(8)

الوسـيلة إلى الله

 

لا شكَّ أنَّ نظام الكون يحكمه قانون العليَّة ، أي أنَّ كلَّ معلول لا بدَّ وأن تكون له علَّة وسبب ، فأبى الله أن يُجري الأمور إلاّ بأسبابها، وهذا الحكم يجري على جميع الحوادث الطبيعيَّة ، فهناك تأثير وتأثُّر في الحوادث ، والاعتقاد بمثل هذه القدرة العادية المتعارفة ليس من الشرك أصلاً ، بل ينسجم مع الروح التوحيديَّة ، و هو من صميم الإيمان بالله تعالى .

ويبقى سؤال في هذا المجال وهو:

الاعتقاد بما فوق الطبيعة

أفهل الاعتقاد بقدرة ما فوق الطبيعة و ما وراء القوانين العادية كالقدرة عند بعض الملائكة أو الناس ، كالنبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام ، يعدُّ من الشرك بالله ؟

ثمَّ ، هل الاعتقاد بقدرة الإنسان المتوفى ، و تأثيره على الأشياء يسوق إلى الشرك ، مهما كانت هذه العقيدة ؟ وذلك لأنَّ الميت جمادٌ يفتقد الشعور القدرة والإرادة ، و بالنتيجة فالاعتقاد بأن الميت يُدرك ويسمع ويرى وأيضاً السلام عليه ، واحترامه ، وتعظيمه ، ونداؤه ، والتوسل إليه ، وطلب الحاجة منه ،كل ذلك شركٌ بالله تعالى ! لأنَّه يستلزم الاعتقاد بقوة ما وراء الطبيعة لغير الله تعالى ؟

وأيضاً:

هل الاعتقاد بتأثير تراب ما كتراب قبر سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام في شفاء المريض ، أو تأثير مكان خاص كحرم الرسول صلى الله عليه وآله ، في استجابة الدعاء ،كلُّ ذلك من الشرك بالله تعالى ؟ وهل هناك دليلٌ شرعيٌّ من الكتاب والسنَّة يمنع من هذه الأمور ؟

أقول:

إن القائل بأن تلك الأمور من الشرك ، متورِّط في أخس مظاهر الشرك !

وذلك لأنَّ الذي يعتقد بأنَّ العلل الطبيعيَّة لها التأثير في معلولاتها وقع (ومن حيث لا يشعر) في ظلمات الشرك وتورَّط في الانحراف حيث اعتقد بأنَّ الأشياء الطبيعيَّة لها استقلالها الذاتي وهذا يعنى أنه شكَّل قطباً مستقلاً في قبال الله تعالى وقدرةً منعزلة عن قدرته تعالى !

بإذن الله؟

فالموجود المرتبط به تعالى بجميع هويته الذي ليس له حيثية وهويَّة مستقلةٌ ، فتأثيره غير الطبيعي كتأثيره الطبيعي لا يُستند إلى نفسه بل كل ما يصدر منه فهو مستند إلى الحق تعالى وليس له دور ومهمَّةٌ مستقلَّة إلاّ أنَّه يكون مجرىً لمرور فيوضات الحق إلى الأشياء الأخرى وشأنه شأن الملائكة في أداء مهمَّتهم ؟ فهل الاعتقاد بأنَّ جبرئيل واسطة فيض الوحي والعلم و ميكائيل واسطة الرزق واسرافيل واسطة الأحياء وعزرائيل واسطة قبض الأرواح هو شرك بالله تعالى؟

 

الوهَّابيَّة والشرك بالله تعالى:

إنَّ عقيدة الوهابية هي المشتملة على أقبح أنواع الشرك وذلك حيث أنَّهم قد قسَّموا الأعمال بين الخالق وبين المخلوق ، فالأمور التي هي ما وراء الطبيعة خصَّصوها بالله تعالى والأمور الطبيعية جعلوها للمخلوقات!

فكون المخلوقات لها نطاقٌ معيَّنٌ من الأفعال غير النطاق الإلهي هو نوع من الشرك في الفاعلية !!

فما يتوهمه هؤلاء لا يعارض أصل الإمامة فحسب بل هو يعادى ويتعارض مع أصل التوحيد و الإنسان.

أمّا تعارضه مع أصل التوحيد فلأنَّهم قد قسَّموا الأعمال بين الخالق وبين المخلوق حيث اعتقدوا أنَّ هناك من المخلوقات (وهي الموجودات الطبيعية) ما لها التأثير المباشر والمستقل في أعمالها وآثارها .

وأما تعارضه مع الإنسان فحيث أنَّهم قد نزَّلوا من مستوى الاستعداد الذاتي للإنسان فأوصلوه إلى حضيض الحيوانيَّة.. علماً بأنَّ الإنسان هو خليفة الله في الأرض وقد نفخ الله سبحانه فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود له فهو أفضل من جميع الملائكة.

مضافا إلى أن التفكيك بين الميت والحي و توهُّم الفرق بينهما يعني أن كلَّ شخصية الإنسان هو بدنه الذي ينقلب إلى جماد وهي فكرة مادية بحتة تعارض المعتقدات الإلهية.

ومن هنا نصل إلى عمق كلام رسول الله صلى الله عليه وآله كما في الحديث التالي:

{ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم : إن الشرك أخفى من دبيب النمل على صفوانه سوداء في ليله ظلماء }(بحار الأنوار ج 1 ص 158 باب 1).

