بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الثاني

الخـلافة الإلهيـة

- مقدمة

- التبليغ

- هل هو من الأصول أو من الفروع

- أهمية هذا التبليغ

- إكمال الدين

- تاج ذو أربعة أبعاد

- موقع الآية في المصحف

إلى الفهرس


قال الإمام الخميني في كتابه الفقهي في المسألة السابعة(الولاية من قبل الجائر):

"إن السلطنة مجعولة بجعل الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وآله وبجعله تعالى أو بجعل رسول الله صلى الله عليه وآله بأمره تعالى مجعولة لأمير المؤمنين والائمة الطاهرين من بعده، وأساس السلطنة وشئونها غير أساس تبليغ الأحكام الذى هو من شئون رسول الله صلى الله عليه وآله من حيث رسالته ونبوته، ومن شئون الأئمة بإرجاع رسول الله صلى الله عليهوآله الأمة إليهم في أخذها بأمره تعالى بضرورة المذهب وللروايات المتواترة من الفريقين كحديث الثقلين (الوسائل - كتاب القضاء - الباب 5 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به) . وحديث سفينة نوح وغيرهما (الوسائل - كتاب القضاء - الباب 5 - من ابواب صفات القاضى ومايجوز ان يقضى به) . ، وانما وجب طاعتهم لكونهم سلاطين الأمة وولاة الأمر من قبل الله تعالى ، لا لكونهم مبلغين لاحكامه تعالى ، لان المبلغ لها لا امر ولا حكم له فيما يبلغها ولا يكون العمل طاعة له بل الحكم من الله والاطاعة له وانما اقواله وآرائه كاشفات عن حكم الله تعالى واما اوامرهم الصادرة منهم بما انهم ولاة الامر وسلاطين الامة فتجب اطاعتها لكونهم كذلك ولكون الامر امرهم لا لكشفه عن امر الله تعالى . نعم انما يجب طاعتهم لاجل امر الله تعالى بها في قوله : اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم ولجعل السلطنة والولاية لهم من قبله تعالى ولو لا ذلك لم تجب ، لان السلطنة والولاية مختصة بالله تعالى بحسب حكم العقل فهو تعالى مالك الامر والولاية بالذات من غير جعل وهى لغيره تعالى بجعله ونصبه ، وهذه السلطنة والخلافة والولاية من الامور الوضعية الاعتبارية العقلائية فالسلطنة بشئونها وفروعها لهم من قبله تعالى ولا يجوز لاحد التصرف فيها وتقلدها اصلا وفرعا ، لان تقلدها غصب والتصرف فيها وفى شئونها كائنة ما كانت تصرف في سلطان الغير." (فقه الإمام الخميني ج: 6 ص 105 110).

وقد بيَّن أئمتنا الحكمة في الأمر بإطاعتهم نذكر ما نقل عن الإمام الرضا عليه السلام في عيون الأخبار:

((في باب العلل التى ذكر الفضل بن شاذان انه سمعها من الرضا عليه السلام مرة بعد مرة وشيئا بعد شئ ، فان قال فلم جعل اولى الامر وامر بطاعتهم ؟ قيل : لعلل كثيرة:

منها: ان الخلق لما وقفوا على حد محدود وأمروا الايتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ، ولايقوم الا بأن يجعل عليهم فيه أمينا يمنعهم من التعدى والدخول فيما حظر عليهم لانه لو لم يكن ذلك كذلك لكان احد لايترك لذته ومنفعته لفساد غيره ، فجعل عليهم فيما يمنعهم من الفساد ، ويقيم فيهم الحدود والاحكام ومنها انا لانجد فرقة من الفرق ولاملة من الملل بقوا وعاشوا الابقيم ورئيس لما لابدلهم منه في امر الدين ، فلم يجز في حكم الحكيم ان يترك الخلق مما يعلم انه لابدلهم منه ولاقوام الابه ، فيقاتلون فيه عدوهم ويقسمون به فيئهم ، ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم ، ويمنع ظالمهم من مظلومهم .))

