلقتها الحكومة السابقة تقول بضرورة مراعاة النمو الديموجرافي في المستوطنات القائمة. كما رفض أية دعوة لتفكيك أو إخلاء أية مستوطنة، ولهذا السبب أسند شارون الوزارات المسئولة عن الاستيطان إلى غلاة اليمين، حيث تولى أفيجدور ليبرمان وزارة البنى التحتية وناثان شارانسكي وزارة الإسكان، بينما تولى أتباعه الدوائر التنفيذية في الوزارات التي لها علاقة بالاستيطان. كما قامت حكومة شارون بتوفير الدعم المالي اللازم لتكثيف الاستيطان، حيث دعا إلى تخصيص 360 مليون دولار للاستيطان (عاد وخفضها إلى 150 مليون دولار بسبب انتقادات وضغوط أمريكية). كما دعا شارون وزارات عدة إلى تخفيض أجزاء من ميزانيات وزاراتهم لمصلحة المستوطنات، ناهيك عن الامتيازات والتسهيلات المالية التي تُمنح للمستوطنين. وقد طرح شارون خطة المائة يوم وخطة "أورانيم - جهنم"، وطرح شعار "دعوا الجيش ينتصر"، واستُخدمت كل الأسلحة في الترسانة العسكرية الصهيونية، ووصل الإرهاب الصهيوني إلى الذروة (أو الهوة).

   

سقوط نظرية الأمن الإسرائيلي

ومما لا شك فيه أن شارون أشبع شهوة المستوطنين للانتقام إلا إنه أخفق تماماً في تحقيق الأمن لهم رغم تصاعد البطش الصهيوني وشراسته. فالفلسطينيون أبدوا صلابة لم يتوقعها الصهاينة. وهذا ما لاحظه الصحفي الإسرائيلي جدعون عيست في يديعوت أحرونوت (29/1/2002) إذ قال: "إنه من الصعب بعض الشيء أن نخمِّن كيف يمكن لزيادة الرعب العسكري أن يؤثر في الفلسطينيين أكثر مما يفعل. إن شارون أخفق تماماً في تحقيق أي أمن، وتحوَّلت الانتفاضة إلى حرب استنزاف مستمرة".

 

وتؤكد تقييمات جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (الجهة المخولة بتقديم التقييمات الإستراتيجية لجهة صنع القرار السياسي) أن الانتفاضة مرشحة للتواصل حتى عام 2006. وأن أسلوب القوة لن يؤتي أُكُله في إنهاء الانتفاضة.

 

وتشير الخبرة الانتفاضية إلى حقيقة مهمة وهي أن الجيش الإسرائيلي قد يتمكن من شل قدرة التنظيمات الفلسطينية على مواصلة العمل المسلح لفترة معينة، ولكن من المستحيل أن يضمن توقف العمل المسلح والعمليات الاستشهادية لفترة طويلة. بل إنه عندما يتأخر فعل التنظيمات، سرعان ما تبرز إلى السطح مجموعات مسلحة غير مرتبطة بتنظيم بعينه. ولذا فالمستوطنون يعلمون تمام العلم أنهم حتى لو نجحوا في القضاء على الانتفاضة بعض الوقت فإن هناك الآلاف الذين سيشعلون جذوتها مرةً أخرى في غضون سنة أو سنتين أو ربما عدة شهور.

 

لقد سقطت أسس نظرية الأمن الإسرائيلي تحت وطأة الانتفاضة، والتي قامت على أساس حرمان الفلسطينيين من السلاح، واستخدام أكبر قدر من القوة ضدهم. ولكن الجهاد يستمر بالإمكانات المتاحة، وإنتاج الأسلحة يتم داخلياً أو من خلال المصادر الإسرائيلية، كما أن جميع القوى والفصائل تشارك في الجهاد وتمارس العمل المسلح جنباً إلى جنب.

 

وفشلت سياسة الاغتيالات واستهداف قادة التنظيمات، بل إنها أدت إلى ردود فعل فلسطينية أكثر قوة وإيلاماً للإسرائيليين الذين أصبحوا ينتظرون الرد الفلسطيني الموجع عقب أية عملية للاغتيال أو ضرب للمدنيين. وقد وصلت هذه السياسة إلى ذروتها (أو هوتها) مع عملية غزو كل المدن الفلسطينية والقبض على القيادات الجهادية الفلسطينية وأعلامها.

 

بل إنه حدث شيء لا شك في أنه أدخل اليأس والقنوط على قلب المستوطنين الصهاينة. فإبان حكم إيهود براك (1999 - 2001) كان متوسط الخسائر البشرية بينهم هو 3، أما في حكم "المخلِّص الدجال" شارون فقد بلغ المتوسط 17، وهو آخذ في الارتفاع! (يديعوت أحرونوت2/9/2001). (يُلاحظ أن إسرائيل فَقَدَت في الانتفاضة أكثر مما فَقَدَته في بعض الحروب مع دول عربية لديها جيوش نظامية).

 

إن استمرار الانتفاضة أو حرب التحرير الفلسطينية هو وحده الكفيل بترشيد الصهاينة وجعلهم يدركون أن فلسطين ليست "إرتس يسرائيل" وأن للفلسطينيين وجوداً متجذراً في وطنهم لأن المستوطنين الصهاينة، شأنهم شأن الجيش الإسرائيلي، هم ضمن آليات الاحتلال والقمع والبطش. إن استمرار الانتفاضة وهزها المجتمع الإسرائيلي من جذوره هو الطريق الوحيد لتحرير الوطن لأنه إذا توقفت المقاومة وتوقف الجهاد، وإن توقفت حرب التحرير الفلسطينية، فإن الصهاينة سيغوصون مرةً أخرى في أحلامهم الاستيطانية ويظهرون المزيد من التطرف واللاعقلانية.

   

الوضع الاقتصـادي

تركت الانتفاضة أثراً عميقاً على جميع مجالات الحياة في التجمُّع الصهيوني. ففي المجال الاقتصادي عصفت الانتفاضة بالاقتصاد الإسرائيلي بعد سنوات من الانتعاش والازدهار والاستقرار، وأدخلته في حالة من الركود لم يألفها من قبل، وفي حالة من الاستنفار والخشية والترقب لم يسبق لها مثيل منذ إنشاء الدولة، فقد طالت الأزمة معظم فروع الاقتصاد، ووقفت الحكومة الإسرائيلية عاجزة عن إنقاذ الوضع.

 

ويمكن القول إن الاقتصاد الإسرائيلي دخل هذه الأزمة العميقة تحت ضغط ثلاثة عوامل متشابكة هي انهيار صناعات التكنولوجيا المتقدمة وأزمة الاقتصاد الأمريكي التي تفاقمت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والانتفاضة التي أحكمت طوق الأزمة حول الاقتصاد الإسرائيلي. وتفاعل هذه العوامل الثلاث يؤثر تأثيراً بالغاً في الاقتصاد الإسرائيلي نظراً لصغر حجمه، وكونه يقوم أساساً على إستراتيجية الصناعة الموجهة للتصدير، واعتماده على قطاع الخدمات والسياحة. ويؤكد خبراء الاقتصاد أن الاقتصاد الإسرائيلي كان يمكن أن ينهار تحت وطأة هذه الأزمة لولا استمرار الدعم الأمريكي المادي والمعنوي، فالدولة الصهيونية (الوظيفية) لا يمكنها أن تعيش بدون الاعتماد على القوى الدولية الكبرى. وهناك عرض تفصيلي للوضع الاقتصادي في ملحق هذه الدراسة.

   

فقدان الإحساس بالأمـن والاتجاه

رغم أهمية الجانب الاقتصادي، فإنه في حد ذاته لا يعني الكثير، إذ يكتسب أهميته من تأثيره على وجدان الإسرائيليين وعلى رؤيتهم، ومن ثَمَّ على سلوكهم. وكي نفهم هذا الجانب من أثر الانتفاضة على التجمُّع الصهيوني علينا أن نتجاوز تصريحات شارون الشيطانية والغارات الجهنمية التي تشنها الطائرات الصهيونية والمذابح الدموية التي تُدبرها آلة القمع الصهيونية ضد الفلسطينيين، والحملات الإرهابية التي تقوم بها القوات المسلحة الصهيونية، والأكاذيب المصقولة التي تروج لها آلة الإعلام الصهيونية، فلنتجاوز كل هذا وصولاً إلى استجابة المستوطن الصهيوني لما يحدث من حوله. فالمستوطنين يطالعون الصحف الإسرائيلية التي تستخدم كثيراً من الصور المجازية والعبارات الموجزة الدالة التي تنقل لهم الحقيقة كاملة.

فالانتفاضة، حسبما جاء في الصحف الإسرائيلية، ليست مجرد هبَّة بل هي "حرب استنزاف" أغرقت إسرائيل في "لجة من الدماء" (هآرتس1/2/2002) وأدخلتها في "دائرة دموية" (يديعوت أحرونوت 29/1/2002)، إنها "رقصة الموت" ومباراة "بينج بونج مرعبة" (يديعوت أحرونوت 29/1/2002)، تسبَّبت في فيضان "أنهار الدم" (إعلان رافضي الخدمة العسكرية، هآرتس 8/2/2002). كما أدَّت إلى الغوص في مياه راكدة، وإلى الغرق في "المستنقع الذي غرقت فيه قواتنا بدءاً من الثمانينيات" (في إشارة واضحة للمستنقع اللبناني). وتشير الصحف الإسرائيلية إلى العام الأول للانتفاضة بأنه عام "مضرج بالدماء" (معاريف 10/2/2002). وأنه "الأسوأ في تاريخ إسرائيل في كل ما يتعلق بمواجهة الإرهاب" (معاريف 11/2/2002). وقد وصف أحد الكُتَّاب الموقف بهذه العبارة الدالة: "صغيرة هي المسافة بين الخوف والذعر، والجمهور الإسرائيلي يعيش بين هذا وذاك" (معاريف 10/2/2002).

 

ولنتخيَّل المستوطن الصهيوني وهو يقرأ كل هذه العبارات ثم يطالع عدد صحيفة الجيروساليم بوست يوم 18 نوفمبر 2001 ويتعرف على قضية ذلك المستوطن الإسرائيلي الذي نزح عن إسرائيل واستوطن في الأرجنتين وحمل الجنسيتين الإسرائيلية والأرجنتينية. وحينما عرض على زوجته أن تلحق به في وطنه الجديد هي وابنها رفضت، فقام باختطافه. وحينما رفعت الزوجة قضية تطالب باسترداد ابنها، حكمت المحاكم الأرجنتينية لصالحه باعتبار أن إسرائيل مكان غير آمن، ومن ثم غير صالح لتنشئة الأطفال. لا شك في أن هذا المستوطن سيُصاب بالوجوم، لأن هذا سيذكِّره بوضعه الأمني. فهو قد طالع من قبل هذه الرسالة المفتوحة التي كتبها جندي احتياط إسرائيلي (ونشرت على موقع صحيفة يديعوت أحرونوت 29 أغسطس 2001 ونقلتها عنها الصحف الإسرائيلية الأخرى). والتي قال فيها بكل صراحة :

"أخاف من الموت، بلا سبب كالأبله على الرمال النتنة المسماة قطاع غزة... لا أعرف أن أطير عندما يطلقون عليَّ النار... عدت من الانتفاضة الأولى، ومن حرب لبنان، ومن الانتفاضة الثانية. عدت بحالة جيدة، بمحض المصادفة... لا أؤمن بالمعجزات وبالحظوظ، ولا أعتقد أن لكل طلقة عنواناً، لكن أنا أيضاً ليس لي عنوان... إذا ما مت فسأموت كالأبله. أبله لم ينتبه له أحد. أبله إحصاءات. أبله عائلة ثكلى... أشعر بأن أولئك الجالسين في أبراجهم العاجية أيضاً لا يتابعون إطلاقاً ما يحدث لي ولكتيبتي، وربما لنا جميعاً. أشعر بأنهم لا يعيروننا انتباهاً... وأسأل نفسي ما إذا كنتما، أنتما الجالسان في برجيكما العاجين، رئيس حكومتي ورئيس أركاني، تعرفان فعلاً ما الذي يجب عمله كي أتمكن من العودة إلى البيت. وقبل هذا وذاك، أرجو أن تبيِّنا لي أنكما معنيان... بخوفي من الموت كالأبله؛ ذلك بأنه لم يعد من الممكن أن تقنعاني بأنه جيد أن نموت من أجل بلدنا... في غزة".

 

وهو سيسمع النكت الشائعة الآن في إسرائيل إذ يقول مستوطن لصديقه: "سأحضر إلى منزلك بالأتوبيس، وأمنيتي أن أنجح في ذلك" (الجيروساليم بوست 1/1/2002)، فأبسط الأمور مثل رحلة الأتوبيس، أصبحت مسألة محفوفة بالمخاطر. وبعد أن تحولت المستوطنات إلى مسرح للخوف والرعب، كتب يهودا جولان ساخراً: "يمارس سكان مستوطنة جيلو تسلية جديدة: مشاهدة إطلاق النار... يستعدون كل مساء للعرض اليومي المجاني الخاص بالضاحية" (معاريف 17/11/2000).

 

وسيقرأ هذا المستوطن الصهيوني في صحيفة هآرتس (2 ديسمبر 2001) أن "ايتي فحيمة، المستوطنة الصهيونية قُتلت الأسبوع الماضي، وأن زوجها كان قد أصيب [من قبل] بصورة بالغة في عملية شُنت بجانب بيتها في أحد المستوطنات، وأن أولادها الأربعة أصبحوا أيتاماً من أمهم الآن"!

والصورة العامة في التجمُّع الصهيوني قاتمة لأقصى حد. ففي مقال ليغئال موسكو (يديعوت أحرونوت 11/3/2002) تحدث عن الصمت الذي يلف المدينة "لا توجد سيارات، وحتى المشاه القلائل يخفضون أصواتهم. كل المدينة كوادي الأشباح".

 

وحاول الكاتب أن ينقل لنا حديث أهل المدينة:

باستثناء العمل أنا لا أخرج من البيت منذ أربعة أشهر. لا إلى المجمع التجاري ولا إلى المقهى. . . كان المجمع التجاري خاوياً يا أخي وخصيتي كانت في حلقي. أنا لا أسافر وحدي في الليل، لأنهم أطلقوا النار عدة مرات على الشارع وأنا لا أسمح لابني أبداً أن يخرج من الحي. قولوا لي أية حياة أعيشها. حين أعرف أن ابني يركب سيارة عابرة عائداً إلى البيت. الآن كنت أنا نفسي أزور الأصدقاء ليلتين على الأقل في الأسبوع، إلى أن أطلقوا النار على جاري الذي كان يسافر بالضبط أمامي على الشارع.

   

نجـاح الانتفاضـة في زرع الخـوف

ثم يعلِّق كاتب المقال على هذا بقوله:

ليس هناك ملاذ في هذه البلاد. الأعصاب متوترة، ووصلت لدى البعض إلى حد الانفجار، ورغم ذلك سيطرت سلبية غريبة على الجميع. الناس ينظرون إلى حجم الدم اليومي كقضاء وقدر. تماماً مثلما ينظر البائسون في بنجلادش إلى الفيضانات. يدخلون في سياراتهم بعد العمل، يصغون إلى الراديو الذي تحول إلى بيان لإعلانات الجنازات. يصلون البيت ويغلقون الباب. يحتفظون بالأولاد قريباً جداً منهم.

 

ولا تختلف الصورة التي يرسمها سيما كرمون في مقال له في يديعوت أحرونوت (2/4/2002) عن الصورة التي رسمها يغئال موسكو بل ربما تكون أكثر قتامة:

هذه أيام عصيبة للمواطن العادي. أيام مجنونة. لم يسبق لبيت أن كان محصناً مثل هذه الأيام. البيت هو الحصن. إنه غرفة عمليات. مع الهواتف، التليفزيون، والتأكد من أن الجميع على قيد الحياة. الوسادة هي كيس رمل. الغطاء هو سور أسمنتي. رائحة الربيع تطرق النوافذ، رائحة البرتقال، رائحة الياسمين ولكن الأيدي خاوية والأرجل ثقيلة لا تقوى على الخروج.

 

هذه أيام مجنونة. تنهض في الصباح مع ألم اليوم التالي ولحظات الخوف قبل أن نفتح المذياع لنسمع عن اليوم السابق. ندخل في يومٍ جديد مع خوف بأن لا يعود إلينا الجميع. الأمور بسيطة، اليومية، يجب أن نفكر مرتين، ثلاث، أربع قبل أن نفعلها. هل نخرج مع الكلب. أن نتوجه إلى البقالة. أن نسافر في الحافلة للعمل. أن نذهب للتسوق. أن نجلس في المقهى. أن نرسل الأولاد للمدرسة. كل شيء يُدرس بإمعان. كل سؤال بسيط بات مشكلة وجودية ... هل نحن حقاً في حاجةٍ اليوم لشراء الحليب، ألا يمكن الانتظار ليومٍ واحد؟ ومن أجل ماذا نذهب إلى المقهى، ما دام كل شيء في البيت لطيفاً. والتسوق يمكنه الانتظار، والأولاد يمكن أن يستقلوا سيارة عمومية، وثمة وقت لحفل الزفاف، لسنا مضطرين لشراء فستان اليوم تحديداً. وبصورة عامة ليس من المهم أن نشاهد هذا الفيلم فبعد وقت قصير سيُوزع في أشرطة فيديو، ومن له رغبة الآن لحضور العروض المسرحية، ومن أصلاً يفكر الآن بخارج البلاد في الوقت الذي يخدم فيه ابنه في المناطق.

