نبذة من حياة الإمام موسى الكاظم عليه السلام

من سلسلة أعلام الورى بأعلام الهدى

مـولـده عليه السلام

ولد بالأبواء (الأبواء: قرية أعمال القرع من المدينة ، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وثلاثون ميلاً. "انظر:معجم البلدان1: 79) لسبع خلون من صفر سنة ثمان وعشرين ومائة.

أمه أم ولد يقال لها حميدة البربرية ويقال لها حميدة المصفاة.

كنـيـته

أبو الحسن ، وهو أبو الحسن الأول، وأبو إبراهيم، وأبو علي، ويعرف بالعبد الصالح، والكاظم.

استشـهاده

واستشهد صلوات الله عليه بعد مضيّ خمس عشرة سنة من ملكه مسموماً في حبس السنديّ بن شاهك، ودفن بمدينة السلام في المقبرة المعروفة بمقابر قريش (اُنظر:المحاسن2: 314 | 32، الكافي1: 397، إرشاد المفيد2: 215، تاج المواليد:121، المناقب لابن شهر آشوب4: 323، الهداية الكبرى:263، كشف الغمة2: 212، تاريخ بغداد 13 | 27، دلائل الإمامة للطبرى: 146، تذكرة الخواص: 312. كفاية الطالب:457، الفصول المهمة:232).

 

النـص عليه بالإمـامة

الأقوال بإمامتـه

وإذا دلّلنا على بطلان جميع أقوال مخالفي الشيعة القائلين بعصمة الإمام والنصّ، فإنّ الشيعة اختلفت بعد وفاة أبي عبدالله عليه السلام على أقوال:

قول الناووسـية

قائل يقول: أنّ الصادق عليه السلام لم يمت ولا يموت حتّى يظهر فيملأَ الأرض عدلاً، وهم: الناووسيّة، وإنّما سمّوا بذلك لأنّ رئيسهم في مقالتهم رجلٌ يقال له: عبدالله بن الناووس (اُنظر: فرق الشيعة:67، الملل والنحل1: 166،الفرق بين الفرق:61 | 57).

وقولهم باطل بقيام الدليل على موته كقيامه على موت آبائه عليهم السلام، وبانقراض هذه الفرقة بأسرها، ولو كانت محقّة لما انقرضت.

قول الفطـحيـة

وقائل يقول: بإمامة عبدالله بن جعفر، وهم: الفطحيّة(اُنظر: فرق الشيعة:77،الملل والنحل1: 167، الفرق بين الفرق: 62|59).

وقولهم يبطل بأنّهم لم يعوّلوا في ذلك على نصّ عليه من أبيه بالإمامة، وإنما عوّلوا في ذلك على أنه أكبر ولده، وأيضاً فإنّهم رجعوا عن ذلك، إلاّ شذاذ منهم، وانقرضت الجماعة الشاذّة أيضاً فلا يوجد منهم أحد، وإنّما نحكي مذهبهم على سبيل التعجّب، وما هذه صفته فلا شكّ في فساده.

وقائل يقول: بإمامة إسماعيل بن جعفر على اختلاف بينهم، فمنهم من أنكر وفاة إسماعيل في حياة أبيه وزعم أنّه بقي ونصّ أبوه عليه، وهم شذاذ(انظر: فرق الشيعة:67، الملل والنحل1: 167، الفرق بين الفرق:62|60).

قول القـرامطـة

ومنهم من قال: إنّ إسماعيل توفي في زمن أبيه، غير أنه قبل وفاته نص على ابنه محمد فكان الإمام بعده، وهؤلاء هم: القرامطة، نسبوا إلى رجل يقال له: قرمطويه، ويقال لهم: المباركية، نسبوا إلى المبارك مولى إسماعيل ابن جعفر عليه السلام (أنطر فرق الشيعة:17، الملل والنحل2: 168، الفرق بين الفرق:63).

وقول هؤلاء يبطل من وجهين:

أحدهما: أن مذهبهم يقتضي ببطلان حكاية دعوى التواتر عنهم بالنصّ، وذلك أنّ من أصلهم المعروف أنّ الدين مستور عن جمهور الخلق، وإنّما يدعو إليه قوم بأعيانهم لا يبلغون حدّ التواتر، ولا يؤخذ الحقّ إلاّ عنهم وأنه لا يحل لأحد من هؤلاء أن يوعز إلى الخلق شيئاً منه إلا بعد العهود والأيمان المغلظة ، فقد ثبت فساد قول من ادّعى عليهم التواتر، وإنما يعوّلون على أخبار آحاد وتأويلات في معنى الأعداد وقياس ذلك بالسماوات السبع والأرضيين والنجوم وغير ذلك من الشهور والأيام ممّا يجري مجرى الخرافات ، وهذا لا يعارض ما ذهبنا إليه من إيراد النصوص الظاهرة والتواتر بها من الاَمم الكثيرة المتظاهرة.

والوجه الآخر: أن النص لا يكون من الله تعالى على من يعلم موته قبل وقت إماته، من حيث يكون ذلك نقصاً للغرض ويكون عبثاً وكذباً، وإذا لم يبق إسماعيل بعد أبيه بطل قول من ادّعى له النصّ بخلافته.

ولا فصل بين من أنكر وفاته في عصر أبيه وادّعى أنّ ذلك كان تلبيساً، وبين من أنكر موت أبي عبدالله عليه السلام من الناووسية.

وكذلك من ادّعى أنّه نصّ على ابنه محمد،لأن الإمامة إذا لم تحصل لإسماعيل في حياة أبيه ـ لفساد وجود إمامين معاً في زمان واحد ـ فكيف يصحّ نصّه على ابنه؟ النص على الإمام لا يوجب الإمامة إلا إذا كان من إمام.

قول الشـيعة الإمـامية

وقائل يقول: بإمامة موسى بن جعفر عليه السلام، وهم: الشيعة الإمامة، فإذا فسدت الأقوال المتقدّمة ثبتت إمامة أبي الحسن موسى عليه السلام، وإلاّ أدّى إلى خروج الحقّ عن جميع أقوال الأمة، وأيضاً فإنّ الجماعة التي نقلت النصّ من أبيه وجدّه وآبائه عليهم السلام قد بلغوا من الكثرة إلى حدّ يمتنع معه منهم التواطؤ على الكذب، إذ لا يحصرهم بلد ومكان، ولا يضمّهم صقع، ولا يحصيهم إنسان.