والجدير بالذكر أنَّ الآية التي قبل آية الإطاعة هي قوله تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)(النساء/58).

وقد ورد الحديث بأنَّ الأمانة في الآية هي الإمامة (مجمع البيان، سورة النساء ذيل الآية 58. وتفسير البرهان، وتفسير الدر المنثور ذيل نفس الآية)

نشير إلى بعضها:

1-((في اصول الكافى عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسن بن على الوشاء عن أحمد بن عمر قال : سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل : ( ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى اهلها ) قال : هم الائمة من آل محمد صلى الله عليه وآله ان يؤدى الامام الامانة إلى من بعده ولايخص بها غيره ولايزويها عنه))

2-((في اصول الكافى الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسن بن على الوشا عن احمد بن عائذ عن ابن اذينة عن بريد العجلى قال سألت اباجعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل ( ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى اهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) قال ايانا عنى ان يؤدى الاول إلى الامام الذى بعده الكتب والعلم والسلاح ( واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ) الذى في أيديكم ، ثم قال للناس ( يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولى الامر منكم ) ايانا عنى خاصة امر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا .)) (أصول الكافي ج2 ص22 - 24. كتاب الحجة، باب أن الإمام - عليه السّلام - يعرف الإمام الذي يكون من بعده... وكذلك تفسير مجمع البيان وتفسير نور الثقلين ذيل الآية المذكورة).

التبليغ:

من الآيات التّي تدلُّ على أنَّ مقام الإمامة لا يتحقق إلا من خلال التنصيب الإلهي قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(المائدة/67).

والجدير بالذكر أنَّ هناك موردين قد خاطب الله فيهما نبيَّنا بقوله "يا أيُّها الرسول" كليهما متعلقان بالولاية والإمامة وهما:

قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)(المائدة/41)

وقد ورد حديث دالٌّ على ذلك قال فيه الإمام الباقر عليه السلام

((.ففرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم عند نزولها إذ لم يقبل الله تبارك وتعالى إيمانهم إلاّ بعقد ولايتنا و محبتنا))(بحار الأنوار ج 42 ص 25 الرواية 7 باب 92)

وفي خصوص آية التبليغ، قد صرَّح سبحانه بقوله:

(وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)(المائدة/67)

وعلماً بأنّه كان خاتم الأنبياء والمرسلين فلو لم يبلِّغ رسالته بتنصيب الإمام، لم يتحقَّق الغرض من رسالته، كيف والولاية هي من صميمها. ومن هنا نعرف السرَّ في تعبير القرآن بقوله: " لقد منَّ" بصيغة الفعل الماضي الدال على المُضي و الانقضاء، حيث أنَّ الرسالة قد ختمت به صلوات الله عليه وآله:

(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) (آل عمران/164)

وأمّا بالنسبة إلى الإمامة فهي مستمرَّة لا نهاية لها ولا انقضاء إلى يوم القيامة، حيث أنَّها تتمثَّل في الإنسان الكامل الّذي هو النور الذي لا زوال له بإذن الله تعالى.

قال الإمام الخميني قدس سرُّه:

"ويكون التنصيص على الخلافة من أعظم الفرائض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن تضييع هذا الأمر الخطير الذي بتضييعه يتشتت أمر الأمّة ويختلّ أساس النبوة يضمحل آثار الشريعة، من أقبح القبائح التي لا يرضى أحد أن ينسبها إلى أوسط الناس فضلاً عن نبي مكرّم ورسول معظّم نعوذ بالله من شرور أنفسنا "

ولا تخفى عليك لطافة كلمة "من ربِّك" فالأمر له علاقة مع التربية الإلهية للرسول . فجمع الناس في أرض فيها غدير ماء وهي منخفضة و تقع في مفرق الطرق وذلك في حرّ الظهيرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو :

ما هو الشيء الذي "أنزل على الرسول من ربِّه" بحيث لو لم يحققه لأختل أصل الرسالة؟ فلا بدّ أن يكون أمر جذري ذو أهمّية كبيرة ؟