 

ما هو الميزان في التوحيد والشرك؟

ثم ينبغي أن يعلم أن الميزان في التوحيد والشرك هو:

إنّا لله:

1-أنَّه لو اعتقدنا أن الموجودات في ذاتها وصفاتها وأفعالها هي من الله (إنا لله) فنحن قد عرفناها من منظار التوحيد الحقيقي سواء كان ذلك الشيء له أثرٌ أو آثارٌ أو لم يكن كذلك وسواء كانت الآثار طبيعيةً أو كانت ما فوق الطبيعة ، فالله هو ليس إله الملكوت والجبروت فحسب بل هو إله العالمين فهو قريب إلى الطبيعة بنفس المقدار (إن صحَّ التعبير) الذي هو قريب إلى ما وراءها وله معيَّةٌ قيوميَّةٌ على الطبيعة وعلى ما وراء الطبيعة قال تعالى

{ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي }(المائدة/ 110) فهذا هو التعلق المحض وحقيقة "إنا لله" حيث لا استقلالية لأعمال الأنبياء ما وراء إرادة الله تعالى فالاعتقاد بموجود ليس راجعاً إليه تعالى هو الشرك الحقيقي كما أن الاعتقاد بتأثير موجود من غير إرادته تعالى أيضاً فهو من الشرك سواء كان الأثر أثرا طبيعياً أم كان ما فوق الطبيعة فلا فرق بين خلق السماوات والأرض وبين حركة ورق الشجر فكلُّها بإذن الله تعالى ومن هنا نشاهد التأكيد في كثير من الآيات على هذه الحقيقة، قال تعالى:

{تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(إبراهيم/25)

 {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}(الأعراف/ 58)

وقال تعالى:

{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ[1]}(آل عمران/ 166)

وقال تعالى:

{ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }(الأنفال/66)

وقال تعالى:

{وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}(الرعد 38)

 

وإنّا إليه راجعون:

2-وأيضا من حدود التوحيد والشرك هو "إنا إليه راجعون" فلو نظرنا إلى موجود ما أعم من النظر الظاهري أو النظر المعنوي وكان نظرنا لأجل أن يكون ذلك الشيء وسيلةً للوصول إلى الله تعالى لا انه هو المقصد والغاية فهذا هو عين التوجه إلى الله تعالى.

فالأئمة المعصومون عليهم السلام هم السبيل إليه وقد ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة:

{ أنتم السبيل الأعظم و الصراط الأقوم وشهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء والرحمة الموصولة والآية المخزونة والأمانة المحفوظة والباب المبتلى به الناس من أتاكم فقد نجى ومن لم يأتكم فقد هلك إلى الله تدعون وعليه تدلُّون}(بحار الأنوار ج 102 ص 129 رواية 4 باب 8) وهم علامات للمسير إلى الله {ومنارا في بلاده وأعلاما لعباده}(بحار الأنوار ج 102 ص 17 رواية 10 باب 2) {السلام على الأدلاء على الله}(بحار الأنوار ج 102 ص 8 رواية 1 باب 2) وهم الهداة والدعاة إلى الله {السلام على الدعاة إلى الله } (بحار الأنوار ج 102 ص 8 رواية1 باب 2)

النتيجة: إن التوسل بهم عليهم السلام وزيارتهم واستصراخهم والإستشفاع بهم والتوقُّع منهم الكرامات التي هي أمور ما وراء الطبيعة ليس من الشرك في شيء بل هي عين التوحيد.

وذلك:

أوَّلاً: إنَّه ينبغي أن نعلم بأنَّ الأنبياء والأولياء قد وصلوا إلى مستوى من القرب الإلهي بحيث أن الله تعالى قد خصَّهم بهذه الموهبة الربانية؟ كما يدلُّ على ذلك القرآن الكريم

وبالنسبة إلى أهل البيت عليه السلام قال تعالى:

{عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا}(الإنسان/ 6)

 

حيث أنَّ الآية تدلُّ على قدرتهم الإلهية المعنوية حيث أنَّهم وبإرادتهم قد فجَّروا العين وذلك لوصولهم إلى مستوى من العبودية لله والتحرر من جميع القيود حيث

{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}(الإنسان/ 21)

قال في مجمع البيان: {يطهرهم عن كلِّ شيءٍ سوى الله ، إذ لا طاهر من تدنَّس بشيءٍ من الأكوان ، إلاّ الله رووه عن جعفر بن محمَّد عليه السلام}(تفسير مجمع البيان ج10 ص 223)

ثانيا: إنَّ الذين يتوسلون بهم ويطلبون منهم قضاء حوائجهم إنَّما ينطلقون من الرؤية التوحيدية أي من منطلق "إنا لله" فلاشك أنَّهم لا يتوسلون بهم إلاّ وهو موحدُّون فالتوسُّل بهم عليهم السلام هو من شئون التوحيد وطاعة الله تعالى ، فهم الحبل المتصل بين الأرض والسماء وهم العروة الوثقى التي لا انفصام لها وفي دعاء الندبة:

{أين باب الله الذي منه يؤتى أين وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء أين السبب المتصل بين الأرض و السماء} (بحار الأنوار ج 102 ص 107 رواية 2 باب 7)

وقال تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }(المائدة/ 35)

 

وفي تفسير علي بن إبراهيم القمِّي :

{ تقربوا إليه بالإمام }(بحار الأنوار ج 70 ص 271 باب 56)

فمن تأمَّل في حقيقة التوسُّل عرف أنَّه هو المنطبق مع النظام الكوني وفطرة الإنسان ، فالذي ينكره إنما هو في ضلال بعيد ومنحرف عن الصراط المستقيم ومن هنا نشاهد بني إسرائيل يقولون

{ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا }(البقرة /61)

 

فيطلبون من موسى أن يدع لهم وكذلك أولاد يعقوب عليه السلام يطلبون من أبيهم أن يستغفر لهم

{ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }(يوسف 97-98)

 

وفي خصوص الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلَّم قال تعالى:

{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا }(النساء/64)

 

فالرسول له دورٌ رئيسي في قبول توبة العباد لوجاهته عند الله تعالى وقربه المعنويِّ وهذا لا يختص بحال حياته بل يشمل حال مماته أيضاً بل في هذه الحال يكون المجيء إليه آكد ، فلا فرق بين حضوره وغيبته وفي زيارته صلى الله عليه وآله

{ اللهم و إني اعتقد حرمه نبيك في غيبته كما اعتقد في حضرته واعلم إن رسلك و خلفاءك أحياء عندك يرزقون يرون مكاني في وقتي هذا و زماني و يسمعون كلامي في وقتي هذا و يردون على سلامي و انك حجبت عن سمعي كلامهم و فتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم }(بحار الأنوار ج 100 ص 160 رواية 41 باب 2)  فالمشكلة راجعة إلينا نحن المحجوبون لا إليهم عليهم السلام.

