|
بسم الله الرحمن الرحيم الكلمة الطيِّبة {أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}(إبراهيم/24) الكلمـة في القـرآن إن الله سبحانه وتعالى يضرب مثلاً للكلمة الطيبة ومثلاً للكلمة الخبيثة. الكلمة تطلق على الأقوال مثلما تطلق على الموجودات والكائنات. يقول تعالى: {..بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ..}(آل عمران/45) إذن الكلمة في القرآن الكريم تعبّر عن القوانين والمقررات والأحكام الإلهية بالإضافة إلى أنها تعبّر عن رجال الحق والفضيلة، أي الكلمات التكوينية والكلمات التدوينية. ويضرب الله للكلمة الخبيثة، مثل الشجرة الخبيثة التي ليس لها جذور ولا قرار، وأما الكلمة الطيبة فإنما هي الشجرة الطيبة التي لها جذور قوية متماسكة في عمق الأرض بينما ترتفع فروعها وأوراقها في السّماء العالية. والشجرتان لاشك أنَّهما مثلان للحق والباطل. الشجرة الملعونة في يوم عاشوراء ، يلتقي صفّان: صفُّ من الكلمات الخبيثات أمام صفٍّ من الكلمات الطيبات. ويتجلى تفسير هذه الآية الكريمة كل عام في يوم عاشوراء. إن الأساس الذي ارتكزت عليه حكومة الأمويين هذه الشورى التي وضعوها من قبل لتجني ثمارها أبّان حركة الأمويّين ضد الإسلام المحمدي، الحركة التي بنيت على الظلم والفساد، إنها حقاً الكلمة الخبيثة الملعونة في القرآن. وفي مقابل هذه الشجرة الملعونة، أسّس الإمام الحسين عليه السلام شجرة الحقّ الطيبة، وبالرغم من أن حكومة بني مروان في تلك الأيام كانت مستولية على جميع الأقطار الإسلامية حتى وصل مداها الأندلس إسبانيا اليوم ، تلك القدرة الكبيرة مع سعتها وشمولها وسطوتها، بحكم الآية الكريمة، اجتثت من فوق الأرض واضمحلت وفنيت بحيث لم يبق لها ولأصحابها سوى اللعنة والعذاب. وأمّا الشجرة الحقة التي لم يكن لها سوى إثنين وسبعين جذعاً أو أكثر قليلاً، تأصلت جذورها في أعماق الأرض، لا بل في أعماق أفكار المتفكرين والعلماء (بالحساب العقلي) وفي أعماق قلوب عامة الناس وأفئدة المؤمنين بل والبشرية جمعاء، وهذا من الناحية العاطفية والإنسانية، وإنها هي تنمو يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام ، تنمو أكثر وأكثر وتتثبت جذورها أعمق وأعمق لتلقي ظلالها الوارفة على عصرنا والعصور القادمة، وتشع منها أنوار الإيمان والتقوى. ونستطيع أن نستخلص القول بأن عزاء الإمام الحسين عليه السلام ، لم يختص بالشيعة فحسب، بل على كل مسلم أن يتعزى بعزاء أبي عبدالله ويبكي على مصابه الجلل. ولم نخص السنة والشيعة بل ونقول بملأ الفم: إن على البشرية جمعاء أن تخضع أمام عظمة الحسين عليه السلام وتدرس منه دروساً في الإنسانية والإيمان. الحاكم النيسابوري من كبار أئمة الحديث ورواة أهل السنة يقول في مستدركه على الصحيحين(البخاري ومسلم لهما شرطان على صحة سنة الحديث وعلى غرار هذين الشرطين جمعا أحاديث كثيرة في صحيحيهما، وكلما لم يستطيعا جمعهما ، جمعها الحاكم النيسابوري واستدرك ما فات الشيخين في صحيحهما وعلى شرطهما وبذا يعتبر المستدرك من أصح الكتب لدى أهل السنة) نقلاً عن ابن عباس أنه قال: "أوحى الله إلى نبيكم أني قتلت بيحي بن زكريا سبعين ألفاً وإني قاتل بابن بنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً"(المستدرك ج2-ص490). وبناء على هذا الحديث وأحاديث مماثلة