وبعبارة أخرى إلى ماذا تشير هذه "ما" الموصولة ؟ فلنستقرأ جميع الاحتمالات كي نصل إلى الواقع فنقول:

هل هو من الأصـول أو من الفـروع؟

فلو قيل: إنَّه من الأصول فما هو؟

هل هو التوحيد وشهادة "لا إله إلا الله" أو "الرسالة" أو "المعاد" لا شك أنَّه ليس المقصود هذه الأمور قطعاً لأنَّها قد أعلنت من قبل فالتوحيد هي أوَّل من أعلن والرسالة هي واضحة على أنَّ الآية لا تنسجم معها حيث يقول سبحانه: "فإن لم تفعل فما بلغت رسالته" وأما المعاد فهو من أوَّل ما أكَّد عليه الرسول ولذلك نشاهد أنَّ أكثر السور المكيَّة تذكر المعاد سواء على مستوى الإنذار أو التبشير .

ولو قيل: أنَّه من الفروع فما هو ذلك الفرع؟

علماً بأنَّ "الصلاة" قد شرِّعت في بداية الدعوة و"الصوم والجهاد والخمس والزكاة"قد شرِّعت في الثانية من الهجرة النبويَّة فهو صلى الله عليه وآله قد وصل إلى الثالثة والستين وقد رجع من حجَّة الوداع فنزلت عليه الآية، وهل هو "الحج" أو "الأمر بالمعروف" وأي خوف يعتريه صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ هذين الأمرين، كيف يخاف وهو كان في صراع دائم معهم وكان يحاربهم بكلِّ حسم وشجاعة وقوَّة؟

فينبغي أن تفسَّر الكلمة بحيث تنسجم مع سياق الآية بدايةً ونهاية:

فما هو الشيء الذي لم يعلنه رسمياً إلى حين ذاك؟

وما هو الأمر الذي يعدّ مفتاحاً لكل الدين؟

وما هو الذي كان يخشى من بيانه للناس ؟

لا يبقى إلا أمر واحد وهو من أصول الدين وهو:

الإمـامة:

فكان يعيش حالة التقيَّة في أمر الولاية قبل نزولها فانتفت التقيَّة بعد ذلك كما في الحديث التالي:

(( الحسين بن أحمد البيهقي عن محمد بن يحيى الصولي عن سهل بن القاسم النوشجاني قال: قال رجل للرضا عليه السلام يا ابن رسول الله إنه يروى عن عروة بن زبير أنَّه قال: توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم و هو في تقيةٍ؟ فقال: أما بعد قول الله عزّ و جلّ "يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" فإنَّه أزال كلَّ تقيةٍ بضمان الله عزّ و جلّ له و بيّن أمـــــــر الله)) (بحار الأنوار ج 16 ص 221 الرواية 16 باب9)

وكان خوف رسول الله لا ينبعث من حالته النفسية كيف وهو الذي خاطبه سبحانه بقوله:

(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً)(النساء/84)

يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

(( كنّا إذا احمر البأس إتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يكن أحدٌ منّا أقربَ إلى العدوِّ منه)) (بحار الأنوار ج19 ص191 الرواية44 باب8)

كلُّ ذلك كان قبل فتح مكّة وأمّا بعد الفتح، فقد اتَّسعت قدرة الإسلام وقويت شوكته، فلا خوف من الناحية العسكرية، فممَّ كان الخوف؟

أقول:

إنَّ الخوف كان من جانب آخر أهمّ، وهو الجانب السياسي، ذلك لأنَّ موضوع الولاية كان مهماً وحسّاساً للغاية، حيث يثير الأحقاد القبليّة، والضغائن البدرية والخيبرية الكامنة في صدور القوم، وحيث التخطيط الدقيق المركَّز لتصاحب الخلافة بعد الرسول، والتسلُّط على رقاب المسلمين، وهذا من أهم المخاطر التي كانت تواجه الإسلام، ولكنَّ القوم فوجئوا بالغدير فيَئسوا من نجاح خطَّتهم ضدّ الإسلام، كما يشهد بذلك التأريخ وهذا ما يستفاد من الحديث التالي:

((عن المفضَّل بن صالح، عن بعض أصحابه عن أحدهما عليه السلام أنَّه قال: لما نزلت هذه الآية "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" شقَّ ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم، وخشي أن يكذَّبه قريش، فأنزل الله "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك الآية" فقام بذلك يوم غدير خم))(بحار الأنوار ج35 ص188 الرواية10 باب4).

