بسم الله الرحمن الرحيم القـواعـدُ الفِـقهيّـة قاعدة الطهارة و قاعدة الحـلّ قبل أن نبدأ في بيان القواعد الفقهية ينبغي لنا أن نتحدث وباختصار عن الأصول العملية تمهيداً، وتمييزاً بينها وبين القواعد فنقول: الأصول العمليّـة: هي المرجع عند فقدان الدليل الإجتهادي (الكتاب والسنّة) قال الشيخ الأنصاري رحمه الله: أنّ المكلّف إذا التفت إلى أمرٍ وشكّ فيه (من ناحية الحكم) فالشّـك: إمّا أن تكون له حالة مسبقة أو لا، فلو كانت له حالة مسبقة فالمرجع الإستصحاب وإن لم تكن كذلك فإمّا أن يكون الشك في التكليف أو لا (الشك في المكلف به) فلو كان الشك في التكليف فالمرجع البراءة، ولو كان في المكلَّف به فله صورتان: إما يمكن الجمع بينهما أو لا والمرجع في الأوَّل الاحتياط والمرجع في الثاني التخيير. فالأصول العمليّة أربعة 1 الاستصحاب: عند الشك و وجود حالةٍ مسبقةٍ. 2 البـراءة : عند الشك في التكليف وعدم وجود حالة مسبقة. ((إذا شك المصلّي في أنّ المُسلِّم قصده مع الجماعة (غير المصلين) لم يجز الردّ وإن لم يرد واحد منهم)). 3 الإحتيـاط : عند اليقين بالتكليف والشك في المكلَّف به. ((الشقوق التي تحدث على ظهر الكف من جهة البرد إن كانت وسيعة يرى جوفها وجب إيصال الماء إليها وإلاّ فلا ومع الشك فالأحوط وجوباً الإيصال.)) 4 التخيـير: عند دوران الأمر بين المحذورين. تنبيهان: إنّ موضوع الأصول العملية مختصٌ بالشك والترديد. إنّ إطار تطبيق الأصول العملية أوسع من القواعد الفقهية. القاعدة الأولى قاعـدة الطّـهارة تعريفها: أنّ الأصل في كلِّ شييءٍ شُكَّ في طهارته هو الطهارة. فكلُّ مشكوك الطهارة طاهرٌ شرعاً سواء: 1 الشبهة الموضوعية. 2 الشبهة الحكميّة. الدليـل: موثقّة عمّار: ((كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر فإذا علمت فقد قذُر وما لم تعلم فليس عليك)) (الوسائل ج2 باب37 من أبواب النجاسات ح4). خبر حفص بن غياث عن جعفر عليه السلام عن أبيه عن علي عليه السلام: ((ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم.)) (الوسائل ج2 باب37 من أبواب النجاسات ح5). في خصوص الماء المشكوك: ((الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذِر)) (الوسائل ج1 باب1 من أبواب الماء المطلق ح5). هذا: إذا لم يكن المشكوك مسبوقاً بالنجاسة وإلاّ فيجري استصحاب النجاسة لأنّه أصل حاكم على القاعدة. القاعدة الثانية قاعدة الحـلّ أو أصالة الإبـاحة معنى القاعدة: ((كلُّ شييءٍ كان مشتبهاً بين الحلال والحرام يحمل على الحلال)) تنبـيه: إنَّ القاعدة مختصّة بالشبهات الموضوعيّة ولا تشمل الحكميّة. دليـل القاعدة: 1 الروايات الواردة في مختلف الأبواب: الأولى: صحيحة عبدالله بن سنان ((ابن محبوب عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله عليه السلام كل شيء يكون فيه حرام وحلال فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه)) (بحار الأنوار ج2 ص282 رواية58 باب33) الثانية: مقبولة مسعدة بن صدقة ((على عن أبيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقه عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته وهو سرقة أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة)) (بحار الأنوار ج2 ص273 رواية 12 باب33) الثالثة: رواية عبد الله