 

ونحن ننظر إلى الأولاد وقلوبنا تتقطع. في إجازات عيد الفصح السابقة كانوا يتوقون للخروج من هنا، الخروج إلى الخارج، ولكن كل ما يريدونه الآن هو البقاء في البيت من أجل أن نراهم طوال الوقت.

 

وقد ظهر في إسرائيل ما يسمَّى "حضارة البقاء في المنزل"، وهي أن الناس يفضلون البقاء في المنزل ولا يذهبون إلى المطاعم إلا نادراً، ولذلك فمعظم المطاعم فتحت خدمة تيك أواي. وحتى حينما يذهبون إلى مطعم لا يجلسون في الموائد التي توجد في وسط المطعم، بل يفضلون الجلوس وراء العمود. وتبدأ علامات الراحة تظهر عليهم، كما لو كانوا يحاولون كبت أية مخاوف بداخلهم. ولكن "بانج" تنفجر إحدى البالونات فينتفض كل من في المطعم هلعاً ليتذكر الجميع أنهم ليسوا في مطعم عادي ولا في بلد عادي. وهكذا في لحظة دالة حطمت الضوضاء واجهة الهدوء (مارتن آسر أون لاين B.B.C. 62/3/2002).

 

وقد أكد يوئيل ماركوس في هآرتس (13 نوفمبر 2001) "الحقيقة المرة أننا لم ننجح في تصفية الإرهاب ودحره بالقوة" بل إن الفلسطينيين نجحوا "في زرع الرعب في صفوفنا... وفشلنا في إخافتهم" وأكبر دليل على ذلك: "أن الوزير داني نفسه وأبناء عائلته أخلوا بيتهم ... خوفاً على أمنهم، وذلك بناء على نصيحة جهاز الشاباك (جهاز الأمن الداخلي)... وقال رعنان كوهين، عضو المعارضة، إن الوضع خطير جداً "أنا أنظر بخطورة بالغة إلى الوضع الذي لا يستطيع فيه الوزراء أن يتجولوا بحرية داخل الخط الأخضر، وإن لم نشعر نحن الوزراء بالطمأنينة، فكيف سيشعر الجمهور". واستمر كاتب المقال في القول:

إنجاز الفلسطينيين لا يكمن في إخافة وزير في إسرائيل. إنجازهم الحقيقي يكمن في أنهم وضعوا علامة على كل المستوطنين والإسرائيليين كأهداف وألحقوا الأذى باقتصاد إسرائيل وبالسياحة الوافدة إليها، وزرعوا من خلال أعمالهم الإرهابية أجواء من الخوف والجزع في الوقت الذي لم تنجح فيه إسرائيل في زرع خوف مشابه في أوساطهم.

 

لكل هذا ليس من الغريب أن أحد استطلاعات الرأي في صحيفة معاريف وصف الوضع السائد في إسرائيل بأنه يسوده "ارتباك شديد، وحيرة تزداد تعاظماً. فالجمهور يتراكض بذعر من هنا إلى هناك، وهو على استعداد للإمساك بكل قشة تقع في طريقه من أجل محاولة التخلص من هذا الوضع، حتى لو كان ذلك بقول الشيء ونقيضه. فهو يريد هذا وذاك: الفصل من طرف واحد، والتوصل إلى اتفاق. الحوار مع القيادة الفلسطينية وكذلك تدميرها، والتحاور مع العرب في المناطق المحتلة، وأيضاً بنسبة تأييد ملحوظة طردهم إلى الدول العربية المجاورة".

 

ويكتب حيمي شاليف في معاريف:

إن أخطر ما في الأمر، هو ذلك الإحساس العام بأنه لا أحد في البيت، وأن السفينة تهتز في بحر عاصف، وأنه لم تعد لدى قبطان السفينة أية أفكار أخرى. لا في الميدان السياسي، ولا في الميدان الاقتصادي الاجتماعي. وثمة تقدير سائد بأن القيادة الوطنية فَقَدت سيطرتها على الأحداث. وهذا وضع متطرف، يمكن أن يقود أيضاً إلى البحث عن حلول متطرفة.

 

وثمة إحساس عميق بفقدان الاتجاه "فشارون ليس لديه تكتيك فقط. المبدأ البسيط: أن نصمد؛ ألا تطرف لنا عين؛ أن نقلل الأضرار؛ أن نتماسك عندما تقع كارثة؛ أن نمضي قدماً. إلى أين؟" (معاريف 21 سبتمبر 2001). وقد أكد سيماكرمون نفس المعنى في يديعوت أحرونوت (2/4/2002) حين قال: إن القيادة الإسرائيلية لا تعرف ماذا يجب فعله "فوراء الصمت لا توجد خطة ... ونحن لا نعرف إلى أين نسير فهم أيضاً لا يعرفون".

 

وفي ظل ارتفاع الخسائر البشرية مع استمرار الانتفاضة زادت معدلات الخوف والقلق بين الإسرائيليين بصورة مطردة خلال الشهور الثلاثة الأولى من الانتفاضة.  

معـدلات الخـوف

الشهـر                   الشعور بالخوف على الأمن الشخصي أو أمن الأبناء عام 2000

مطلع أكتوبر                 57%

منتصف أكتوبر              68%

مطلع نوفمبر                 78%

أكثر من مصدر: معاريف 20 فبراير 2001، يديعوت أحرونوت 10 نوفمبر 2001

وفي شهر مارس لم يختلف الأمر كثيراً، فقد نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت (14/3/2002) أن

 78% من الإسرائيليين لم يعودوا يسهرون في أماكن عامة خشية الإصابة في عمليات تفجير فلسطينية.

 

إن جمهور المستوطنين (63%) يعتقد أن الدولة الصهيونية قد دخلت طريقاً مسدوداً، فهي لا يمكنها القضاء على الانتفاضة بالقوة، مما يعني أن الانتفاضة لن تنتهي". وفي الوقت ذاته لا يمكن التوصل إلى اتفاقات سلام مع الفلسطينيين. فكل محاولات وقف إطلاق النار باءت بالفشل (الجيروساليم بوست 30/9/2001). أو كما يقول أمنون دنكنر في مقال نشرته جريدة معاريف: "أسوأ الأمور هو أن من الواضح أنه لم يعد ثمة حلول سحرية يمكن التوصل إليها بضربة واحدة. ولم يعد السلام الشامل والنهائي مُغرياً، وحتى ليس ثمة حلول عسكرية تتكلل بأناشيد المنتصرين. ومن الجهة الأخرى، لا يوجد أي إمكان للاستمرار في ظل الوضع الحالي من دون عمل شيء".

 

وفي 25 يناير 2002 أكد يوئيل ماركوس في هآرتس أن شارون:

أدخل الإسرائيليين في دائرة دموية مفرغة لا يمكن الخروج منها ... الناس يخرجون مرات أقل خوفاً من الهجمات الإرهابية .. الجمهور مُتعب ومُرهق ومُتشائم .. طاقة إسرائيل تم تقويضها، ورغم أن إسرائيل عضو في نادي أقوى خمسة جيوش في العالم ونادي الدول النووية الثمانية فقد بلغت النقطة التي لا يمكن فيها أن تصل إلى حل عسكري مع الفلسطينيين.

 

وقد عبَّر دانمار روبنشتاين، أحد أبرز المعلقين الإسرائيليين عن نفس الفكرة، إذ قال في صحيفة معاريف (20/9/2001): "إن طريقة مواجهة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية للانتفاضة لم تفشل فقط، بل إنها أدت إلى انتقال حمى العمليات الاستشهادية إلى فصائل لم تتبناها من قبل، وحصلت إسرائيل على عكس النتائج التي راهنت على تحقيقها".

 

إن قوة الجيش، كما جاء في معاريف (11/2/2002)، تتآكل بمنهجية بعد أن غرقت في مستنقع الانتفاضة. وقد وصل الأمر إلى درجة أن المطلوب هو "جندي في كل دكان، في كل موقف سيارات، في كل محطة أتوبيسات، وسبعة منهم في كل مفترق". وبالفعل نشرت جريدة معاريف (2/4/2002) أن اللجنة القطرية لأولياء أمور الطلبة في إسرائيل اتخذت قراراً بعدم استئناف الدراسة في المدارس بعد عطلة عيد الفصح إذا لم يوضع حراس مع أسلحة حول كل المؤسسات التعليمية.

 

ولكل هذا أعلن أليكس فيشمان في مقال له في يديعوت أحرونوت أن سياسة الأمن الإسرائيلية تحتضر، وأشار إلى أن الوضع الأمني الذي تعيشه إسرائيل يعتبر إفلاساً أمنياً يُلزم المطبخ الأمني باتخاذ قرارات تكسر دوامة عملية رد العملي التي تسحب الطرفين في عناق الموت نحو الهاوية.

 

لقد وصل العقل الإسرائيلي مرةً أخرى إلى حالة "إين بريرا". وهي عبارة تعني "لا خيار"، وكانت تعني في الماضي أن المستوطن الصهيوني محكوم عليه بالدخول في حروب مستمرة، الواحدة تلو الأخرى لمدة طويلة، ولكن كان الاعتقاد الصهيوني الراسخ أن ثمة مخرجاً في نهاية النفق المظلم من خلال ما يسميه الفكر الأمني الإسرائيلي "الحائط الحديدي"، أي أن يبني المستوطنون حائطاً حديدياً حول أنفسهم لا يمكن للعرب اختراقه، مما يضطرهم للرضوخ للأمر الواقع والاقتناع بأنه لا يمكن هزيمة هؤلاء الوافدين من الغرب.

 

ولكن بدلاً من الحائط الحديدي ظهرت عبارة "العجز الأمني" فهي حالة من "إين بريرا" دون أمل. أو كما قال أحد الكُتَّاب في معاريف (30/1/2002): "إن المجتمع الإسرائيلي يشعر باليأس مثل قطيع بلا راعٍ، محاط بذئاب مجنونة". وكما قال آخر في يديعوت أحرونوت (11/11/2001): "ليلة سعيدة أيها اليأس... والكآبة تكتنف إسرائيل". ولذا فإن هآرتس (23/11/2001) تطرح شعاراً جديداً للصهاينة: "دعونا نأكل ونشرب فسوف نموت غداً". ولو نجح شارون في تنفيذ مخططه لضرب الانتفاضة لكرَّس نمط الحائط الحديدي، ولبعث فيه الحياة، وفشله يعني في واقع الأمر سقوط هذا الوهم، مما يعني سقوط الحلم الصهيوني (وهل يمكن للجيوب الاستيطانية أن تعيش دون حلم أو وهم أو أساطير؟).

 

لكل هذا تدهورت ثقة الإسرائيليين في دولتهم ومؤسساتها، حتى فيما يخص جيش الاحتلال.. ويتبين هذا التراجع بالمقارنة بين ثقة الإسرائيليين في هذه المؤسسات بين عامي 1996 – 2002.

فبينما كان 60% من الإسرائيليين يثقون في الحكومة عام 1996، انخفضت النسبة إلى 37% عام 2002. ويُلاحظ نفس النمط في مؤسسات أخرى، فالثقة في الكنيست انخفضت من 62% إلى 25%، وانخفضت النسبة في الأحزاب من 36% إلى 16% خلال نفس الفترة الزمنية.

   

الأثر النفسي للإحساس بعدم الأمن

ويمكننا الآن أن نطرح سؤالاً: ما هو الأثر النفسي لهذا الإحساس بعدم الأمن؟ كفانا الباحثون الإسرائيليون مؤونة البحث فقد جاء في جريدة هآرتس (6/10/ 2001) أن عدد المرتادين على عيادات الأطباء قد زاد بشكل كبير في الآونة الأخيرة رغم أنهم ليسوا مرضى من الناحية العضوية، وإنما يعانون من ضغوط وتوتر على خلفية الأحداث الأخيرة [أي الانتفاضة]. وقد نشرت جريدة معاريف (2/4/2002) أن وزارة الصحة الإسرائيلية فتحت مراكز استعلامات هاتفية يستطيع المواطنون عبرها تلقي مساعدات نفسية. كما بيَّنت يديعوت أحرونوت (14/2/2002) أن شركات الأدوية أفادت بأن هناك ارتفاعاً بنسبة 50% في استهلاك المهدئات والمسكنات.

 

وقد نشرت كل من هآرتس وبنئيم (عدد 17 صيف 2001) عن ظاهرة يسميها علماء النفس ظاهرة "العجز المكتسب". ولشرح هذه الظاهرة تقول الصحف إنه أجريت تجربة عُرِّض أثناءها كلبان لصدمات كهربائية وأعطي واحد منهما الفرصة للفرار، أما الآخر فقد حُرم منها، فاكتسب الأول حساً سريعاً بتجنب الصدمات الكهربائية من خلال القفز إلى الجهة الآمنة، أما الثاني فقد تكيف تماماً وتقبل الموقف بخنوع، حتى أنه حينما أتيحت له فرصة الهرب في تجربة أخرى، لم يغتنمها. فالعجز المكتسب هو سلوك سلبي ينشأ من الإدراك أن لا وسيلة لتجنب آثار مؤلمة، ومن عدم اليقين بخصوص أي شيء، فهي حالة "إين بريرا" بامتياز.

 

وقد توصل العلماء إلى أن ظاهرة العجز المكتسب في المجتمع الإسرائيلي تنطوي على أخطار كثيرة مثل الشلل من جهة، والتطلع من جهة أخرى إلى حلول سحرية قد تحل كل المشاكل بضربة واحدة. وهذا الاتجاه الأخير أرض خصبة لتطور توق قوي إلى ظهور مسيح دجال، والاستعداد لقبول من يقدم نفسه "كقائد قوي" يمكنه حل المشكلات كافة. (وهذا يفسر ظهور شارون الذي وعدهم بإعادة الأمور إلى نصابها).

 

ومن أطرف المؤشرات على حالة الذعر التي انتابت التجمُّع الصهيوني أنه مع تصاعد الانتفاضة بدأت حالة الذعر تنتاب الكلاب والقطط في المنازل الإسرائيلية، ولذا اقتضى الأمر تقديم المهدئات لها (الفاليم). وقال أطباء بيطريون إن الكلاب تبدأ في النباح وتصبح أكثر عدوانية وترتجف لا إرادياً أو تفقد التحكم في مثانتها عندما تصل أصداء دوي إطلاق النار في الضفة الغربية إلى مباني القدس.

 

وقال بيني سابير، وهو طبيب بيطري في القدس: اليوم فقط عالجت كلباً من نوع السيشن كان قد امتنع عن الطعام ويرفض مغادرة منزله. وقال طبيب بيطري آخر إنه لم ير مثل هذا العدد من الكلاب المضطربة منذ أمطر العراق تل أبيب بصواريخ سكود خلال حرب الخليج عام 1991.

 

وقال طبيب آخر إن كلبه هو شخصياً يرفض الخروج من المنزل. إن الناس مصابة بالتوتر ولا يدرون ماذا يفعلون وعلى مَنْ يلقون باللوم، الناس متوترة وكذلك حيواناتها (BBC ويديعوت أحرونوت 6/3/2002).

   

سـقوط الإجماع بخصوص الاستيطان

تصور الحركة الصهيونية نفسها بأنها حركة التحرر الوطني "للشعب اليهودي" وأنها ستقوم بجمعه في وطنه القومي، أي كامل أرض فلسطين، وأن المستوطنين هم طليعة هذا الشعب، وهي بذلك تتجاهل آلاف السنين (التاريخ العربي) وملايين البشر (الفلسطينيين أصحاب الأرض). ولكن مع تصاعُد الانتفاضة تساقط هذا الجانب من الأسطورة الصهيونية، وبدلاً من رؤية المستوطنين باعتبارهم طليعة الشعب اليهودي، بدأت بعض الأصوات الإسرائيلية بل والصهيونية تتعالى ضدهم. ومما يفاقم الأمور النزعة الاستهلاكية الترفيَّة لدى هؤلاء المستوطنين الصهاينة، فمن المعروف أن الدافع وراء الاستيطان في الضفة الغربية ليس دافعاً دينياً أو قومياً بل دافع استهلاكي، فهم يبحثون عن حياة مترفة رخيصة.

 

ويرى كثير من الدارسين أن الاستيطان هو جوهر الصهيونية، عمودها الفقري. وكما قالت إحدى الصحف الإسرائيلية إن حركة الاستيطان توجد في قلب الصهيونية ولا يوجد صهيونية بدون استيطان (Israel's Business Arena 31/3/2002). وقد ردَّد بن جوريون نفس الفكرة بعد إعلان الدولة، وكان الصهاينة يطلقون على المستوطن اليهودي كلمة "حالوتس"، أي رائد، لأن تصورهم أن هذا المستوطن كان يأتي لأرض بكر عذراء فيستولي عليها ويطهرها من سكانها ثم يحرثها ويزرعها ويحرسها بنفسه، ولذا فهو يمسك بالبندقية بيد والمحراث باليد الأخرى. وكان المفروض أن يعيش هذا المستوطن حياة متقشفة ويدين بالولاء للأيديولوجية الصهيونية التوسعية، وكان يُعدُّ طليعة الشعب اليهودي والقوة العسكرية الإسرائيلية... إلخ. وبعض جوانب هذه الصورة كان حقيقياً حتى عام 1967، ولكنها تغيَّرت بشكل جذري بعد ذلك التاريخ.