ألفـاظ النـصّ عليه من أبيه عليه السلام

فمِن ذلك:

ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن عدّة من أصحابه، عن أحمد ابن محمد، عن عليّ بن الحكم، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن ثبيت، عن معاذ ابن كثير، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت له: أسأل الله الذى رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها.

فقال: « قد فعل الله ذلك ».

قلت: من هو جعلت فداك؟

فأشار إلى العبد الصالح وهو راقد فقال: « هذا الراقد » وهو يومئذ غلام(الكافي1: 245 | 2،وكذا في:إرشاد المفيد2 :217،روضة الواعظين:213، كشف الغمة2: 219).

وبهذا الإسناد، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن موسى الصيقل، عن المفضّل بن عمر قال: كنّا عند أبي عبدالله عليه السلام فدخل أبو إبراهيم ـ وهو غلام ـ فقال:« استوص به، وضع أمره عند من تثق به من أصحابك» (الكافي1: 246 |4،وكذا في:إرشاد المفيد2: 216، روضة الواعظين:213، كشف الغمة2: 219).

وبهذا الإسناد، عن محمد بن عليّ، عن عبدالله القلاّء، عن الفيض ابن المختار قال: قلت لأبى عبدالله عليه السلام: خذ بيدي من النار، من لنا بعدك؟

فدخل علينا أبو إبراهيم ـ وهو يومئذٍ غلام ـ فقال: «هذا صاحبكم فتمسّك به»(الكافي1: 245 |1، وكذا في:إرشاد المفيد2:217، روضة الواعظين:213، كشف الغمة2: 220، الفصول المهمة:231).

وبهذا الإسناد، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال له منصور بن حازم: بأبي أنت وأمّي، إنّ الأنفس يغدى عليها ويراح، فإذا كان ذلك فمن؟ قال أبو عبدالله عليه السلام: «إذا كان ذلك فهو صاحبكم» وضرب على منكب أبي الحسن الأيمن، وكان يومئذ خماسيّاً، وعبدالله بن جعفر جالسٌ معنا(الكافي 1: 246 |6،وكذا في:إرشاد المفيد2: 218،كشف الغمة2: 220،الفصول المهمة:232).

وبهذا الإسناد، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبدالرحمن بن أبي نجران، عن عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن عليّ ابن أبي طالب عليه السلام، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت له: إن كان كونٌ ـ ولا أراني الله ذلك ـ فبمن أئتمّ؟

قال : فأومأ إلى ابنه موسى.

قلت : فإن حدث بموسى حديثٌ فبمن أئتمّ؟

قال : « بولده ».

قلت : فإن حدث بولده وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً؟

قال : « بولده ، ثمّ هكذا أبداً » .

قلت : فإن لم أعرفه ولم أعرف موضعه؟

قال : « تقول: اللهم أنّي أتولّى من بقي من حججك من ولد الإمام الماضي، فإنّ ذلك يجزئك إن شاء الله »(الكافي:1: 246|7،وكذا في:كمال الدين:439|43،ودون ذيله في:إرشاد المفيد2: 218، كشف الغمة2: 220).

وبهذا الإسناد، عن محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن محمد ابن عبدالجبّار، عن الحسن بن الحسين، عن أحمد بن الميثميّ، عن فيض بن المختار، في حديث طويل في أمر أبي الحسن عليه السلام حتّى قال له أبو عبدالله عليه السلام: «هو صاحبك الذي سألت عنه، فقم إليه فأقرّ له بحقّه».

فقمت حتّى قبّلت رأسه ويده، ودعوت الله له.

قال أبو عبدالله عليه السلام: «أما إنه لم يؤذن لنا في أول ذلك(في الكافي:منك)».

فقلت : جعلت فداك، فأخبر به أحداً؟

قال : «نعم ، أهلك وولدك ورفقاءك».

وكان معي أهلي وولدي، وكان معي من رفقائي يونس بن ظبيان، فلمّا أخبرته حمد الله تعالى وقال: لا والله حتّى أسمع ذلك منه، وكانت به عجلة، فخرج فأتبعته، فلمّا انتهيت إلى الباب سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول له ـ وكان سبقني إليه ـ:«يا يونس، الأمر كما قال لك فيض».

فقال : سمعت وأطعت.

فقال لي أبو عبدالله عليه السلام: «خذه إليك يا فيض»(الكافي1: 246|9،وكذا في:بصائر الدرجات:356|11،رجال الكشي:643|663، ونحوه في:الإمامة والتبصرة:204|56).

وبهذا الإسناد، عن أحمد بن إدريس،عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد قال: دعا أبو عبدالله أبا الحسن موسى عليهما السلام ونحن عنده فقال لنا: «عليكم بهذا بعدي، فهو والله صاحبكم بعدي»(الكافي1 :247|12، وكذا في: الإمامة والتبصرة: 205| ذيل ح57، إرشاد المفيد2: 219، كشف الغمة2: 221).

وبهذا الإسناد، عن الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن الوشّاء، عن علي بن الحسن عن صفوان الجمّال قال: سألت أبا عبدالله عن صاحب هذا الأمر، فقال: «إنّ صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب».

فأقبل أبو الحسن موسى ـ وهو صغير ـ ومع عناق(العَناق: الأنثى من ولد المعز.«الصحيح ـ عنق ـ 4 : 1534»)مكّية وهو يقول لها:«اسجدي لربّك» فأخذه أبو عبدالله فضمّه إليه وقال:«بأبي وأمّي من لا يلهو ولا يلعب»(الكافي1 : 248|15، وكذا في:إرشاد المفيد2: 219، المناقب لا بن شهر آشوب4 :317، كشف الغمة2: 221).

وبهذا الإسناد، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن جعفر بن بشير، عن فضيل، عن طاهر قال: كان أبو عبدالله عليه السلام يلوم عبدالله يوماً ويعاتبه ويعظه ويقول: «ما يمنعك أن تكون مثل أخيك، فوالله إنّي لأعرف النور في وجهه».

فقال عبدالله : ولم، أليس أبي وأبوه واحداً (وأصلي وأصله واحدا)(في الكافي:وأمي وأمه واحدة)؟

فقال له أبو عبدالله : «إنّه من نفسي وأنت ابني»(الكافي1 :247|10، وكذا في:الإمامة والتبصرة:210|63،إرشاد المفيد2: 218،كشف الغمة2: 220).

