دراسة مختصرة

في حكم التبرع بالأعضاء وبيعها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

تمهيـد :

مسألة التبرع بالأعضاء أو بيعها من المسائل المستحدثة والتي لم تناقش بين الفقهاء السابقين بالكيفية التي عليه في الوقت الحاضر.

نعم جرى كلام بينهم حول بيع الأعضاء، ولكن تلك المسألة تختلف بحسب صياغتها الفقهية كما يظهر من ملاحظة الأدلة التي أبرزوها عن المقتضيات الفعلية، فالفرضيات والأبعاد الملحوظة والمؤثرة في استنباط الحكم الشرعي تختلف عن الفرضيات الحديثة، ولهذا فلا يمكن أن نستند إلى فتاوى الفقهاء المتقدمين لإثبات الحل أو الحرمة بالنسبة للفرضيات المستحدثة، والالتقاء مع ما طرحوه في بعض الجهات الموضوعية لا يقتضي وحدة التكليف والموقف العملي، وذلك لما تقرر في أبحاث علم الأصول بأن الحكم الشرعي تابع في ثبوته للقيود والأجزاء والشروط المتعلقة بموضوع التكليف، ولأن الموضوع لا يدخل في نطاق الحكم الشرعي إلا بملاحظة جميع الشروط التي لها دخل في تعلق الحكم، واختلال أي شرط من الشروط، ولو تحقق بعضها يقتضي انتفاء المشروط بالكلية، وقد يؤدي ذلك إلى انتفاء الحكم الشرعي وتبدله.

ولمسألتي التبرع بالأعضاء وبيعها، بحسب ما ذكرناه، نظائر عديدة في الفقه الإسلامي، منها بعض الموارد التي أفتى فيها بعض الفقهاء بعدم صحة البيع من جهة عدم تحقق المنفعة المحللة المقصودة، ولكن بعد حصول هذه المنفعة لاحقاً يصبح البيع جائزاً، ويكون انتقال الملكية صحيحاً، ومن أمثلة ذلك ما ذهب له الفقهاء من حرمة المعاوضة على الأجزاء النجسة من الميتة، واستدلوا على ذلك بعدم وجود المنفعة المقصودة، واستثنى بعضهم منهم الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) في كتاب المكاسب جلد الميتة لسقي الزرع ونحوه مما فيه منفعة محللة مقصودة، لأن وجود تلك المنفعة هي المعيار في صحة البيع وجوازه كما هو المستفاد من الأدلة المعتبرة المقررة في محلها.

ولكن إذا فُرض فيما بعد، كما هو حاصل في هذه الأزمنة، وجود المنفعة المحللة المقصودة فيما عدا جلد الميتة من الأجزاء النجسة كدمها أو غيره يكون بيعها صحيحاً حينئذ ولا مانع من المعاوضة عليه بمقتضى أدلة البيع المقررة في محلها.

والملاحظ بالنسبة لجلد الميتة أن اختلاف الظروف الموضوعية بالنسبة للأجزاء المتنجسة من الميتة نشأ منه اختلاف الحكم الشرعي بالنسبة للبيع والشراء، بسبب اختلاف الجهات والشروط التي لها مدخلية في ثبوت الحكم وعدمه.

ونظير هذه المسألة حكم التبرع بالأعضاء وبيعها، فالظروف التي لها مدخلية في الحكم الشرعي بالنسبة لها تختلف بحسب ما طرحه الفقهاء المتقدمون وبين المعطيات الفعلية.

وبعبارة أخرى، فلأجل أن يكون البحث دقيقاً ومنطقياً، فلابد من ملاحظة الظروف الموضوعية التي لها أثر على ثبوت الحكم أو عدمه، فإذا ثبت الاختلاف وعدم التطابق، فحينئذ لا علاقة بما بحث في الأزمنة المتقدمة بشأن بيع الأعضاء مع ما نحن فيه، والنتيجة التي نتوصل إليها على ضوء ذلك سواء كانت بالنفي أو الإثبات لا يلزم أن تكون متعارضة مع ما ذهب له المتقدمون لاختلاف جهة البحث ومحل النزاع بين ما هو مبحوث بالفعل وبين ما بحث سابقاً.

مقـدمة البحـث

قبل أن نبحث مباشرة في جواز التبرع بالأعضاء أو بيعها نحتاج إلى دراسة وتحليل ما سيأتي كمقدمة:

وهو: هل أن الإنسان يملك أعضاءه، أو أنها من موارد السلطة، أو من موارد الحق؟

1- فعلى الفرضية الأولى ( الملكية ) يكون التبرع أو البيع تصرفا في الملك.

2- وعلى الفرضية الثانية ( السلطة ) يكون ذلك إسقاطاً للسلطة ونقلها للغير في مقابل التعويض بمال أو بدونه.

3- وعلى الفرضية الثالثة ( الحق ) يكون ذلك إسقاطاً للحق ونقله للغير من خلال المعاوضة أو بدونها.

ولأجل أن يتضح ما تقدم لابد من بيان المقصود من الحق والملك والسلطة.

تعريف الملكيّـة

للفقهاء وعلماء الفلسفة وغيرهم كلام واسع في تحقيق مفهوم الملكية، والتحقيق أن الملكية المقصودة في باب البيع هي نحو اختصاص اعتباري بشخص معين أو بجهة اعتبارية لشيء معين، سواء كان عينياً أو اعتبارياً بنحو التعيين أو الإشاعة بحيث يُنسب إليه دون غيره.

وقد تتحقق الملكية بهذا المعنى مع سلب سلطة التصرف كما في موارد السفه والجنون والصغر وغيرها.

وهذا التعريف ليس سوى تعريف لفظي كما يصطلح عليه علماء المنطق ، وذلك لوضوح مفهوم الملكية وبداهيته لدى العقلاء.

تعريف السُّـلطة

والمقصود بها الولاية على أمر من الأمور بحيث يكون تصرفه نافذاً.

وهذا التعريف كسابقه من التعاريف اللفظية لبداهة المعرَّف، وقد ثبت في أبحاث علم المنطق أنّ من شروط التعريف أن يكون المعرف نظريا يحتاج الوصول إليه إلى التفكير، وأما إذا كان بديهياً فلا يمكن تعريفه تعريفاً حقيقيا، وإنما يمكن تعريفه باللفظ فقط.

تعريف الحـق

للفقهاء والمحققين كلام طويل في تحديد معنى الحق، فبعضهم اعتبر الملك والحق والسلطة ألفاظ مترادفة لمعنى واحد (كتاب البيع للإمام الخميني ج1 ص21)، وذهب آخرون منهم الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) إلى أن الحق عبارة عن اعتبار السلطة في مقابل الملكية (كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري ج1 ص236)، وذهب البعض إلى أن الحق تارة يُطلق ويُراد به السُلطة في مقابل الملك، وأخرى يُطلق على الملك نفسه، وأن الأعم منهما مفهوم السلطة ، ولذا قال بعض الفقهاء:

((وأما الحق فهو يُطلق مرة في مقابل الملك، وأخرى ما يرادفه، وهو بمعنييه: سلطنة مجعولة للإنسان من حيث هو على غيره ولو بالاعتبار من مال أو شخص أو هما معاً...))(بلغة الفقيه ج1 ص13).

وذهب البعض إلى أن الحق مرتبة ضعيفة من الملك ونوع منه.

والصحيح هو ما حققه الإمام الخميني(قده)

بأن الحق بحسب المفهوم يختلف عن الحكم والسلطة، فليس ملكاً ولا مرتبة منه، وليس سلطة ولا مرتبة منها، بل إنّ للحق معنى واحداً، وهو مشترك معنوي ينطبق على جميع أفراده بمعنى واحد، وهو عبارة عن: امتياز معين يستوجب الإنسان أو جهة اعتبارية بعض الأمور، أو قل: استحقاق شخص بعض الأمور باعتبار جهة معينة لوحظت فيه.

التفريق بين المفاهيم الثلاثة

لعل أو من ذهب إلى التفريق بين المصطلحات الثلاثة المتقدمة بحسب المفهوم هو الإمام الخميني(قده)، وقد جرى الكلام قبل ذلك حول الفرق بين الملك والحق، والثمرة التي تترتب على نتيجة البحث من الثمرات المهمة والبديهية التي لا تخفى سواء عند علماء الفقه الإسلامي أو فقهاء القوانين الوضعية.

ومما يتضح به تعدد هذه المفاهيم واختلافها أن الملكية قد تتحقق مع سلب حق التصرف، وسلب السلطة كما في موارد الصغر والجنون ونحوهما.

وفي مورد السلطة قد تتحقق الولاية مع عدم امتلاك صلاحية الإسقاط كما هو الحال بالنسبة لولاية الأب على أبنائه، فلا يحق له شرعاً إسقاط ولايته، بل يجب عليه أداء وظائفه الولائية عليهم حال الصغر ولو في أدنى مراتبها، وبهذا يتضح الفرق بين الحق والسلطة، فأقل مراتب الحق أنه قابل للإسقاط من قبل ذي الحق، والسلطة قد لا تقبل الإسقاط، مضافا لتحقق الحق في موارد لا تتحقق فيها الملكية ولا السلطة كما فيمن كان له حق التحجير وعرض عليه الجنون أم لا.

وحينئذ يمكن القول بأن صدق كل مورد من الموارد الثلاثة على بعض المصاديق دون غيره دليل على المغايرة و المباينة، وإلاّ لو كانت هذه الألفاظ كلها مترادفة لمدلول واحد يكون التخلف حينئذ مقتضٍ لعدم صدق أي لفظ من هذه الألفاظ على مدلوله الذي وضع له، أو يقتضي انفصال الشيء وتخلفه عن نفسه وهو محال بالضرورة.

ويدل عليه أيضا التبادر الذي هو إمارة الحقيقية كما تقرر في أبحاث علم الأصول ، مضافا لوضوح ذلك للعقلاء بحسب عرفهم واعتبارهم.(كتاب البيع للإمام الخميني ج1ص22)

ومن الجدير بالذكر أنّ اختلاف هذه المفاهيم الثلاثة لا يمنع من اجتماعها وفي وقت واحد في مورد ومصداق واحد، ولكن الغرض من التفريق بينها:

أولاً : بيان أنها معانٍ متباينة وأنّ كل معنى منها بحد ذاته قد يشكل عنواناً مؤثراً في ثبوت الحكم.

ثانيا : بيان عدم الملازمة بين المفاهيم الثلاثة، وأنه لاما نع من اجتماعها في مورد واحد ، كما لا مانع أيضاً من افتراقها في موارد أخرى.

دخول الأعضـاء في إطار الحق أو السلطة

الأعضاء لا تدخل في إطار الملكية، فالإنسان لا يملك أعضاءه ، ولم يدل على ملكية الإنسان لأعضائه دليل من الكتاب أو السنة، ولا من عرف العقلاء وسيرتهم، وحيث أنها تُعد في عرف العقلاء جزءاً من الإنسان(هذا بحسب العرف، وأما بحسب الأدلة العقلية فقد يُستفاد مما هو مقرر في أبحاث الفلسفة وغيرها أن حقيقة الإنسان الثابتة والأصيلة قائمة بالنفس والروح، وأن الجسد ليس سوى لباس للروح)، فالإنسان لا يملك أعضاءه بأي نحو من الأنحاء، ولا يملك أيضاً أجزاءه التي منها يتكون جسده، لما هو المرتكز في عرف العقلاء الممضى من الشارع قطعاً من عدم ملكية الإنسان لنفسه، ولكن للإنسان السلطة على نفسه وجسده إلا ما خرج بالدليل، كما لو تصرف بها بما يلزم منه التلف والضرر ونحو ذلك.

ويمكن القول بأن الناس في نظر العقلاء الممضى من الشريعة الإسلامية مسلّطون على أنفسهم وأموالهم، فتكون السلطة نافذة فيما عدا موارد المنع الشرعي.

وقد ذهب بعض الفقهاء أن أعضاء الإنسان داخلة في نطاق الحق، وذهب البعض الآخر أنها خارج من نطاق الحق والملك، وتدخل في موارد السلطة، وهو الذي ذهب إليه الإمام الخميني في كتاب البيع حيث يقول:

((فإن الناس لدى العقلاء مسلّطون على أنفسهم، كما أنهم مسلطون على أموالهم، بل في هذا العصر تعارف بيع الشخص دمه وجسده للامتحانات الطبية بعد موته، وليس ذلك إلا لتسلطه على نفسه لدى العقلاء، فسلطنة الناس على أنفسهم عقلائية، وأمّا كون الإنسان ذا حق على نفسه فغير عقلائي، إذ لا يعتبرون العقلاء أن الإنسان ذو حق على نفسه)).(كتاب البيع ج1 ص22).

وبالجملة، فأعضاء الإنسان على الصحيح تدخل في نطاق السلطنة، وهي خارجة عن نطاق الحق والملكية، ومما يدل على ذلك أن هذه السلطة في بعض الموارد لا تقبل الإسقاط، فخرجت عن كونها حقاً، لأن أدنى مراتب الحق قابلية الإسقاط، وامتناع الإسقاط ولو في بعض الموارد يوجب الخروج عن كونها حقاً، وأما الملكية فلا تصح من جهة تباني العقلاء وقضاء سيرتهم الثابت إمضاؤها من قبل الشريعة الإسلامية.

حكم التّبـرع بالأعضاء وبيـعها

وعلى ضوء ما تقدم فالسؤال المطروح وفقاً لما تقدم هو:

هل أنّ الإنسان يمتلك السلطة شرعاً على أعضائه بحيث يتمكن من التبرع بها أو بيعها؟.

ويمكن القول بأن مقتضى قاعدة (الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم) المعبر عنها هو جواز التبرع إلاّ ما خرج بالدليل وهي موارد الضرر والحرج، وذلك لأن هذه القاعدة العقلائية جرى عليها العقلاء في مختلف الأزمنة، ولم يصدر الردع عنها من قبل الشريعة الإسلامية، بل الذي يظهر من سيرة المتشرعة الكاشفة كشفاً قطعياً هو إمضاء الشارع الأقدس لهذه السيرة.

هذا بالنسبة للتبرع عدا موارد الاستثناء الآتي بيانها إن شاء الله تعالى.

وأما بالنسبة للبيع فيدل على جوازه مضافاً لما تقدم من مفاد قاعدة السلطنة ما تقرر في أبحاث البيع وفي أبحاث علم الأصول من أن البيع ونحوه من المعاملات ليس له مفهوم خاص في الشريعة الإسلامية، كما أن الألفاظ الشرعية لم تستخدم بمعنى خاص، وإنما المقصود من البيع الوارد في الخطابات الشرعية كقوله تعالى: {أَحَلَ اللهُ البَيْعَ} (البقرة/275 هو نفس البيع بمعناه العقلائي المتداول بين العقلاء( المكاسب ج1 ص237) والبيع العقلائي لا يختص بما كان تبادل ملك بمال، بل يتحقق أيضا بإسقاط الحق ونقله للغير، كما لو باع حق التحجير في مقابل ثمن(كتاب البيع للإمام الخميني ج1 ص32)، كما أنه يتحقق أيضاً بنقل السلطة وإسقاطها، فيدخل حينئذ هذا البيع في عموم الآية الكريمة ونحوها من العمومات والإطلاقات التي وردت من جهة الإمضاء لسيرة العقلاء، لا من جهة تأسيس حكم تعبدي مستقل عن السيرة العقلائية.

وليتضح ما يستفاد من الأدلة بشيء من الشمولية يمكن البحث في المسألة من عدة جهات، وهي :

1- التبرع بالأعضاء حال الحياة التي لا يسبب انتزاعها ضرراً على المتبرع، مع فرض اضطرار المتَبرَّع إليه للعضو المتبرع به.

وقد أفتى جملة من الفقهاء المعاصرين بجواز التبرع منهم الإمام الخميني والسيد المحقق الخوئي والإمام الخامنئي وغيرهم أيضاً. وقد سمعنا من بعض الفقهاء القول بالوجوب الكفائي للتبرع فيما لو توقف عليه إنقاذ حياة مسلم من المسلمين.

ويدل على الجواز، ما تقدم من دلالة قاعدة السلطنة الممضاة إمضاءاً قطعياً من قبل الشارع الأقدس، ويدل على الاستحباب والندب عمومات ما دلّ على الإحسان ونحوه مما لا يخفى على من تتبع الكتاب والسنة.

2- البيع في الفرضية المتقدمة: وفي هذه أيضاً لا دليل على المنع إلا في فرضية واحدة، وهي ما لو حصل من حدوث ذلك أو تكرره حالة الهتك والامتهان، وسقوط كرامة البائعين، ففي هذه الصورة لا إشكال في حرمة البيع، لما دلّ على حرمة الإنسان ولزوم الحفاظ على كرامته من الكتاب والسنة.

وفي غير هذه الحالة يصح البيع مع أن البائع لا يملك أعضائه كما تقدم، كما أن الذي ينتقل بالبيع هو السلطة لا الملكية، نعم تتحقق المالية في المبيع، وقد تحقق أن المال قد يتحقق دون تحقق الملكية. (مصباح الفقاهة للمحقق الخوئي ج2 ص302).

والحكم المتقدم بجواز البيع إنما يختص بالبالغ العاقل الرشيد، وأما مع فقدان البلوغ أو الرشد، فالقاصر لا يملك حق التصرف في ممتلكاته التي هي دون ذلك، فبالأولوية القطعية لا يملك الولاية على التصرف على أعضائه إلى هذا الحد،

وأما بالنسبة لجواز التبرع أو البيع رضا الولي، ففي المسألة حينئذ عدة فرضيات :

الأولى : أن يتوقف عليه إنقاذ نفس محترمة على نحو الانحصار، دون أن يستلزم نقل الأعضاء الضرر ولا الحرج. فقد يقال بالجواز أو الوجوب لعموم ما دل على لزوم إنقاذ النفس المحترمة من الهلاك، إلا أن يُعترض على شمول العمومات والإطلاقات لمثل هذا المورد، كما أنه قد يقال بأن ما دل على ولاية أولياء الصغير أو السفيه ليس له عموم أو إطلاق يشمل مثل هذا المورد.

الثانية : أن لا يكون ذلك مما تتوقف عليه إنقاذ نفس محترمة، ولعل الأقرب في هذه الصورة هو القول بالحرمة، خصوصاً بعد كون ذلك مخالف لمصلحة المنتقل منه، بل قد يقال بأن ما دل على الولاية لا يشمل مثل هذه الموارد.

الثالثة : أن يتوقف عليه إنقاذ نفس محترمة لا على نحو الانحصار، فحينئذ لا إشكال في أن غيره مقدم عليه، مضافا لما هو الصحيح من أن ما دل على ولاية أوليائه لا يشمل مثل هذه الموارد. والأدلة إنما تنصرف لما عدا ذلك.

التبرع أو البيع بعد الوفـاة

وما تقدم كله إنما هو بالنسبة للتبرع أو البيع حال حياة المتبرع أو البائع، وأما بعد الوفاة ففي المسألة عدة فرضيات، ومن أبرزها ما يلي:

1- التبرع بالأعضاء بعد الوفاة لمن هو في حاجة إليها (باستثناء الكافر الحربي)، وقد أفتى عدة من الفقهاء منهم السيد الخوئي بجواز ذلك، بل استحبابه، ونفاذ الوصية، ولزوم العمل بها، ويدل عليه ما تقدم من دلالة قاعدة السلطنة على ذلك.