كثيرة في شتى كتب الفريقين، فإن قيمة دم الحسين تساوي ضعف قيمة دم نبي مرسل من أنبياء الله ورسله. لقد انقضى ذلك الزمن وولىّ ذاك العهد الذي كانوا يقولون فيه للإمام الحسين: رضي الله عنه! لقد انقضى عصر الظلمات والجهل واليوم بحكم القرآن وبشهادة أكبر وأهم كتب الحديث يجب أن يقال للإمام الحسين عليه السلام أو سلام الله عليه أو عليه الصلاة والسلام. ذلك لأن الله تعالى يقول عن يحي عليه السلام في القرآن المجيد: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}(مريم/15) إن الله يسلّم على يحيى يوم ولادته ويوم موته ويوم نشوره، فإذا قلنا ليحى: سلام الله عليه، فإننا اتبعنا صريح القرآن. ووفق كتاب المستدرك للحاكم، فإن قيمة دم الحسين تساوي ضعف قيمة دم يحيى، إذن فمن لم يقل للإمام الحسين: عليه السّلام فإنه مخالف للقرآن والسنة. إلى متى يبقى الجهل حاكماً على أمثال هؤلاء؟ دم الحسين، دم الوحي. هؤلاء الذين يعترضون على الشيعة في عزائهم على الحسين، لماذا لا يطالعون كتبهم وتحقيقاتهم. لماذا نبكي على الحسين؟ جلال الدين السيوطي، المفسر والأديب والمؤرخ الكبير، يقول في تفسير "الدر المنثور" في ذيل تفسير قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}(الدخان/29) إن يحيى بن زكريا لما قُتل احمرت السّماء وقطرت دماً وإن حسين بن علي يوم قتل ، احمرّت السماء وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن زياد قال: "لما قتل الحسين احمرت آفاق السماء أربعة أشهر" وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي ص138 "ولم يرتفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط حتى في بيت المقدس". هذا الرجل الذي جعل الجمادات تتأثر وتئن لموته مدة أربعة أشهر (وبناء على بعض الروايات في ستة أشهر) فلا بد أن يزلزل عقول العلماء والعظماء إلى يوم الدين. وعلى الأمة الإسلامية اليوم أن تقف وقفة واحدة لإحقاق حق رسول الله بعد أن أضاعته ثلة من الجاهلين على ثرى الطف يوم عاشوراء. ونحن إذا نتأثر ونبكي على الحسين، لأن في استشهاده أضاعوا حق رسول الله وكادوا يقضون على رسالته السماوية لولا دم الحسين. نعم، الإمام الحسين عليه السلام لو انحني لحظة واحدة أمام يزيد الطاغية، لم تكن تعلو مئذنة على المساجد اليوم ولم تكتب صفحة واحدة من القرآن الكريم. إن الجُهال الذين يعترضون على عزاء الإمام الحسين، بعد ألف وأربعمائة عام، لم يفهموا أن الشيخ محمد عبده، هذا الرجل العظيم قال: "لو كان الحسين خاضعاً ليزيد ، لما كان يبقى أثر في القرآن الكريم على وجه الأرض". إذن، كل باب مسجد يبكي اليوم في عزاء أبي عبدالله وكل ورقة قرآن تذرف الدموع في مصابه. وكل نداء "الله أكبر" على المآذن تبكي على الحسين، الكعبة والمشعر والحجر الأسود والأرض والسماء والكواكب كلها تبكي على الحسين لأنه بواسطته بقيت القوانين والأحكام الإلهية. ألم يقرأ هؤلاء في التاريخ أن يزيد في العام الثاني من خلافته وبعد استشهاد سيد الأحرار، استباح المدينة المنورة وسفك دماء 700 من وجوه المهاجرين والأنصار بالإضافة إلى قتل عشرة آلاف مسلم ومسلمة؟؟ ……كل ذلك بجانب قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!!. لقد سجل التاريخ بكل أسى أن جيش يزيد بن معاوية، هتك عرض المؤمنات بحيث ولد حوالي ألف طفل من الزنا بعد ترك الجيش الأموي مدينة الرسول المقدسة. إذن لولا الإمام الحسين لما بقي من الإسلام شيء جرّاء الأعمال الإجرامية ليزيد الطاغية. ويزيد الذي كان وليد حكم الشورى ونتيجة إرجاع الحكم لبني أمية، كان قد عهد على نفسه ليقضي على القرآن والرسول قضاءً تاماً، ويقضي على الكعبة والحجر الأسود وكل المشاهد والأماكن المقدسة. أيها الإمام الحسين: إذا كنا لم نعرفك ولم نقدرك، فإن الدهر لا يمكن أن يسكت إلا أن تضيء جلدة جمالك من وراء ستار السحب الكثيفة وتشعّ أشعة عظمتك الروحية على صفحة المعمورة. هل يصح أن يصل الوضع إلى هذه الدرجة السافلة من القبح والوحشية بحيث لم تراع حرمة الرسول؟؟ .. وهذا الذي يُدعى خليفته يأمر جيشه بالانتقام منه ويعمل أكبر وأقذر القبائح والمحرمات عند قبر الرسول دون مراعاة ودون احترام لعظمته!!. من منكم يرضى أن يرتكب أولئك الفجرة الزنا مع المؤمنات المسلمات في حرم رسول الله؟؟ ..أين العالم من هذه الحقائق؟؟ ..ولم لا تذرف السماء دماً من هول المصيبة؟!! (قصة المرأة الأنصارية التي قتلوا رضيعها في المدينة المنورة). إذن: كل الأحكام مرتبطة بالإمام الحسين، لولا الحسين لضاعت الصلوات الخمس ولضاع الحج والعمرة. كل ما أقول ويقولون عنك يا أبا عبدالله لا يساوي قطرة من بحر فضائلك. هذا رسول الله في ليلة المعراج، عندما يرتقي إلى أعلى عليين إلى مكان لم يسبقه نبي مرسل ولا ملك مقرب، إلى تلك العلياء التي يقولون عنها سبحانه وتعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}(النجم/8،9) هناك يرى اسم الحسين بن علي مكتوباً على ساحة العرش. يقول صلى الله عليه وآله: "إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض وإنه لمكتوب عن يمين عرش الله: مصباح هدى وسفينة النجاة"(بحار ج94 ص184). العالم كله أصبح يتيماً في فقد الحسين… البشرية أصبحت يتيمة يوم عاشوراء… أذرفوا التراب على رؤوسكم فإنه أقل تعزية، ولا تتضعضع قلوبكم من ثرثرة الجُهال الغافلين عن العلم والحكمة ومباني الكتاب والسنة وأصول الفقه والاجتهاد. إنهم بذريعة الدفاع عن الدين، يصكون صك الجهل على أفئدتهم!. إنهم لم يعلموا أن أهم سنة لابدّ من إقامتها هي العزاء الحسيني. فليراجعوا: مسند أحمد بن حنبل إذ ينقل عن أنس بن مالك أن ملك المطر استأذن ربه أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأذن له، فقال لأم سلمة: املكي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد قالت: وجاء الحسين ليدخل فمنعته، فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي وعلى منكبيه وعلى عاتقه. قال، فقال الملك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتحبه؟ قال: نعم. قال: أما أن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، فضرب بيده بطينة حمراء فأخذتها أم سلمة فصرتها في خمارها(مسند أحمد بن حنبل ج3-ص242). عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "قام عندي جبريل من قبل، فحدثني إن الحسين يقتل بشط الفرات وقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا(وفي كنـز العمال ج6-ص143)". هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكي على الحسين قبل أن يستشهد بأعوام كثيرة، فإذا كنا نبكي بعد استشهاده فإننا نتأسى بالرسول، هل هذه بدعة؟! ..