وأمّا بالنسبة إلى الاعتقاد بتأثير تراب قبر سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام في شفاء المريض ، أو تأثير مكان خاص كحرم الرسول صلى الله عليه وآله في استجابة الدعاء فالحديث عنه يتطلب بحثاً آخر إلاّ أننا نشير إلى ذلك بإيجاز فنقول:

إنَّه ليس للتراب كتراب هذا التأثير ولا القبر كقبر بل الأثر كل الأثر يرجع إلى صاحبهما وليسا هما إلاّ وسيلة للتقرُّب إلى من يرتبط بهما وهذا يعني التقرب إلى الله الشافي الذي الفاض هذا الاسم في أوليائه فصاروا وجهاً له ومرآةً ينعكس فيها ذلك الاسم.

وما أحسن ما قيل: هنيئاً لمن زارَ خير الورى وحطَّ عن النفس أوزارها فإن السعادة مضمونةٌ لمن حلَّ طيبة أو زارَها . وما أحسن ما قيل: أمرُّ على الديار ديار ليلى اقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حبُّ الديار شغفن قلبي ولكن حبّ من سَكن الديارا .

والحمد لله ربِّ العالمين وصلى الله على محمَّدٍ وآله .

الكويت 9-3-1997 29 شوال 1417.

إنتهيت من كتابة هذه الكلمة في يوم 2ربيع الأوَّل 1418

 

 

 

 

الهداة إلى الله

قال الإمام قدِّس سرُّه حول شخصية عليٍّ عليه السلام:

{ هل عليٌ عليه السلام هو إنسان مُلكي ودنيويٌّ حتّى يتحدّث عنه المُلكيّون أم أنّه موجود ملكوتيّ كي يُقيِّمه الملكوتيون . فكلُّ من تحدّث عنه إنّما تحدّث عنه من منظاره الخاص وقيّمه من منطلق نفسانيّته المحدودة ، وأمير المؤمنين غير ذلك }

 

عليٌّ عليه السلام عبدُ الله

{ فالأولى أن نجتاز هذا الوادي ونقول أنّ الإمام علي عليه السلام إنّما هو عبدٌ من عباد الله وهذه أبرز مميزاته عليه السلام ، وأيضاً أنّه قد تربّى على يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم وهذا من مفاخره العُظمى }

وقال قدِّس سرُّه في التعريف على شخصيَّة الزهراء عليها السلام:

{ لم تكن الزهراء امرأة عاديَّة، بل كانت امرأة روحانيَّة ، امرأة ملكوتيَّة ، إنساناً بكلِّ ما للإنسان من معنى ، إنَّها موجود ملكوتي ظهر في عالمنا على صورة إنسان ، بل موجود إلهي جبروتي ظهر بصورة امرأة }

أقـــول

حيث أنَّ هذه الكلمة جديرة بالدِّقة والتأمُّل من ناحية ، ومن ناحية أخرى لها دور كبير في عقيدة الإنسان المؤمن في مجال فهم الإمام عليه السلام بل الإمامة بنحو عام بل المعصومين عليهم السلام فنرى من اللازم أن نفصِّل في الحديث حول الإنسان الملكوتي بل الجبروتي وصفاته المميَّزة عن الإنسان المُلكي الناسوتي .

 

السموات والأرض وغيبهما

إنَّ الله سبحانه وتعالى بعد أن أنبأ آدم بأسمائهم وهم المعصومون الأربعة عشر و قد أثبتنا هذا الأمر في محلِّه(راجع كتابنا ثمَّ الرجوع إلى جنة آدم)  خاطب الملائكة :

{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون}

والظاهر أنَّ غيب السموات والأرض المذكور هنا هو نفس العلم الذي جاء في قوله تعالى :

{إنِّي أَعَلمُ مَا لا تَعْلَمُونْ }

ومن هنا يُعلم أنَّ الأسماء هي أمور غيبية عن عالم السماوات والأرض .

و الظاهر أن غيب السموات والأرض هي أرواح أئمتنا الأطهار عليهم السلام حيث أنَّها فوق السموات والأرض وفوق جميع الموجودات حيث أنَّ جميع الموجودات تُعدُّ من عالم الخلق وهي من عالم الأمر والمشيئة وتفصيله في كلمتنا حول المشيئة(راجع أهل البيت مظهر مشيئة الله)

هبوط آدم وبنيه إنّ آدم وحواء عليهما السلام عندما خلقهما الله سبحانه جعلهما في الجنَّة يعيشان فيها حيث شاءا رغداً قال تعالى :

{فَكُلا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمَا رَغَدَاً}

وكان المفروض أن يعيش الإنسان في تلك الجنَّة لا يخرج منها أبداً، وكانت تلك الجنة لها مميّزات غير متوفرة في هذه الدنيا على رغم أنها لم تكن من جنّات الآخرة ، ومن تلك المميزات ما ذكرها سبحانه:

{إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى}(طه/118).

 

ومن الطبيعي أنه لم يكن الإنسان هناك مكلفاً بتكاليف من نوع تكاليفنا حيث لم يكن بحاجة إلى مثل هذه التكاليف ما دام هو يعيش في جوار ربّه إنسانا نورانياً لا يفتقر حتى إلى اللباس حيث لم تبدُ عورته ليسترها وشأن الإنسان النوراني يختلف عن شأن الإنسان الجسماني بادي البَشرة خَشِن الأعضاء والبُنْية ، فلا تزاحم في عالم النور ولا تضارب ولا تصادم بين الأنوار ومع عدم التضارب لا حاجة إلى القانون والنظام بنحو السالبة بانتفاء الموضوع .

الشيطان وإغواء آدم

النجاح الأوَّل للشيطان في إغواء آدم وإن لم يكُن بمثابة سائر إغوائاته لبني آدم و لكن الوسوسة الأولى أعني تحريض آدم عليه السلام على الأكل من الشجرة كانت هي أساس لسائر وساوسه الشرِّيرة وتزيينا ته و تسويلاته ، بل لم يكن يخرج آدم من الجنَّة لولا إطاعته للشيطان في وسوسته الأولى ، فبعد خروجه من تلك الدار النورانيَّة انبسطت أيادي الشيطان في عالم المُلك والدنيا ، فتضاعفت التكاليف الإلهيَّة وتنوَّعت لأجل الخلاص من شرِّه و العروج إلى جوار الله سبحانه و تعالى .

