بسم الله الرحمن الرحيم مَـوت الدِّمـاغ من الأبحاث المهمة التي لها أثرها البالغ في عدة مسائل فقهية تتعلق بالطب وزراعة الأعضاء موت الدماغ. فهل يعتبر موت الدماغ موتاً شرعياً يمكن ترتيب الآثار الشرعية عليه من الإرث وغيره؟ أم لا يعتبر موتاً شرعياً؟ والمسألة من المسائل المعاصرة التي لم يتناولها الفقهاء السابقين رضوان الله تعالى عليهم، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: فذهب بعضهم إلى أنه يعتبر موتاً شرعياً، وذهب آخرون بخلاف ذلك، وتردد بعضهم في المسألة فحكم بالاحتياط في المسائل المترتبة على الموت. والكلام في موت الدماغ يقع في جهات ثلاثة : الأولى : هل للموت حقيقة شرعية أو متشرعية؟. الثانية : الكلام في حقيقة الموت بعد الفراغ من الجهة الأولى. الثالثة : تطيبق ما يتم التوصل إليه ثانياً على موت الدماغ. ولهذا نعقد الكلام في ثلاثة فصول : الفـصـل الأول أول أمر لابد من تحقيقه وتنقيحه هو: هل إن للموت مصطلح خاص في عبارات الشارع الأقدس؟ أم أن الموت ليس له سوى مفهوم عقلائي واحد وهو الذي يتداول في عبارات الشارع والمتشرعة؟ والظاهر من خلال تتبع عبارات الشارع الأقدس سواء في القرآن الكريم أو الروايات الكثيرة أنه ليس له مصطلح خاص في الشريعة الإسلامية، وإنما يقصد منه المعنى الذي يتداوله العقلاء بلا فرق أصلاً، شأنه في ذلك شأن الماهيات المستخدمة في المعاملات، كالبيع والشراء والإجارة ونحوها، فهذه الألفاظ تستخدم حسب ما يفهمه العرف. وقد ذكرت في أبحاث علم الأصول عدة أدلة على ذلك منها أن الشارع لم يبين في ذلك مصطلحاً خاصاً، فلو كان مراده على خلاف العرف والحال أنه لم يبين كان ذلك نقضاً لغرضه وهو منافٍ للحكمة. وما تقدم يحتاج إلى شيء من التوضيح ، فيمكن أن نقول في بيانه : بأن ماهيات موضوعات الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين : القسـم الأول : الماهيات التي استحدثت في الشريعة الإسلامية أو في الشرايع السابقة كالصلاة والصوم والحج ونحوها. فهذه الماهيات لم تنشأ من العقلاء، بل لولا أوامر الشارع الأقدس بالعمل بالأمور المذكورة لم يتداول العقلاء هذه الأمور. القسم الثاني : الماهيات التي يتداولها العقلاء فيما بينهم حتى مع غض النظر عن اتباعهم للشريعة الإسلامية، ويرتبون عليها عدة من الآثار لما يرونه من المصالح والمفاسد المتعلقة بها، كالبيع والموت ونحوهما. أما بالنسبة للقسم الأول من الماهيات: وإن كانت ألفاظها على الصحيح لم توضع من قبل الشارع الأقدس كما تقرر في أبحاث علم الأصول، ولكن تحديد المقصود منها يرجع سعة وضيقاً إلى الشارع الأقدس، وتؤخذ تعبّداً ولابد فيها من الجمود على ألفاظ الروايات، دون إمكانية أن نتجاوز فيها حدود الدلالة بأدنى مقدار. ومن هنا سميت الأحكام المتعلقة بها بالأحكام التوقيفية ، أي التي نتوقف فيها على حدود ما نفهمه من الأدلة الشرعية. والسبب أن هذه المفاهيم إنما نشأت من الشريعة الإسلامية، ولم تجعل من قبل العقلاء حتى يمكننا إن نرجع فيها إلى سيرتهم في تشخيص الحكم أو الموضوع. وأما بالنسبة للقسم الثاني: فالمرجع إلى تشخيص الموضوعات والأحكام الممضاة في ألفاظ الآيات والروايات إلى سيرة العقلاء وعرفهم، لأن هذه الماهيات متداولة بين العقلاء بغض النظر عن اتباعهم للشريعة الغراء، وهم يتداولونها فيما بينهم قبل العلم بالتشريع وبعده. والشارع الأقدس عندما تداول هذه الألفاظ وتحدث فيها تداول تلك المفاهيم بنفس المعاني التي كانوا يتداولونها فيما بينهم، وأمضى نفس الأحكام التي كانوا يرتبونها على تلك الماهيات إلاّ ما خرج بالدليل. والدليل على ذلك: أن الهدف من بيان الأحكام هو امتثال المكلفين في مقام العمل، وعليه فالخطاب إنما يجدي إذا كان يمكن معه الامتثال، وأما مع عدم إمكانية الامتثال فإنه يكون لغواً وعبثاً ومخالفاً للحكمة، فلا يمكن أن يصدر من الشارع الأقدس. وهذه المعاني المتداولة، كما يشهد تتبع الآيات والروايات، استخدمت في عبارات الكتاب والسنة دون أدنى إشارة إلى أن المقصود منها خلاف ما هو المتعارف، فلو كان المقصود منها خلاف ما يفهمه العقلاء فالخطابات الشرعية حينئذ المتعلقة بالمعاملات تكون مجملة وغير واضحة