هدم قبر الإمام الحسين عليه السلام

لمّا كانت التربة الدامية لسيد الشهداء عليه السلام مصدر إلهام على طريق مقارعة الظلم، فقد كان قبره على الدوام موضع تكريم يتحلقون حوله الأحرار، ومما ضاعف من شدّة ذلك لتكريم تأكيدات الأئمة على ضرورة زيارة قبره الشريف، وهذا ما جعل الحكام الظلمة يستشعرون الخطر من هذا الجانب دائماً ويعملون على هدم قبره.

 

منذ عهد بني أمية كانت زيارته ممنوعة وتخضع لرقابة، والي عهد هارون الرشيد حيث قطعوا السدرة التي يستظل به زواره(تاريخ الشيعة للمظفري:89، بحار الأنوار 398:45)، وحتّى عهد المتوكّل العبّاسي حيث بلغ المنع والتشدّد ذروته، والى عهد سلطة الوهابيين وغارتهم على كربلاء وهدم مرقده الشريف، وهذه تنم بأجمعها عن مدى الرعب الذي يشعر به أعداء الحق وأهل البيت من إشراقة هذه الشموس المنيرة.

 

أنشأ المتوكّل العباسي نقطة قرب كربلاء وأمر أتباعه بقتل كلّ من يأتي لزيارة الحسين(بحار الأنوار 404:45و194)، وهُدم قبر الحسين بأمر المتوكل 17 مرّة، وفي أحد المرّات أمر "ديزج اليهودي" بهدم القبر وتغيير موضعه وتبديل معالمه، وحتى أنّه ذهب بنفسه هو وغلمانه ونبشوا القبر حتى بلغوا الحصير الذي فيه جسد الإمام وإذا به تفوح منه رائحة المسك، فهالوا عليه التراب ثانية وقطعوا الماء وأرادوا حراثة الأرض لكن الأبقار التي تجر المحراث وقفت عن المسير(تتمة المنتهى:241و240).

 

و في إحدى المرّات أمر هارون الرشيد والي الكوفة بهدم قبر الحسين بن علي. فشيّدوا في تلك البقعة بعض البنايات وزرعوا سائر الأراضي(بحار الأنوار 404:45و394).

 

بلغ المتوكل أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين عليه السلام فيصير إلى قبره منهم خلق كثير، فانفذ قائداً من قوّاده وضمّ إليه عدداً كثيفاً من الجند لنبش قبر الحسين ومنع الناس من زيارته والاجتماع إلى قبره، فخرج القائد إلى الطف وعمل بما أمر به، وذلك في سنة 237هـ، وفي موسم الزيارة، تجمّع الناس مرّة أخرى وثاروا ضد عناصر الخليفة وقالوا لهم: لو قُتِلنا عن آخرنا لما امسك من بقي منا عن زيارته، فلمّا وصل الخبر إلى المتوكل أبرق إلى قائده بالكف عنهم، والمسير إلى الكوفة مظهراً أنّ مسيره إليها في صالح أهلها(تتمة المنتهى:241و240).

 

فمضى على ذلك زمن حتّى كانت سنة 247 فبلغ المتوكل أيضاً مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين عليه السلام وإنه قد كثر جمعهم وصار لهم سوق كبير. فأنفذ قائداً في جمع كثير من الجند وأمر منادياً ينادي براءة الذمة ممن زار قبره. ثم نبش القبر وحرث أرضه وانقطع الناس عن الزيارة(أعيان الشيعة 628:1،تراث كربلاء:34).

 

لقد كانت كلّ هذه الأعمال لغرض تفريق الناس عن مهد الدفء والشوق هذا، ولكن لم يتمّ لهم ما قدّروه، بل ازداد الناس شوقاً إليه، فأصبحت كربلاء خندقاً للمقاومة وقبلة لأهل الحقيقة والولاء(تتمة المنتهى:241).

 

أجل . . ."إن زيارة هذه التربة تساعد الجماهير للتفكير بثورة الحسين وجهاده ومقارعته للظلم، والاهتمام بفضح السلطة الحاكمة. وهكذا تتحول هذه التربة-تربة كربلاء-إلى رمز وشعار، ويصبح الطواف حول قبر الحسين مقابل مائة طواف حول الكعبة، بل ويرجح عليه أيضا"(مجموعة مؤلفات شريعتي(الشيعة) 20:7).

 

و أغار الوهابيون عام 1216 هـ على كربلاء، وتواصلت غاراتهم لمدّة عشر سنوات، نهبوا خلالها المدينة، وقتلوا الناس، وهدموا القبر. وفي عام 1225 هـ سار "الأمير سعود" على رأس جيش عداده 20 ألف مقاتل وهابي، وهجم على النجف ومن هناك على كربلاء(للاطلاع على فتن وغارات الوهابيين على العتبات المقدسة، راجع الكتب التالية: "كشف الارتياب" للسيّد محسن الأمين، أعيان الشيعة 628:1، تراث كربلاء لسلمان هادي طعمة:262، وموسوعة العتبات المقدسة 201:1).

 

و في عصرنا الحالي، استخدمت الحكومة البعثية في العراق أنواع الأسلحة لإخماد الانتفاضة الثورية الشيعية عام 1411 هـ. في مدينتي النجف وكربلاء، وضربت قبّة الإمام الحسين عليه السلام بالمدفعية. وقد حصل هذا بعد الانتفاضة الشعبية ضد حكومة "صدام" حيث استولى الثوار على المدينتين، فاستخدمت الحكومة أعنف الأساليب لغرض استعادتها من أيديهم. وأُلحقت أضرار بالغة ببناء مرقد أمير المؤمنين وسيّد الشهداء وأبي الفض ضل العباس عليهم السلام.

 

و بسبب هذه الجرائم أصدر قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله الخامنئي بياناً أدان فيه اعتداءات النظام البعثي العراقي على المدن والمراقد المقدّسة، وأعلن يوم الخميس 8 ذي القعدة 1411 هـ. يوم حداد عام. وقد جاء في جانب من هذا البيان: ". . . وهجموا على النجف وكربلاء وارتكبوا فيهما ما يعجز القلم عن وصفه، وصنعوا بالعتبات المقدسة والمسلمين وشعب العراق والحوزات العلمية ما لم يصنعه الطواغيت الجائرون، أحدثوا في قلوب محبّي أهل البيت جرحاً عميقاً لا يمكن مقارنته بأية مصيبة في هذا الزمن، "وهيّجوا أحزان يوم الطفوف".