فإذاً التكاليف بما لها من السعة إنما نشأت بعد خروج آدم عليه السلام من الجنة و بعد هبوط بَنِيه منها : {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا}

وهذا الوضع أعنى العيش في الدنيا هو وضع طارئ على بنى آدم لم يكن ضمن المخطَّط الإلهي الأوَّل و إن كان هو معلوماً للّه سبحانه، ولا منافاة بينهما لأن العلم أمرٌ و الإرادة أمرٌ آخر وتوضيح ذلك موكول إلى محله.

المسلِّمون أمرهم إلى الله

هناك تساؤلات كثيرة تدور في الأذهان وتتداول بين الألسن حول موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قبال أولئك الذين تقمَّصوا الخلافة بعد ارتحال رسول الله صلى الله عليه وآله .

وهى تتلخص في:

1-عليٌّ عليه السلام ذلك الرجل الذي قتل أبطال العرب و ناوش ذؤبانهم ، هو الذي قدَّ مرحباً وعمرو بن عبد وُدّ وهو صاحب الضربات الوتر ، كيف يمكننا أن نتصور استسلامه للغاصبين ومن ثم إخراجه من البيت قهراً ، وتهديده بالقتل؟

2-هل يمكننا أن نتصور أن الزهراء و هي بنت رسول الله و فِلذة كبده و بضعته أن تُضربَ و يُكسرَ ضِلعُها ويُسقط جنينها بمرأى ومنظر من زوجها أمير المؤمنين عليٍ عليه السلام ؟ من غير أن تكون هناك أيّةُ ردَّة فعل منه عليه السلام في قبال هذه الجريمة الكبرى ؟

ثم إن المسلمين عامَّةً هم الذين انتخبوا علياً خليفةً عليهم فلِم أكبُّوا بعد ذلك على مخالفته فخالفُوه وقاتلوه ثمَّ قتلوه في محرابه ظلماً؟

4-وأخيراً ما هي حصيلةُ السنوات الخمس التِّي استلم فيها عليٌّ إمرةَ المسلمين من الزاويتين العملية و النظرية ؟

5-وما هو سرُّ سكوت الإمام المجتبى عليه السلام وصلحه مع معاوية من ناحيةٍ وصراخِ الإمام الحسين عليه السلام وخروجه على حكومة يزيد من ناحية أخرى ؟ وكذا مواقف سائر أئمَّتنا عليهم السلام السلميَّةِ ظاهراً.

وأيضاً: عشرات من الأسئلة في هذا المجال التي تخطر بالبال ؟

ومن الطبيعي أنَّ حلَّ هذه الشبهات له الدور الحيويّ المهمّ في مسيرة الإنسان المؤمن ومواقفه الرساليَّة ..فهل يمكننا الإجابة عليها وعلى غيرها من الأسئلة التي تدور حول نفس المحور؟

أقول:

إنَّ الغرض من كتابةِ هذه الكلمة المتواضعة هو الوصول إلى حلٍّ مناسب بالنسبة إلى مثل هذه الشبهات ودفعها منطقيّاً كي نكون على بصيرة في ديننا ومذهبنا فنعانقه من دون أيّ تزلزل وتشكيك .

فأقول:

قبل الورود في البحث ينبغي تقديم مقدمات:

الأولى:

الإسلام مدرسة متكاملة و مترابطة

الإسلام أطروحة متكاملة تتركَّز على أسس و تشتمل على قوانين إلهية ثابتة لا يمكن أن يعتريها أيُّ خلل و ترديد ، والهدف من الإسلام هو نفس الهدف من خلق الإنسان أعني العبودية والرجوع إلى الله سبحانه وهو إيصال الإنسان إلى الكمال المطلوب أعني القرب من الكمال المطلق وهو الله سبحانه. فالإسلام ليس هو إلاّ تجلٍّ من تجليات الحق المطلق جلَّ وعلا فلا بدَّ أن يظهر على جميع أصعدته وزواياه وهذا من لوازمه غير المنفكة عنه.

الثانية:

أبعاد الإ نسان الثلا ثة

وحيث أن للإنسان أبعاداً ثلاثة البعد العقلي والبعد النفسي (الجوانحي) والبعد العملي (الجوارحي) فالإسلام أيضاً قد ركَّز في توجيهاته على هذه الجهات الثلاث في الإنسان و لاحظها بعين الاعتبار فطرح لها أطروحات وبرمج لكل واحدة منها برنامجاً يتناسب معه وهي:

عقائد الإسلام التِّي تعالج الجانب العقلي للإنسان.

الأخلاق وهي ما تتعلق بشئون النفس الإنسانيَّة.

الأحكام العمليَّة وهي القوانين المختصة بجوارح الإنسان وما يصدر منه من خير و شر.

ولا يخفى على من له أدنى معرفة و اطِّلاع على الإسلام أنَّ هناك ترابطاً قوياً وعلاقةً موثقة بين هذه الجوانب الثلاثة بحيث يستحيل التحلِّي بجانب مع غضِّ النظر عن الجانب الآخر.

مثال:

إعطاء الزكاة كواجب عملي يتوقَّف على قصد التقرب إليه تعالى كعقيدة وفي أسلوب العطاء والأخذ لا بدّ من التوجُّه إلى الجانب الروحي للمعطي والمعطى إليه (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها).

وعلى هذا الأساس نقول إنه لابد وأن يُطبَّق الإسلام بحذافيره وبأكمله من دون فصلٍ بين الأبعاد الثلاثةِ أصلاً ومن يُفكِّر في تطبيق جانبٍ واحدٍ من الإسلام مع غضِّ النظر عن الجوانب الأخرى فتفكيره شطط ليس له أساس قويمٌ بل يبتني على الوهم والخيال.

وبعبارة أخرى: (الإسلام وَحدَةٌ شاملة ومتكاملة ومتكاتفة ومنسجمة لن تتفرق ولن تتفكك أبداً ،وتفكُّكها يعني فناءها بالمرَّة وتغيُّر ماهيتها إلى ماهيَّة أخري بل لو اختلفت الكمِّية والكيفيَّة في قبول أو ردّ معالمه لتغيَّرت الماهية أيضاً فلا بد من مراعاة الكميَّة والكيفيَّة في تلك الأبعاد الثلاثة لئلاّ ينجرّ الأمر إلى تضخَّم جانبٍ و ضعف جانب آخر).