 

وما لم يدركه الكثيرون في الوقت الحاضر أن نوعية المستوطن الصهيوني في غزة والضفة الغربية تختلف تماماً عن نوعية المستوطنين في الماضي، فالمستوطن الجديد شخص مُرفَّه يبحث عن راحته ولذته ومنفعته. وقد سميت هذا النوع من الاستيطان عام 1984 "الاستيطان مكيَّف الهواء". وقد فوجئت بالمعلِّق العسكري الإسرائيلي البارز زئيف شيف (هآرتس 17/6/1986) يُطلق عليه اصطلاح "الأمن ديلوكس" أو "الأمن الفاخر"، فالمستوطنون الصهاينة الجدد في الضفة والقطاع لا يريدون أن يحملوا البندقية أو المحراث "فهم يطالبون الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن الأخرى أن يضمنوا لهم نوعاً من العيش الممتاز في المناطق المحتلة، وأن تكون حياتهم مكفولة أمنياً. وطبيعة الأمن الذي يطلبونه بالمواصفات التي يطلبونها ليست موجودة في أي مكان آخر في إسرائيل، وإسرائيل بأكملها لا تتمتع بمثل هذا الأمن الفاخر" (هآرتس 17/6/1986). وقد بينت  هآرتس (30/12/1987) أن توطين مستوطن صهيوني في النقب يكلف الدولة 820 دولاراً، بينما تبلغ تكلفة توطينه في مستوطنة في الضفة الغربية 2100 دولار، وهذه التكلفة المباشرة لا تغطي التكاليف غير المباشرة وغير المنظورة من لزوم الاستيطان الفاخر.

 

ويبدو أنه مع تصاعد المقاومة عادةً ما تعيد قطاعات كثيرة من العدو الصهيوني حساباتها بخصوص الاستيطان في الضفة الغربية وغزة. ففي انتفاضة 1987 انطلق السخط على الاستيطان المكيَّف الهواء من عقاله، فوصف رابين المستوطنين بأنهم يشكلون عبئاً على المؤسسة العسكرية (الجيروساليم بوست 4/2/1988). وقال أحدهم إن الاستيطان هو "الصنبور الذي لا يُغلق". وكتب يوسي سريد مقالاً في صحيفة هآرتس 11/2/1988) وصف فيه المستوطنات بأنها ثقوب في الرأس "وأنها عبء". أما المهمة الدفاعية القتالية - وهي مهمة المستوطنات في المحل الأول في الأيديولوجية الصهيونية الكلاسيكية - فلا وجود لها، ومساهمة مستوطنات الضفة في الدفاع عن أمن إسرائيل "يشبه ما تفعله الجدة الخائفة"، أي البكاء والصياح. والأبراج في مستوطنات جوش أيمونيم "هي برج طائر" مهتز "تستطيع إصبع صغيرة أن تطيح به". ووجود 50 - 60 ألف يهودي (عدد المستوطنين الصهاينة آنذاك) بين مليون ونصف فلسطيني في الضفة والقطاع سيثير مشاكل عويصة للجيش، خاصةً في حالة الحرب، كما حدث بالنسبة لمستوطنات الجولان في السبعينيات! إن هؤلاء المستوطنين ليسوا مصدر نفع للجيش الذي يضطلع بكل أو معظم الوظائف التي كان يضطلع بها المستوطنون قبل عام 1948.

 

ومع توقيع اتفاقية أوسلو تراجع السخط على الاستيطان واستقرت الأمور، واستمرت المؤسسة الصهيونية في التهام الأرض وفي تشييد المستوطنات، وصمتت معظم الأصوات المعارضة (وهذا تجلٍ آخر لنمط التطرف والاعتدال الاستيطاني). ولكن مع اندلاع انتفاضة الأقصى والاستقلال عاد الهجوم على المستوطنات مرةً أخرى من قِبَل المستوطنين الصهاينة في فلسطين المحتلة قبل عام 1967. فبدأت الصحف الإسرائيلية تتحدث عن الاستيطان باعتباره "ورماً" (هآرتس 1/2/2002). و"السرطان الذي يأكل جسد المجتمع الإسرائيلي" (من خطاب سير جيو ياهني المدير المساعد لمركز المعلومات البديلة، الذي صدر حكم عليه بالسجن إثر رفضه أداء الخدمة الاحتياطية بالجيش. وقد أرسل الخطاب بتاريخ 19/3/2002). كما تتحدث الصحف عن المستوطنات باعتبارها "مصيدة الموت" (هآرتس 2/9/2001)، و"مصنعاً للإرهاب" (معاريف 3/12/2001).

 

وقد وصف أهارون مجيد تصاعُد السخط على الاستيطان في الضفة الغربية والقطاع في هذه الكلمات: "منذ أن توالت هذه العمليات [الفدائية] التي توقع الضحايا بالعشرات، لم يمض يوم ولا ساعة لم توجه فيها إدانات وانتقادات للمستوطنين، من على كل منصة ومن كل ميكروفون. دم القتلى في رقبتهم. كُتَّاب المقالات في الصحف لا يضيِّعون أية فرصة للتشهير بهم والبصق في وجوههم حتى حين يكتبون عن آخر فيلم شاهدوه أو عن معرض رسم في المعرض الفلاني. والمحللون الاقتصاديون أيضاً يعزون كل المشاكل التي ألمت بنا (تخفيض الفائدة، ارتفاع سعر الدولار، الفقر، البطالة وغير ذلك) إلى المستوطنات التي تمص دم الدولة". (يديعوت أحرونوت 13/1/2002).

   

نفـقات الاسـتيطان

ويصف يهودا ليطاني (يديعوت أحرونوت 27/12/2001) المستوطنين بأنهم "الجمهور المفضل في دولة إسرائيل. الابن العزيز لكل الحكومات التي لم تجرؤ على المس بميزانية المستوطنات، ولذا بلغ استثمار الحكومات المختلفة في مستوطنات الضفة الغربية منذ عام 1967 بعشرات المليارات من الدولارات أنفقت في ميزانيات مباشرة (بناء وسكن وتعليم وأمن وصناعة وتجارة)، وغير مباشرة (خدمات دينية ورفاه اجتماعي وثقافة وسياحة وغير ذلك)، وحراسة جنود الخدمة الإلزامية والاحتياط هي مجرد جزء من النفقات الهائلة التي يتم إنفاقها، ويحظى الكثير من المستوطنين بإعفاءات من ضريبة الدخل كسكان منطقة المواجهة.

 

وترى حركة "السلام الآن" أن الدفاع عن المستوطنات والطرق إليها يفرض عبئاً أمنياً على إسرائيل. فالجزر الاستيطانية تطيل الحدود إلى نحو ألفي ميل، أي عشرة أضعاف الخط الأخضر للعام 1967، وتنشر إسرائيل حوالي 11 فرقة - أكثر من 27 ألف جندي - في الضفة الغربية وغزة بالقياس إلى 8 فرق على الحدود الشمالية. فالسلام والأمن لستة ملايين إسرائيلي وثلاثة ملايين فلسطيني هما الآن رهينة لأمن 300 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية وغزة.

 

وكما قال سير جيو ياهني في خطابه الذي أسلفنا الإشارة إليه فإن "المستوطنات حوَّلت المجتمع الإسرائيلي في الـ 53 سنة الماضية إلى منطقة خطرة. . . وجيش الدفاع الإسرائيلي ليس سوى جناح مسلح لحركة المستوطنات ... موجود لضمان الاستمرار في نهب وسرقة الأراضي الفلسطينية".

 

أما عكيفا الدار (هآرتس 4/2/2002) فهو يشير لهم بأنهم "أقلية صغيرة، لا تلعب أي دور حتى في محاولة تحقيق التوازن الديموجرافي مع العرب. فعدد المستوطنين، بالرغم من كل الامتيازات التي يحصلون عليها، يساوي من حيث الحجم نسبة التكاثر عند الفلسطينيين خلال عامين". كما أنهم مجرد مرتزقة جاءوا لتحقيق مستوى معيشي مرتفع "فأقل من 30 ألف عائلة من أصل نحو مائة ألف عائلة في المستوطنات استقروا فيها لدوافع أيديولوجية". ويصف غي باخور (يديعوت أحرونوت 29/1/2002) المستوطنين في غزة بأنهم "أقلية هامشية: ثلاثة آلاف شخص يقيمون بين مليوني فلسطيني ويحتجزون نحو ثُلث مساحة القطاع". أو كما قال أحد الكُتَّاب "لماذا يجب علينا أن ندفع كل هذا المال لحماية بضعة عائلات إسرائيلية أسَّست بيوتها وحقولها وسط الأراضي الفلسطينية" (هآرتس 19/1/2002).

 

ويبيَّن يهودا ليطاني في يديعوت أحرونوت (27/12/2001) أن المستوطنات أصبحت عبئاً مالياً إذ تستثمر الحكومة فيها "مبالغ خيالية تصل إلى عشرات مليارات الدولارات"، والمستوطنات تواصل "حلب الضرع الحكومي في الوقت الذي تجري فيه تقلصات كبيرة من الأموال المعدة للمعاقين والمسنين والطلاب وباقي المظلومين".

 

ونشرت هآرتس (16/2/2002) أن المستوطنات في الضفة الغربية تستنزف الاقتصاد، وتقوِّض التضامن الاجتماعي، وتخلق فجوات ضخمة بين المستوطنين، الذين يحصلون على كثير من المساعدات من جهة، وبقية المواطنين الذين يعيشون خلف الخط الأخضر من جهة.

 

وبعد تهميش المستوطنات، وبعد إظهار تكلفتها الاقتصادية، يتحدثون في الصحف الإسرائيلية عن ضرورة فكها. وقد جاء في نفس الجريدة (هآرتس 16/2/2002) أن من يريد أن يعيش في دولة ديمقراطية يهودية عليه أن يذهب إلى أن الانسحاب من الأراضي المحتلة (بكثافتها السكانية العربية) أمر حتمي. ويُختتم المقال بتأكيد أن الاحتلال لا يقوض مقدرة دولة إسرائيل على حماية نفسها وحسب، ولا موقفها الأخلاقي أمام العالم فقط، وإنما يقسم المجتمع الإسرائيلي نفسه إلى قسمين.

 

وقد وجَّه أبراهام يهوشع (يديعوت أحرونوت 22/11/2000) نداءً للمستوطنين أن يتخلوا عن عنادهم وأن يعودوا إلى دولة إسرائيل "باعتبار أن الضفة الغربية والقطاع هي أرض فلسطينية. وقد كتب أحدهم خطاباً موجَّهاً للمستوطنين يقول فيه: "لقد ذهبتم لتعيشوا في الأرض المحتلة. إن غور الأردن أرض محتلة. والآن تعرفون المتاعب، ولكنكم أنتم الذين سببتموه لأنفسكم، إن كنتم تريدون الأمن، فلتهاجروا إلى إسرائيل. أنتم تعيشون في الخارج الآن. يجب أن تعرفوا أنكم مهاجرون، تماماً مثل الإسرائيليين الذين يعيشون في نيويورك" (هآرتس 21/9/2001).

 

وقال عكيفا الدار (هآرتس 4/2/2002) "إن إعادتهم (أي المستوطنين الذين يتمسكون بالمستوطنات) ستكون أقل ثمناً بالدماء والمال من إبقائهم في أماكنهم، وعندها سيتبين أن الطائفة التي ادعت حمل لواء الصهيونية الحديثة قد أفلست وغدت التهديد الأكبر على وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية".

 

وقد طرح ياعيل بازميلمد القضية بشكلٍ واضح في معاريف (24/3/2002) إذ قال:

إن اليسار يرى أنه لن تكون هناك أية تسوية، ناهيك عن اتفاق سلام، بدون العودة الكاملة إلى حدود 1967 وإزالة كل المستوطنات. مقابل ذلك، يؤمن المستوطنون، بدعم من اليمين المتطرف، بأنه يحظر إزالة المستوطنات ذلك لأن أرض إسرائيل كلها تعود لملكية شعب إسرائيل، والشعب لا يتنازل عن المناطق مقابل لا شيء. وإذا أراد الفلسطينيون السلام عليهم أن يوافقوا على شروطنا، شروط سلام مع كل المستوطنات.

 

كان هذا الجدل جوهرياً تحديداً في السنة والنصف من الانتفاضة ذلك لأنه جدل بين من يعتقد أن الحرب اليوم هي حرب اللاخيار، وبين أولئك الذين يعتقدون أن الحديث يدور عن حرب خيار، من يعتقد أن هذه حرب اللاخيار يؤمن أن المستوطنات هي البيت، وعن البيت يجب أن ندافع. ومن يعتقد أن هذه حرب خيار يعتقد أننا جميعاً ندفع ثمناً باهظاً جداً من أجل أن يواصل 250 ألف إسرائيلي الحياة في المناطق التي احتلت عام 1967، وهي ليست لنا، واحتجازها يجعلنا أولاً مجتمعاً غير أخلاقياً ينتهك الحقوق الأساسية لشعب آخر.

لا يوجد ولا يمكن أن يكون هناك إجماع وطني في قضية المستوطنات، بل إنه لا يوجد تقارب معيَّن في المواقع.

   

مستوطنات الأشـباح

وقد أدى كل هذا إلى تقويض الروح المعنوية في المستوطنات. وتعطينا أحد المقالات النادرة التي نشرت في هآرتس (21/9/2001) صورة عن المستوطنات من الداخل. بدأ المقال بشكوى أحد المستوطنين بأن الجمهور في إسرائيل لا يعرف ماذا يحدث في المستوطنات. الإحصاءات الرسمية تقول إن 51 أسرة قد تركت غور الأردن منذ بداية العام، لكن الرقم أعلى من ذلك بكثير. كما أن الإحصاءات لا تتضمن المستوطنين الذين يديرون حياتهم بالريموت كونترول (أي عن بُعد) وهم كثر. فهم ظاهرياً يعيشون في المستوطنات، لكنهم فعلياً يقضون معظم أوقاتهم خلف الخط الأخضر (أي فلسطين المحتلة عام 1948). ثم انهمرت الشكاوي.. قال أحد المستوطنين: "لقد سرت عدوى الرحيل في الوادي، ولا يبدو أنه يوجد أي علاج. مستوطنة يافيت التي كانت تقطنها 38 أسرة تركتها ثمانية أسر. ومستوطنة جلجال تركتها 6 أسر من 36 أسرة، أما ماسوا فقد تركتها 5 أسر من 35 أسرة، وجيتيت تركتها 8 من 12، أما مستوطنة ناعران فلم يبق فيها سوى ستة أسر".

 

وقد ظهر في إسرائيل، منذ منتصف الثمانينيات، مصطلح dummy settlements، والتي نترجمها بعبارة "مستوطنات الأشباح"، أي المستوطنات التي تُشيَّد ولا يقطنها سوى بضعة أسر. ومن الواضح أن المستوطنات ستزداد شبحي، فقد كانت هناك بعض الأسر المترددة في مستوطنة يافيت، ولكن بعد مقتل روهار شورجي، أحد سكان المستوطنة (في 7/8/2001)، تركت زوجته وأولادها المستوطنة، ثم تبعهم آخرون. ولكن أسوأ ضربة كانت حين هاجر موسى هوفتمان وزوجته بريجيت، فهما من مؤسسي المستوطنة. وكانت الضربة من القوة بحيث أن المستوطنين لا يحبون الحديث عن هذا الموضوع، ولكن حسب ما سمعه مراسل هآرتس من بعض المستوطنين، حينما عادت بريجيت من أجازة في فرنسا وجدت أن الجو في المستوطنة مختلف تماماً عما كانت تعرفه. صدمها كل شيء فجأة : الحزن من أجل شورجي -رحيل بعض العائلات التي ساعدتهم على التأقلم والاستقرار- الحزن المخيم على الجميع. حينئذٍ شعرت بريجيت هوفتمان أن أسلوب حياة الأسرة قد تساقط أمام عيونها فقررت الرحيل.

 

لقد ازدادت مستوطنات الأشباح شبحية، وازدادت جيتوية "لم يعد أحد يفكر في أن يقوم برحلة.. وإن سرت هنا بعد الظلام فلن تجد إنساناً، نصف المنازل مظلمة، عدد كبير من الأطفال لم يعودوا بعد الأجازة الصيفية، مكان لعب الأطفال خالٍ تماماً. كل شيء توقف؟". يقول صاحب أحد المطاعم: "انظر كم نحن مشغولون الآن". ويشير ساخراً إلى درج النقود الفارغ. "سوء طالعنا أننا انتهينا من تجديد المطعم قبل أن تتاح لنا فرصة أن نذوق العسل [في أرض بلا شعب؟!]، ما هو الوقت الآن؟ أربعة، إن جلست هنا حتى السابعة، أي عندما أغلق المطعم، لن ترى أكثر من جندي أو جنديين يأتون إلى المطعم" [بدلاً من الأطفال وضحكاتهم يأتي الجنود وأسلحتهم.. أليس هذا هو مصير كل المستوطنين الذين اغتصبوا الأرض من أصحابها؟!].

 

وقد جاء في صحيفة معاريف أنه في 45 مستوطنة (من بين 144 مستوطنة) في مجموعة مستوطنات يشع، سجل عام 2001 عدداً من المغادرين يفوق مجموع السكان الجدد والتكاثر الطبيعي. وينطبق نفس الوضع على المستوطنات القريبة من الخط الأخضر. وتحاول بيانات الحكومة الإسرائيلية التقليل من حدة الأزمة، حتى أصبحت أرقام النازحين عن المستوطنات من المحرمات لأن الكشف عنها يؤدي إلى تدهور معنويات الإسرائيليين.

   

الطـرق الالتفافيـة

ومن أهم علامات سقوط الإجماع الصهيوني بخصوص الاستيطان موقف مستوطني عام 1948 من الطرق الالتفافية. ومن المعروف أن المستوطنين الصهاينة ادعوا أن فلسطين أرض بلا شعب، وأنهم جاءوا لاكتشافها ولإصلاحها، ولكنهم بدلاً من ذلك اكتشفوا أن فلسطين أرض ليست عامرة بسكانها وحسب، بل إن سكانها هؤلاء مصممون على مقاومتهم وعلى الانتفاضة ضدهم المرة تلو المرة، وأخيراً على خوض المعارك العسكرية ضدهم.