وبهذا الإسناد، عن عليّ بن محمد، عن سهل بن زياد(في الكافي:أو) غيره، عن محمد بن الوليد، عن يونس، عن داود بن زربي، عن أبي أيّوب الجوزي(في الكافي:النحوي) قال : بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته، فدخلت عليه وهو جالسٌ على كرسيّ وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلمّا سلّمت عليه رمى بالكتاب إلي وهو يبكي وقال: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أنّ جعفر بن محمد قد مات، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ـ ثلاثاً ـ وأين مثل جعفر، ثمّ قال لي: اُكتب إن كان أوصى إلى رجل بعينه فقدّمه واضرب عنقه.

قال : فكتبت وعاد الجواب: أنّه قد أوصى إلى خمسة: أحدهم أبو جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبدالله، وموسى، وحميدة (الكافي1 : 247|3،وكذا في:الغيبة للطوسي:119).

وبهذا الإسناد، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد نحو هذا الحديث، إلاّ أنّه قال: أوصى إلى خمسة: أوّلهم أبو جعفر المنصور، ثمّ عبدالله، وموسى، ومحمد بن جعفر، ومولى لأبى عبدالله عليه السلام، فقال لمنصور: مالي إلى قتل هؤلاء سبيل(الكافي1 : 248|14).

وروى محمد بن سنان، عن يعقوب السراج قال: دخلت على أبي عبدالله وهو واقف على رأس أبي الحسن وهو في المهد، فجعل يسارّه طويلاً، فجلست حتّى فرغ فقمت إليه فقال لي: «ادن إلى مولاك فسلّم عليه».

فدنوت فسلّمت عليه، فردّ عليّ بلسان فصيح، ثمّ قال لي: «إذهب فغير اسم ابنتك التي سمّيتها أمس، فإنّه اسم يبغضه الله عزّ وجلّ».

وكانت ولدت لي ابنة فسمّيتها بالحميراء، فقال أبو عبدالله عليه السلام:«انته إلى أمره ترشد» فغيّرت اسمها(الكافي1 : 247|11، وكذا في:إرشاد المفيد2 : 219، كشف الغمة2 :221،دلائل الإمامة: 161).

وروى يعقوب بن جعفر الجعفريّ قال: حدّثني إسحاق بن جعفر الصادق عليه السلام قال: كنت عند أبي يوماً فسأله عليّ بن عمر بن عليّ فقال: جعلت فداك، إلى من نفزع ويفزع الناس بعدك؟

قال : «إلى صاحب هذين الثوبين الأصفرين والغديرتين ـ يعني الذؤابتين ـ وهو الطالع عليك من الباب».

فما لبثنا أن طلعت علينا كفان آخذتان بالبابين حتى انفتحا، ودخل علينا أبو إبراهيم عليه السلام وهو صبيّ وعليه ثوبان أصفران(الكافي1: 246|5،وكذا في:إرشاد المفيد2: 219،كشف الغمة2: 221).

وروى محمد بن الوليد قال: سمعت عليّ بن جعفر يقول: سمعت أبي ـ جعفر بن محمد عليهم السلام ـ يقول لجماعة من خاصّته وأصحابه: «استوصوا بابني خيراً، فإنّه خيراً، فإنّه أفضل ولدي، ومن أخلّف من بعدي، وهو القائم مقامي، والحجّة لله تعالى على كافّة خلقه من بعدي» (إرشاد المفيد2: 220،كشف الغمة2: 221، ونقله المجلسي في بحار الأنوار48: 20|30) .

وأمثال هذه الأخبار كثيرة .

معجـزاته ودلالاتـه

دلالاتــه

محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن هشام بن سالم قال: كنّا بالمدينة ـ بعد وفاة أبي عبدالله عليه السلام ـ أنا ومحمد بن النعمان صاحب الطاق، والناس مجتمعون على عبدالله بن جعفر، فدخلنا عليه فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ قال: في مائتي درهم خمسة دراهم. قلنا: ففي مائة؟ فقال: درهمان ونصف. قال: فخرجنا ضلاّلاً، ما ندري إلى أين نتوجه وإلى من نقصد، نقول: إلى المرجئة، إلى القدريّة، إلى المعتزلة، إلى الخوارج، إلى الزيديّة؟ فنحن كذلك إذ رأيت شيخاً لا أعرفه يومئ إليّ بيده، فخفت أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر المنصور، وذلك أنّه كان له بالمدينة جواسيس على من يجتمع بعد جعفر بن محمد عليهم السلام الناس، فيؤخذ فتضرب عنقه، فخفت أن يكون منهم، فقلت للأحول: تنحّ، فإنّي خائف على نفسي وعليك، وإنّما يريدني ليس يريدك. فتنحّى عنّي بعيداً.

وأتبعت الشيخ، وذلك أنّي ظننت لا أقدر على التخلّص منه، فما زلت أتبعه حتّى ورد على باب أبي الحسن موسى عليه السلام ثمّ خلاّني ومضى، فإذا خادم بالباب فقال لي: أدخل رحمك الله، فدخلت فإذا أبوالحسن موسى عليه السلام، فقال لي ابتداءً منه: «إليّ لا إلى المرجئة، ولا إلى القدريّة، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، ولا إلى الزيديّة».فقلت: جعلت فداك، مضى أبوك؟ قال: «نعم». قلت: مضى موتاً؟ قال: «نعم».قلت: فمن لنا بعده؟ قال: «إن شاء الله أن يهديك هداك». قلت: جعلت فداك، إنّ عبدالله أخاك يزعم أنه إمام من بعد أبيه.فقال: «عبدالله يريد أن لا يُعبد الله». قلت: جعلت فداك، فمن لنا بعده؟ قال: «إن شاء الله أن يهديك هداك». قلت: جعلت فداك، فأنت هو؟قال: «لا، ما أقول ذلك». قال: فقلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، ثمّ قلت له: جعلت فداك عليك إمامٌ؟ قال: «لا». قال: فدخلني شيء لا يعلمه إلاّ الله تعالى إعظاماً له وهيبة، ثمّ قلت: جعلت فداك، أسألك كما كنت أسأل أباك؟ قال: «سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح». قال: فسألته فإذا بحر لا ينزف قلت: جعلت فداك، شيعة أبيك ضُلاّل فألقي إليهم هذا الأمر وأدعوهم إليك؟ فقد أخذت عليّ الكتمان. قال: «من آنست منه رشداً فألق إليه وخذ عليه الكتمان، فإن أذاع فهو الذبح» وأشار بيده إلى حلقه.