فلا يمكن الامتثال من هذه الجهة، كما أن العقلاء لن يفهموا منها إلا ما هو المتداول فيما بينهم، ولو كان غرض الشارع خلاف ذلك ولم يبينه، كان ذلك نقضاً لغرضه لعدم إمكانية تحصيل الامتثال، فوجب أن يكون المقصود منها هو نفس ما يفهمه العقلاء، وتمام تفصيل هذا البحث موكول إلى علم أصول الفقه. وبهذا يتضح الحال بشأن مصطلح الموت، فالظاهر أن ليس له معنى في الشريعة الإسلامية خلاف ما هو المتعارف لدى عرف العقلاء، وإنما يستخدم في الكتاب والسنة بنفس المعنى الذي جرت عليه سيرتهم، ومن هنا فلابد من البحث عن المعنى العقلائي العرفي للموت، لأنه هو نفس المعنى الذي تترتب عليه الآثار الشرعية. الفصـل الثـاني بيـان حقيـقة المـوت للعلماء أبحاث متعددة في تحقيق حقيقة الموت لاسيما في أبحاث الفلسفة والكلام، ومن الأمور التي يتفرع عنها البحث الكلام في حقيقة علاقة الروح بالبدن، وفي حقيقة هذه العلاقة اختلاف في المسألة، ونكتفي هنا بنقل كلام صدر المتألهين (قده) في تفسير هذه العلاقة، الذي ينقل فيه رأيه ورأي الجمهور، حيث يقول : ومما يجب أن يُعلم أن الإنسان هاهنا مجموع النفس والبدن، وهما مع اختلافهما في المنزلة موجودان بوجود واحد، فكأنهما شيء واحد ذو طرفين، أحدهما متبدل داثر فان، وهو كالفرع، والآخر باقٍ ثابتٍ وهو كالأصل، وكلما كملت النفس في وجودها صار البدن أصفى وألطف وصار أشد اتصالاً بالنفس، وصار الإتحاد بينهما أقوى وأشد حتى إذا وقع الوجود العقلي صار شيئاً واحداً بلا مغايرة، وليس الأمر كما ظنه الجمهور أن النفس عند تبدل وجودها الدنيوي إلى وجودها الأخروي تنسلخ عن بدنها وتصير كعريان يطرح ثوبه. (الحكمة المتعالية ج9 ص98). ومما لا كلام فيه أن الموت يتحقق بمفارقة الروح عن البدن وانتقالها إلى عالم آخر وهو عالم البرزخ، ولكن كيف يمكن الحكم عقلائياً بحصول هذه المفارقة؟ والظاهر من عرف العقلاء وسيرتهم أن المناط في الحكم بمفارقة الروح للبدن وتحقق الموت هو انعدام دلائل الحياة. فعندما كانوا يحكمون في السابق بالموت بسبب توقف القلب عن النبض لم يكن لجهة تعبدية ولا توقيفية، وقد تقرر في محله أن السيرة العقلائية لا يمكن أن تكون تعبدية، بل لابد وأن يكون لها ضابطة تحكم العرف سعة وضيقاً، وهذه الضابطة كانت تطبق على توقف القلب عن النبض باعتبار ما فهموه من أن القلب هو منبع الحياة، أو قل منبع الحركة في جميع الأعضاء، فتوقف القلب عن الحركة معناه في نظرهم أن مقومات الحركة قد فقدت، وأن المتحقق حتى في حركة خلايا الجسم أو حرارة الجسم مثلاً هو آثار الحياة السابقة. الفصـل الثالث حقيـقة مـوت الدمـاغ الثابت عند الأطباء أن الدماغ هو المصدر الأول لحركة جميع أعضاء البدن. نعم بعض المواقع لا تتوقف عليه كخلايا الجلد مثلاً، فإنها تبقى حية بعد موت الإنسان ودفنه بمدة، ولكن حركة الإنسان التي تصطبغ بظاهرة الحياة والحركة لا يمكن أن تتم إلا بحياة الدماغ، فإذا ماتت جميع خلايا الدماغ فلا يمكن أن تتحقق الحركة لدى أي عضو من أعضاء الجسد بما في ذلك القلب، فإنه يتوقف لا محالة بعد موت الدماغ ولو بمدة يسيرة، مما يكشف أن ما في القلب من حركة بعد موت الدماغ هو بقايا حركة وآثار حياة سابقة، بل إن توقف القلب مدة معينة لا يقطع الأمل عن الحياة، لأنه من المحتمل طبياً أن يعود للحركة ثانياً. وأما مع موت خلاياً الدماغ فلا يوجد احتمال لرجوع الحياة بمقتضى التجارب الكثيرة التي أجريت من قبل الأطباء، ومن هنا يظهر أن موت الدماغ يكشف عن فقدان جميع مقومات الحركة في بدن الإنسان، وهذا المقدار هو الذي يوجب الاطمئنان لدى عرف العقلاء في الحكم بتحقق الموت، ويرتبون الأثر عليه كما تشهد له حياتهم عبر التاريخ. والشريعة الإسلامية أمضت هذه السيرة التي كانت موجودة في زمان الشارع الأقدس، ولولا ذلك لكان مقتضى العمل بالاستصحاب هو الحكم ببقاء الحياة، ولكن سيرة العقلاء هنا إمارة شرعية، لا تصل النوبة مع وجودها إلى الأصل العملي كما تقرر في علم الأصول، وعلى هذا يمكن الحكم بأن موت الدماغ يعتبر موتا شرعياً يمكن ترتيب الأثر عليه، كما ذهب إلى ذلك عدة من الفقهاء المعاصرين أدام الله تعالى وجودهم. الكويت / الشيخ حسين عبد الله المعتوق |