 

ويبدو أن ضغط الواقع على الوجدان الصهيوني اضطرهم إلى تعديل شعارهم، فبدلاً من شعار "أرض بلا شعب" أصبح شعارهم "أرض لشعب بوسعنا الاستيلاء عليها، والاستيطان فيها دون رؤية أصحابها". ومن هنا كانت الطرق الالتفافية، وهي طرق تشقها الدولة الصهيونية تربط المستوطنات بعضها ببعض بعيداً عن المناطق السكنية العربية، فيتم تجديد طرق ترابية قديمة وشق أخرى، إضافة إلى فتح طرق سريعة تخترق مناطق الضفة الغربية المأهولة بالسكان من الشمال إلى الجنوب عبر وادي الأردن، بحيث يصبح المستوطنون الذين يعيشون وسط القرى والمدن العربية قادرين على التحرُّك دون أن يضطروا إلى مواجهة الفلسطينيين. ومن ثَمَّ يمكن القول إن الطرق الالتفافية تشكل سياجاً أمنياً حول المستوطنات، وفي الوقت نفسه تحوِّل التجمُّعات الفلسطينية إلى ثلاثة كانتونات منعزلة في شمال ووسط وجنوب الضفة الغربية محاصرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمنشآت العسكرية، بما يضمن للدولة الصهيونية السيطرة الأمنية على تلك المناطق. وكل هذا يؤدي إلى الحيلولة دون إقامة دولة فلسطينية ذات كيان متكامل والعمل على جعل هذه الدولة جزراً مترامية الأطراف غير متصلة.

 

كما أن الطرق الالتفافية هي إحدى آليات التوسع الصهيوني، إذ يتم الاستيلاء على معظم الأراضي اللازمة لبناء هذه الطرق من خلال أوامر وضع اليد بدعوى الضرورة الأمنية (مما يجعل المُلاَّك الفلسطينيين غير قادرين على الاحتجاج ضدها)، ووضع اليد هذا هو إجراء أوَّلي يمهد للمصادرة النهائية.

 

وتؤدي هذه الطرق إلى إتلاف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وتدمير مئات المنازل وإلحاق خسائر فادحة، لأن هذه الأراضي مزروعة بكثافة بأشجار الزيتون، الأمر الذي يؤدي إلى تدمير مصدر رزق العائلات الفلسطينية الوحيد. كما يؤدي شق هذه الطرق إلى إعاقة نمو القرى الفلسطينية، والحد من قدرة البلديات الفلسطينية على توسيع الخدمات البلدية.

 

ولا تُبنى الطرق الالتفافية بشكل عشوائي أو تلقائي، وإنما هي جزء من المخطط الاستيطاني الصهيوني العام. وقد بدأ تشييد الطرق الالتفافية بشكل عملي في بداية الأمر مع الاستيطان الصهيوني، ومع ظهور أشكال من المقاومة الفلسطينية تصاعدت وتيرة تشييدها ثم بدأت تأخذ شكل مخطط استيطاني. ففي عام 1994 (أثناء حكم حزب العمل) أعلن الجيش الإسرائيلي نظاماً متكاملاً من الطرق الالتفافية. وقد بلغ عدد هذه الطرق عام 1996 حوالي عشرين طريقاً تغطي 400 كيلو متر، ولكنها وصلت في الوقت الحالي (مارس 2002) إلى 1275 كيلو متر.

 

ولا يزال شق الطرق الالتفافية مستمراً على قدمٍ وساق، وقد خُصِّص 150 مليون شيقل لإنشاء طرق التفافية جديدة، ولكن زئيف شيف (هآرتس 15/2/2002) بيَّن أن إجمالي المبلغ الذي يُنفق على شق الطرق الالتفافية هو في واقع الأمر 228 مليون شيقل لأن بعض الإنشاءات بدأت عام 2001. وبيَّن زئيف شيف أيضاً أن إسرائيل أنفقت على الطرق الالتفافية منذ اتفاقات أوسلو أكثر من 1.25 مليار شيقل لا تندرج في ميزانية وزارة الدفاع ولا في ميزانية وزارة العمل بل بالاحتياطي المالي لدى وزارة المالية، وكل صرف على طريق التفافي مسجل كنقطة نظام مالية منفصلة. وهكذا تختفي عن ناظر الجمهور المصروفات الكبرى على الطرق الالتفافية، ومعها أيضاً عملية اتخاذ القرارات في هذا الموضوع الهام.

 

والعائد الاقتصادي من هذه الطرق الالتفافية ضعيف إن لم يكن منعدماً. وقد كتبت الصحف الإسرائيلية عن "الطريق الموسيقي"، وهو طريق التفافي شُيِّد خصيصاً لطفل في إحدى المستوطنات الصهيونية كان يريد أن يأخذ دروساً في عزف الكمان في مستوطنة أخرى، وبطبيعة الحال كان لا يريد أن يمر من القرى العربية، فشُيِّد له هذا الطريق الموسيقي خصيصاً. وقد نشرت جريدة معاريف (24/3/2002) خبراً عن ذلك المستوطن الصهيوني الذي كان لا يريد السفر إلى عمله عبر الطريق الالتفافي والأكثر أمناً، لذلك وضع الجيش دبابة وعدة جنود ليرافقونه في ذهابه وإيابه، وتمر هذه القافلة عبر قرى عربية مزدحمة بالسكان، وكل ذلك من أجل أن يصل الشخص بسلام إلى عمله، من خلال الطريق الذي يعجبه!

 

ولكن انتفاضة الأقصى فضحت أكاذيب الصهاينة وبدَّدت أوهامهم. فالشعب الذي غُيِّب من خلال الطرق الالتفافية عاود الظهور على شاشة الوعي الصهيوني، وإذا كان قد ظهر عام 1987 وهو يحمل حجراً فإنه يظهر هذه المرة وهو أكثر عزماً وإصراراً ويحمل مدافع الهاون وصواريخ الأقصى والقسام المصنوعة محلياً. وهم لا ينوون مضايقة المستعمِر وحسب، وإنما ينوون طرده، ولذا فهم يهاجمون مستوطناته وطرقه الالتفافية ويرسلون رسائل مسلحة إلى المستوطنين مفادها أن عليهم الرحيل عن أرض الفلسطينيين.

 

وقد علَّق زئيف شيف على السرعة الهستيرية التي تشيَّد بها الطرق الالتفافية في زمن الانتفاضة والحرب، فطرح ثلاثة احتمالات تفسِّر سلوك حكومة شارون: الأول هو أن هذه النفقات تعبِّر عن النية في عدم إخلاء الضفة الغربية أبداً، وكل الباقي هو ذر للرماد في العيون. والاحتمال الثاني هو أنهم قرروا تشييد شبكة طرق للدولة الفلسطينية التي ستقوم في الضفة الغربية، على أن يقوم دافع الضرائب الإسرائيلي بتمويلها. والاحتمال الثالث هو أن هيئة السلطة في إسرائيل تملكها الشيطان، دون أن يستطيع أحد وقف مسيرة السخافة. وتصل السخافة إلى درجة الكوميديا حين تعرف أن الحكومة الصهيونية تنشئ طرقاً التفافية حول الطرق الالتفافية. وهكذا تحوَّلت أحد الرموز الصهيونية الاستيطانية إلى نكتة.

   

حواجـز التفتيش

ومن رموز الاستيطان الأخرى التي سقطت بفعل الانتفاضة حواجز التفتيش التي أقامها المستعمر الإسرائيلي. والهدف العملي المباشر من هذه الحواجز هو الحفاظ على أمن إسرائيل، خاصةً المستوطنين. ولكنه على مستوى آخر تشكل الحواجز جوهر سياسة العقاب الجماعي. فهذه الحواجز تضطر مئات الفلسطينيين للوقوف أمامها ساعات، وبالتالي تحول الرحلة التي تستغرق 20 دقيقة إلى رحلة طويلة تستغرق ساعات، فكأن الحواجز مثل الطرق الالتفافية تساهم في تقطيع أوصال الدولة الفلسطينية. وبسبب ساعات الانتظار الطويلة يخفق كثير من الفلسطينيين في الوصول إلى أعمالهم أو المستشفيات، مما يؤدي إلى حالات وفاة وإجهاض كثيرة.

 

وكان هناك هدف رمزي - كما يقول ميرون بنفنستي (هآرتس 7/3/2002) - هو أن تكون الحواجز رمزاً للسيطرة، فالسلطة الاستعمارية تقوم دوماً على أساس غطرسة بضع عشرات الآلاف من الجنود يسيطرون على حياة الملايين في ظل استخدام الحد الأدنى من القوة وبالاستناد إلى قوة الردع. فحواجز التفتيش ليست سوى معرض يؤكد من بيده القوة سيطرته على المحكومين، بل والتسبُّب في موتهم، بدون استخدام القوة الحقيقية تقريباً، بل من خلال الاستناد إلى مخاوف المحكومين وموافقتهم بالإكراه على العمل وفقاً لقواعد اللعبة التي يمليها وكلاء القوة. وكان من المفروض أن يصطف ألوف الفلسطينيين بخضوع وصمت في الطوابير المتعرجة بين مكعبات الأسمنت وأن ينحنوا بين الجنود.

 

والحواجز ترتبط برباط عميق بالمستوطنات وبأمنها وبطرق الوصول إليها. فعقلية مقيمي الحواجز، التي تقوم على أساس الموقف الاستعماري من الفلسطينيين، هي ذات العقلية التي أقامت مشروع المستوطنات، التي تستند إلى تصور خلود بؤس الفلسطينيين ودونيتهم. هذه هي قواعد اللعبة، وقد صمدت السلطة الصهيونية طالما وافق المحكومون على التصرف وفقاً لما يُملى عليهم. ولكن الانتفاضة غيَّرت هذا "فقد تحطمت قواعد اللعبة" (كما يقول بنفنستي)، وأصبحت الحواجز هي نقطة الاحتكاك الأساسية بين جيش الاحتلال والسكان الثائرين، وتحوَّل الحاجز من ممثل للسيطرة إلى معقل للتمرد. ويتنبأ كاتب المقال "أن مئات الآلاف من الفلسطينيين الواقفين في الطوابير المتعرجة بين مكعبات الأسمنت سيرفضون الامتثال للأوامر أو الإنصات إلى التعليمات. عندئذٍ سينهار نظام الحواجز تماماً مثل مشروع الاستيطان، لأن الأحوال تغيَّرت: فالفلسطينيون هم الذين يديرون اليوم التمرد ضد الواقع، ولا يخضعون للمفاهيم العقلانية لعلاقات القوى التي تتنبأ بفشلهم".

 

ومن الشواهد الأخرى على تساقط الإجماع الصهيوني تحت ضربات الانتفاضة فكرة الفصل بين فلسطين المحتلة قبل عام 1967 وفلسطين المحتلة بعده. وقد وصف أمنون دنكنر (معاريف 29/3/2002) الحالة النفسية التي أدت إلى ظهور فكرة الفصل في مقال بعنوان "جدار الآن" قال فيه:

شوارعنا، مقاهينا، حافلاتنا، منازلنا محترقة ومكشوفة أمام المخربين الانتحاريين. الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) يأتي بالمعلومات والجيش والشرطة يحرسون، يبادرون، يحيطون ولكن كل الجهود تذهب هباءً لأنه يوجد في شبكتنا الأمنية ثغرات كبيرة جداً والمخربون يواصلون التسلُّل والوصول والتفجير والقتل. إلى متى لا نفهم إن علينا أن ندافع عن أنفسنا وأن نتحصن ونحمي حياتنا. ثمة وسيلة واحدة فقط لذلك هي الفصل بواسطة جدار.

   

خطـة الغـلاف

وقد تبدت فكرة الفصل هذه فيما يسمَّى خطة "تغليف القدس" التي اقترحها شارون، وهي تطوير لأفكار ومقترحات بدأت منذ سنوات طويلة. فمنذ حوالي عقد من الزمان، وبعد مقتل أحد الأطفال الإسرائيليين، أقيم جدار على طول شارع برزاني، ولكن هذا الجدار لم يوفر الأمن الجسدي الحقيقي لسكانه ولكن غرس فيهم الإحساس بالأمن. وأقيم جدار آخر منذ سنوات طويلة بين حي النبي يعقوب وضاحية البريد وفي أمجا طور القرية اليهودية العربية (هآرتس 29/1/2002). ثم انتهى الأمر بوقوع القدس داخل عدة أحزمة استيطانية.

 

ثم ظهرت خطة "الغلاف" والتي تقضي ببناء جدار طوله 11 كيلو متر في جنوب المدينة يضم حي جيلو جنوباً والحي الجديد المنوي إقامته "هارموحا" و"بسكات زئيف" و"النبي يعقوب" شمالاً إضافة إلى "جعفات زئيف" و"راموت" غرباً، وذلك لفصل المدينة عن قطاع بيت لحم. وتنص الخطة أيضاً على حفر خنادق وإقامة حواجز وأبراج حراسة ونقاط مراقبة ووضع كاميرات فيديو على طول خط التماس المحاذي لمدينة القدس واستخدام وسائل تشخيص متطورة مثل المجسات الحرارية وأجهزة الرؤية الليلية ووسائل لاسلكية وزيادة حجم قوات ما يسمَّى «حرس الحدود». ومن المتوقع أن تتكلف الخطة أكثر من 52 مليون دولار، ويفترض أن تتخذ هذه التدابير على امتداد حدود بلدية القدس بما فيها القطاع الشرقي الذي احتلته إسرائيل عام 1967، وهذه الخطة الجديدة تجعل حركة تنقل السكان الفلسطينيين بين رام الله إلى بيت لحم إلى القدس أمراً صعباً. (القدس 30/1/2002).

 

ويعلِّق أحد جنرالات جيش الدفاع الإسرائيلي قائلاً إن هذا الغلاف يجعل شارون "كمن ضرب 3 طيور بحجرٍ واحد" لأنه يحقق الأهداف الثلاثة الأساسية لشارون، وهي:

1 -  إثبات رؤيته الدفاعية عن القدس.

2 -  إحياء فكرة القدس الكبرى من باب خلفي (الأمن).

3 -  إجهاض الوجود الفلسطيني المتنامي في أبوديس.

وتُعدُّ أبو ديس واحدة من أكثر من 20 قرية خضعت للتقسيم بعد احتلال شرق القدس (وهو ما يُسمى "القدس الشرقية") عام 1967 على أساس أن تظل المناطق ذات الكثافة السكانية العالية خارج الخط الأخضر. وعلى مدار الأعوام القليلة السابقة استطاع الفلسطينيون تحويل أبو ديس إلى مركز قوة لهم بدءاً من إنشاء برلمان إلى إقامة مؤسساتهم المحلية والأمنية، حتى أن تأثيرهم امتد إلى الجانب الإسرائيلي من القرية، حيث لم يكن هناك وجود حقيقي سواء لجيش الدفاع أو الشرطة الإسرائيليين حتى أنه اقتُرح في وقتٍ ما إقامة ما سماه يوسي بيلين وأبو مازن "القدس الثانية". لكن الموقف انعكس تماماً بعد مجيء شارون برؤيته السياسية التي تقف جنباً إلى جنب لرؤيته العسكرية.. فاليوم انتهى تماماً الوجود الفلسطيني في أبو ديس وأُعيد انتشار قوات جيش الدفاع الإسرائيلي مرةً أخرى. (هآرتس27/2/2002).

 

ويدرك الجانب الفلسطيني خطورة هذا التقسيم والتهويد غير المعلن، حيث سينتهي الأمر بإحكام إسرائيل سيطرتها على مساحة كبيرة من القدس بالإضافة للقدس القديمة كاملةً (حيث صادرت إسرائيل 33% من مساحة شرق القدس وجمدت 40% بُنيت عليها مستوطنات، وبذلك أصبح نحو 73% من المساحة تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة) ومنح السلطة الفلسطينية عدة قرى فلسطينية صغيرة متفرقة تفصل بينها مستوطنات إسرائيلية، ومن ثَمَّ اعتبار ذلك حلاً نهائياً لملف القدس الشائك.

 

ومع هذا، وعلى الرغم من الحماس الذي قوبلت به خطة الغلاف في الدوائر الإسرائيلية فإن بعض مسئولي الأمن يرونها مكلفة للغاية، وتشكل عبئاً جديداً على الاقتصاد الإسرائيلي، وأنها -علاوة على ذلك- غير كافية لتحقيق أمن الشعب الإسرائيلي وتفادي الهجمات من خارج القدس. ولذا فعملية تغليف القدس ستنضم إلى عشرات من الرموز الاستيطانية الأخرى، التي سقطت بعد أن ثبت فشلها. بل إنه يمكن القول إن هذه العملية بالذات هي تعبير عن فشل أعمق، فهي تتضمن اعتراف بضرورة تقسيم القدس، وهو ما يتنافى مع الإجماع الصهيوني.

   

رفض الخدمة العسـكرية

من أهم آثار الانتفاضة، انتشار ظاهرة رفض الخدمة العسكرية والفرار منها، وهي ظاهرة جديدة/قديمة في المجتمع الإسرائيلي، قديمة من حيث إن التجمُّع الصهيوني عرفها من قبل عدة مرات، كان آخرها أثناء احتلال جنوب لبنان. وهي جديدة من حيث إنها ظهرت مرةً أخرى استجابةً لتصاعُد المقاومة الفلسطينية في الانتفاضة الحالية. وظاهرة رفض الخدمة العسكرية مرتبطة بظواهر أخرى مثل الانصراف عن الخدمة العسكرية والفرار منها.