قال: فخرجت من عنده ولقيت أبا جعفر الأحول فقال لي: ما وراءك؟ قلت: الهدى، وحدّثته بالقصّة، ثمّ لقينا زرارة بن أعين وأبا بصير فدخلا عليه وسمعا كلامه وسألاه وقطعا عليه، ثمّ لقينا الناس أفواجاً، فكلّ من دخل عليه قطع عليه، إلاّ طائفة عمّار الساباطي، وبقي عبدالله، لايدخل عليه إلاّ القليل من الناس (الكافي1: 285|7،وكذا في:رجال الكشي2: 565|502، إرشاد المفيد2: 221،الثاقب في المناقب:437|373،الخرائج والجرائح1: 331|23، ودون ذيله في المناقب لابن شهرآشوب4: 290).

وعنه، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الرافعي قال: كان لي ابن عمّ يقال له: الحسن بن عبدالله، وكان زاهداً، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان السلطان يتّقيه لجدّه في: الدين واجتهاده، فدخل يوماً المسجد وفيه أبوالحسن موسى عليه السلام، قال: فأومأ إليه فأتاه فقال له: «يا أبا علي، ما أحب إلي ما أنت فيه وأسرني به، إلا أنّه ليس لك معرفة، فاطلب المعرفة». فقال له: جعلت فداك، وما المعرفة؟ قال: «اذهب تفقّه واطلب الحديث».قال: عمّن؟ قال: «عن فقهاء أهل المدينة، ثمّ اعرض عليّ الحديث».

قال: فذهب وكتب ثمّ جاء فقرأه عليه، فأسقطه كلّه ثمّ قال له: «اذهب فاعرف» وكان الرجل معنيّاً بدينه. ئقال: فلم يزل يترصّد أبا الحسن حتّى خرج إلى ضيعة له فلقيه في الطريق، فقال له: جعلت فداك، إنّي أحتجّ عليك بين يدي الله عزّ وجلّ، فدلّني على ما تجب عليّ معرفته. فأخبره بأمر أمير المؤمنين عليه السلام وحقّه، وأمر الحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمد بن عليّ وجعفر بن محمد عليهم السلام، ثمّ سكت فقال له: جعلت فداك، فمن الإمام اليوم؟ قال: «إن أخبرتك تقبل؟» قال: نعم. قال: «أنا هو». قال: فشيء أستدلّ به؟ قال: «اذهب إلى تلك الشجرة ـ وأشار إلى بعض شجر اُمّ غيلان(أُم غيلان:شجر السَّمُر.«القاموس المحيط4: 27») ـ فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر: أقبلي». قال: فأتيتها فرأيتها والله تخدّ الاَرض(تخد الأرض: تشقها.«الصحاح ـ خدد ـ2: 468») خداً حتّى وقفت بين يديه ثمّ أشار [إليها] بالرجوع فرجعت. قال: فأقّر به ولزم الصمت والعبادة، فكان لا يراه أحدٌ يتكلّم بعد ذلك(الكافي1: 286|8،وكذا في:بصائر الدرجات:274|6، إرشاد المفيد2: 223، الخرائج والجرائح2: 650|2،الثاقب في المناقب:455|383،كشف الغمة2: 223).

معجـزاتـه

وروى عبدالله بن إدريس، عن ابن سنان قال: حمل الرشيد في بعض الأيام إلى علي بن يقطين ثياباً أكرمه بها، وكان في جملتها درّاعة خزّ سوداء من لباس الملوك مثقلة بالذهب، وتقّدم عليّ بن يقطين بحمل تلك الثياب إلى أبي الحسن موسى عليه السلام، وأضاف إليها مالاً كان أعدّه على رسم له في ما يحمله إليه من خمس ماله، فلمّا وصل ذلك إلى أبي الحسن عليه السلام قبل المال والثياب وردّ الدرّاعة على يد غير الرسول إلى علي بن يقطين وكتب إليه: «احتفظ بها ولا تخرجها عن يدك فسيكون لك بها شأن تحتاج إليها معه» فارتاب عليّ بن يقطين بردّها عليه ولم يدر ما سبب ذلك، فاحتفظ بالدرّاعة. فلمّا كان بعد أيّام تغّير ابن يقطين على غلام له كان يختصّ به فصرفه عن خدمته، فسعى به إلى الرشيد وقال: إنّه يقول بإمامة موسى بن جعفر ويحمل إليه خمس ماله في كلّ سنة، وقد حمل إليه الدرّاعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا وكذا. فاستشاط الرشيد غضباً وقال: لأكشفنّ عن هذه الحال، وأمر بإحضار علي بن يقطين فلمّا مثل بين يديه قال: ما فعلت بتلك الدّراعة التي كسوتك بها؟ قال: هي يا أمير المؤمنين عندي في سفط مختوم فيه طيب، وقد احتفظت بها، وكلّما أصبحت فتحت السفط ونظرت إليها تبركاً بها وأقبّلها وأردّها إلى موضعها، وكلّما أمسيت صنعت مثل ذلك، فقال: ائت بها الساعة، قال: نعم. وأنفذ بعض خدمه فقال: امض إلى البيت الفلاني وافتح الصندوق الفلاني وجئني بالسفط الذي فيه بختمه، فلم يلبث الغلام أن جاء بالسفط مختوماً ووضع بين يدي الرشيد، ففكّ ختمه ونظر إلى الدرّاعة مطويّة مدفونة بالطيب، فسكن غضب الرشيد وقال: أرددها إلى مكانها وانصرف راشداً، فلن أُصدق عليك بعدها ساعياً، وأمر له بجائزة سنيّة، وأمر بضرب الساعي ألف سوط، فضرب نحو خمسمائة سوط فمات في ذلك(إرشاد المفيد2: 225، وباختصار في الخرائج والجرائح1: 334|25،والمناقب لابن شهرآشوب4: 289،ونحوه في دلائل الإمامة:158،والفصول المهمة236).