وذلك كالأوكسجين والهيدروجين فمن الضروري أن يتحدا معاً ليُشكِّلا الماء كما أنّه لا بدَّ من رعاية النسبة بينهما كمّاً وكيفاً حصولاً على النتيجة فمع بروز أدنى اختلاف بين العنصرين سوف لا يبقى شيءٌ يُطلق عليه اسم الماء.

ومن هذا المنطلق نشاهد التأكيد البالغ على الإيمان بالكلِّ لا بالبعض سواء الكتاب أو الرسل أو أيّ شيء يرتبط بالدين

قال تعالى:

{ أَ فَتؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }(البقرة 85)

وقال تعالى:

{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ، أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا }(النساء 150-151)

الثالثة:

الدولة الإسلاميَّة العالميَّة مضافاً إلى أنه لا بدَّ من وجود دولة مقتدرة بأجهزتها القويَّة ورجالها المؤمنين، تستهدف التنسيق بين هذه الجوانب الثلاثة من الإسلام كي تُركِّز هذه الشجرة الطيِّبة جذورها فيرتفع أساسها فتتوزَّع وتنتشر أغصانها فتثمر فيأكل من ثمرها. فإذا يستحيل أن نطبق الإسلام في حياتنا بمعنى الكلمة إلاّ مع تأسيس دولة عالميَّة تستوعب أو بالأحرى تتسلَّط على جميع أرجاء البسيطة من غير استثناءٍ لمنطقة دون أخرى فكلُّ الأرض تكون تحت سلطة الإسلام وهذا لا ينافي وجود كفّار فيها مادام الحكم للإسلام . فلا معنى لطرح دولة إسلامية في هذا المكان وذاك كدولة مستقلة تستهدف تطبيق بعض أو كلِّ جوانب الإسلام عملاً ولا تحمل إيدولوجية الإسلام العالمي أو تجعل هذه الغاية في المراحل المتأخرة من أفكارها . بل لو نظرنا نظرة شاملة إلى الكون وعرفنا خالقه لوصلنا إلى حقيقة أخرى وهي أنَّ الإسلام لا ينظر إلى البشرية منحصرة بل يستوعب ويُخيِّم على كلَّ زوايا الكون وجميع العوالم من الإنس والجن حتى عالم الجمادات والنباتات والحيوانات وحتى في الكواكب الأخرى حيث أنّ كلّ تلك العوالم لها نوعٌ من العلاقة بالإنسان.

{ الرسول صلى الله عليه وآله وسلَّم و دولة إسلاميّة عالميَّة }

ومن هذا المنطلق شرع رسولنا محمد صلى الله عليه و آله في تأسيس دولة إسلامية من البداية تستهدف تطبيق الإسلام بجميع جوانبه و أبعاده وإزالة جميع الظواهر الزائفة الموروثة من الجاهليَّة فكتب إلى ملكي الفرس و الروم آن ذاك كتباً لأجل أن يهتديا وقومهما إلى الدين الإسلامي ويتحررا من عبودية غير الله . وقد استطاع الرسول صلى الله عليه وآله -بسعيه المتواصل ودعمٍ من أخيه ووزيره عليٍّ عليه السلام وعدد قليل من الصحابة المخلصين - أن يكتسب النجاح في المدَّة القليلة على رغم كلّ ما عاناه من مصاعبَ ومشاكل وأذى (ما أوذي نبيٌّ بمثل ما أوذيت) سواء من الكفّار الملحدين أو من المنافقين الحاقدين. فقد انبثق نور الإسلام وانتشر صيتُه وتوسعت دولته إلى أقصى العالم حتى دخل الفرس والروم والحبشة وذلك لا على مستوى عامّة الناس فحسب بل شمل حتّى رجال الدولة وأصحاب المناصب المختلفة.

{ الإسلام كان غريباً غير مألوف }

بعد ما كان الإسلام غريباً وذلك لأنَّ القيَم الإسلامية بطبيعتها لا تنسجم مع الوضع الذي كان يسود الجاهلية وذلك لاشتمال الإسلام على الجانب التعبدي الذي لا يلائم تلك الذهنيات التّي لم تترسخ فيها سوى الدنيا وسوى المادة وما يحوم حول المادة ، فقد انتشر الإسلام المحمَّدي في أنحاء البلاد وأخذت الأفكار الإسلامية تتمركز في الأذهان وتعثر على مكانتها في المجتمع وأخذ المسلمون يستأنسون بالإسلام شيئاً فشيئاً حتّى صار تنفيذ حكم الله في مجتمعهم أمراً مألوفاّ وصار المسلمون يتعاملون مع الإسلام تعاملاً طبيعياً بعد ما كان غريباً عندهم غير مأنوس به .

{ المفروض والواقع }

المفروض أن يستلم الخلافة عليٌّ عليه السلام ويسير على نفس الأسلوب الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وينتقل الحكم من إمامٍ إلى إمام حتَّى يأتي دور المهدي المنتظر عجلَّ الله تعالى فرجه الشريف فيملأ الله به الأرضَ قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظُلماً وجوراً. ولكن الواقع كان خلاف ذلك حيث تسلَّم زمام الأمر من لا يليق به ولا أهليَّة له.

{ البداية المظلمة } فبعد ارتحال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم و استيلاء أول الخلفاء على الدولة الإسلامية الفتيَّة وفي أوائل خلافته كان الوضع نوعاً ما كسابقه ولكن بمجرد أن رُسخت قواعد تلك الخلافة اللاشرعيَّة بدأ الوضع يتغيّر شيئاً فشيئاً وبدأت المعادلات تنعكس وتتغير واستمرَّ الوضع الجديد إلى أن وصل إلى مرحلة خطيرة حيث أخذ حكُّام المسلمين الثلاثة ينسقون أفكارهم وأعمالهم مع الحضارات الدخيلة وعلى رأسها الروم والفرس فحاول الخلفاء تكييفَ أنفسهم مع المجتمعات المحاطة بهم وأخذوا في تنسيق برامجهم طبقاً لتلك الحضارات المزيّفة ، وذلك في جميع أبعادها حتى العقائديّة والأخلاقية !! (والناس على دين ملوكهم ) وهؤلاء الثلاثة نسَوا أو تغافَلوا عن أن للإسلام حضارةً و إيدئولوجية مميزة تنبثق من الوحي والغيب وترتبط بالله الواحد القهار. وتدريجياً انقلب الإسلام الغريب عند المِلل غير المسلمة ، المأنوس لدى المسلمين إلى إسلام مأنوسٍ لدى الكلّ ، حتى الكفار والمنافقون لا يستوحش منهم أحد إلاّ المسلمُ الحقيقيّ!!