 

وأحدث تجليات هذه الظاهرة وأكثرها حدة حركة "الشجاعة في الرفض" التي بدأت بأن أصدرت مجموعة من 50 ضابطاً وجندياً من جنود الاحتياط، وبعضهم ضباط في تشكيلات المظلات وغيرها من الوحدات الخاصة، بياناً تعلن فيه عن عدم استعداد الموقعين على البيان للخدمة في الضفة الغربية. وقد بدأ البيان بتأكيد أنهم "صهاينة مخلصون"، وأنهم كانوا من الأوائل في الدفاع عن إسرائيل، إلا إن الأوامر التي يتلقونها الآن لا تمت لأمن الدولة بأية صلة، أي أنهم يرفضون التصور الصهيوني للأمن الإسرائيلي الذي يمتد من النهر إلى البحر، والذي يضم كامل تراب فلسطين. ومن ثَمَّ فالجيش الإسرائيلي في الضفة، بالنسبة لهم، هو جيش احتلال لأن "الضفة الغربية ليست إسرائيل". ولذا فهم يعلنون أنهم لن "يشتركوا فيما يسمونه حرب سلامة المستوطنات"، وأنهم لن يواصلوا "القتل خلف الخط الأخضر بهدف السيطرة والطرد والهدم والإغلاق والتصفية والتجويع والإهانة لشعب بأكمله" (يديعوت أحرونوت 30/1/2002).

 

وحركة رفض الخدمة العسكرية، في وقت تعاظمت فيه المقاومة، تشكل خطراً حقيقياً على القدرة العسكرية الإسرائيلية. فهي تسمم الجيش الإسرائيلي من الداخل، وتؤدي إلى خفض المساهمة الكمية في الجهد العسكري (ناحوم يرنباع، يديعوت أحرونوت 28/1/2002).

 

وتتميَّز حركة رفض الخدمة بأنها ليست مجرد فعل فردي أو حتى اتجاه تلقائي عام، وإنما عملية جماعية منظمة وضعت هدفاً واضحاً لها: الضغط على الحكومة الإسرائيلية للانسحاب من الأراضي المحتلة بعد عام 1967. وقد قال أحد الرافضين إنه إن وصل عدد الموقعين إلى 500 سيكون على المؤسسة أن تختار بين الاحتلال وجيش الدفاع (هآرتس 31/1/2002).

وقد لاحظت صحيفة الإندبندنت البريطانية (1/2/2002) أن الحركة "ثورة متنامية"، كما أكد أحد الكُتَّاب في يديعوت أحرونوت (3/1/2002) أن "العصيان الكبير سيأتي". أما يوئيل ماركوس (هآرتس9/2/2002) فقد قال إن هذا التمرُّد قد يكون بسيطاً في بدايته، ولكنه يمكن أن يصبح عصياناً مدنياً وبداية الفوضى.

 

ويبدو أن هذه التوقعات آخذة في التحقُّق التدريجي، فقد ازداد عدد الموقعين حتى وصل إلى حوالي 420 (حتى كتابة هذه السطور في الأسبوع الثاني من أبريل 2002). ولكن يجب أن نضيف لهم ما يسمَّى "الرفض الرمادي"، وهذا يضم أعداداً كبيرة من جنود الاحتياط الذين يلجأون إلى تأجيل الخدمة العسكرية لأسباب صحية، أي أنهم يتمارضون، كما أعلن 400 جندي احتياط أنهم سيرفضون الخدمة إن تم استدعاؤهم. ولا شك في أن تجربة جنوب لبنان (عام 2000) لا تزال عالقة في أذهان الجميع، فحينما تصاعدت المقاومة ضد جيش الاحتلال تزايد عدد رافضي الاشتراك في العمليات العسكرية في لبنان، وعدد الرافضين لاحتلال الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، مما اضطر المؤسسة العسكرية والسياسية الحاكمة إلى الرضوخ في نهاية الأمر وقررت الانسحاب من طرف واحد. ولا يوجد ما يمنع من تكرر هذا النمط.

 

وقد عقدت مجلة نيوزويك (18/3/2002) مقارنة بين ما يحدث في إسرائيل وما حدث في جنوب أفريقيا. فقد رفض الجنود أن يخدموا في مدن السود فاستجابت الحكومة في البداية استجابةً عنيفة. ولكن مع تصاعد مقاومة السود ازدادت حاجة الحكومة لجنود بيض. فتزايد عدد الجنود البيض المعترضين، فحاولت الحكومة أن تخفف من حركة المقاومة بطرح أشكال بديلة للخدمة العسكرية. ولكن في نهاية الأمر اقتنعت الحكومة بعدم جدوى سياسة التفرقة اللونية وتفاوضت مع ثوار جنوب أفريقيا السود.

 

وبطبيعة الحال فقد قُوبل موقف الرفض هذا من جانب جنود الاحتياط الإسرائيليين باستجابةٍ عنيفة من المؤسسة العسكرية. فقد رفض الجنرال شاؤول موفاز، رئيس الأركان، عريضة الرفض. وقال إن الرافضين لا يمثلون مجمل الضباط والجنود الاحتياط. ومع هذا يبدو أن المؤسسة العسكرية تخشى توقيع أي عقوبات على الرافضين حتى لا تنتشر الظاهرة.

 

وقد تلقى الرافضون تأييداً كبيراً من الجماهير وبعض أعضاء النخبة في التجمع الصهيوني. إذ تلقوا حوالي ألفي خطاب على الإنترنت، كان من بينهم 70% من المؤيدين. كما حصلوا على مساندة عامي أيلون، الرئيس السابق للأمن الداخلي الإسرائيلي وعميد سابق في البحرية الإسرائيلية، الذي أعرب عن قلقه من قتل الأطفال الفلسطينيين غير المسلحين على أيدي القوات الإسرائيلية. كما بدأت بعض الجمعيات المعارضة للحرب، والتي كان قد خفت صوتها في مرحلة أوسلو، مثل جماعة "ييش جفول" أي "يوجد حدود"، في النشاط والحركة مرةً أخرى. وقد لاحظت ليلى جليلي (مراسلة هآرتس للشئون الحربية 31/3/2002) أن عدد المنظمات التي تعتبر رفض الخدمة جزءاً أساسياً من برنامجها آخذ في التزايد. وتشير الكاتبة إلى منظمات مثل "نشطاء الرسالة الثمانية"، وحركة "مظهر جديد"، و"تجمُّع دعم رافضي الضمير".

 

ولكن أكبر تأييد غير مباشر جاء من مجلس السلام والأمن الذي يضم حوالي ألف من كبار قادة الجيش والأجهزة الأمنية السابقين، إذ نادى المجلس بتبني خطة الفصل من طرف واحد وإخلاء العشرات من المستوطنات في الضفة والقطاع، وإنشاء دولة فلسطينية على أن تحتفظ إسرائيل بغور الأردن ومستوطنات جوش عتسيون وآرئيل والخليل وكريات أربع، ولا تشير الخطة إلى قضية القدس. كما أن أتباع حركة تعديل اليسارية اليهودية الأمريكية نشروا في الأسبوع الماضي بيان تأييد لرافضي الخدمة العسكرية في صفحة كاملة في صحيفة نيويورك تايمز (هآرتس 31/3/2002).

 

ولفهم أهمية ظاهرة رفض الخدمة العسكرية تجدر الإشارة إلى أن الدولة الصهيونية عندها جيش نظامي صغير، لأن الاحتفاظ بجيش نظامي كبير أمر مستحيل نظراً لصغر حجم الكتلة السكانية وحاجة الدولة الصهيونية للأيدي العاملة، وهي تعوِّض هذا النقص من خلال نظام الاحتياط. ولذا يتعين على جميع المستوطنين الصهاينة تأدية الخدمة العسكرية، حيث يمضي الذكور ثلاث سنوات من الخدمة النظامية، بينما تمضي الإناث 21 شهراً في هذه الخدمة. وبعد انقضاء هذه الفترة، يتعين على الرجال، وحتى سن التاسعة والأربعين، قضاء فترة من الخدمة الاحتياطية قد تتجاوز شهراً في السنة (لا توجد في إسرائيل خدمة مدنية بديلة للخدمة العسكرية). فالجنود الاحتياط ليسوا مجرد قوة إضافية أو هامشية، وإنما مكوَّن أساسي جوهري في قوة القمع الصهيونية. وكما قال أحد المعلقين: "كل الشعوب عندها جيش، إلا الشعب الإسرائيلي فهو جيش يمتلك شعباً".

 

ويمكننا الآن أن نطرح السؤال التالي:

ما هي الأسباب التي أدَّت إلى ظاهرة رفض الخدمة العسكرية:

هل هو استيقاظ ضمير المجندين؟ أم خوفهم من الهلاك؟ أم أن السبب هو أزمة بنيوية حاقت بالتجمع الصهيوني؟.

إن تمعنَّا في الأمر سنجد أن الدافع وراء هذه الظاهرة ليس عنصراً واحداً، وإنما هو مركب من كل هذه الأسباب، ومن أهمها تصاعد معدلات العلمنة والأمركة والتوجه نحو اللذة، وهي اتجاهات تنامت في إسرائيل بعد عام 1967 وأدت إلى تحوُّل التجمُّع الصهيوني إلى مجتمع الثلاثة V (الفيديو والفولفو والفيلا)، وإلى ظهور "الروش قطان"، أي المستوطن المتوجه نحو اللذة ذو الرأس الصغير والمعدة الكبيرة، الذي يجيد الاستهلاك ولا يؤمن بأية مثاليات أو أيديولوچيات، بما في ذلك الأيديولوجية الصهيونية. مثل هذا المواطن لا يعرف كيف يضحي من أجل وطنه وكرامته، فهو ملتف حول ذاته، يريد أن يزيد من معدلات استهلاكه ورفاهيته، وهو بالتالي ينصرف عن الخدمة العسكرية ويفر منها.

 

ومن المعروف أن شارون طرح برنامج الحد الأقصى الصهيوني، الذي يلتزم بعدم التنازل عن غور الأردن أو إزالة المستوطنات أو تقسيم القدس أو عودة اللاجئين (معاريف 14/11/2001) أي أن خريطته مختلفة تماماً عن الخريطة الفلسطينية. ثم بدأ شارون بعد ذلك يتحدث عن بعث الروح القديمة: روح التقشف وتحمل المشقات التي تسم الرواد الصهاينة. وقال إنه سيقود الإسرائيليين في حرب بحيث يمكنهم دخول معركة تمتد لعدة سنين بل وربما عشرات السنين يردون فيها الصاع صاعين للفلسطينيين.

 

ولكن شارون (كما يلاحظ جاكسون دايل في الواشنطن بوست في 4/9/2001) من القادة الإسرائيليين الذين فشلوا في إدراك أن عقلية الكيبوتس القديمة قد ولَّت وذهبت، وأنه حل محلها مجتمع علماني مترف، مجتمع "الهاي تك"، الذي لن يقبل سنوات طويلة من الهجمات الانتحارية دون وجود أمل في تسوية دائمة. (نقلاً عن باري روبين الجيروساليم بوست 16/9/2001).

 

وهذا ما لاحظه أيضاً إتيان هابر، فهو يشير في مقال له (يديعوت أحرونوت 11/2/2001) إلى أن:

إن جيش الحفاة في فيتنام الشمالية قد هزم الأمريكيين المسلحين بأحدث الوسائل القتالية... ويكمن السر في أن الروح هي التي دفعت المقاتلين وقادتهم إلى الانتصار.. الروح تعني المعنويات والتصميم والوعي بعدالة النهج والإحساس بعدم وجود خيار آخر.

ثم يتساءل الكاتب: لماذا نتذكر ذلك الآن تحديداً؟ "لأنه من المهم أن نقول لليهود إنه ليس الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) وليس إريك شارون هما اللذان ينتصران في الحرب ضد الفلسطينيين وإنما هي الروح.. نفس الروح التي ميزت دولة إسرائيل طوال سنوات جيل كامل ومكنتها من القتال من أجل حياتها. نفس الروح التي تبتعد عنا هذه الأيام". ويختم هابر مقاله بعبارة دالة: "الكآبة تكتنف دولة إسرائيل. ليلة سعيدة أيها اليأس"، وهي نفس العبارة التي اختارها عنواناً لمقاله.

 

وقد أدى التوجه نحو اللذة إلى تراجع الروح الاستيطانية الريادية القديمة، ولذا ينصرف المستوطنون الإسرائيليون عن الخدمة العسكرية ويفرون منها. وقد نشرت جريدة هآرتس (11/2/2002) أن الجيش الإسرائيلي يفكر جدياً في إغلاق المدرستين الثانويتين العسكريتين لأنهما تخفقان في اجتذاب الطلبة، كما أن نسبة خريجي المدرسة الذين يلتحقون بالجيش آخذة في التناقص. أي أن الشباب الإسرائيلي يعزف عن الخدمة العسكرية. وقد تقدمت قيادة الشرطة العسكرية، حسب قول الإذاعة الإسرائيلية، بطلب لزيادة مخصصاتها المالية من أجل إنشاء سجن حربي نظراً لتزايد عدد الفارين من الخدمة العسكرية. وأشارت الإذاعة إلى أن السجون العسكرية (الخاصة بالجنود من رافضي الخدمة والمخالفين للتعليمات) أصبحت ممتلئة، وذلك للمرة الأولى منذ عدة سنوات. وقد بينت جريدة ديلي تلجراف البريطانية (13/1/2002) أن هناك 600 جندي إسرائيلي محتجزون الآن في السجون الإسرائيلية عقاباً لهم على التهرب من أداء الخدمة العسكرية.

 

ومع ذلك تظل ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية هي أهم الظواهر التي تهدِّد المؤسسة العسكرية. وحتى نعرف أبعادها الحقيقية، علينا أن نشير إلى واحد من أهم إنجازات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وهو نجاحها في إقناع المجندين بعدالة القضية الصهيونية، وأن إسرائيل هي وطنهم الوحيد (وليس الأرض التي تم اغتصابها من الفلسطينيين)، وأن الجيش الإسرائيلي هو الذي يضمن لهم ولأهلهم ولشعبهم البقاء والأمن والطمأنينة. وبما أن حق البقاء حق إنساني مشروع أمكن للمؤسسة العسكرية أن تتوجه إلى حس المجندين الديني والخلقي والقومي، فمهمتهم القتالية لا تتناقض مع أنبل القيم الإنسانية، أي الدفاع عن النفس وعن الأهل وعن الوطن. خاصةً وأن الإعلام الإسرائيلي أقنع الجميع بأن الحروب التي تخوضها إسرائيل هي حروب دفاعية لا خيار للإسرائيليين فيها، فهي مفروضة عليهم فرضاً، من قوى خارجية شريرة عدوانية. ولذا كان الجيش الإسرائيلي الذي كان يضم الأراضي ويقتل الناس ويحرق الأخضر واليابس يسمَّى "جيش الدفاع الإسرائيلي". كما ظهرت شعارات مثل "طهر السلاح"، أي سلاح لا يُستخدم إلا في إطار أخلاقي محض، وليس إطاراً عسكرياً محضاً.

 

وفي هذا الإطار أصبحت الخدمة العسكرية وساماً يُعلق على صدر المجندين، وجواز مرور لأعلى الوظائف ولعضوية النخبة السياسية (وهذا نمط متكرر في كل الجيوب الاستيطانية التي يستند بقاؤها واستمرارها بالضرورة إلى قوة السلاح). وقد ساند كل هذا إطار أيديولوچي متماسك وانتصارات عسكرية باهرة (بأقل الخسائر) حتى عام 1967.

 

ثم توالت الضربات ابتداءً بحرب الاستنزاف، ومروراً بحرب 1973، وحرب لبنان، وانتفاضة 1987، والانسحاب من جنوب لبنان، وقد وصل هذا المنحنى إلى قمته في انتفاضة الأقصى والاستقلال. وقد أدى هذا إلى اهتزاز صورة الجيش، وإلى تراجع مكانته وتزايد الانتقادات الموجهة ضده، كما أدى إلى تزايد الوعي بين الإسرائيليين بأن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب كما أقنعتهم قياداتهم. وبيَّن تكرار الحروب والمعارك خارج حدود إسرائيل والانسحاب والهزائم أن الحروب الصهيونية ليست حتمية، وإنما هي حروب توسعية تتم بمحض اختيار المؤسسة العسكرية. كما أن الإطار الأيديولوجي الصهيوني قد أخذ في التآكُل، ولم تعد الصهيونية هي الرؤية التي تفسر للمستوطنين الصهاينة حاضرهم (وماضيهم ومستقبلهم)، وإنما أصبحت عبئاً يطرح عليهم حلماً مستحيلاً، وهو حلم الاستيلاء على أرض الغير والاستقرار فيها دون قتالٍ أو منغصات.

وقد أصبحت الخدمة في الجيش بالنسبة للكثير من الإسرائيليين عبئاً اقتصادياً كبيراً إذ يُفصل كثير من المجندين من أعمالهم بعد أدائهم خدمة الاحتياط في الوقت الذي يُعفى فيه طلبة المدارس الدينية من الخدمة العسكرية وتغدق عليهم المعونات ليستأنفوا دراستهم.