 

وروى محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضل قال: اختلفت الراية بين أصحابنا في مسح الوضوء، أهو من الأصابع إلى الكعبين؟ أم من الكعبين إلى الاَصابع؟ فكتب عليّ بن يقطين إلى أبي الحسن موسى عليه السلام: جعلت فداك، إنّ أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين، فإن رأيت أن تكتب بخطّك إلي ما يكون عملي عليه فعلت إن شاء الله.
فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام: «فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به ذلك أن تتمضمض ثلاثاً، وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتخلّل لحيتك وتغسل يدك من أصابعك إلى المرفقين، وتمسح رأسك كلّه، وتسمح ظاهر أذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثاً، ولا تخالف ذلك إلى غيره». فلمّا وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجّب ممّا رسم له فيه ممّا جميع العصابة على خلافه، ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال وأنا ممتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذه. قال: وسعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد وقيل له: إنّه رافضي مخالفٌ لك، فقال الرشيد لبعض خاصّته: قد كثر القول عندي في علي بن يقطين وميله إلى الرفض، وقد امتحنته مراراً فما ظهرت منه على ما يقرف
(القرف:الاتهام.«الصحاح ـ قرف ـ4: 1415») به، فقيل له: إنّ الرافضة تخالف [الجماعة] (أثبتناه من الإرشاد) في الوضوء فتخفّفه، ولا تغسل الرجلين، فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه. فتركه مدّة وناطه بشيء من شغله في الدار حتّى دخل وقت الصلاة، وكان عليّ يخلو في حجرة من الدار لوضوئه وصلاته، فلمّا دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، فدعا بالماء فتوضّأ على ما أمره الإمام، فلم يملك الرشيد نفسه حتّى أشرف عليه بحيث يراه ثمّ ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنّك من الرّافضة. وصلحت حاله عنده. وورد كتاب أبي الحسن عليه السلام: «ابتدئ من الآن يا عليّ بن يقطين توضّأ كما أمرك الله: اغسل وجهك مرّة فريضة وأُخرى إسباغاً، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدّم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنت أخافه عليك، والسلام»(إرشاد المفيد2: 227،الخرائج والجرائح1: 335|26، المناقب لا بن شهرآشوب4: 288، الثاقب في المناقب:451|380،كشف الغمة2: 225).

وروى أحمد بن مهران، عن محمد بن عليّ، عن أبي بصير قال: قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام: جعلت فداك بم يعرف الإمام؟ قال: «بخصال: أمّا أولاهنّ: فإنّه بشيء قد تقدّم فيه من أبيه وإشارته إليه لتكن حجّة، ويسأل فيجيب، وإذا سكت عنه ابتدأ، ويخبر بما في غد، ويكلّم الناس بكلّ لسان» ثمّ قال: «يا أبا محمد، أعطيك علامة قبل أن تقوم» فلم ألبث أن دخل عليه رجلٌ من أهل خراسان، فكلّمه الخراساني بالعربيّة فأجابه أبو الحسن بالفارسيّة، فقال له الخراساني: والله ما منعني أن أكلمك بالفارسيّة إلاّ أنّني ظننت أنّك لا تحسنها. فقال: «سبحان الله، إذا كنت لا أحسن أن أجيبك فما فضلي عليك فيما أستحقّ [به] الإمامة». ثمّ قال: «يا أبا محمد، إنّ الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس، ولا منطق الطير، ولا كلام شيء فيه روح»(قرب الإسناد:146،الكافي1: 225|7،إرشاد المفيد2: 224،المناقب لابن شهرآشوب4: 299،وباختلاف يسير في:دلائل الإمامة:169).

وروى الحسن بن علي بن أبي عثمان(الحسن بن علي بن أبي عثمان،الملقب أبو محمد سجادة، قمي،ضعّفه أصحابنا واتهموه بالغلو وفساد العقيدة.أنظر:رجال الطوسي:أصحاب الإمام الجواد عليه السلام(11)،رجال النجاشي:61|141،رجال الكشي2: 841|1083، الخلاصة:212|4،نقد الرجال:89|91)، عن إسحاق بن عمّار قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام ودخل عليه رجلٌ فقال له أبو الحسن: «يا فلان أنت تموت إلى شهر». قال: فأضمرت في نفسي كأنّه يعلم آجال الشيعة، قال: فقال لي: «يا إسحاق، ما تنكرون من ذلك، قد كان رشيد الهجري مستضعفاً وكان يعلم علم المنايا والإمام أولى بذلك منه». ثمّ قال: «يا إسحاق، تموت إلى سنتين ويشتّت مالك وعيالك وأهل بيتك ويفلسون إفلاساً شديداً». قال: فكان كما قال(نحوه في:بصائر الدرجات285|13،الكافي1: 404|7،الخرائج والجرائح1: 310|3،المناقب لابن شهرآشوب4: 287،دلائل الإمامة:160،الثاقب في المناقب:434|366).

وروى محمد بن جمهور عن بعض أصحابنا، عن أبي خالد الزبالي قال: ورد علينا أبو الحسن موسى عليه السلام، وقد حمله المهديّ، فلمّا خرج ودّعته وبكيت، فقال لي: «ما يبكيك، يا أبا خالد؟» فقلت: جعلت فداك، قد حملك هؤلاء ولا أدري ما يحدث. فقال: «أمّا في هذه المرة فلا خوف علي منهم، وأنا عندك يوم كذا في شهر كذا في ساعة كذا، فانتظرني عند أوّل ميل» ومضى. قال: فلمّا أن كان في اليوم الذي وصفه لي خرجت إلى أوّل ميل فجلست أنتظره حتّى اصفرّت الشمس، وخفت أن يكون قد تأخّر عن الوقت فقمت انصرف، فإذا أنا بسواد قد أقبل ومناد ينادي من خلفي، فأتيته فإذا هو أبو الحسن عليه السلام على بغلة له فقال لي: «إيهاً يا أبا خالد». فقلت: لبيّك يا ابن رسول الله، الحمد لله الذي خلّصك من أيديهم. فقال لي: «يا أبا خالد، أمّا أن لي إليهم عودة لا أتخلّص من أيديهم»(قرب الإسناد:146،الكافي1: 398|3،إثبات الوصية:165، الخرائج والجرائح1: 315،المناقب لابن شهرآشوب4: 287،دلائل الإمامة:168،الثاقب في المناقب:200،الفصول المهمة:234).