بن سليمان ((المحاسن عن ابن محبوب عن عبدالله بن سليمان قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن فقال لقد سألتني عن طعام يعجبني ثم أعطى الغلام دراهم فقال يا غلام ابتع لي جبناً ودعا بالغداء فتغدينا معه وأتى بالجبن فقال كُل فلما فرغ من الغداء قلت ما تقول في الجبن قال أو لم ترني أكلته قلت بلى ولكني أحب أن أسمعه منك فقال سأخبرك عن الجبن وغيره كل ما يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه)) (بحار الأنوار ج65 ص152 رواية21 باب1) الرابعة: مرسلة معاوية بن عمّار ((ومنه عن اليقطيني عن صفوان عن معاوية عن رجل من أصحابنا قال كنت عند أبي جعفر عليه السلام فسأله رجل من أصحابنا عن الجبن فقال أبو جعفر عليه السلام أنه لطعام يعجبني فسأخبرك عن الجبن وغيره كل شييء فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه)) (بحار الأنوار ج65 ص155 رواية24 باب1) والخبران الأخيران يمكن الاستفادة منهما كتأييد للمقصود. ثـمّ: إنّ لصاحب الجواهر رضوان الله تعالى عليه كلام في هذا المجال يقول: ((ومن المعلوم المقرر في الأصول أنّ العقل والشّرع تطابقا على أصالة الإباحة والحلّ في تناول كلّ ما لم يعلم حرمته من الشرع ولو لاشتماله على ضرر في البدن من الأكول والمشروب قال تعالى شأنه في مقام الامتنان على عباده:(هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً)(يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيباً)(قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميته أو دماً مسفوحا أو لحم حنزير) (بحار الأنوار ج2 ص274 رواية20 باب33) (وقال الصادق عليه السلام كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهى) انتهى كلامه) (جواهر الكلام ج36 ص237). فـروع فـقهيـّة فرع 1 : قال الإمام الخميني قدس سرّه: ((لا فرق في إباحة ما يُؤخذ من يد المسلم كونه مؤمناً أو مخالفاً يعتقد طهارة جلد الميتة بالدّبغ ويستحلّ ذبائح أهل الكتاب لا يراعي الشروط التي اعتبرناها في التذكية وكذا لا فرق بين كون الآخذ موافقاً مع المأخوذ منه في شرائط التذكية اجتهاداً أو تقليداً أو مخالفاً)) (تحرير الوسيلة ج2 ص295) فرع 2 : قال في العروة في مسألة صلاة المسافر: ((إذا شك في كون السفر معصية أو لا مع كون الشبهة موضوعية فالأصل الإباحة إلا إذا كانت الحالة السابقة هي الحرمة)) (العروة ج1 ص737 مسألة53) فرع 3 : قال في العروة الوثقى مسألة 4 : ((التراب المشكوك كونه نجساً يجوز التيمم به إلا مع كون حالته السابقة النجاسة)) فرع 4 : قال في العروة الوثقى مسألة 13 : ((المشكوك كونه جلد الحيوان أو غيره لا مانع من الصلاة فيه)) وقـال: ((إذا كان الإناء مسبوقاً بالطهارة والنجاسة ولم يكن التاريخ معلوماً بالنسبة إلى تقدم أحدهما أو تأخره على الآخر فعليه هل يكون المقام مجرى الاستصحاب أو قاعدة الطهارة؟ التحقيق أنه لا مجال للاستصحاب على المفروض وذلك لتعارض الاستصحابين وتساقطهما وبعد التساقط يتحقق المجال لقاعدة الطهارة)). فرع 5 : قال الإمام (قدس) في تحرير الوسيلة: ((أواني الكفار كأواني غيرهم محكومة بالطهارة ما لم يعلم ملاقاتهم لها مع الرطوبة السارية وكذا كل ما في أيديهم من اللباس والفرش وغير ذلك.)) (تحرير الوسيلة ج1 ص129) الشيخ إبراهيم الأنصاري |