 

ولكن أهم العوامل، بطبيعة الحال، هو إحساس المجندين بأنه لا جدوى من الاستمرار في الحرب. وكما قال المعلِّق الإسرائيلي يوئيل ماركوس في صحيفة هآرتس (19/2/2002):

نحن نستخدم الطائرات من طراز F16 فوق غزة، ونسقط قنابل زنتها طن (وهو ما يعادل 4 صواريخ سكود العراقية). ويطرح قائد القوات شعار: كل صدام مع الفلسطينيين لابد أن ينتهي بانتصار إسرائيلي. ومن الواضح أنه فشل تماماً في تنفيذ شعاره هذا. ورغم أن الجيش الإسرائيلي واحد من أقوى جيوش العالم، فقد أصبحنا غير قادرين على الحركة السريعة. فالعمليات العسكرية السريعة لم تعد حكراً علينا، إذ تعلَّم الفلسطينيون كيف يفاجئوننا بعمليات رفيعة المستوى (كما يقول التليفزيون الإسرائيلي). فبينما نعد القنابل، يرشنا إرهابي في إحدى مراكز التسوق بمدفعه. إن سلاح الفلسطينيين السري هو الانتحاري المتفجر، ولم يعد التطوع للقيام بالعمليات الانتحارية مقصور على المتعصبين الدينيين. فالاستشهاديون [هكذا في الأصل] يأتون الآن من صفوف فتح.

   

الخوف من المـوت

ومن أهم أسباب رفض الخدمة العسكرية الأخرى الخوف من الموت، وهذا الشعور موجود عند كل البشر، ولذا فكل المجتمعات الإنسانية، وكل رؤى الكون تحاول دائماً أن تقدم تفسيراً لظاهرة الموت، وكيف يمكن للبشر التعامل والتصالح معها. فالديانات السماوية تتحدث عن عالم آخر يتم فيه عقاب المذنب ومكافأة المثيب، وما الموت سوى بوابة العبور إليه. والعقائد العلمانية القومية تعد المرء بالاستمرار (والخلود) من خلال الأمة والأرض والوطن، ولذا فالموت من أجل الوطن هو تضحية بالذات من أجل هدف أسمى، فهو ليس بفناء كامل.

 

ولكن مع عدم وجود أي إطار ديني أو أيديولوجي يصبح الموت نهاية عبثية عدمية، ويتزايد الخوف منه. وهذا ما يحدث في الأرض المحتلة، فالجنود الإسرائيليون -ومعظمهم، كما أسلفنا، علمانيون لا يؤمنون بالآخرة، ومتوجهون نحو اللذة، لا يؤمنون بأية مثاليات قومية- في حالة خوف شديدة من المنتفضين، فالانتفاضيون يدفعهم الإيمان بالله وبالوطن، أما الجندي الإسرائيلي في الضفة الغربية فهو لا يؤمن إلا بالرغبة في البقاء. وقد ورد في صحيفة يديعوت أحرونوت (10/11/2000) أن معدلات الخوف بين المستوطنين الصهاينة في إسرائيل بلغت 75% في مطلع أكتوبر 2001، زادت إلى 86% في منتصف أكتوبر، ثم إلى 87% في مطلع نوفمبر. ولا شك في أن تصاعد معدلات الخوف مرتبط تمام الارتباط بتصاعد متوسط الخسائر البشرية في صفوف القوات الإسرائيلية التي زادت، كما أسلفنا، من 4 - 5 شهرياً في الفترة من عام 1992 إلى عام 1995، وانخفضت إلى 3 في الفترة من عام 1999 إلى عام 2000، ولكنها قفزت إلى 17 شهرياً منذ عام 2001، أي إبان حكم شارون.

 

وقد اكتشف الجندي الإسرائيلي أنه بالرغم من معداته القتالية الفائقة، ومن التدريب المكثف الذي يتلقاه، فإنه أصبح صيداً سهلاً، وهذا يتضح في نسبة الجنود والمستوطنين الذين سقطوا صرعى في العمليات الاستشهادية (وهي العمليات التي صرح رابين بأنه لا يوجد رد عسكري عليها).

 

ومما يزيد من إحساس جنود الاحتياط بعبثية موقفهم، وعبثية التضحية من أجل "الوطن" عدم اكتراث القيادة العسكرية بهم. وكما جاء في صحيفة معاريف (23/3/2001) "قام 100 ضابط ومقاتل بالاحتجاج على انعدام المساواة في توزيع الأعباء، كما اشتكوا من نقص الوسائل القتالية وانعدام الحماية الملائمة، وعدم تلقي التدريبات الكافية والتجهيزات اللازمة لحمايتهم واضطرارهم إلى تأدية الحراسة دون ارتداء السترات الواقية. ولذا انتشرت ظاهرة جديدة في أوساط الجيش الإسرائيلي وهي قيام الجنود الذين لهم إمكانيات مالية جيدة بشراء سترات وخوذ دفاعية للدفاع عن أنفسهم. وقد كشفت الإذاعة الإسرائيلية في قناتها الثانية أن هذه السترات الواقية تصل أسعارها إلى 1200 دولار للسترة الواحدة، وأن هناك الكثيرين الذين يشترونها من بين جنود الاحتياط، كذلك هناك من هم على استعداد لوضع تجهيزات دفاعية خاصة لسياراتهم (هذا في الوقت الذي يعاني فيه الفقراء من جنود الاحتياط من الجوع. فقد صرح أحد الضباط أن بعض جنود الاحتياط لا يأخذون أية إجازات لأنه لا يوجد طعام في منازلهم!). "وقد لوحظ أن عدد المستوطنين الصهاينة من المدنيين الذين تقدموا بطلب ترخيص بحمل السلاح قد تزايد، كما تزايد معه عدد الذين يبحثون عن العلاج النفسي" (يديعوت أحرونوت 18/3/2002).

 

وقد وصفت جريدة معاريف (4/11/2001) حياة الجنود في الدبابات بأنه جحيم لا يُطاق، فالأوامر الصادرة لهم تتضمن البقاء داخل الدبابة طوال الفترة المحددة لهم دون الخروج منها، بل إنه صدرت أوامر لهم تحظر عليهم حتى النظر من فوهات الدبابة خوفاً من تعرضهم لرصاصات طائشة تأتيهم من المناطق المحاصرة. كما لا يستطيع الجنود الخروج من الدبابة لقضاء حاجتهم كالذهاب إلى مرحاض أو إلى حمام، وذلك خوفاً من تعرضهم لقناص فلسطيني ينتظر خروجهم من الدبابة. وأوضح التقرير أن الجلوس لفترة طويلة داخل دبابة مع الشعور بالخوف من المحيط المتواجدة فيه الدبابة يجعل الجنود في قلق دائم بحيث ينتظر الجندي بفارغ الصبر انتهاء ورديته للخلاص من هذا الجحيم الذي لا يُطاق. وأضاف التقرير أن وجود الجنود داخل الدبابة واحتكاكهم طوال الوقت مع بعضهم البعض يسبِّب مضايقات لهم حتى إن نفسية الجنود أصبحت منهارة، وأصبحت العلاقة بينهم تتسم بالمشاحنات والمشاجرات، هذا إلى جانب الملل والضجر الشديدين.

 

ولا شك في أن انشطار الدبابة "مركبا 3"، وهي أكثر الدبابات تحصيناً في العالم، قد رسَّخ الخوف في قلوب الجنود. وقد عبَّر هذا الخوف عن نفسه في كثير من الحوادث لعل من أهمها ما حدث في مستوطنة الحمرا حين قام أحد الاستشهاديين الفلسطينيين بعملية أدت إلى مصرع وإصابة 9 إسرائيليين. فقد ظهر (حسبما جاء في معاريف 10/2/2002) أنه حينما وصل تحذير إلى الحارسين الإسرائيليين من أن استشهادياً سيقتحم المستعمرة خشيا على أنفسهما ولم يبلغا عن ذلك. وحينما التقى الجنود الإسرائيليون بالاستشهادي لم يشتبكوا معه وفروا من أمامه، بل وقال أحدهم بصراحة بالغة: "حين بدأ القتال اختبأت تحت السيارة".

 

ومن أهم أسباب رفض الخدمة العسكرية، إدراك الجنود لمدى وحشية القمع الصهيوني للفلسطينيين. وقد ذكرنا من قبل أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نجحت في إقناع المجندين أنهم يدافعون عن وجودهم الفردي والقومي، وأنهم يدخلون في حروب دفاعية متتالية بسبب لاعقلانية العرب وشراستهم. والرؤى الأيديولوجية عادةً ما تكتسب استقلالاً عمن يصوغها بحيث يصبح لها منطقها الخاص وتؤدي إلى نتائج غير مقصودة. وهذا ما حدث في هذه الحالة، فجنود الاحتياط الذين غُسلت أمخاخهم بهذه الاعتذاريات الصهيونية الأخلاقية المصقولة، استقوا منها معايير للحكم على ما حولهم. وحينما أرسلوا إلى الضفة الغربية قاموا بالحكم على أفعالهم وعلى قياداتهم بهذه المعايير.

 

وكما قال أحدهم: "نحن نقوم بحماية حفنة من المستوطنين الموتورين الذين يستخدمون الجيش لأغراضهم الذاتية في الربح المالي أو الديني، ونحن علينا أن نساندهم ونرضيهم، ومن أجلهم نسلب حقوق الشعب الفلسطيني ونصبح جيش احتلال بشعاً بدلاً من أن نكون جيش دفاع" (الشرق الأوسط 13/1/2002). ولكن - على حد قول أحد الرافضين - "إن كنت محتلاً، فلا يمكن أن تتسم بالرحمة، فالقسوة هي الشيمة الحتمية للمحتل" (الإندبندنت 4/2/2002). وقال آخر: "تربينا على أن نكون ضباطاً أنقياء كالبللور، وحولونا إلى غزاة فاشيين يريقون الدماء ويرتكبون جرائم الحرب" (هآرتس 13/1/2002). وقال ثالث: "لا أسمح لنفسي بأن أقمع جمهوراً من الجوعى. لقد دربوني في الجيش على القتال، ولست مستعداً لأن أواجه أطفالاً ونساءً وشيوخاً بالسلاح" (الشرق الأوسط 31/1/2002).

 

ولا أدري مدى صحة أقوال هؤلاء الجنود، هل تم فعلاً غرس قيم قتالية سامية فيهم مثل طهر السلاح؟ من خلال قراءتي للصحف الإسرائيلية تظهر صورة مغايرة تماماً، ففي مقال نُشر في هآرتس (25/1/2002) بقلم أمير أورين يشير فيه إلى أن أحد الضباط نصح المتدربين أن يستعدوا للحرب في المدن الفلسطينية بأن يتعلموا كيف نجح النازيون في إضعاف جيتو وارسو (الذي وضع فيه معظم أعضاء الجماعة اليهودية) وفي تدميره في نهاية الأمر.

 

وفي مثل آخر: حاول أحد مندوبي سلاح المشاة أن يقنع طلبة الصف الثاني في المدرسة الثانوية في القدس أن ينضموا لوحدته فوعدهم بأن من ينضم إلى الوحدة "سيمكنه أن يأخذ صوراً مع جثث (حقيقية)" (اقتبسها كوليت أفيتال، عضو الكنيست من كول هازمان نوفمبر 1002، في مقال نُشر في الجيروساليم بوست 7/2/2002).

 

وقد أشار رامي كفلين (يديعوت أحرونوت 12/2/2002) إلى تأثير الأيديولوجية التي تُشاع في الجيش الإسرائيلي، والتي "تبين أن العرب أعداء سفلة ومتآمرين غرباء".. فهي أيديولوجية "تنزع عن العرب الإنسانية". و"تنمي التعطش إلى الدم.. الغريزة الدفينة في الإنسان حين تتوفر له المقدرة على الفساد". ثم يضيف:

 

حين كنت قائد فصيل مدرعات في لبنان عام 1996"، كان المعيار المستخدم للحكم على الفصيل ليس "الحفاظ على أمن مستوطنات الشمال بل كمية "الآذان" التي يجلبها الجنود. الجندي الذي يحظى بالتقدير الأكبر هو الذي يكثر من القتل. من الصعب تصديق ذلك اليوم، ولكني حينذاك علَّمت جنودي بوضوح عدم أسر مقاتلي حزب الله بل إطلاق النار على الجرحى، على فرض أن أجسادهم مفخخة. هذا التفسير هو الذي قُدِّم لي وقدَّمته، ولم أكلف نفسي عناء التفكير به ولو للحظة رغم أنني عرفت جيداً مصطلح "طهارة السلاح" وفكرة عدم إطلاق النار على الأسرى. هذه المصطلحات لم تنطبق، على نحو ما، على الواقع الذي كنت موجوداً فيه. والدليل على أن هذا كان عُرفاً عامّاً أنه في السنوات الأخيرة لم يؤسر ولو مقاتل واحد من "حزب الله".

الحرب أمر مروع. وحين ينجح الجنود في إنجاز مهامهم، يجب أن يبلوروا لهم وعي الحيوان المفترس. والجيش يعرف بالضبط كيف يفعل ذلك. هذه مهمته!

   

قمع المدنيين الفلسـطينيين

أما الملازم أبشاي ساحي فقد قال إنه طُلب منه أن يطلق النار على أي فلسطيني يلقي الحجارة عليه. "ولم يكن هناك أي تحديد لهوية الفاعل سواء أكان طفلاً أو امرأةً أو كهلاً، ولم تكن هناك تعليمات بخصوص أي جزء من جسم المستهدف نطلق عليه النار". أي أن الحديث عن طهارة السلاح وعدالة القضية والدفاع عن النفس كان حديثاً ليس له وجود، أو لعله كان يوجه لبعض الشباب الإسرائيلي السذج "المثاليين".

 

لقد كانت محاولة قمع المدنيين الفلسطينيين تجربةً مفزعةً بالنسبة لكثير من جنود الاحتياط بسبب ما قامت به القوات الإسرائيلية من أفعال وحشية. وإذا نظرنا إلى شهادات رافضي الخدمة بخصوص ما يقع في الضفة الغربية والقطاع، سنجد صورة في غاية البشاعة. فعلى سبيل المثال كتب يوري دان (الجيروساليم بوست 7/2/2002) أن أحد الجنود صرح بأن الرصاص الذي كان يطلقه كان يخترق حوائط ونوافذ لا يعرف من وراءها. أما ضابط الاحتياط ديفيد زونشين فقد قال: "يتطلب منك الأمر فجأة أن تفعل أشياء لم يُطلب منك أن تفعلها [أي أن طبيعة الموقف تفرضها]: تطلق النار على الناس، توقف عربات الإسعاف، تدمر منازل لا تعرف من يقيم فيها".

 

ولكن هذا قليل من كثير. فقد اعترف أحد الجنود الإسرائيليين في القناة الثانية الإسرائيلية أنه شهد بنفسه الجنود الإسرائيليين وهم يتنافسون فيما بينهم على تحديد من هو أكثرهم قدرة على قتل أكبر عدد من الفلسطينيين، ثم يتفاخر أحسنهم بعد ذلك بالنسبة التي أحرزها. ثم أضاف أنه رأى أحد زملائه يطلق النار في رام الله على طفل فلسطيني في العاشرة من عمره دون أي سبب واضح. كما قال إن الجنود الإسرائيليين كانوا في بعض الأحيان يقومون بتحطيم رؤوس الفلسطينيين على الأسفلت بعد القبض عليهم ووضع الأصفاد في معاصمهم. وهناك كذلك حوادث سرقة كثيرة. وفي إحدى المرات اصطدمت سيارتان فلسطينيتان فتجاهل الجنود الإسرائيليون الجرحى وأخذوا في خلع أجهزة الستريو من السيارتين وسرقتهما.

 

بيد أن اعترافات الجندي عاموس هي أكثر الاعترافات شمولاً، فقد قال:

كنا نتسلى بمنع عربات الإسعاف التي تحمل المرضى والجرحى من المرور. ولقد رأيت أشخاصاً يموتون بسبب الفشل الكلوي والأزمة القلبية، ورأيت بعض الحوامل يقضين حتفهن أثناء الولادة. كنا نستيقظ أحياناً في منتصف الليل ونركب دبابة مع جنود آخرين، وندخل في المدن والقرى الفلسطينية قبل بزوغ الفجر ونمطر الأسر الفلسطينية النائمة في منازلها بالقذائف.

وأحياناً كنا نقوم بغارات قبل الفجر ونندفع داخلين في منازل الفدائيين لنلقي القبض عليهم أو لنقتلهم أمام أعين زوجاتهم وأطفالهم. وأحياناً أخرى كنت أقود بلدوزر إسرائيلي لأحطم منازل (وأحلام) قاطنيها، وأحياناً أخرى كنت أجتث أشجاراً استغرق نموها عدة أجيال، وكم كنت أحب إتلاف الأرض الزراعية. وكنت أحياناً أطلق الرصاص الحي على المتظاهرين المسالمين. لكن أكثر الأعمال التي كنت أحبها هو إطلاق النار على الأطفال الفلسطينيين الذين يتجاسرون على إلقاء الحجارة عليَّ. في هذه الحالة كنت أصوب رصاصي على رؤوسهم وقلوبهم، ثم أتفاخر بأنني قتلت الكثيرين وأصبت عدداً أكبر بعاهات مستديمة، فقد كنت أؤمن إيماناً جازماً بأن حياة إسرائيلي واحد تساوي حياة ألف فلسطيني. وإن أبدى الفلسطينيون أي شكل من أشكال المقاومة كنا نلجأ للعقاب الجماعي!

ودعايتنا الصهيونية في غاية الكفاءة. لقد أقنع الإسرائيليون العالم أننا نحارب دفاعاً عن أنفسنا ضد عدو فلسطيني لا يريد سوى أن يقذف بنا في البحر. ولكن الأشياء ليست كما قد تبدو. إن العالم لا يعرف أن الإسرائيليين هم الذين يحاولون إبادة الشعب الفلسطيني. ونحن بمقدورنا أن نفعل ذلك بسهولة ويسر بسبب دعم أصدقائنا الأمريكيين الذين يساعدوننا بغض النظر عما نقوم به ويعطوننا خمسة بليون دولار كل عام ويزودوننا بآخر الأسلحة والطائرات. نحن لا نريد السلام فنحن نريد المزيد والمزيد من الأرض العربية حتى تصل إمبراطوريتنا إلى منتهاها.

ولكن، أنا عاموس، الجندي الإسرائيلي، الإرهاب لعبتي، والقتل اسمي، لا أشعر بأي ندم على ما فعلت لأن روحي ماتت، وأعرف أنه لا يوجد أي مجال لأن أنال الخلاص.

 

إن كلمات عاموس الساخرة المريرة هي أصدق تعبير عن استجابة جنود الاحتياط لما يُرتكب من بشاعات. وما لا شك فيه أن بشاعة المهام المناطة بهم أصابت عدداً منهم بالفزع والاشمئزاز، مما دفعهم إلى رفض الاستمرار في هذه الأفعال الوحشية غير الإنسانية.

   

الهجرة والنزوح

من المعروف أن الصهاينة أحاطوا الهجرة الاستيطانية إلى إسرائيل بهالات من القداسة، فهم يرون أن علاقة اليهود بفلسطين (إرتس يسرائيل) علاقة مطلقة تستند إلى الوعد الإلهي، وهي لذلك لا تخضع لأية متغيرات تاريخية أو اجتماعية، وهي لنفس السبب تسمَّى "عالياه"، أي الصعود، وكأن الاستيطان الصهيوني في فلسطين تجربة دينية روحية عميقة تسمو بالروح وليس سفكاً للدماء الفلسطينية. هذا على مستوى التبريرات والديباجات، أما على المستوى الفعلي، فثمة حاجة دائمة من جانب الجيب الاستيطاني للمزيد من المستوطنين حتى يمكنه الاضطلاع بمهمته القتالية دفاعاً عن "أمنه" وعن المصالح الغربية في المنطقة.

 

والنزوح عن إسرائيل أو الهجرة المضادة تسمى في المصطلح الصهيوني "يريداه"، أي "الارتداد والهبوط" (وهي بذلك عكس الهجرة إليها "عالياه" أي "الصعود"). ويطلق على النازحين عن إسرائيل "يورديم" أي "الهابطين" أو "المرتدين". وعدد النازحين عن إسرائيل منذ عام 1948 يبلغ ما يزيد عن 700 ألف وقد يصل إلى مليون (فإحصاء عدد النازحين أمر خلافي للغاية، وإن كانت بعض الصحف الإسرائيلية بدأت تشير إلى رقم مليون باعتباره أكثر الأرقام قرباً من الواقع).

 

وتفاقم ظاهرة النزوح يقوض من شرعية الحركة الصهيونية ويكشف زيف الادعاءات الصهيونية بخصوص ارتباط اليهود ارتباطاً عضوياً بأرض الميعاد. ولكن الأهم من هذا أن النزوح يُعدُّ ضربة في الصميم لمقدرات المشروع الصهيوني الاستيطانية/العسكرية. فإذا كان اليهودي المهاجر من بلده إلى فلسطين المحتلة يتحول إلى مستوطن صهيوني مقاتل، فإن الحركة العكسية (النزوح) تؤدي إلى تحول المستوطن الصهيوني المقاتل إلى مواطن يهودي في بلد آخر.

 

وقد فاقمت الانتفاضة من هذه الظاهرة. فقد نشرت جريدة الجيروساليم بوست (13/9/2001) أن 22% من الإسرائيليين في المرحلة العمرية بين 18 - 35 سنة يفكرون في الهجرة، وهي نسبة عالية للغاية إذا أخذنا في الاعتبار أن من ينتمون إلى هذه المرحلة هم أهم قطاعات أي مجتمع، فهم أكثر القطاعات إنتاجية ونشاطاً وأكثرها قدرة على الإنجاب. والنسبة الحقيقية للراغبين في الهجرة لابد أن تكون أكبر من ذلك، لأن كثيراً من المستوطنين يخجلون من الإفصاح عن رغبتهم الحقيقية، وبعضهم لا يجرؤ حتى على مواجهة نفسه برغبته الدفينة (ومع هذا، في استطلاع للرأي نشرته هآرتس عن الموقف من النزوح عن إسرائيل أيَّده 65%) ولا تزال نسبة الراغبين في النزوح آخذة في التصاعد، فقد جاء في نفس الجريدة بعد ثلاثة شهور (الجيروساليم بوست 10/1/2002) أن عدد الذين يفكرون في الهجرة في نفس المرحلة العمرية قد بلغ 35%. ثم أضافت أن هذا لا يتضمن الشباب الذي فقد وظيفته في قطاع التكنولوجيا المتقدمة "الهاي تك" في السنوات الماضية. ثم أشارت الجريدة إلى عدة حقائق تسترعي الانتباه، فعشرات الشباب الإسرائيلي بعد أن يخدموا في الجيش يقومون برحلات طويلة خارج إسرائيل، ويعيشون في مستعمرات إسرائيلية في وسط أمريكا وآسيا، فهم يفضلون البقاء هناك على العودة إلى حاضر غير أكيد. كما بيَّنت الجريدة أن كثيراً من الطلبة الإسرائيليين في الماضي كانوا يذهبون إلى الخارج، للحصول على شهادات في الطب البشري أو البيطري ثم يعودون لفتح عيادات في إسرائيل، أما الآن فإنهم يلتحقون بجامعات أجنبية وفي نيتهم عدم العودة".

 

وقد نشرت جريدة هآرتس مقالاً طويلاً (24/8/2001) بعنوان "طريق الهروب" ترسم فيه صورة تفصيلية للمناخ العام الجديد في المستوطن الصهيوني، الذي أصبحت فيه ظاهرة النزوح (أي الهجرة عن الكيان الصهيوني) مقبولة اجتماعياً. ففي استطلاع للرأي أبدت أقلية فقط من بين الإسرائيليين (37%) موقفاً سلبياً تجاه الإسرائيليين (النازحين) وأبدى 65% موقفاً إيجابياً، وأعرب 43% عن لا مبالاتهم، أي أن النزوح من إسرائيل لم يعد مسألة تُرفض وإنما أصبح قضية تُناقش، لها إيجابياتها وسلبياتها.

 

تبدأ المقالة بالإشارة إلى خبر طريف وهو تأسيس رابطة تعاونية بوسع المستوطن الإسرائيلي أن يدفع 4500 دولار للانضمام إليها، وبالتالي يمتلك قطعة من الأرض في بلدة تسمَّى فانوتو Vanuatu. وتضم هذه الرابطة حتى الآن حوالي 2000 أسرة إسرائيلية ينوون النزوح عن إسرائيل والاستيطان في هذه البلد. ويقول آفي آيدلمان، سكرتير عام الرابطة، "الرابطة تنوي إقامة منطقة حرة وصناعة تكنولوجية متقدمة كما سيتم التركيز على السياحة" لأنه "سوف تأتي أعداد كبيرة من السياح الإسرائيليين، وسيأتي أصدقاؤكم ليروا كيف نجحنا، وأما الذين يكرهونكم فسوف يأتون ليروا كيف فشلنا". "وأراهن على أن قيمة الأرض سترتفع، وسنساعد على إقامة قنصليات لدولة فانوتو لجلب مزيد من السياح والاستثمارات".

 

وتشير المقالة إلى أن فانوتو هي مجموعة من الجزر في المحيط الهادي نالت استقلالها عن الحكم البريطاني - الفرنسي المشترك عام 1980، وهي بلد لم يسمع أحد عنها، ولكنها تمثل الأرض الآمنة بالنسبة للمشتركين في الجمعية. وكما يقول سكرتير عام الرابطة "فانوتو ليست إسرائيل، وليس فيها فقر ولا جريمة، والنظافة فيها مذهلة... إنها جزيرة ترتفع عن سطح البحر الميت وليس بها ثعابين ولا عقارب، وليس بها شعبان يحارب بعضهما البعض". فكأن فانوتو تحقق للمستوطنين ما فشلوا في تحقيقه في إسرائيل، هي أرض بلا شعب تقريباً، فردوس أرضي حقيقي.

   

هروب الإسرائيليين

وهذا الخبر الطريف يُعد مدخلاً جيداً لفهم العقل الإسرائيلي الآن بعد مرور ما يزيد عن عام ونصف على الانتفاضة. فكما يقول المقال: "إنه بسبب تردي الوضع الأمني والانكماش الاقتصادي بدأ الإسرائيليون يبحثون عن مصادر للأمان فيما وراء البحار: جوازات سفر، تأشيرات عمل - عقارات. لهذا السبب وجد الصحفي بن تسيون تسيترين نفسه مطلوباً أكثر من أي وقت آخر لأنه كتب كتاباً بعنوان كل الطرق للحصول على جواز سفر آخر. وقد لاحظ تستيرين أن الكتاب الذي صدر منذ 51 عام كان يحقق مبيعات كبيرة إلى أن تم توقيع اتفاقية أوسلو "فالناس لم تعد تفكر في الرحيل، ولم يعد الكتاب يُباع، ولكن منذ اندلاع الانتفاضة الثانية وأنا أتلقى عشرات المكالمات الهاتفية".

 

ولكن ما الذي يدفع المستوطنين الإسرائيليين إلى التفكير في الهروب؟ تقول المقالة: إن الباحثين عن جواز سفر جديد يمارسون إحساساً بالفزع والخوف والهستريا والإحساس بالعجز والقلق، ويرون أنه لا أمل في التوصل إلى اتفاقية سلام. إنهم يخافون من اندلاع حرب شاملة ومن صواريخ الكاتيوشا فوق رؤوسهم، ولا يريدون العيش في ملاجئ ولا يريدون تعريض أطفالهم للخطر ويخافون على مصير أولادهم.

 

وتلاحظ المقالة أن عدداً لا بأس به من الإسرائيليين قد بدأ يتكالب على شراء العقارات في الخارج. وتقدر نسبة الزيادة بحوالي 30% مقابل العام الماضي. والأماكن المفضلة لهم هي تورنتو في كندا (هذه المدينة تعتبر مركزاً للنشاط التجاري)، وحي مانهاتن بنيويورك، وولاية فلوريدا. أما في أوربا، فالمجر وتشيكيا مطلوبتان (في ضوء انضمامهما الوشيك إلى الاتحاد الأوربي) وكذلك إسبانيا (منطقة كوستا ديل سول) وفرنسا. فوجود شقة يمتلكها المستوطن الصهيوني في الخارج تمنحه الأمن النفسي، فهو يعتقد أنه في حالة وجود عقار يملكه في الخارج فهذا يعني وجود ملاذ إليه في حالة حدوث حرب ما".

   

أمريكا المفضلة لدي الإسرائيليين

وتُعتبر الولايات المتحدة الهدف المفضل لدى الإسرائيليين الذين يريدون الرحيل عن إسرائيل. ويشير استطلاع للرأي أجراه ملحق هآرتس إلى أن 43% من الإسرائيليين الذين فكروا في الرحيل عن إسرائيل خلال الأشهر الماضية قد فضلوا الولايات المتحدة و18% يريدون الهجرة إلى أستراليا و14% يريدون التوجه إلى أوربا و5% إلى كندا و2% إلى بريطانيا.

 

وقد جاء في صحيفة يديعوت أحرونوت (في عددها الصادر في 7/5/2001) أن الإسرائيليين قد بدأوا يهرولون باتجاه أمريكا مرةً ثانية، ولكنهم في هذه المرة أكثر من ذي قبل. فقد شرع قسم الهجرة التابع لحكومة الولايات المتحدة في منتصف شهر مارس 2001 في حملة السحب السنوية على "الجرين كارد"، تلك التأشيرة التي تسمح لصاحبها بالإقامة والعمل في الولايات المتحدة بصورة شرعية. ومن المقرر أن تنتهي هذه الحملة في شهر أكتوبر. أما في صيف عام 2002 فسيُعلن الأمريكيون أسماء الـ 55 ألف السعداء الذين فازوا في عملية السحب. وتقول الصحيفة: "إذا كان تهافت الإسرائيليين على استمارات المشاركة في السحب يمكنه أن يشير إلى شيء ما بخصوص الحالة المعنوية القومية لنا فإنها تُنذر بأن هذه الحالة سيئة للغاية، حيث يحاول كثير من الإسرائيليين بأعداد تزيد عما كان عليه في العام الماضي – يحاولون تجربة حظهم في عملية السحب. وقد صرح مسئول في أحد المكاتب الكبرى المعنية بهذا الموضوع في أتلانتا بأن عدد الإسرائيليين الذين قدموا – عن طريق المكتب – طلبات الاشتراك في عملية السحب حتى الآن للحصول على "الجرين كارد" أكبر عشرات المرات من عدد الذين سجلوا أسماءهم في عملية السحب خلال نفس الفترة من العام الماضي.

 

ويعيش ويعمل في الولايات المتحدة عشرات الآلاف من الإسرائيليين بصورة "غير شرعية". فقد وصلوا إليها كسُياح ثم اختفوا بصورة عامة في التجمعات الحضرية الكبرى وسط سكان الولايات المتحدة البالغ عددهم 280 مليون نسمة. وهم يعيشون هناك بدون رعاية اجتماعية وبدون تأمين وطني وبدون تأمين صحي. وقد تم مؤخراً طرد المئات منهم وإبعادهم إلى إسرائيل خلال حملات مداهمة ضخمة شنتها سلطات الهجرة الأمريكية.

 

وقد لُوحظ أن المتقدمين للحصول على "الجرين كارد" هذا العام جاءوا من كل الأوساط ومن أعمار متنوعة كثيرة. فبالإضافة إلى الجنود والطلبة انضم إليهم أرباب أسر. وكان القاسم المشترك بين كل هؤلاء هو نفورهم من الأوضاع في إسرائيل والرغبة في مغادرة إسرائيل لأجل غير مسمى بسبب الإحباط بدءاً بالوضع السياسي وانتهاءً بالوضع الاقتصادي. ولكن الوضع الأمني، أي المقاومة والانتفاضة الفلسطينية، كانت هي العنصر الأساسي. وكما قال أحد طالبي "الجرين كارد": "أنا أب لثلاثة أطفال وأقيم في حيدراه، أطفالي لا يزالوا صغاراً وأريد أن يكون أمامهم مستقبل آمن". وإسرائيل بعد الانتفاضة لم تعد توفر الأمن للمستوطنين. وعلى حد قول جريدة يديعوت أحرونوت يبدو أن الانتفاضة قد دفعت الكثيرين إلى أن يحلموا بالحياة في مكان آخر، أكثر هدوءاً وراحةً وأمناً، أي أمريكا! "فأهم شيء بالنسبة للإسرائيلي في الدول الأجنبية هو أسلوب الحياة. فالإسرائيلي لا يسافر إلى لاجوس من أجل أن يحصل على 1000 دولار زيادة في الشهر. إن الساحل الغربي للولايات المتحدة هو الهدف المطلوب رقم واحد بالنسبة لهم. ويرجع هذا أساساً إلى وجود جالية يهودية إسرائيلية كبيرة هناك، ويتوجه الإسرائيليون إلى الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا. وبرزت هولندا كدولة للهجرة خلال العام الماضي. وكذلك أستراليا التي توجد بها جالية يهودية نشطة تحب الإسرائيليين ومعدل غلاء المعيشة بها معقول". (هآرتس 24/8/2001).

 

وفي مقال ساخر بقلم موتي باسوك في إسرائيل (هآرتس 19/2/2002) يقول الكاتب إن إسرائيل تنضم للاتحاد الأوربي لا كأمة وإنما كأفراد - الواحد تلو الآخر - وقد أطلق الكاتب طرفته هذه بعد أن تزايد عدد الإسرائيليين الذين طلبوا جوازات سفر أوربية.

 

ويُلاحظ أن كثيراً من النازحين هم من أبناء الطبقة المتوسطة الإشكنازية ذوي الأصول الغربية الذين يشكلون العمود الفقري للتجمُّع الصهيوني (ومما يساعد على ذلك العولمة التي تفتح الفرص أمامهم في العالم الغربي، بما لديهم من خبرات واتصالات). كما أن من بين النازحين عدداً كبيراً من أعضاء الكيبوتسات وكبار الضباط والطيارين والمهندسين في صناعة السلاح. فهؤلاء يتعلمون اللغات بسرعة، وبوسعهم التكيُّف مع بيئتهم الجديدة، فالإسرائيليون مهاجرون بطبيعتهم" (هآرتس 24/8/2001). وهؤلاء المستوطنون عندهم من المدخرات ما يسمح لهم بأن يودعوا مبالغ طائلة في البنوك في الخارج ... كملاذ من يومٍ بارد، كما يقول أمنون دنكر (نقلاً عن السفير 18/2/2002).

 

وقد لاحظ يوسي بيلين، عضو الكنيست عن حزب العمل، أن كثيراً من زملائه في الجيش والدراسة [من أعضاء النخبة]، الذين بلغوا الخمسين من العمر لا يمانعون في رحيل أبنائهم عن إسرائيل. وأن كثيراً من أبناء رجال النخبة يمكثون بالفعل في الخارج لفترات طويلة [أي أنهم نازحون عن إسرائيل، ولكنهم يدَّعون غير ذلك] وأن آبائهم لا يعدون لهم بلاداً جيدة ليعودوا إليها. وقد أوضح بيلين رأيه بقوله: "إن سياسة شارون وغيره من الوزراء ستؤدي إلى أن يبدأ كل من هو قريب منا بالتفكير في الرحيل". (نقلاً عن فيليج فويس 13 - 19/2/2002).