والحاصل أن الجــوّ الــعام الذي أوجده الخلفاء بين المسلمين كان مصبوغاً بصبغةٍ خاصَّــة تتلاءم والواقعَ المعاش آن ذاك وذلك بقيمة تضحية الإسلام ومسخه تماماً بل قلبه وجهاً على عقب وحينئذٍ تحققت مصداقيَّة قوله تعالى :

{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ }(آل عمران/ 144).

فانحرف الإسلام وتغيَّرت السنن وقلبت القيم ومن ثَمَّ خَسِر المسلمون تلك الفرصة الذهبية التي أوجدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم وضحّى من أجلها بأبرز أنصاره وكانت هي الخسارة العظمى التي جرَّت العالم الإسلامي إلى الخسارات المتوالية.

والتأريخ الإسلاميّ خير دليل على ما ندعيه فمن أراد أن يتطلَّع على جزئيّات الأمر فليراجع التأريخ .

السقيفة وآثارها

فهاهنا وقعت الجريمة العظمى وهي جريمة الانحراف والإغفال ومن ثَمّ إحراف المُغفَلين وإغوائهم من زاوية وغرس شجرة النفاق ورعرعتها من زاوية أخرى ..ويالها من جريمة غبراء قاسية !! تلك الفجيعة الفظيعة التي نشأت من السقيفة السخيفة كانت مبدأ كلِّ عثرة وزلّة حدثت بعدها ، فجميع الفروع الخبيثة ليست هي إلاّ من تلك الشجرة المشؤومة.

البناء المعوج

يقول أحد الشعراء الفرس:(خِشت أول جون نهاد معمار كج تا ثريّا ميرود بنيان كج) أي أنَّ البنّاء حيث وضع الأساس للبناء وضعاً معوجّاً فسوف يعوج البناء مهما يُرتفع إلى الثريا) ومن الواضح أنَّ الذنب والعتاب كلُّه يُوجَّه إلى أوَّل من أسس أساس الظلم والجور ومن هذا المنطلق نشاهد التأكيد البالغ في الأحاديث(كالأحاديث التِّي تتحدَّث حول يوم الاثنين وأنَّه يوم نحس قبض الله عز و جل فيه نبيه وما أصيب آل محمد إلاّ في يوم الاثنين فيتشاءم أئمتنا عليهم السلام به و تتبرك به عدوُّهم) وأيضاً الزيارات خصوصاً زيارة عاشوراء، وأشعار كبار شعراء الإماميّة كدعبل الخزاعي وكبار العلماء كالعلامَّة الشيخ محمَّد حسين الإصفهاني قدس سرُّه بل حتّى بعض علماء العامَّة على هذه الحقيقة وتفصيل هذا الأمر سوف نذكره في موضع آخر.

أمير المؤمنين عليه السلام والخلافة

وهذا الوضع أو بالأحرى الجريمة استمرت ربع قرن -وليس بقليل-إلى أن استلم الحكم ، وبعد اللتيا والتي ، أميرُ المؤمنين علي عليه السلام . استلمها بعد ماذا؟؟ بعد أن تغيرت جميع القيم والأسس التي بناها الإسلام .

فماذا يصنع عليُّ إذاً ؟؟

غير أن يصرخ في وجه المسلمين الذين أرادوا أن يبايعوه:

{دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت و اعلموا إني أن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم و لم أَصغَ إلى قول القائل و عتب العاتب و إن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلى أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم و إنا لكم وزيرا خير لكم منى أميرا}(نهج البلاغة ابن ابي الحديد ج 7 باب 91 ص 33)

قال ابن أبي الحديد:

ومعنى قوله: الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت ان الشبهة قد استولت على العقول و القلوب و جهل أكثر الناس محجة الحق أين هي فأنا لكم وزيراً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم أفتى فيكم بشريعته و أحكامه خير لكم منى أميراً محجوراً عليه مدبراً بتدبيركم فإني اعلم انه لا قدرة لي أن أسير فيكم بسيره رسول الله صلي الله عليه وآله في أصحابه مستقلاً بالتدبير لفساد أحوالكم وتعذر صلاحكم

أقول:

بقيت تلك الجذور الخبيثة متركّزة رغم محاولات أمير المؤمنين في أيام خلافته، وحيث قد عوّدوا المسلمين على نمطٍ خاص من العيشة فلم يمكنهم أن ينسِّقوا معيشتهم وأفكارهم مع ما أراده أمير المؤمنين بل لم يكونوا يستوعبون أسلوب عليٍ في الحكم ، الذي كان هو أسلوب رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يتقبلوا عدالة عليٍ وقسطه وكما قال أحدهم عدلُ عليٍّ قتله .

التكليف المزدوج بعد ارتحال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم (السكوت والصراخ)

مثال:

لو وقعت سرقه كبيرة في بيت فيه أطفال و فيه أموال كثيرة تهمُّ السارقين لأنهم قد خطَّطوا تخطيطاً مستقبلياً شاملاً لبناء مشروع يبتنى على هذه الأموال.. ولا يمكنهم الغضّ والتغافل عنها أبداً ، ومن ناحية أخرى تلك الأموال لها أهمية لصاحبها وتشكل العصب الرئيسي في حياتهم مضافا إلى الأشياء الأثرية الثمينة التي لا يمكنهم التخلِّي عنها.