وبالفعل كانوا يحملون تلك الأحقاد ضد أمير المؤمنين ومن هنا كان في جوابهم للحسين عليه السلام عندما كان يسألهم عن سبب محاربتهم إياه يقولون "بغضاً لأبيك" وقد ذكر بعض المحققين أنَّ المعزولين من حكومة علي عليه السلام هم الذين جيشوا الناس وأسرعوا إلى حرب ابنه الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء.(ميرزا خليل كمره أي وهو مجتهد في التاريخ)

أهميَّـة هذا التبليغ

إنَّ أهمِّية هذا الأمر قد وصلت إلى الذروة، حيث ورد في الحديث عن أبي جعفر محمد بن على عليه السلام في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه وآله مخاطباً لعليٍّ عليه السلام قال:

(( لقد أنزل الله فيك "يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربِّك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" فلو لم أبلِّغ ما أُمرتُ به لحبط عملي))(بحار الأنوار ج36 ص139 الرواية99 باب39)

ولا يخفى أنَّه من المستحيل أن يخالف الرسول ربَّه في هذا الأمر، ولكن يدلُّ ذلك على الأهميَّة الكبيرة لتبليغ ما أنزِل إليه من ربِّه، وهو تعيين أمير المؤمنين عليه السلام خليفةً على المسلمين.

وتأييداً لذلك نذكر حديثاً في هذا المجال:

((علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحكم بن بهلول عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ"(الزمر/65)، قال يعني إن أشركت في الولاية غيرَه، بل اللهَ فاعبد و كن من الشاكرين يعنى بل الله فاعبد بالطاعة و كن من الشاكرين أن عضدتك بأخيك وابن عمك))(الكافي ج1 ص427 الرواية76).

يستفاد من الآية الكريمة الأمور التالية:

1- من وظائف الرسول صلى الله عليه وآله وسلَّم، إبلاغ الوحي الإلهي في جميع جوانبه وزواياه.

2- هناك رسالة مميَّزة قد أُمر رسول الله بإبلاغها للناس، وليس المقصود الشريعة بأجمعها لأنّه لا معنى حينئذٍ لقوله "فإن لم تفعل فما بلغت رسالته".

3- إنَّ تلك الرسالة الخاصَّة تُضاهي جميع الأمور الأخرى التِّي بيَّنها الرسول خلال حياته، بل هي الرسالة بعينها.

4- إنَّ تنصيب عليٍّ عليه السلام إماماً للمؤمنين هو الحكم الإلهي النازل على الرسول في ذلك اليوم.

قال الإمام قدّس سرّه:

"إذا كان النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قد تولى الخلافة، فقد كان ذلك بأمر من الله، إذ أن الله تعالى هو الذي جعله -صلّى الله عليه وآله وسلّم- خليفة. "خليفة الله في الأرض" لا أنه قام بتشكيل الحكومة من نفسه وأراد أن يكون على المسلمين. كما أنه حيث كان يُحتمل حصول الخلاف بين الأمة بعد رحيله -إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام والإيمان- فقد ألزم الله تعالى الرّسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن يقف فوراً وسط الصّحراء ليُبَلِّغ أمر الخلافة (إشارة إلى واقعة غدير خم المترتبة على نزول هذه الآية "ياأيها الرّسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته..." (سورة المائدة، الآية67 كتاب الغدير ج1 ص214 :229). فقام الرّسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم بحكم القانون واتِّباعاً لحكم القانون بتعيين أمير المؤمنين عليه السّلام للخلافة لا لكونه صهره، أو لأنه كان قد أدى بعض الخدمات، وإنما لأنه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - كان مأموراً وتابعاً لحكم الله"

5- عدم تبيين تلك الرسالة تعني عدم تبليغ الرسالة من الأساس.