ومع هذا فقد يشكل الأمر فيما لو منع الورثة من ذلك، وقد قيد بعض الفقهاء نفاذ مثل هذه الوصية برضا الورثة، وأنه لا يجوز تنفيذها مع صدور المنع منهم، وهذا الأمر يتوقف على فهم ما دل على ولاية أولياء الميت بعد وفاته، وإذ تم التوصل إلى أن نفاذ ما يوصي به الميت بعد وفاته بالنسبة لأعضائه هو نفس نفاذه بالنسبة لبعض شئون الدفن، إذا كان من المال الذي يمكن التصرف فيه بعد موته، كما يُستفاد ذلك من عبارات بعض الفقهاء، فحينئذ لا يمكن للأولياء المنع عن تنفيذ الوصية، وأما إذا قلنا بقصور الأدلة عن نفاذ وصيته على أعضائه إلى هذا الحد بعد الموت، فحينئذ قد يُقال بلزوم رضا الورثة لأن الولاية على جسد الميت تنتقل إليهم بعد الموت.

يقول المحقق الكبير الفقيه المجاهد الإمام السيد محسن الحكيم في مستمسك العروة الوثقى بشأن ولاية الورثة:

(( فالظاهر من النصوص مجرد جعل الولاية بلا جعل حق للولي، بحيث تكون إضافة خاصة بين الولي وشئون التجهيز على نحو تكون تلك الشئون مملوكة له))

إلى أن قال:

((وبالجملة، الظاهر من النصوص والفتاوى أنّ المجعول هو مجرد الولاية على الشئون المتعلقة بالميت التي هي من الأحكام لا الحقوق، نظير السلطنة المجعولة للمالك على ماله...)).

وحاصل ما أفاده أن المستفاد من أدلة ولاية الأولياء ليس مطلق الموارد، وإنما تختص بما عدا موارد الحقوق.

وظاهر كلام الشيخ مرتضى الأنصاري أن الوارث أولى بالميت في جميع الأمور إلا ما خرج بالدليل.

وعلى أي فالبحث في حدود ولاية الأولياء بحث واسع لا يسعه مثل هذا المختصر.

ويبقى في المسألة إشكال آخر، وهو أن ما دل على لزوم دفن الميت ومواراته، يقتضي لزوم دفن أعضائه أيضا.

ويمكن الجواب عنه:

أولا: بعدم انصراف الأدلة لمثل هذه الموارد.

ثانياً : المستفاد من الأدلة أن لزوم الدفن والمواراة إنما هو من جهة حفظ حرمة الميت، ولا تنافي بين زراعة الأعضاء وحرمة الميت، نعم لا إشكال في الحرمة لو تحقق التنافي في مورد من الموارد.

2- بيع الأعضاء بقبض الثمن حال حياته.

وقد اختلف الفقهاء في حكم المسألة على قولين، وقد يُستدل على صحة هذا البيع بما دل على سلطة الناس على أنفسهم إلا ما خرج بالدليل، وبقبض الثمن حيث يصح البيع تنتقل الولاية بمجرد الوفاة على العضو التي تمت المعاوضة عليه، وبمقتضى صحة البيع لا يحق للأولياء المنع، وقد يُقال بأن البيع يتوقف على إجازة الأولياء لسلطتهم بعد الوفاة ، وأنه يكون كبيع الفضولي ، ولكنه في غاية البُعد ، وتفصيل الكلام في هذه المسألة لا يسعه هذا المختصر.

التبرع أو البيع لغيـر الكافر الحربي

والتبرع أو البيع في هذه الصورة تارة يكون لإنقاذه من الموت أو الضرر وأخرى بدونه، وتارة يكون نقلا الأعضاء موجبا لضرر المتبرع أو البائع أو يكون موجباً لوقوعه في الحرج، وأخرى لا يوجب ذلك.

فإذا كان البيع أو التبرع موجباً لإنقاذ حياة المنتقل إليه ولا يوجب هتكاً ولا توهيناً للمنتقل منه، ولا يستلزم الضرر أو الوقوع في الحرج فقد يُقال بالجواز سواء بالنسبة للتبرع أو البيع، لما دل على السلطنة كما تقدم، ولصحة انعقاد مثل هذا البيع عقلائياً، ولعدم المانع من الإحسان للكافر غير الحربي.

يقول الله عز وجل في كتابه الكريم:

{لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة/8،9).

وعلى ضوء هذه الآية الكريمة عدة من الفقهاء بصحة الوصية للكافر غير المحارب.

يقول الشهيد الثاني في شرح اللمعة:

((تصح الوصية للذمي وإن كان أجنبياً ، للأصل والآية والرواية بخلاف الحربي وإن كان رَحماً)).

وقال ابن حزم الظاهري في المحلى:

((والوصية للذمي جائزة ولا نعلم في هذا خلافاً)).

وهذه بعض التفاصيل بشأن التبرع بالأعضاء وبيعها ، وتمام الكلام فيها لا يسعه مثل هذا المختصر.

مع الفقهاء المتقدمين الذين حكموا

بحرمـة بيع الأعضاء

يقول العلامة شمس الدين محمد بن عبد الله بن تمرتاش الغزي الحنفي في تنوير الأبصار بشأن بيع أعضاء الإنسان:

((والآدمي مُكرم شرعاً وإن كان كافراً ، فإيراد العقد وابتذاله به، وإلحاقه بالجمادات إذلال له)).

وقال العلامة ابن عابدين الحنفي بعد أن نقل هذه العبارة عنه:

((أي غير جائز، وبعضه في حكمه، وصرّح في فتح القدير ببطلانه)).

وقال العلامة الحصكفي الحنفي في الدر المختار أثناء حديثه عما لا يجوز بيعه:

((وشعر الإنسان لكرامة الآدمي ولو كان كافراً، ذكره المصنف وغيره في بحث شعر الخنزير)).

وقال العلامة الكاساني الحنفي في بدائع الصانع:

((وأما عظم الآدمي وشعره فلا يجوز بيعه ، لا لنجاسته ، لأنه طاهر في الصحيح من الرواية ، لكن احتراماً له ، والابتذال بالبيع يُشعر بالإهانة ، وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : لعن الله الواصلة والمستوصلة)). (قال العلامة إبن الأثير في النهاية: وفيه أنه لعن الواصلة والمستوصلة، الواصلة التي توصل شعرها بآخر زور، والمستوصلة التي تأمر من يفعل بها ذلك، وروي عن عائشة أنها قالت: ليست الواصلة بالتي تعنون، ولابأس أن تعرى المرأة عن الشعر فتصل قرنا من قرونها بصوف أسود، وإنما الواصلة التي تكون بغياً في شبيبتها، وإذا سنّت وصلتها بالقيادة. وقال أحمد بن حنبل لما ذكر ذلك: ماسمعت بأعجب من ذلك.)

وقال ابن قُدامة الحنبلي في المغني:

((وإنما حرم بيع الحر لأنه ليس بمملوك وحُرم بيع العضو المقطوع لأنه لا نفع فيه)).

أقول:

فتوى المذكورين من علماء الأحناف والحنبلة وكذا فتاوى غيرهم إنما تنطبق في تلك الأزمنة انطباقا تاما لفقدان المنفعة المحللة المقصودة التي هي ضابطة البيع، ولأن البيع بتلك الظروف يستوجب الإهانة والهتك التي يحرم حتى بالنسبة للحيوانات، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المثلة ولو بالكلب العقور، فيدور المدار مدار تحقق الهتك ووجود المنفعة المحللة أو المقصودة أو انتفائها، وعليه فالأدلة المذكورة ليست عامة تشمل سائر الموارد كما هو واضح.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

ذو القعدة الحرام سنة 1414 هجري قمري.

حسين عبد الله المعتوق.