فيدور الأمر بين حالات ثلاثة لها نتائج مختلفة:

الصراخ وإخبار الناس عن السرقة من أهل البيت جميعاً وبالنتيجة حرق البيت ومن فيه وما فيه. التزام السكوت والهدوء من جميع العائلة وإسكات الآخرين وأيضا خلق جو إعلامي يؤكِّد للناس أن البيت وما فيه لم يسرق بل قد بِيع على هؤلاء في مقابل ثمن فالبيت إذا هو حقُّهم الشرعي و القانوني و ليس لصاحبه الأول المطالبة به أصلا.

التزام الهدوء من صاحب البيت و تحريض الأولاد على السكوت حفاظاً على البيت علماً بأن هناك من يُعلن عن السارقين (وهي الأم) و يصرخ في وجههم لأجل أخذ وثائق البيت ليس إلاّ.. (والمفروض أنَّ الوثائق مسجله باسمها).

فهاهنا نواجه ازدواجية المواقف موقف الوالد والأولاد و موقف الأم و المفروض على الوالد أن يُهدِّئ الكل ولكن الأم لا تسكتُ حيث تطالب بحقِّها وهي الوثائق والمستندات ولن تسمح بأن يسجَّل البيت باسم الغاصبين و إن أدَّى ذلك إلى موتها حيث يترجَّح ذلك الأهم على هذا المهمّ ، حيث أنَّه من الطبيعي أن يرجع البيت بالأخير إلى صاحبه و إن طال الأمد عليه.

الحفاظ على الولاية

مادام الخلافة قد انحرفت عن المسير الأساسي الذي أكد عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم في مواطن كثيرة ومادام قد اغتصبت بطريقة شيطانية محتالة فلا يمكن إرجاعها بالسكوت والتسليم لما حدث لأن العدو سوف يكتسب هذا السكوت لصالحه إعلامياً وسوف يدَّعي أن هذا السكوت دليل على الرضا ومن ثم سوف يكون الغاصب وكأنَّه هو المالك الحقيقي ومن ثم يكتسب الشرعية في الوسط المسلم لا هو فحسب بل كل من يسير على خطاه إلى يوم القيامة!! وهذا هو التدمير الواقعي للإسلام أصلاً وفرعاً ولكن باسم الإسلام وإمرة المسلمين ، ومن ناحية أخرى هناك خطورة ثانية لأصل الإسلام وهذا يتطلب السكوت والهدوء والتساير وفي نفس الوقت الإشراف والتطلع على ما سيحدث ومحاولة دفع الانحرافات الأساسية التي ترجع إلى أصل الإسلام بدقة ، تلك الانحرافات التي يخطط لها النظام الحاكم بين آونة وأخرى.. من غير مساس وتعرض للجهاز الحاكم.. لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ، وذلك حفاظا على الإسلام ولا بدَّ له من السكوت والتساير الظاهري معهم مادام الإسلام في أمان من شرهم.

اللهم إلاّ إذا اشتد الخطر وصعب فحينئذ سوف يتطلب الشدة نوعا ما..

صعوبة الموقف و حسّاسيته

عند ملاحظة جوانب الشخصيتين ، شخصيَّة الصدِّيقة الزهراء سلام الله عليها وشخصيَّة أمير المؤمنين عليه السلام وأيضاً عند ملاحظة مدى الارتباط و التعلق بينهما نعرف شدة البلاء الذي ابتليا به وعظمة الامتحان الإلهي ومستوى التكليف السماوي الموجه إليهما.

فلو أرادا أن يتحقق الهدف الذي هو الحفاظ على ظاهر الإسلام (وهو تكليف علي عليه السلام) والحفاظ على واقع الولاية (وهو تكليف الزهراء عليها السلام) فلا بد وأن تتوفر أمورٌ كثيرةٌ لو اختل أحدها سوف لن يتحقق الهدف

فمن ناحية أمير المؤمنين لا بد من:

خلق جو إعلامي واضح ينادى بصريح القول أن عليا ليس من المعارضين و إن كان فهو من المسالمين الذين يبتعدون عن تعكير الجو و تزعزع الرأي.. و هذا يتطلب:

التزام الهدوء والسكوت الكامل وعدم التعرض للحكم أصلا.

التساير والتنسيق مع الخليفة وربما يقتضي ذلك الصلاة خلفه والجلوس في مجلسه.

ومن ناحية الزهراء عليها السلام ينبغي لها:

أن تخلق جواً مناقضاً تماماً لما أوجده علي عليه السلام.. فتصرخ في وجه الطغاة وتقف أمامهم وتفضحهم وتبين مثالبهم وتكشف عن جريمتهم العظيمة وفى نفس الوقت تدافع عن علي عليه السلام كخليفةٍ للمسلمين فتُبيِّن للناس فضائله ومناقبه ومواقفه وذلك من غير أن يكون ذلك أعني ولاية عليٍّ هو الأساس في قضيَّتها ظاهراً (وهو الأساس بالفعل) ولكن يبقى هنا أمرٌ مهمّ ينبغي أن تراعيه الزهراء عليها السلام وهو عدم إثارة عليٍّ أصلاً لأنَّ ذلك سوف يؤدِّي إلى فشل عليٍّ في موقفه ومن ثمَّ انتصار العدوّ ونجاحه وذلك سوف يؤدِّي إلى الرجوع إلى الجاهليَّة الأولى أعاذنا الله من شرِّها.

والوصول إلى ذلك إذاً صعبٌ يتطلَّب أموراً:

الخروج من البيت و لا مانع مادام هي من المطهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس.

2-خلق أجواء مثيرة للأحاسيس (بكاؤها وأنينها راجع الخطبة).

3-كتمان ما تواجهه من الضرب وكسر الضلع وسقط الجنين وغيره عن عليٍّ عليه السلام .

4-أن لا يشترك العدو المتظاهر بالإسلام في تشييع جنازتها ودفن الجنازة سراً .

5-أن تكون مجهولة القدر والقبر.