منـاقبه وفضـائله

صـفاتـه

قد اشتهر في الناس أنّ أبا الحسن موسى عليه السلام كان أجلّ ولد الصادق عليه السلام شأناً، وأعلاهم في الدين مكاناً، وأسخاهم بناناً، وأفصحهم لساناً، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأفقههم وأكرمهم.

عبـادتـه

وروي: أنّه كان يصّلي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح، ثمّ يعقّب حتّى تطلع الشمس، ثمّ يخرّ ساجداً فلا يرفع رأسه من الدعاء والتحميد حتّى يقرب زوال الشمس، وكان يقول، في سجوده عليه السلام: «قبح الذنب من عبدك فليحسن العفو والتجاوز من عندك».

وكان من دعائه عليه السلام: «اللهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب».

وكان عليه السلام يبكي من خشية الله حتّى تخضل لحيته بالدموع.

إنفاقـه

وكان يتفقّد فقراء المدينة فيحمل إليهم في اللّيل العين (العين:الذهب والدنانير.«الصحاح ـ عين ـ 6: 2170»)والوَرِق(الوَرِق:الفضة والدراهم.«الصحاح ـ ورق ـ4: 1564») وغير ذلك، فيوصلها إليهم وهم لا يعلمون من أي وجه هو(إرشاد المفيد2: 231،كشف الغمة2: 228،ودون صدر الرواية في:المناقب لابن شهرآشوب4: 318،ونحوه في:تاريخ بغداد13: 27،وفيات الأعيان5: 308، سير أعلام النبلاء6: 271،الفصول المهمة:237).

حـلمـه

وروى الشريف أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلويّ، عن جدّه بإسناده قال: إنّ رجلاً من ولد عمر بن الخطّاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسى عليه السلام ويشتم عليّاً عليه السلام، فقال له بعض حاشيته: دعنا نقتل هذا الرجل، فنهاهم عنه أشدّ النهي، وسأل عن العمري فقيل: إنّه يزرع بناحية من نواحي المدينة. فركب إليه، فوجده في مزرعة [ له ] فدخل المزرعة بحماره، فصاح به العمري: لا توطئ زرعنا، فتوطّأه أبو الحسن عليه السلام بالحمار حتى وصل إليه فنزل وجلس عنده وباسطه وضاحكه، وقال له: «كم غرمت في زرعك هذا؟». فقال: مائة دينار. قال: «وكم ترجو أن تصيب؟» قال: لست أعلم الغيب. قال: «إنّما قلت لك: كم ترجو». فقال: «أرجو أن يجيئني فيه مائتا دينار». قال : فأخرج له أبو الحسن عليه السلام صرّة فيها ثلاثمائة دينار، وقال: «هذا زرعك على حاله والله يرزقك فيه ما ترجو». فقام العمري فقبّل رأسه وسأله أن يصفح عن فارطة، فتبسّم أبو الحسن موسى عليه السلام وانصرف، ثمّ راح إلى المسجد فوجد العمري جالساً فلمّا نظر إليه قال: الله أعلم حيث يجعل رسالاته. قال: فوثب إليه أصحابه فقالوا له: ما قصّتك؟ فقد كنت تقول غير هذا!! قال: فقال لهم: قد سمعتم ما قلت الآن، وجعل يدعو لأَبي الحسن عليه السلام، فخاصموه وخاصمهم. فلمّا رجع أبو الحسن عليه السلام إلى داره قال لمن سألوه قتل العمرىّ: «أيّما كان خيراً ما أردت أو ما أردتم؟»(إرشاد المفيد2: 233،المناقب لابن شهرآشوب4: 319،دلائل الإمامة:150،كشف الغمة2: 228،مقاتل الطالبيين:499، تاريخ بغداد13: 28،سير أعلام النبلاء6: 271) وذكرت الرواة: أنّه عليه السلام كان يصل بالمائتي دينار إلى ثلاثمائة دينار، وكانت صرار موسى عليه السلام مثلاً (إرشاد المفيد2: 234،المناقب لابن شهرآشوب4: 318،كشف الغمة2: 229،مقاتل الطالبيين:499،تاريخ بغداد13: 28،وفيات الأَعيان5: 308،سير أعلام النبلاَء6: 271).

عـلمــه

وذكروا : أنّ الرشيد لما خرج إلى الحجّ وقرب من المدينة استقبله وجوه أهلها يقدمهم موسى بن جعفر عليهما السلام على بغلة، فقال له الربيع: ما هذه الدابّة التي تلقّيت عليها أمير المؤمنين، وأنت إن طلبت عليها لم تدرك وإن طلبت لم تفت؟ فقال عليه السلام: «إنّها تطأطأت عن خيلاء الخيل وارتفعت عن ذلّة العير، وخير الأمور أوسطها»(إرشاد المفيد2: 234،روضة الواعظين:215،المناقب لابن شهرآشوب4: 320،كشف الغمة2: 229،وباختلاف يسير في:أعلام الدين:306،مقاتل الطالبيين:500).

قالوا: ولمّا دخل هارون المدينة وزار النبيّ صّلى الله عليه وآله وسلّم قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابن عمّ، مفتخراً بذلك على غيره. فتقدّم أبو الحسن عليه السلام وقال: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبه» فتغيّر وجه الرشيد وتبيّن فيه الغضب(إرشاد المفيد2: 234،كنز الفوائد1: 356،المناقب لابن شهرآشوب4: 320،كشف الغمة2: 229، تاريخ بغداد13: 31،تذكرة الخواص:314،كفاية الطالب:457،وفيات الأَعيان5: 309،سير أعلام النبلاء6: 273،البداية والنهاية5: 183).