إنه اتباع للسنة بفتوى علماء أهل السنة. وإنني اليوم، أدعو الجميع لتقديم العزاء للرسول الأعظم الذي فقد أحبّ أهل بيته ولا شك أن الرسول يلاحظ هذه العبرات الساكبة على شهادة ابنه، ولا ينسى تلك العاطفة الخالصة تجاه ريحانته أبداً. طبيعي أن يشكركم، لا اليوم فحسب، بل وغداً يوم المحشر، إنه لن ينساكم ذلك اليوم الذي ترى الناس سكارى وما هم بسكارى، إنه يحتضنكم ليشكركم على تقديم العزاء إليه اليوم. لاشك أن بنت رسول الرحمة، فاطمة الزهراء سلام الله عليها، لا يمكن أن تنسى هذه الدموع وهذا العزاء الحقيقي. إنها تكافئكم وتجازيكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ... أيتها القلوب الكئيبة …أيتها العيون الباكية: طوبى لكم هذا الإخلاص. أيتها المؤمنات الباكيات: أوصيكن بالحجاب، الحجاب هو الطريق الوحيد الذي يوصلكن إلى خط سيد الشهداء وخط الحوراء زينب. أيها المؤمنون الكرام: إذا أردتم أن لا تنقطع حبائل المودة والولاء بينكم وبين أبي عبدالله، فعليكم بالتقوى، بالأمانة، بالصلاة وبالقرآن. تجنبوا الملاهي تجنبوا المعاصي. تعاهدوا اليوم مع أبي عبدالله أن لا تعصوا ربكم أبداً ، تعاهدوا معه اليوم على هذا العهد وانتظروا لحظة مفارقتكم الحياة ، كيف يأتي باستقبالكم ويحتضنكم وتقر عينه برؤيتكم. "كونوا له زيناً ولا تكونوا عليه شيناً" نعم، إنكم تبكون اليوم، ولكن مَن لقلب الحسين الكئيب إذا لمع أنين أطفال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرتفع في السماء: العطش! العطش! أنتن أيتها المؤمنات: بكاؤكن على مصائب ذراري رسول الله حق وحرقة قلوبكن طبيعية ولكن من لزينب الكبرى عندما تسمع أنين وصراخ فلذات كبدها تنادي : العطش! العطش! أيها المؤمنون: صحيح إنكم في هذه الليلة (ليلة عاشوراء) تبكون وتنحبون وتضربون على صدوركم ولكن توجهوا إلى سيد الشهداء، أبي عبدالله الحسين عليه السلام، أنظروا إليه كيف يأتي على جسد ابنه العزيز علي الأكبر المضرج بالدماء! وبأي قلب كئيب حزين يستقبل أخاه على نهر علقمة وقد قطعت يداه والدم يسيل من كل أعضائه! من الذي يسلّي الحسين بمصائبه؟.. من الذي يحتضن الأطفال الصغار غداً بعد العصر وينجيهم من لظى النار الملتهبة في الخيام المحروقة؟. إلهي، ما هذه المحنة؟.. ما هذه المصيبة الكبرى التي حلت بابنة الزهراء زينب؟. إنها مفجوعة بأبناء أخيها وأبنائها وأخوتها، إلاّ أنه لم يزل بريق رجاء يشعّ في فؤادها، ولكن متى أطفئ هذا البريق؟ عندما أتى إليها الحسين عليه السلام ليودعها وطلب منها أن تعطيه لباساً ممزقاً. وما أن طلب منها الحسين هذا اللباس الممزق إلا صاحت: وامحمداه! الحسين لا يزال حياً.. إنه اليوم يسلّيها ويقول: لا يذهبنّ حلمك الشيطان، وذكرّها أن جدها وأباها وأمها وأخاها كلهم ماتوا وكلهم كانوا خيراً منه وكأن زينب تجيبه: إذ استشهد جدنا وأمنا، فكنا نستظل بأبينا وإذ استشهد أبونا فكنا نستظل بفيء أخوينا وبعد استشهاد أخينا الحسن، كان ظلك على رأسي وافراً، فكيف أعيش بعد موتك؟.. وماذا أعمل إذا رأيتك مضرجاً بالدماء؟! .. اليوم يتجدد عزاء فقدان جدي وأبي وأمي وأخوتي… اليوم يوم يُتمي وفاقتي. لبس الحسين اللباس الممزق تحت لباسه واستعدّ للتضحية والفداء .. نظرت إليه زينب نظرة كئيبة حزينة وهي تعلم أنها آخر نظرة إلى أخيها الحبيب. |