المعاناة:

وأمّا أمير المؤمنين عليه السلام فهل يمكنه أن يتغافل عمّا سيحدث على بضعة الرسول الزهراء عليها السلام ؟ وهل يمكن للإنسان أن يتصور شدة المعاناة التي كان يعانيه أمير المؤمنين عليٌ عليه السلام و كذلك مستوى صبره عليه السلام ؟ كيف وهو يرى تراثه المنهوب! ويعرف عن ضلع زوجه المكسور؟

يقول سلام الله عليه:

{ أما و الله لقد تقمصها ابن أبي قحافة و انه ليعلم إن محلى منها محل القطب من الرحى ينحدر عنى السيل و لا يرقى إلى الطير فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا و طفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو اصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير و يشيب فيها الصغير و يكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجا أرى تراثي نهبا}(نهج البلاغة لابن أبي حديد ج 1 باب 3 ص 151)

 

ويقول في موضع آخر:

{فنظرت فإذا ليس لي رافد و لا ذاب و لا مساعد إلاّ أهل بيتي فضننت بهم عن المنية فأغضيت على القذى و جرعت ريقي على الشجى و صبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم و آلم للقلب من وخز الشفار}(نهج البلاغة لابن أبي حديد ج 11 باب 211 ص 109)

الكفـؤ:

أعتقد أن التكافؤ بين الزهراء عليها السلام وعليٍّ سلام الله عليه الوارد في الأحاديث الكثيرة كالحديث التالي:

{عن يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول لولا أن الله خلق أمير المؤمنين لفاطمة ما كان لها كفؤ على الأرض}(بحار الأنوار ج 43 ص 97 رواية 6 باب 5)

 

إن الحديث لا يعنى التكافؤ في الحيوة الزوجية فحسب و لا يعني أيضاً أنهما مجمع النورين و البحرين بعد تفرقهما في عبد الله وأبي طالب حيث ورد في تفسير قوله تعالى:

(كنز العمّال محمد بن العباس عن محمد بن احمد عن محفوظ بن بشر عن ابن شمر عن جابر عن أبي عبد الله قال عليه السلام في قوله عز و جل مرج البحرين يلتقيان قال على و فاطمة.. )(بحار الأنوار ج 24 ص 97 رواية 1باب 36) وهناك أحاديث كثيرة في هذا المجال راجع مضانِّها.

بل هناك أمر أهم من ذلك و أرفع مستوى و هو التكافؤ في أداء التكليف الإلهي بحيث كل يكمل الآخر.. و كل يؤدى تكليفه المتناقض مع تكليف الآخر ظاهراً و المطابق معه واقعا فهو تكليف واحد ولكن قد تجلّى وظهر في موقفين متضادين تماماً. و من هنا نعرف السر في الحديث القدسي حيث يقول: ( لو لا علي لما خلقت فاطمة الخ..)

 

فدك هو المبرر لهذا الموقف

و مبرِّر ثورتها هي فدك وهذه فدك لها بعدان رئيسيّان:

أحدهما: أنَّها قرية في الحجاز، بينها و بين المدينة يومان، و قيل ثلاثة و هي أرض يهودية ، و كان يسكنها طائفة من اليهود، و لم يزالوا على ذلك حتى السنة السابعة حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها فصالحوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) على النصف من فدك، و روي أنه صالحهم عليها كلها. و ابتدأ بذلك تاريخها الإسلامي، فكانت ملكاً لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، لأنها مما لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، ثم قدمها لابنته الزهراء، وبقيت عندها حتى توفى أبوها (صلى الله عليه و آله) فانتزعها الخليفة الأول و أصبحت من مصادر المالية العامة و موارد ثروة الدولة يوم ذاك حتى تولى عمر الخلافة)

ثانيهما : أنَّها هي الولاية بعينها أو من لوازمها التي قد تجسَّدت في ذلك اليوم وهى عصب حياة الخلافة الإسلامية لا يمكن الاستقرار على منصة الحكم بدونها.. ومن حكمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم أنه منح فدك لابنته الزهراء وذلك حين نزل قوله تعالى (وآت ذا القربى حقَّه)

{مصباح الأنوار عن عطية قال لما نزلت و آت ذا القربى حقه دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فأعطاها فدك}

{ عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم أعطى فاطمة فدك قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم وقفها فانزل الله و آت ذا القربى حقه فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم حقها قلت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم أعطاها قال بل الله تبارك و تعالى أعطاها}(نهج البلاغة ج 16 باب 45 ص 213)

فلو لم يفعل رسول الله ذلك ماذا ترى سيحدث بعد ارتحاله ؟

كان الحاكم هو الذي يصطحبها و ذلك على مبرر شرعي لا غبار عليه و هو أنَّ فدك من بيت مال المسلمين الذي هو تحت تصرف الخليفة المنصوب من قبلهم فليس لأحد أن يطالب بها أصلا ،وحينئذ لم يتواجد أيُّ مبرر لصراخ الزهراء و مواجهتها الحكم إلاّ دفاعاً عن زوجها و هذا يعنى أن موقف زوجها هو موقفها لا فرق بينهما أصلاً وحينئذ يمكن للخليفة أن يسكتها و يرغمها بحجة أنها امرأة لا حق لها أن تتدخل في شئون الحكم أو يجبر علياً على إسكاتها و تهدئتها وإلاّ سوف يتخِّذ أيَّ قرار أراد ضدّ عليٍّ وضدّ فاطمة، وعلى فرض ما لو طلب منها عليٌّ السكوت والتراجع فلا بد لها إذاً أن تهدأ لأنه حسب الفرض أنَّ صاحبَ الحق قد تراجع عن حقه فلا معنى للصراخ و المجابهة منها بعد ذلك ، و إن أصرت على ذلك فيمكن التعامل معها بالشدة و سوف لا يثير ذلك أحاسيس المسلمين لأن هذا التعامل له مبرر شرعي و هو الحفاظ على الوحدة الإسلامية والوقوف دون شق عصا المسلمين.

وهل بإمكان الخليفة إعطائها فدك؟ كلا؟ لأن ذلك يعنى نجاح عليٍّ عليه السلام ولقد عرف أبو بكر هذا الأمر ولهذا لما سمع خطبتها شق عليه مقالتها فصعد المنبر و قال أيها الناس ما هذه الرعة إلى كل قاله أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم إلاّ من سمع فليقل و من شهد فليتكلم إنما هو ثعالة شهيدة ذنبه مرب لكل فتنه هو الذي يقول كروها جذعه بعد ما هرمت يستعينون بالضعفة و يستنصرون بالنساء..)(نهج البلاغة ج 16 باب 45 ص 213)

أقول: