بسم الله الرحمن الرحيم الفصل الأول من هو الإمـام ؟ - الإطاعة ما هو المبرر الذي من أجله تحرم أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وجود من له ارتباط بالغيب مباشرة دون الأمم السابقة فكانوا يحظون بوجود الأنبياء في كلِّ عصر بل ربَّما كانوا يتنعمون بوجود أكثر من نبي في عصر واحد غير أنَّ أولي العزم منهم هو الذي يتصدّى أمر الأمَّة، فهل كانت تلك الأمم أفضل من هذه الأمَّة أم ماذا؟ ربَّما يقال بأنَّ خاتمية الرسول الرسول هي المبرر لذلك فلا حاجة لنبي بعده إذ به قد انتهت أمد النبوَّة ، فالأمَّة لا تحتاج إلى نبي أو من يكون بمستوى النبي بل يمكن للآخرين أن يتصدوا أمر الأمَّة. ولكن نقول بأن الخاتمية لا تكون مبرراً لذلك فلم تثبت إلا أمراً واحداً وهو: إنَّ الشريعة هي شريعة الإسلام لا غير فلا يقبل كلام من يدعي وجود شريعة أخرى ناسخة للإسلام و لا نبيَّ بعد النبي حيث لا حاجة له كنبيٍّ يأتي بدين يغاير الإسلام ، وأمّا أكثر من ذلك فلا يمكننا إثباته فلا يمكن القول بأن الإسلام رغم عدم وضوحه لا يحتاج إلى إمام يفسِّره ويوضحه وأيضاً يتصدَّى شئون المسلمين! بل أهمية هذا الدين تؤدي إلى مضاعفة الحاجة إلى الإمام المعصوم مفسِّراً ومبيناً للدين ومرشداً وهادياً للأمَّة. فما هو الحلّ؟ الإجـماع : قيل بأن الإجماع هو الحل لأمر الخلافة فنقول: ماذا نعني به؟ هل هو اتفاق عدد من المسلمين كأهل الحل والعقد منهم أو اتفاق أمة محمد جميعاً بما فيهم من عامة الناس ؟ فكيف يكون ذلك حجة ونحن نحتمل أن يكون اتفاقهم منطلقاً من العادة أو أو الانفعال النفسي أو نحو ذلك من خصائص البشر. ولا يخفى عليك أنَّ الذين ينادون بالإجماع إنَّما يريدون تبرير ما وقع بعد الرسول من بيعة أبي بكر حيث لا سند قرآني ولا حديثي على تلك البيعة وهذا ما جرَّهم إلى جعل الإمامة من فروع الدين لا الأصول وجعلوا الاجماع حجة في قبال الكتاب والسنة ، ثمَّ اعتمدوا على أحاديث نسبوها إلى الرسول بأنَّه يقول: ((لا تجتمع أمتي علي الخطأ)) وقالوا بأنَّها متواترة، ولو فرض صحتها إنَّما تدل على أنَّ الأمَّة كلَّها لا تخطأ لا بعضها فلا علاقة للحديث مع ما يعتمدونه في بيعة سقيفة بني ساعدة ، كيف وقد ثبت متواتراً بأن علياً سلام الله عليه وجماعة كبيرة من بني هاشم وعدد من المسلمين قد وقفوا بوجههم وعارضوهم ومن هنا تحيَّر القوم فمنهم من قال كمالك مالك على ما نسب إليه: "أن الحجة هو إجماع أهل المدينة فقط " وقال قوم: "الحجة إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة والمصرين الكوفة والبصرة " وقال قوم :المعتبر إجماع أهل الحل والعقد . قال بعض : المعتبر إجماع الفقهاء الأصوليين خاصة . قال بعض : الاعتبار بإجماع اكثر المسلمين واشتراط بعض في المجمعين أن يحققوا عدد التواتر . وقال آخرون : الاعتبار بإجماع الصحابة فقط دون غيرهم ممن جاءوا بعد عصرهم " وعلى أي حال : لا قيمة للإجماع في هذا المجال أصلاً. وقد حاول بعضهم أن يلتجأ إلى الشورى اعتماداً على قوله تعالى: فقال بأنَّ الله قد أمر نبيَّه بالمشاورة وأراد بذلك تعليم الأمَّة أن يتشاوروا في كافة أمورهم حتى الخلافة والقيادة. أقول: هذا الاستدلال غير صحيح من نواحي مختلفة: أولا: إنَّ الآية بصدد توجيه خليفة المسلمين بأنَّه يتشاور مع الناس في شئون الحكومة ليستفيد من عقولهم والمشاورة كما قال علي عليه السلام هو استظهار آراء الآخرين، على أنَّ الرسول لم تكن مشورته تنطلق من الجهل بل كان من أخلاقه ذلك كما يستفاد من سياق الآية أيضاً. وأما أنَّ الخلافة تكون بالشورى فلا تدل عليها الآية أصلاً ومن الواضح بطلان الاستدلال بالآية لإثبات ذلك. ثانيا: الآية تقول (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(آل عمران/159). فالعزم والقرار الأخير يكون للحاكم نفسه وهو الذي له الخيار الكامل قبل ذلك وعلى ضوءه يتشاور مع الناس فلا دلالة لها على أنَّ الحاكم ينتخب بالشورى ، لأنَّ في هذه الحالة يتوجَّه السؤال بأنَّه : " من الذي يعزم إذاً " ومثل تلك الآية قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)(الشورى/38). فهي لا تتحدَّث إلا عن الأمور الخاصة التي تتعلَّق بالمؤمنين أما ما هي تلك الأمور فليست الآية بصدد بيان ذلك فلا يمكن الإدعاء بأن تعيين الخليفة داخل في شئون المؤمنين ويستفاد من سياق الآية أن الأمور هي قضايا تخصُّهم فقط والجدير بالذكر قوله (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ) وكيف يستجيبون لربهم؟ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال/24). فشئون الرسول هي ضمن شئون الله تعالى. على أي حال: لا يمكننا إثبات الموضوع بالتمسك بالحكم كما ثبت ذلك في الأصول. مع ملاحظة ما بينا سابقاً في الخلافة الباطنية يعلم بأن الإمام لا بد وأن يكون من قبل الله تعالى لأنَّ تلك الصفات التي سوف نذكرها للإمام لا يمكن أن تعرف إلا من قبل الله تعالى وأهمُّها العصمة يقول أبو علي سينا: "الإنسان يحتاج إلى النبي والإمام لتصحيح أخطاءه فينبغي أن يكون الإمام معصوماً والعصمة حالة باطنية لا يعرفها إلا الله" إن القرآن الكريم هو الذي يحسم هذا الأمر حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ...)(النساء/59). فمن يتأمل في الآية سوف يصل إلى ما ندعيه بأن أولي الأمر لا بد وأن يكونوا معصومين من الزلل ولا يمكن أن يعرِّف المعصوم إلا المعصوم وهو الله تعالى بالأصالة والنبي بالتبع. فينبغي أن نتحدَّث عن الآية بوجوه مختلفة: الوجـه الأوَّل إن قوله "أَطِيعُوا اللَّهَ" تستلزمها سالبة كلية وهي "لا تعص الله أبداً" وقوله "أَطِيعُوا الرَّسُولَ" أيضاً تستلزمها سالبة كلية تقول "لا تعص الرسول أذاً" فلو قلنا بأنَّ أولي الأمر لا تشترط فيه العصمة فهذا يعني أنَّه ربَّما يعصي الله تعالى أي "إعص الله في بعض الحالات" وهذه موجبة جزئية ، وبين الموجبة الجزئية والسالبة الكلية تناقض واضح يستحيل صدوره من بشر فكيف من الله تعالى. النتـيجة: إنَّ أولي الأمر لا بدَّ وأن يكونوا معصومين منصوبين من قبله تعالى الوجه الثاني: إنَّ القرآن الكريم يفسِّر بعضه بعضاً فهناك أساليب مختلفة لهذا الأمر ومع تتبع الآيات القرآنية يمكننا أن نستنتج ما ادعيناه بكل وضوح. مثـال: لو وصّى الطبيب مريضه بأن يتغذّى باللبنيات ثمَّ منعه من أكل الجبن والزبدة والقشدة …فحذره من جميع المشتقات …ثمَّ سكت ولم يجعل اللبن خاصة ضمن المحذورات فماذا يفهم من ذلك ؟؟؟ إنَّ المباح هو اللبن ليس إلا. القرآن في بيان القسم الثالث من المطاعين يقول: (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ..)(النساء/59). وفي نفس الوقت نلاحظ أنَّه يمنعنا من إطاعة الكثير من الناس حيث يقول: (وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا)(الإنسان/24).(ولاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)(الكهف/28). (وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)(القلم10،11). وأيضاً يقول سبحانه: (وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ) (الشعراء/151 ، 152). ويقول تعالى: (..وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)(الأعراف/142). (...وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ ...) (المائدة/48). (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُون)(الأعراف/3). (لاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)(المائدة/77). النتيجة: فماذا نستنتج من جميع تلك الآيات ومن هو الذي ينبغي أن يتَّبع؟ لا يبقى إلا المعصوم الخالص من جميع تلك الشوائب والأمراض النفسية. الإطـلاق: تتميماً للوجهين نلفت انتباه القرآن إلى أنَّه تعالى لم يقيِّد إطاعتهم أصلاً بل جعلها مطلقة فهم إذاً المعصومون لا غير وهم الذين إن تبعهم الإنسان لن يتورط في الضلال والعمى بل يخرجونه من الظلمات إلى النور كإطاعة الله تعالى لا كإطاعة الوالدين حيث يقول تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)(النساء/36). ثمَّ يقول في موضع آخر: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ...)(لقمان /15). |