 

وتساءل كاتب مقال في إحدى الصحف الإسرائيلية (معاريف 28/1/2002): هل يبني أبناء هذه الشريحة العليا لأنفسهم حياة في بلاد أخرى؟ وماذا سيحدث للوطن ولمن سيبقون فيه؟ وماذا عن القيم العتيقة مثل الصهيونية وإعمار البلاد؟

 

ونشرت إحدى الصحف قائمة بأسماء بعض أبناء النخبة النازحين تضمن أفراد من أسر رؤساء الوزراء السابقين: بن جوريون ومناحم بيجين وإسحاق رابين. وأشار بيلين إلى أن أولاد كلٍّ من ويزر الدفاع بنيامين بن أليعازر، ووزير التعليم ماتان فيلاني، يعيشون خارج إسرائيل.

 

وقد كتب أمنون روبنشتاين في هآرتس (31/12/2001) يحذِّر من خطورة هجرة الشرائح والطبقات الغنية والقوية في المجتمع الإسرائيلي. فهي تعني "إهدار لدماء الضعفاء، ومن لا يستطيعون الحصول على تأشيرة لأمريكا، وتركهم فريسة لمخاطر أكبر من التي نواجهها اليوم". ويصف الهجرة بأنها نوعٌ من التطهير الطبقي، "فالفقراء سيضطرون للبقاء هنا". فقد تحولت أرض الميعاد تحت ضغط الانتفاضة إلى جحيم، يضطر المرء إلى البقاء فيه نظراً لعدم وجود المالي الكافي للهجرة.

 

وحالة المستوطن الإسرائيلي عاموس ساهر، الذي يعمل كمرشد سياحي، والبالغ من العمر 35 عاماً تستحق الدراسة، فقد قرر الرحيل هو وزوجته وابنه الصغير بعد أن يجد مشترياً لشقته. يقول ساهر:

لم يكن الأمر هيناً لقد استغرقتني أعوام من الانفجارات وأعمال القتل، من الأحزان والآمال، من المجادلات والقلق، لكنني في النهاية انهرت. سئمنا أن نجدهم في كل مرة نفتح المذياع يتحدثون عن انفجارات، عن دماء، عن موت، عن جنائز. هذا هو الواقع صراحةً. ولست فخوراً بذلك، ولا أعتبر هذا شعاراً لي ولكن من المستحيل أن تقولوا لنا عليكم أن تبقوا هنا ما دام من المستحيل أن تضمنوا لنا حياتنا. أريد أن أمنح أسرتي أقصى قدر ممكن من السعادة.

 

ويضيف ساهر:

الجميع الآن يعتقد أنه لا مجال نتقدم نحوه. ليس هناك ما نتقدم نحوه. المشكلة هي أننا على مدى السنوات الثلاث والخمسين الماضية لم ننجح في ضمان أمننا. هذا هو سبب الرحيل. نحن نشعر بعدم وجود مخرج. . . الحل هو الرحيل وليس تغيير السلطة. من الصعب عليَّ أن أقول هذا. ولكننا نعيش في إسرائيل كما لو كنا مسحورين. نحن نخرج إلى الشوارع ومن الممكن أن يحدث أي شيء وأن ينسفنا معه ويحولنا إلى أشلاء. أنا لا أرى أملاً في حدوث تغيير كبير. وإحساسي يقول - ليس فقط الإحساس ولكنه التحليل العقلاني - إنه لا سبيل لضمان حياة الناس هنا. أعلم أن هناك أماكن لا تحدث بها مثل هذه الأمور. لا توجد أماكن محصنة من الموت ولا توجد أماكن ليس بها مجانين. ولكن توجد أماكن يمكنك أن تصحو في الصباح وتفتح عينيك وتحتسي فنجان القهوة وتخرج وتقول صباح الخير للناس، وأهم شيء هو أن تصل إلى موقع عملك في الموعد المحدد. أنا ببساطة أشعر بالقلق على طفلي الرضيع..!. ويبدو أن من سيحاولون إقناعي أن أبقى يفضلون أن أموت هنا على أن أعيش في مكان آخر. أما أنا شخصياً فأفضل الحياة ولا أخجل من ذلك.

 

وقد نشر ساهر موقفه هذا على شبكة الإنترنت (موقع يديعوت أحرونوت 4/6/2001). وتعكس التعليقات على موقفه الحالة المعنوية لدى الجماهير. فقد هاجمته الأغلبية، ولكن كانت هناك أقلية واجهت نفسها، فالمستوطن يوني من مستوطنة رحوفوت قال: "أخيراً.. لقد قال أحدنا وفعل ما ترغب الأغلبية في قوله وفعله، ولكنها تخاف من أن تقوله وتفعله".

 

وقد سُئل ساهر عما إذا كان سيفتقد أصدقاءه والطبيعة الجميلة واللغة، فكان رده هو رد مستوطن حقيقي، مهاجر دائماً لا جذور له، فقال : "يمكنني أن أحب الطبيعة في مكان آخر.. إن كل ما أكلناه هنا منذ لحظة ولادتنا.. ليس أعمق جذوراً مما هو موجود في أماكن أخرى. إنني لا أفهم كيف يمكن أن أحب إسرائيل بينما يطلقون النار عليَّ في كل مكان". إن ساهر لا يبحث إلا عن متعته وخلاصه الفردي، ولذا فوطنه هو مصلحته، أو كما يقول: "إسرائيل تمثل بالنسبة لنا إمكانية واحدة من بين العديد من الإمكانيات في العالم". وهو لا يختلف في ذلك عن كثير من المستوطنين الصهاينة، خاصةً المهاجرين الجدد من الاتحاد السوفيتي (سابقاً) الذين وصفهم أحدهم بأنهم يجلسون على حقائبهم، أي أنهم يستوطنون في إسرائيل بشكل مؤقت حتى يجدوا فرصاً أحسن للحراك الاقتصادي والاجتماعي. ولذا حينما سأله مندوب هآرتس إذا كان سيضايقه الشعور بالرضا الذي سينتاب أعداء إسرائيل بعد سماع كلامه هذا أجاب بأنه ليس "مسئولاً عن الروح المعنوية في إسرائيل... لست في حاجة لتصور ما يفكر فيه حسن نصر الله عندما يقرأ عن عاموس ساهر، مرشد الرحلات.. حسن نصر الله ليس في حاجة لعاموس.. [ببساطة شديدة] عاموس لا يريد أن يقف بسيارته في اختناق مروري فيتعرض للنسف". ويضيف: "لقد شاهدت أناساً يعيشون بهذه الطريقة. إنني أبحث عن مكان صغير وهادئ لدرجة الملل. مكان يترك فيه الناس أبواب منازلهم مفتوحة وهم بخارجها. وأعرف أن هذا موجود".

 

إن ما يشعر به المرشد السياحي والمستوطن الصهيوني عاموس ساهر ولا شك هو شعور معظم المستوطنين الصهاينة، بعضهم عنده الجرأة أن يفصح عن شعوره ورغبته الدفينة، والبعض الآخر لا يجسر على مواجهة ذاته. ولكن هل سيستمر الوضع على ما هو عليه؟

 

ويجب أن نشير إلى نزوح سكان المستوطنات عنها إلى ما وراء الخط الفاصل بين فلسطين التي احتُلت عام 1967، وتلك التي احتُلت قبلها، باعتباره شكلاً من أشكال النزوح. وقد ورد في صحيفة يديعوت أحرونوت (29/3/2002) أن عدد الإسرائيليين الذين أمضوا عيد الفصح خارج إسرائيل كان حوالي 200 ألف إسرائيلي، وكل هذا بسبب الوضع الأمني، ويمكن اعتبار هذا نزوحاً مؤقتاً.

   

الكثافة السـكانية

وقد ازدادت أزمة إسرائيل الاستيطانية تفاقماً مع تزايد خوف أعضاء الجماعات اليهودية من الهجرة إلى إسرائيل نتيجة الانتفاضة. وقد نشرت صحيفة معاريف (29/3/2002) أن حوالي رُبع ضحايا الانتفاضة (حتى أواخر مارس 2002) هم من المهاجرين الجدد (ونسبة المهاجرين من بين السكان لا تزيد عن 15%). ولذا ليس من الغريب أن تنشر جريدة معاريف (في عددها الصادر في 7 مايو 2001) أنه لن يهاجر إلى إسرائيل خلال العقد القادم سوى 300 ألف مهاجر من دول الكومنولث (مقابل حوالي 900 ألف خلال العشر سنوات الماضية)، وسيختار 200 ألف يهودي التوجه إلى دول أخرى. ويرى سالي ميريدور، رئيس إدارة الوكالة اليهودية، أن عدد المهاجرين من روسيا ومن دول الكومنولث سوف يتقلص تدريجياً خلال السنوات القادمة كنتيجة لتحسُّن الوضع الاقتصادي في روسيا والهجرة نحو الغرب وتدهور الوضع الأمني في إسرائيل. ويشير ميريدور (حسبما جاء في جريدة يديعوت أحرونوت) أنه وصل في عام 2000 إلى إسرائيل 60130 مهاجراً، مقابل 67766 مهاجراً كانوا قد وصلوا إليها خلال عام 1999 بانخفاض قدره حوالي 22%. ويرى التقرير أنه على ضوء الأحداث الأمنية خلال عام 2001 (أي الانتفاضة) فمن المتوقع ألا يصل إلى إسرائيل خلال هذا العام سوى 50 ألف مهاجر فقط. وقد ظهر فيما بعد أن عدد المهاجرين كان أقل من 50 ألفاً، وحسب بعض الإحصاءات لم يتجاوز العدد 30 ألفاً.

 

ومن العناصر الأخرى التي تفاقم الأزمة الاستيطانية تزايد العرب بشكل ملحوظ. وقد بيَّن مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة حيفا (حسبما جاء في جريدة يديعوت أحرونوت) أن 68% فقط من سكان الدولة العبرية داخل حدود فلسطين المحتلة قبل عام 1967 سيكون من اليهود في عام 2020، وذلك بعد أن يرتفع عدد العرب من 1,3 مليون (في الوقت الراهن) إلى 2,1 مليون، وقد جاء في البحث أن عدد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة سيرتفع من 3 مليون إلى 5,8 مليون.

 

ويرى البروفيسور أرنون سوفر، الخبير الديموجرافي في مركز بيجين - السادات للأبحاث الإستراتيجية، أن العرب يشكلون حالياً (عام 2002) 49,5% من سكان الكيان الصهيوني المحتل قبل وبعد عام 1967 والضفة والقطاع، ولكنهم في عام 2020 سيشكلون 85%. ويعتقد قادة مركز أبحاث الأمن القومي أن البعد الديموجرافي والتكاثر الطبيعي المرتفع وسط السكان العرب داخل الكيان الإسرائيلي وخاصةً الضفة والقطاع سيقوضان الديمقراطية في الدولة العبرية ويهددان بخطر فقدان مناطق جغرافية مثل الجليل والنقب الشمالي.

 

ويسود الاعتقاد لدى الباحثين بأن الكثافة السكانية العالية ستجعل من الدولة الصهيونية دولة عالم ثالث وتتسبب في تدهور بيئي في كل أنحاء البلاد. والمتضررون الأساسيون سيكونون من السكان اليهود الذين يسكنون السهل الساحلي الذين قد يهاجرون من البلاد. وكذلك "ثمة إمكانية عالية أن يوحِّد السكان الفلسطينيون داخل الخط الأخضر والضفة والقطاع والأردن قواهم إلى درجة التقارب بينهم مما يمكنهم في قادم الأيام من العمل معاً إلى جانب أشقائهم في شرقي الأردن من أجل إقامة الدولة الفلسطينية الكبرى من البحر إلى الصحراء" (نشرة العودة 15/6/2001).

 

وهذا لا يختلف كثيراً عما جاء في مقررات مؤتمر "ميزان القوة والأمن القومي الإسرائيلي" (الذي عُقد في هرتسليا وحضرته شخصيات إسرائيلية أمنية وأكاديمية بارزة- حسبما جاء في صحيفة هآرتس 23/3/2001). وقد تم الحديث في هذا "المؤتمر العلمي" عن إمكانية نقل العرب وترحيل السكان خارج الحدود والعمل على اتخاذ خطوات تمنع زيادة نسبتهم.

   

غضب العـالم

من أهم ثمرات الانتفاضة التي تتجاوز التجمع الصهيوني اختراقها للتعتيم الإعلامي الذي فُرض على الشعب الفلسطيني وعلى جهاده ومقاومته. فوصلت الرسالة لكل شعوب العالم، وتعالت الأصوات الغاضبة. ففي الشارع العربي الذي قال عنه علماء السياسة الأمريكيون إنه أسطورة لا وجود لها، خرج الآلاف من الطلبة والمثقفين والفنانين بشكل يومي مستمر ليعبروا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني. وهذا أمر متوقع بطبيعة الحال، فالجماهير العربية مدركة لخطورة الغزوة الصهيونية التي أسست جيباً استيطانياً في فلسطين لا لأنها أرض الميعاد وإنما لأنها تقسم العالم العربي إلى نصفين وتعزل الواحد عن الآخر، ولأنها في موقع استراتيجي متميز، فهي تطل على البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، ولأنها بوابة مصر الشرقية، مصر التي تضم أكبر كتلة سكانية من الشعب العربي وتشكل المركز والقلب لهذا الشعب. والجماهير تدرك كل هذا، وإذا كانت قد لزمت الصمت بعض الوقت فإن هذا يعود إلى كفاءة آلات البطش وحداثتها وتقدمها في عالمنا العربي. وأعتقد أن كثيراً من أعضاء النخب الحاكمة في العالم العربي يعيدون حساباتهم في الوقت الحاضر بسبب تحرك الجماهير العربية، وهو الأمر الذي قد يضطرهم إلى تحذير الولايات المتحدة من خطورة الموقف.

 

وكان من شأن استمرار المقاومة الفلسطينية أن يجعل الصمت أمراً مستحيلاً على الكثيرين في أنحاء العالم، إذ اندلعت مظاهرات في كل أنحاء العالم اشترك فيها الآلاف من الغربيين الذين لم يسمح لهم ضميرهم بالاشتراك في مؤامرة الصمت. ومن أبرز الغاضبين الكاتب (الكولومبي الحائز على جائزة نوبل في الأدب) جابرييل جارثيا ماركيث الذي كتب يقول:

 

استندت نظرية المجال الحيوي الصهيونية إلى أن اليهود شعب بلا أرض، وأن فلسطين أرض بلا شعب. هكذا قامت الدولة الإسرائيلية غير المشروعة في 1948. فلما تبين أن هناك شعباً، وأن في فلسطين شعب يسكن في أرضه، كان من الضروري حتى لا تكون النظرية مخطئة إبادة الشعب الفلسطيني، وهو ما يتم بصورة منهجية منذ أكثر من خمسين عاماً.

 

هناك بلا شك أصوات كثيرة على امتداد العالم تريد أن تعرب عن احتجاجها ضد هذه المجازر المستمرة حتى الآن، لولا الخوف من اتهامها بمعاداة السامية أو إعاقة الوفاق الدولي, أنا لا أعرف هل هؤلاء يدركون أنهم هكذا يبيعون أرواحهم في مواجهة ابتزاز رخيص لا يجب التصدي له سوى بالاحتقار، لا أحد عانى في الحقيقة كالشعب الفلسطيني، فإلى متى نظل بلا ألسنة؟

 

أنا أعلن عن اشمئزازي من المجازر التي ترتكبها يومياً المدرسة الصهيونية الحديثة، ولا يهمني رأي محترفي الشيوعية أو محترفي معاداة الشيوعية. أنا أطالب بترشيح آرييل شارون لجائزة نوبل في القتل. سامحوني إذا قلت أيضاً أنني أخجل من ارتباط اسمي بجائزة نوبل. أنا أعلن عن إعجابي غير المحدود ببطولة الشعب الفلسطيني الذي يقاوم الإبادة، بالرغم من إنكار القوى الأعظم أو المثقفين الجبناء أو وسائل الإعلام أو حتى بعض العرب لوجوده.

 

أما الكاتب البرتغالي ساراماجو (وهو أيضاً حائز على جائزة نوبل في الأدب) فقد صرح أن رام الله التي رآها تحت الحصار تذكره بمعسكر أوشفيتس النازي، فاتهمه البعض بأنه ضحية الدعاية "الفلسطينية الرخيصة"! لكن ساراماجو لم يهتز كغيره أمام تهمة معاداة السامية الجاهزة، بل جاء رده كاسحاً ساخراً حين قال: "أفضل أن أكون ضحية للدعاية الفلسطينية الرخيصة على أن أكون عميلاً للدعاية الإسرائيلية الغالية"، وفصل رأيه فيما رآه قائلاً:

 

لم أكن أعرف أنه من الطبيعي أن يبحث طفل فلسطيني دمروا بيته عن كتبه ولعبه وسط الأنقاض, لم أكن أعرف أنه من الطبيعي تماماً أن تزين الرصاصات الإسرائيلية جدران المنازل الفلسطينية، ولا كنت أعرف أنه يلزم لحماية أقلية من الناس أن تُصادر المزارع وأن تُدمر المحاصيل، ولا أن توفير الأمن لهذه الأقلية يقتضي احتجاز المئات عند نقاط التفتيش وحواجز الطرق قبل السماح لهم بالعودة إلى منازلهم منهكين، هذا إن لم يُقتلوا .. فهل هذه هي الحضارة؟ أيمكن أن نسمي هذه الأشياء ديمقراطية؟