6- ينبغي للرسول أن يتَّخذ خطَّة عمليَّة يتمكَّن - من خلالها - إبلاغ الرسالة الخاصَّة وذلك لمكان قوله تعالى: "فإن لم تفعل" ولهذا لم يكتف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم بالإبلاغ فحسب بل طلبَ من الناس رجالاً ونساءً المبايعة العملية لعلي عليه السلام. وفي الحديث:

((...وأمر علياً عليه السلام أن يجلس فى خيمــــة له بإزائـه، ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً فيهنؤه بالمقام ويسلِّموا عليه بإمــرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلّـــهم، ثمَّ أمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه ويسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن...))(بحار الأنوار ج21 ص386 روايه10 باب36).

7- كانت هناك مؤامرة تواجه الرسول من قِبَل بعض الناس إزاء تبليغ هذه الرسالة المميَّزة، فأخبره الله سبحانه بأنَّه هو المتكفِّل للقضاء على هذه المؤامرة الخطيرة حيث يقول "والله يعصمك من الناس".

8- هؤلاء المتآمرون بوقوفهم ضد رسالة الرسول و إنكارهم الولاية جُعلوا في عداد الكفّار بدليل "والله لا يهدي القوم الكافرين" فكلّ من يقف ضدّ الولاية، فقد دخل في زمرة الكافرين وابتلي بالعذاب الأليم.

إكمـال الدين:

وفي هذه المناسبة نزل قوله تعالى:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(المائدة/3).

فالإكمال للدين والإتمام للنعمة وأيُّ نعمة هي؟

قال تعالى:

(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ)(آل عمران/164).

وليس من صفاته أن يمنَّ على النعمة لولا عظمتها وخطورتها وبالفعل قد منَّ على المؤمنين بهذه النعمة منقطعة النظير وهي نعمة الرسالة ولكنَّها لم تتم بعد في الجانبين العلمي والعملي أعني التعليم والتزكية "فإن لم تفعل فما بلغت رسالته" فتعليم الكتاب يفتقر إلى مفسِّر دائم كما أن تطبيق الشريعة وتزكية النفوس لا تتم إلا من خلال مربٍّ معصوم. فالكتاب من غير مفسِّر نقصٌ في النعمة وكذلك بيان الشريعة من غير حاكم عادل مجرٍ لها نقصان في النعمة، فكمل الدين وتمّت النعمة بالولاية وحينها رضي الله بالإسلام ديناً والجدير بالذكر ما في الآية المباركة من الابتداء بالدين في قوله "اليوم أكملت لكم دينكم" والانتهاء به "ورضيت لكم الإسلام ديناً" وأيضاً من لطائف الأمور ما ورد في زيارة أمير المؤمنين علي عليه السلام "السلام على اسم الله الرضي ونور وجهه المضيء"(البحار ج100 ص302 الرواية22 الباب4).

تـاجٌ ذو أبعـاد أربعـة:

فهناك تاجٌ إلهي ذو أربع زوايا وهي:

1- به يأس الكفار.

2- وإكمال الدين.

3- وبه إتمام النعمة.

4- وبه رضى الرحمن.

فنريد أن نتوِّج به يوماً من الأيام النبويِّة التي عاش فيها النبي الأكرم وهي 63سنة فما هو ذلك اليوم؟ فلنلاحظ تلك الأيام لنطبق هذا اليوم عليها:

1- يوم بعث في الرسول وكانت الدعوة خفاء وهي الثلاث سنوات الأولى. فلا يتناسب مع "اليوم" قطعاً، لأنه كان بداية الإسلام والمسلمون كانوا يتعلَّمون ألف باء الإسلام. فأين الإكمال والإتمام ووو..

2- عندما صارت الدعوة علنية أياً لا يتناسب مع ذلك اليوم حيث لم تتحقق تلك الأمور الأربعة.

3- عند هجرة النبي إلى مكّة، فلا ارتباط له بذلك "اليوم" حيث لم ييأس الكفار من الدين بل هجموا عليه لعلهم ينتصرون.

4- حين ولادة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام، فلم ييئسوا حيث أنهم لم يروا أن البنت ذات قيمة في قبال الولد ولذلك خاطبوه بالأبتر.

5- يوم بدر، فلم ييأس إلا عدد من الكفار لا جميعهم ولذلك استمروا في الصراع، وكذلك حين فتح خيبر وحنين وفتح مكة وإعلان البراءة مضافاً إلى أنه لم تتم الأمور بعد ولم يكمل الدين.

6- يوم عرفة فلا يتناسب مع قوله دينكم بل ينسجم مع الحج فقط.

"فلا محيص إلا أن نتوجه يوم الغدير به حيث كانوا بانتظار وفاة الرسول وحسم الأمر لصالحهم ففشلت جميع ما تآمروه في ذلك اليوم حيث نصب عليأ خليفة على المسلمين نصباً إلهيا".

موقـع الآيـة في المصحف

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(المائدة/3).

والمقطع المتعلِّق بحادثة الغدير غير منسجم مع الآية من ناحية المعنى أصلاً، وهذا لا يعني أنَّه قد وُضع في غير موضعه، حيث أنَّ هناك الكثير من الآيات في القرآن الكريم من هذا القبيل، والأمر راجع إلى الجانب الفنِّي في القرآن الكـريم، حيث أنَّه كتابٌ لهداية الناس بأفضل الأساليب والطرق،

وهاهنا نقـــول:

حفاظاً على النصوص الواردة في حقِّهم عليهم السلام لكثرة المؤامرات والخطط ضدّ كلّ أمرٍ يمتًّ إليهم بصلة، نشاهد أنَّه قد وردت هذه النصوص في مواضع خاصة حين نزول القرآن، أو أدرجها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلَّم بأمر الحكيم جلّ وعلا ضمن آيات بعيدة كل البعد عن تلك الأمور، والمتدبِّر في تلك الآيات سوف يعرف المقصود من غير شبهة. وأمّا الذي في قلبه مرض فيغض النظر عن التفكير في إزالتها فيحاول تحريف محتواها بزعم وجود قرائن مقالية محيطة بها كما فعل القوم، ومن تلك الآيات هي آية الغدير التِّي هي مورد بحثنا.

وهناك شواهد كثيرة تدلُّ على أنَّ الآية غير متعلِّقة بالمحرَّمات، نذكر بعضَها:

1- سياق الآية:

حيث نشاهد أنَّها غير كاملة إلاّ بمجيء المقطع الأخير منها وهي قوله " فمن اضطرّ... الخ "، والدليل على ذلك وجود آيتين مشابهتين لها، أحدهما في سورة البقرة، والثانية في سورة النحل وهما:

(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالــدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيــمٌ)(النحل/115).

وأيضاً الآية الـتالية:

(قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(الأنعام/145).

وهذا دليل على أنّ ذلك المقطع غير متعلق بما قبله وما بعده.

2 - إنَّ الآية تقول " اليوم يئس الذين كفروا عن دينكم..." ولو كان اليأس لأجل تلك الأحكام الخاصة، أعني تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها، فهي غير مختصَّة بهذا اليوم الذي نُزلت فيه الآية، بل تلك الأحكام وردت في آيات أخرى أيضاً، وهذا إن دلَّ على شيء فإنَّما يدل على أنَّ يأس الذين كفروا عن الدين، إنَّما هو لأجل أمر آخر أهم وهو " إعلام الولاية وتبليغها بصورة واضحة".


[الفصل الأول] [الفصل الثالث] [الفصل الرابع]

إلى الفهرس