وروى الشريف الأَجلّ المرتضى ـ قدس الله روح ـ عن أبي عبيدالله المرزبانيّ، مرفوعاً إلى أيّوب بن الحسين الهاشميّ قال: كان نفيع رجلاً من الأَنصار حضر باب الرشيد ـ وكان عريضاً ـ وحضر معه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن جعفر عليهما السلام على حمار له، فتلّقاه الحاجب بالبشر والإِكرام، وأعظمه من كان هناك، وعجّل له الإِذن، فقال نفيع لعبد العزيز: ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم، يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السرير، أما لئن خرج لأسوءنّه ، قال له عبدالعزيز: لا تفعل، فإن هؤلاء أهل بيت قلّ من تعرّض لهم في خطاب إلاّ وسموه في الجواب سمه يبقى عارها عليه مدى الدهر. قال: وخرج موسى عليه السلام فقام إليه نفيع الأَنصاري فأخذا بلجام حماره، ثمّ قال: من أنت؟ فقال: «يا هذا، إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن اسماعيل ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض الله عزّ وجلّ على المسلمين وعليك ـ إن كنت منهم ـ الحجّ إليه، وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضي مشركو قومي مسلمي قومك أكفاء لهم حتّى قالوا: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، وإن كنت تريد الصيت والاسم فنحن الذين أمر الله تعالى بالصلاة علينا في الصلوات المفروضة بقول: (اللهم صلّ على محمد وآل محمد) فنحن آل محمد، خلّ عن الحمار». فخلّى عنه ويده ترعد، وانصرف بخزي، فقال له عبدالعزيز: ألم أقل لك؟!(أمالي المرتضى1: 274،المناقب لابن شهرآشوب4: 316،أعلام الدين:305،دلائل الإمامة:156).

وروى أبو زيد قال: أخبرنا عبدالحميد قال: سأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى عليه السلام بمحضر من الرشيد ـ وهم بمكّة ـ فقال له: هل يجوز للمحرم أن يظلّل على نفسه ومحمله؟ فقال: «لا يجوز له ذلك مع الاختيار». فقال محمد بن الحسن : أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختاراً؟ قال: «نعم». فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك، فقال له أبو الحسن عليه السلام: «أتعجب من سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وتستهزىَ بها!! إنّ رسول الله كشف ظلاله في إحرامه ومشى تحت الظلال وهو محرم، إنّ أحكام الله تعالى يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد ضلّ عن سواء السبيل. فسكت محمد بن الحسن ولم يجر جواباً(إرشاد المفيد2: 235،روضة الواعظين:216،المناقب لابن شهرآشوب4: 314،كشف الغمة2: 230).

حفظـه لكتـاب الله

وكان عليه السلام أحفظ الناس بكتاب الله تعالى وأحسنهم صوتاً به، وكان إذا قرأ يحزن ويبكي ويبكي السامعون لتلاوته، وكان الناس بالمدينة يسمّونه زين المتهجّدين(إرشاد المفيد2: 235،روضة الواعظين:216،المناقب لابن شهرآشوب4: 318،كشف الغمة2: 230).

فـي شـأن أمّـه

ومن باهر خصائصه عليه السلام ما وردت به الآثار في شأن أمه، وذلك ما أخبرني به المفيد عبدالجبّار بن علي الرازي رحمه الله، إجازة، قال: أخبرنا الشيخ أبو جعفر الطوسي قال: أخبرنا الحسين بن عبيدالله، عن أبي علي أحمد بن جعفر البزوفريّ، عن حميد بن زياد، عن العبّاس بن عبيدالله ابن أحمد الدهقان، عن إبراهيم بن صالح الأَنماطي، عن محمد بن الفضل وزياد بن النعمان وسيف بن عميرة، عن هشام بن أحمر قال: أرسل إليّ أبو عبدالله عليه السلام في يوم شديد الحرّ، فقال لي: «اذهب إلى فلان الأفريقي فاعترض جارية عنده من حالها كذا وكذا، ومن صفتها كذا». فأتيت الرجل فاعترضت ما عنده، فلم أر ما وصف لي، فرجعت إليه فأخبرته فقال: «عد إليه فإنّها عنده». فرجعت إلى الأفريقي، فحلف لي ما عنده شيء إلاّ وقد عرضه علي، ثمّ قال: عندي وصيفة مريضة محلوقة الرأس ليس ممّا يعترض، فقلت له: اعرضها علي، فجاء بها متوكّئة على جاريتين تخطّ برجليها الأَرض، فأرانيها فعرفت الصفة، فقلت: بكم هي؟ فقال لي: اذهب بها إليه فيحكم فيها، ثم قال لي: قد والله أردتها منذ ملكتها فما قدرت عليها، ولقد أخبرني الذي اشتريتها منه عند ذلك أنّه لم يصل إليها، وحلفت الجارية أنّها نظرت إلى القمر وقع في حجرها. فأخبرت أبا عبدالله عليه السلام بمقالتها، فأعطاني مائتي دينار فذهبت بها إليه فقال الرجل: هي حرّة لوجه الله تعلى إن لم يكن بعث إليّ بشرائها من المغرب. فأخبرت أبا عبدالله عليه السلام بمقالته، فقال أبو عبدالله عليه السلام: «يا ابن أحمر أما أنّها تلد مولوداً ليس بينه وبين الله حجاب»(أمالي الطوسي2: 331،ونحوه في:دلائل الإمامة:148).

وقدروى الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب (الإِرشاد) مثل هذا الخبر مسنداً إلى هشام بن الأَحمر أيضاً، إلاّ أنّ فيه: إن أبا الحسن موسى عليه السلام أمره ببيع هذه الجارية، وإنّها كانت أمّ الرضا عليه السلام(إرشاد المفيد2: 254،وكذا في: الكافي1: 406|1،عيون أخبار الرضا عليه السلام1: 17|4،الاختصاص:197،إثبات الوصية:170،كشف الغمة2: 244و272،دلائل الإمامة:175).

الكـاظـم

وسمّي عليه السلام بالكاظم لما كظمه من الغيظ، وتصبّره على ما فعله الظالمون به، حتّى مضى قتيلاً في حبسهم(إرشاد المفيد2: 235،المناقب لابن شهرآشوب4: 235).

وفـاتـه عليه السلام

سـجنـه عليه السلام

ذكروا: أنّ الرشيد قبضه عليه السلام لمّا ورد إلى المدينة قاصداً للحجّ، وقيّده واستدعى قبّتين جعله في إحداهما على بغل وجعل القبّة الأخرى على بغل آخر، وخرج البغلان من داره مع كلّ واحد منهما خيل، فافترقت الخيل فمضى بعضها مع إحدى القبّتين على طريق البصرة، وبعضها مع الأخرى على طريق الكوفة، وكان عليه السلام في القبة التي تسير على طريق البصرة ـ وإنّما فعل ذلك الرشيد ليعمي على الناس الخبر ـ وأمر أن يُسلّم إلى عيسى بن جعفر بن المنصور فحبسه عنده سنة، ثمّ كتب إليه الرشيد في دمه فاستعفى عيسى منه، فوجّه الرشيد من تسلّمه منه، وصيّر به إلى بغداد، وسلّم إلى الفضل بن الربيع وبقي عنده مدّة طويلة، ثمّ أراده الرشيد على شيء من أمره فأبى فأمر بتسليمه إلى الفضل بن يحيى، فجعله في بعض دوره ووضع عليه الرصد، فكان عليه السلام مشغولاً بالعبادة، يحيي الليل كلّه صلاة وقراءة للقرآن، ويصوم النهار في أكثر الأَيّام، ولا يصرف وجهه عن المحراب، فوسّع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه.

فبلغ ذلك الرشيد وهو بالرقّة فكتب إليه يأمره بقتله، فتوقّف عن ذلك، فاغتاظ الرشيد لذلك وتغّير عليه وأمر به فأدخل على العبّاس بن محمد وجرّد وضرب مائة سوط، وأمر بتسليم موسى بن جعفر عليهما السلام إلى السندي ابن شاهك.

اسـتشـهاده مسـموماً

وبلغ يحيى بن خالد الخبر، فركب إلى الرشيد وقال له: أنا أكفل بما تريد، ثمّ خرج إلى بغداد ودعا بالسندي وأمره فيه بأمره، فامتثله وسمّه في طعام قدّمه إليه ويقال: إنّه جعله في رطب أكل منه فأحسّ بالسّم، ولبث بعده موعوكاً ثلاثة أيّام، ومات عليه السلام في اليوم الثالث.

دفـنـه عليه السلام

ولما استشهد صلوات الله عليه أدخل السنديّ عليه الفقهاء ووجوه الناس من أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عديّ، فنظروا إليه لا أثر به من جراح ولا خنق، ثمّ وضعه على الجسر ببغداد، وأمر يحيى بن خالد فنودي: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت قد مات فانظروا إليه، فجعل الناس يتفرّسون في وجهه وهو ميّت، ثمّ حمل فدفن في مقابر قريش، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والأَشراف من الناس قديماً(انظر:عيون أخبار الرضا عليه السلام1: 85|10،إرشاد المفيد2: 239،الغيبة للطوسي28|ضمن حديث6،روضة الواعظين:219،المناقب لابن شهرآشوب4: 327،مقاتل الطالبيين:502،الفصول المهمة239).

وروي: أنّه عليه السلام لمّا حضرته الوفاة سأل السندي بن شاهك أن يحضره مولى له مدنيّاً ينزل عنه دار العبّاس في مشرعة القصب ليتولّى غسله وتكفينه، ففعل ذلك. قال السندي بن شاهك: وكنت سألته أن يأذن لي في أن أكفّنه فأبى وقال: «أنّا أهل بيت مهور نسائنا وحجّ صرورتنا وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني وأريد أن يتولّى غسلي وجهازي مولاي فلان» فتولّى ذلك منه(إرشاد المفيد2: 243،الغيبة للطوسي:28|ضمن حديث6،كشف الغمة2: 234،مقاتل الطالبيين:504،الفصول المهمة:240).

وقيل: إن سليمان بن أبي جعفر المنصور أخذه من أيديهم وتولّى غسله وتكفينه، وكفّنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفي وخمسمائة دينار، مكتوب عليها القرآن كلّه، ومشى في جنازته حافياً مشقوق الجيب إلى مقابر قريش فدفنه هناك(كمال الدين1: 39،المناقب لابن شهرآشوب4: 328).

 

أولاده عليـه السلام

كان له عليه السلام سبعة وثلاثون ولداً ذكراً وأنثى:

علي بن موسى الرضا عليه السلام، وإبراهيم، والعبّاس، والقاسم لأمهات أولاد.

وأحمد، ومحمد، وحمزة، لأمّ ولد.

وإسماعيل، وجعفر، وهارون، والحسين،لأُمّ ولد.

وعبدالله، وإسحاق، وعبيدالله، وزيد، والحسن، والفضل، وسليمان،لأُمّهات أولاد.

وفاطمة الكبرى، وفاطمة الصغرى، ورقيّة، وحكيمة، وأمّ أبيها، ورقيّة الصغرى، وكلثم، وأُمّ جعفر، ولبابة، وزينب، وخديجة، وعليّة، وآمنة، وحسنة، وبريهة، وعائشة، وأُمّ سلمة، وميمونة، وأُمّ كلثوم [لأُمّهات أولاد] (إرشاد المفيد2: 244، تاريخ الإمامة (مجموعة نفيسة):20،مناقب ابن شهرآشوب4: 324،دلائل الإمامة:149،تذكرة الخواص:314،الفصول المهمة:241)..

صـفات أولاده

وكان أحمد بن موسى كريماً ورعاً، وكان موسى عليه السلام يحبّه ووهب له ضيعته المعروفة باليسيرة، ويقال: إنّه أعتق ألف مملوك. وكان محمد بن موسى عليهم السلام صالحاً ورعاً. وكان إبراهيم بن موسى شجاعاً كريماً، وتقلّد الإِمرة على اليمن في أيّام المأمون من قبل (محمد بن زيد)(لعل المصنف أراد نسبته إلى جده، وكذا هو في الإرشاد، حيث أن اسمه محمد بن محمد بن زيد.انظر:رجال الكشي ـ ترجمة علي بن عبيدالله بن حسين العلوي ـ256|671،تاريخ الطبري8: 529،مقاتل الطالبيين:513، والكامل في التاريخ6: 305) بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام الذي بايعه أبو السرايا بالكوفة ومضى إليها ففتحها وأقام بها مّدة إلى أن كان من أمر أبي السرايا ما كان، وأخذ له الأَمان من المأمون.

ولكلّ واحد من ولد أبي الحسن موسى عليه السلام فضل ومنقبة، وكان الرضا عليه السلام مشهوراً بالتقدّم ونباهة القدر، وعظم الشأن، وجلالة المقام بين الخاصّ والعامّ(إرشاد المفيد2: 244،كشف الغمة2: 236،الفصول المهمة:242).

تأليف: أمين الاسلام الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي

من أعلام القرن السادس الهجري - الجزء الثاني

تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث