ذكرياتي في مشهد الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

روضـةٌ من رياض الجنَّـة :

هناك مواقف عظيمة ومشاهدات عرفانية عشقية جميلة دعتني إلى كتابة ذكرياتي، وها أنا أبدأ بكتابتها وأنا في حرم الإمام الرضا عليه آلاف التحية والثناء في يوم الثلاثاء الموافق 22 جمادى الأولى عام 1424 هجرية ، والساعة الآن الواحدة والعشرون دقيقة وأنا جالس قبال الباب الذي يطلّ على الضريح المقدس، والحرم غاص بالزوار الذين هم جميعاً على المذهب الحق وهو التشيع العلوي الإثنا عشري، فلا يزور الإمام الرضا عليه السلام إلاّ من يعتقد بإثني عشر إماماً، لأنه من يعتقد بثامن الحجج فهو المعتقد بجميع مَن قبله ومَن بعده من الأئمة عليهم السلام، فلا مجال للزيدية والإسماعيلية وغيرهم في هذا الحرم المقدس.

وقد ورد في شأن هذه البقعة المباركة أنها روضة من رياض الجنة:

(عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال: إن بخراسان لبقعة يأتي عليها زمان تصير مختلف الملائكة فلا يزال فوج ينزل من السماء وفوج يصعد إلى أن ينفخ فى الصور، فقيل له: يا ابن رسول الله وأية بقعة هذه؟ قال: هي بأرض طوس وهي والله روضة من رياض الجنة من زارني في تلك البقعة كان كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتب الله تبارك وتعالى له بذلك ثواب  ألف حجة مبرورة وألف عمرة مقبولة وكنت أنا وآبائي شفعاءه يوم القيامة).(البحار ج102 ص31 رواية2 باب4).

سمعت هذا الحديث وأنا جالس في الصحن الشريف حيث أنّ هناك محاضرات يومية لأفضل الخطباء في مسجد "گوهرشاد" يشارك فيها آلاف من الزوار، وهي محاضرات متسلسلة في كلِّ ليلة ضمن برنامج مخطَّط.

بعد المحاضرة هناك زيارة للإمام الرضا عليه السلام يقرأها أفضل مدّاحين ورواديد أهل البيت عليهم السلام، وكنت أسمع لمداح لقبه (ملائكة) كان صوته شجياً للغاية، في كل ليلة يزور الإمام الرضا عليه السلام، ثم يتوجه بعدها بالزيارة لإمام أو إمامين من الأئمة عليهم السلام، ففي ليلة الجمعة يزور الإمام الحسين عليه السلام وليلة السبت زيارة آل ياسين وهكذا، علماً بأن هناك محاضراتٍ أخرى في سائر زوايا الحرم المطهَّر، والجدير بالذكر أن الجالية العربية كلَّها تجتمع في صحن يسمى صحن "الجمهورية الإسلامية" وتلقى عليهم محاضرة باللغة العربية، كما توزع عليهم كتب مجاناً دفاعاً عن أهل البيت عليهم السلام الذين كانوا وما زالوا مظلومين وقد ظلمهم المسلمون كما تعلمون.

نرجع الى الحديث الذي سمعته في صحن مسجد گوهرشاد عن أبي الصلت الهروي بإسناده عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قال: بين الجبلين روضة من رياض الجنّة؟!

الحديث جميل جداً ومن خلاله تنفتح لنا أبواب من العلم عن شخصية ثامن الحجج شمس الشموس الإمام الرضا عليه السلام.

أين هما الجبلان؟

سألت أحد أئمة جماعة الحرم قال هناك جبل جنوبي وجبل شمالي أحدهما سمي خلج (هزار مسجد)، هذا الحديث ذكَّرني بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة:

(عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على ترعة من ترع الجنة...)(البحار ج100 ص192 رواية3 باب5).

فهناك روضة وهنا روضة، وها هنا حقيقةً جنَّة، ولذلك الإيرانيون يسمونه (بهشت) أي جنَّة، لأنك تحس بلذة معنوية لا تحس بها في مكان آخر بحيث لا تشتهي الأكل والشرب.

* * *

مُضيـف الإمام الرضّا عليه السلام :

ذهبنا يوم الجمعة المصادف 25 جمادي الأولى إلى مضيف الإمام الرضا عليه السلام، هناك توزع وجبة الغذاء ولكن لذّة ذلك تختلف عن أي مكان آخر لأنه قد اكتسب معنوية جنة الإمام الرضا عليه السلام، لا أقولها أنا بل اسألوا كلّ من زار سيدي وحبيبي الإمام الرضا عليه السلام، فليس من يأكلون فاكهة ما يتلذذون بها على مستوى واحد بل اللذّة المعنوية هي التي ترفع مستوى اللذّة المادية ولذلك يقول سبحانه وتعالى:

(إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ، فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ، يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ)(الصافات/40-46).

فليس المهم هو الفاكهة بل المهم الإكرام في الجنَّة، فهو الذي يصبغ الفاكهة صبغة معنوية.

* * *

في المدينة روضة وهنا روضة أخرى!!

فلنرجع إلى حديث الروضة، قال إنَّ في المدينة روضةً وهنا روضة أخرى، ومن حُسن الإتفاق أنني زرت سيدي ثامن الحجج في هذه الأيام وهي تصادف الفاطمية الثالثة، حيث أن يوم الاثنين يصادف 3 جمادى الثانية وسأكون في مدينة قم المقدسة إن شاء الله تعالى.

يا ترى هل هناك ارتباط بين الروضتين؟

وأيضاً هل هناك تناسب بين الحديثين وبين قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم  ((ستدفن بضعة مني في خراسان))

(... عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ستدفن بضعة مني بأرض خراسان لا يزورها مؤمن إلاّ أوجب الله عز وجل له الجنة وحرّم جسده على النار).(البحار ج102 ص31 رواية1 باب4).

 وبين قوله صلوات الله عليه وعلى آله ((فاطمة بضعة مني من أحبها فقد أحبني ومن أبغضها فقد أبغضني))

(المفيد عن المراغي عن الحسن بن علي الكوفي عن جعفر بن محمد بن مروان عن أبيه عن عبد الله بن الحسن الأحمسي عن خالد بن عبدالله عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن سعد بن مالك يعنى ابن أبي وقاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: فاطمة بضعة مني من سرها فقد سرني ومن ساءها فقد ساءنى..).(البحار ج43 ص23 رواية17 باب3).

لا شكَّ في أنَّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين تلك الأحاديث فلا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى.

والجدير بالذكر أن المهدي كما ورد في الاحاديث هو من ولد الرضا وهو أيضاً من ولد فاطمة، فالتأكيد على الرضا وعلى فاطمة ليس إلاّ من أجل وجود الإرتباط بين هذا الولد وتلك الأم، هذا من ناحية، وهناك جانب آخر له أهمية كبيرة أودّ أن أتحدث عنه وسأكتب بحثاً مستقلاً فيه وهو:

حـجُّ الفقـراء :

أنه من خلال هذا الحديث الشريف ينفتح لنا باب آخر وهو أنَّ للإمام الرضا عليه السلام علاقة بالمدينة المنورة وبالتحديد حرم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل هناك ارتباط وثيق بينه عليه السلام وبين مكة المكرمة ومعالمها وحج بيت الله الحرام ومناسكه، ففي الأحاديث أن زيارته عليه السلام هي حج الفقراء.

هل المقصود من الفقراء من ناحية مادية؟ ربما .. ولكن نحتمل أن يكون المراد من الفقير هو كل من يعيش العبودية الحقيقية حيث قال تعالى : (يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(فاطر/15).

وقد روي عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم الفقر فخرى وبه أفتخر.(البحار ج72 ص30 رواية26 باب94).

وفي الدعاء: (يا كنز الفقراء)(دعاء الجوشن الكبير،البحار ج94 ص395 رواية3 باب52)، فكنز الفقراء يمكن العثور عليه عند الإمام الرضا عليه السلام، فينبغي لمن يزوره أن يحس بفقره الذاتي أوَّلا ثم يتوجه إلى زيارته سلام الله عليه.

نعم هو الحج كما ورد في رواية عن الإمام الرضّا عليه السلام:

(الطالقانى عن أحمد الهمداني عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال: إن بخراسان لبقعة يأتى عليها زمان تصير مختلف الملائكة فلا يزال فوج ينزل من السماء وفوج يصعد إلى أن ينفخ فى الصور. فقيل له يا ابن رسول الله وأية بقعة هذه؟ قال: هى بأرض طوس وهو والله روضة من رياض الجنة من زارني فى تلك البقعة كان كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتب الله تبارك وتعالى له بذلك ثواب  ألف حجة مبرورة وألف عمرة مقبولة وكنت أنا وآبائى شفعاءه يوم القيامة)(البحار ج102 ص31 رواية2 باب4).

أنظر الى هذا الحديث كيف يعظم هذا الوادي المقدس.. وهذه الجنّة التي هي حقيقة جنة الفردوس، والجدير أنّ هنا مدينة قريبة من مشهد اسمها فردوس وهي مدينة عريقة، ما وجه تسميتها بذلك؟.. لا أدري!

فهنا الحج وهنا العمرة كما هو حرم الإمام الحسين الشهيد عليه السلام، فماذا يعني أن الله ينظر إلى زوارالحسين عليه السلام في يوم عرفة قبل أن ينظر إلى حجاج بيته الحرام؟ وماذا يعني ثواب زيارته في يوم عرفة وفي ليلة العيد، عيد الأضحى؟ فهو القربان الحقيقي في منى الطفوف ومن حوله اثنان وسبعون قرباناً، وماذا يعني أن جابر بن عبدالله الأنصاري رضوان  الله تعالى عليه يلبس رداءاً وإزاراً الذي هو الإحرام ثم يذهب إلى زيارة الإمام الحسين عليه السلام؟.

وهناك شواهد أخرى تؤيّد هذه الحقيقة سنذكرها فيما بعد، ولكن ينبغي أن أشكر هنا حملة المعصومين عليهم السلام بإدارة أبي أحمد فاضل المشموم من الكويت، حيث أنّه بمجرد وصولي إلى منفذ فندق أطلس عند دوار الماء وإلى حيث سوق الرضا عليه السلام دُعيت لأن أكون معهم ضمن الحملة المباركة، التي كنت أصاحبهم في حج بيت الله الحرام في الأعوام السابقة والعمرة الرجبية في كلِّ عام، وهي من جملة الحملات المباركة التي يرأسها مخلصون ولديها رحلات إلي العتبات المقدسة خاصة إلى الجمهورية الإسلامية في فصل الصيف.

* * *

المزارات في نيشـابور :

والحملات الخليجية قد جعلت ضمن رحلاتها الذهاب إلى نيشابور وميامي وشانديز. وأمّا نيشابور فقد وفقنا الله أن نزورها في يوم السبت الموافق 26 جمادي الأولى، وهي مدينة عريقة ذات تاريخ عامر بالتقوى والمعنوية والخلوص والعلم والأدب، وأهم ما في نيشابور هو "قدمگاه" الذي يعني أثر رجلي الإمام الرضا عليه السلام، وهي واقعة في مكان مرتفع، أطرافه سوق وخان (حجر قد بناها شاه عباس الصفوي للزوار وهي على غرار خان النصف والربع والثلاث أرباع بين النجف وكربلاء).

والآن قد حان ذكر تلك الشواهد التي أشرنا إليها والتي تعزز تلك الرؤية التي شرحناها حول العلاقة بين هذا الحرم المطهر والحرم المكي:

ففي مكة نشاهد آثار قدمي النبيّ إبراهيم الخليل عليه السلام وهنا نشاهد آثار قدمي وارثه أعني الإمام الرضا عليه السلام. كما أن هناك بئر زمزم الذي نبع بكرامة من إسماعيل وهاجر وهنا نبع آخر ذا ماء حلو نبع بيد الإمام الرضا عليه السلام حيث أراد أن يتوضأ فلم يجد ماءً فنبع ذلك الماء.

وهل كل هذه الأمور أمور اتفاقية لا علاقة لها بالواقع؟

كلا، إنّها عين الحقيقة والواقع فتمام الحج لقاء الإمام وإنما أمروا أن يأتوا هذه الاحجار، وفي نيشابور هناك مزاران أحدهما الحجر والثاني الضريح.

* * *

آثار الثورة الإسلامية المباركة :

ونرى بالعيان تأثير الثورة الإسلامية، التي حققها الإمام الراحل رضوان الله تعالى عليه، على الشعب الإيراني المؤمن، وبالفعل نحن عندما نأتي من خارج إيران إلى هنا نحس بذلك خاصة من يتقن اللغة الفارسية.

شبابهم خير الشباب وصبيانهم خير الصبيان ونساؤهم خير النساء وشيوخهم خير الشيوخ، ونرى مدى الفرق الكبير بين تفكير مجتمعاتنا وتفكير مجتمعاتهم وآمالنا وآمالهم وطموحاتنا وطموحاتهم، حديثهم حديث الحب والعشق والمعرفة رغم وضعهم المادي الضعيف ورغم الملابس المندرسة التي عليهم فهم من يطلق عليهم (إنسان) حقيقة.

هم العارفون بأئمتهم حق المعرفة المتولون لهم والمتبرون من أعدائهم. في كل ليلة تأتي أفواج من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 13–20 سنة لزيارة الإمام عليه السلام، وذلك على شكل هيئات عزاء يبكون ويلطمون على صدورهم وهم قد لبسوا السواد واضعون الكوفية البسيجية على رقبتهم التي هي رمز الجهاد والتضحية.

وفي كل ليلة كنت أترقّب وصولهم إلى الحرم لأستمع إلى كلماتهم وأشعارهم لأنها ليست من الأشعار المتداولة لدينا بل هي تجلي العشق حقيقة، وأذكر نموذجا ممّا كانوا يرددونه عند دخولهم الحرم وهو:

من گدايم... ومعناه :

أنا متسـوّل متسـوّل يا رضـا          أنا متسوّل ليس عندي شيء يا رضا

أنت الـوردة المفتحة للزهـراء          و أنـا  شـوكة إلى  جـنـبـك

عشقك  هــو  الـذي   قـيّـمـني

رغـم أنّـه لا قـيمة لـي

هذا هو حقيقة الحب وحقيقة المعرفة، أتمنى لو كنتم هاهنا تشاهدون هذه المجموعات التي لا يُعلم أهي من الأرض أو من السماء، من الدنيا أو من جنة الخلد، لاشك أنًهم ليسوا من أهل هذه الدنيا، من الذي ربّاهم على هذا العشق، هم وُلدوا في جو الثورة.. تعلموا.. درسوا.. سمعوا.. رأوا الاسلام حقيقة، من هنا نعرف معنى الولايـة، أعني ولاية الفقيه ومدى تأثيرها في تربية الأمّة وتعليمها، فالعلماء هم ورثة الأنبياء فدورهم دور الأنبياء في تربية الأمّة وتزكيتها.

***

الشهيد يحيى بن زيد :

في هذا اليوم وهو يوم الأحد المصادف 27 جمادي الأولى، ذهبنا بمعيّة الحملة إلى قرية ميامي، وهي قرية تقع قريب من أفغانستان في شرق خراسان حيث مدفن ولي الله وابن رسول الله الشهيد يحيى بن زيد شهيد جوزجان سلام الله عليه، الذي ذكره دعبل الخزاعي في قصيدته التائية:

وأخرى بأرض الجوزجان محلها          وقبر بباخمرا لدى الغـربات

(البحار ج49 ص248 باب17 رواية13)

وقد كان حرمه صغيرا في السنوات الماضية ولكن ببركة  الزوار خاصة الخليجيين الآلآف من الناس فقد تم توسعة الحرم، وضريحه جميل للغاية من الفضة والذهب قد تبرع به أحد الزوار من عائلة الرامزي في الكويت .

ومن لا يذهب إلى زيارته فهو مغبون، فزيارته زيارة وسياحة حيث الطبيعة الجميلة والمنظر الخلاّب لأنه واقع على مرتفع.

بطاقة دعوة للإمام الرضا عليه السلام :

دخلنا الحرم وسمعت رجلاً لابساً عباءة، وهو ليس بعالم بل هو من القراء الحسينيين في الحرم ومن المخلصين، وكان إلى جنبه سيد معمم غير أنه ليس بعالم بل كصاحبه ذي صوت شجيّ، فكلاهما كان يقرأ مصيبة الزهراء عليها السلام، فالأول قال فيما قال:

"هل سمعتم أن بنت عمرها 18 سنة تضع يدها على الحائط عندما تريد المشي"

وكأني بزينب تنظر الى أمها وتقول : أمًاه هل لك حاجة؟ لم لا تخبريني لأساعدك، تضعي يدك على كتفي وتمشين ... هل زينب قد ماتت؟ لم تمت زينب !!"

هذه الكلمات أبكتنا كثيراً، ثم بدأ السيد في تكملة المصيبة بذكر أشعار جميلة، ثم جلست عنده أتحدث معه فقال فيما قال: أنا لست من قرّاء حرم يحيى بن زيد بل أنا من قرّاء حرم الإمام الرضا عليه السلام. وقال: من الليلة إلى عشر ليالي لديّ مجلس في البيت للصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء هل تشاركنا؟ ثمّ أعطاني العنوان. ثمّ قال:

أنا جئت هنا ((لأدعوا يحيى بن زيد ليشارك في مجلسنا)) ومن قبل ((دعوت الإمام الرضا عليه السلام للمشاركة)) يقول :

أنا آخذ بطاقة دعوة باسم الإمام الرضا عليه السلام ثمً أضعه في الضريح ليأتي إلى بيتنا ويشاركنا في المجلس.

أنظروا إلى مستوى معرفة هذا السيد الجليل وماذا تطلقون على مثل هذا التصرف؟

أليس هو العرفان العملي.. والعشق والوله.. والمعرفة الحقيقية؟ فهو لا يرى فرقاً بين حياة الإمام ومماته، وهذه حقيقة قد ثبتت في الحكمة المتعالية وقد أشير إليها في زياراتهم عليهم السلام:

(..... السلام عليك يا أمير المؤمنين أنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك جئتك زائراً...... عارفاً عالماً أنك تسمع كلامي وترد سلامي....)(البحار ج100 ص293 رواية20 باب4).

* * *

ذكرى تنصيب إمام جمعة طهران :

من حسن حظي أنني كنت في مشهد يوم الجمعة الموافق 25 جمادي الأولى، فرأيت من الواجب أن أشارك في الصلاة العبادية والسياسية التي هي الحصن الحصين الذي يحافظ على الإسلام، أعني صلاة الجمعة، وهي من أكبر إنجازات الثورة الإسلامية المباركة. والجدير بالذكر أنّ هذا اليوم قد صادف ذكرى تنصيب أول إمام جمعة في طهران بعد انتصار الثورة بستة أشهر، حيث نُصّب آية الله الطالقاني إماماً للجمعة، ذلك الرجل العظيم الذي أطلق عليه "أبو ذر الزمان"، فهو اللسان الناطق بالحق الذي جرّه الى السجن، فقد كان رحمه الله رهين سجون الطاغوت طوال 14 عاماً، يطلق سراحه مرة  ويسجن مرة أخرى حتى انتصرت الثورة فخرج من السجن. وكان له دور رئيسي في الثورة الإسلامية وفي مجلس الخبراء الأوّل الذي أسس من أجل تدوين الدستور للجمهورية الفتية، ولكن وافاه الأجل بعد أشهر، وها هو الآن في جنة الزهراء وقبره مزار للزوار من أرجاء العالم الاسلامي.

على أي حال صلاة الجمعة مستمرة بكل صلابتها وقوتها في جميع أرجاء ومدن الجمهورية الإسلامية المباركة ومنها مدينة مشهد المقدسة، حيث كان الإمام فيها هو آية الله الشيخ أبو الحسن الشيرازي وبعد وفاته نُصّب حجة الإسلام والمسلمين الشيخ العبادي وهو معروف بـ "أبو الشهيدين".

نبذة من محاضرة الشيخ النعيم آبادي :

ومن برامج لجنة صلاة الجمعة هي المحاضرة قبل الصلاة، فمن حسن الحظ أن الخطيب قبل صلاة الجمعة كان حجة الإسلام والمسلمين النعيم آبادي، وهو أيضاً إمام جمعة في بندر عباس وهو مندوب ولي أمر المسلمين في محافظة هرمزگان، وقد ألقى محاضرة مفيدة للغاية كان عنوانها، أهمية معرفة العلل.

أذكر هنا نبذة مختصرة من تلك الخطبة التي طالت حوالي ساعة واحدة. وبما أن هناك مؤامرات تحاك ضد الجمهورية من قبل الشيطان الأكبر بحجة أن إيران لديها طاقة ذرية، والإعلام الخبيث يتزايد يوما بعد يوم، والتهديدات تشتد دوماً، وشرذمة فاسدة ومفسدة تتفق مع الشيطان لتعكر الأجواء كما شوهد في طهران، ولذلك كانت المحاضرة تتركز على هذه الحادثة المهمّة حيث قال:

((يجب أن تعرف الأمّة بعلل الحوادث التي تقع في المجتمع، فمن الخطأ الفاحش أن ينسب كل نقص إلى أصل النظام الاسلامي أو العلماء الأفاضل فهذا هو الظلم والزور، فما هي علاقة غلاء سعر بضاعة ما بأصل النظام الإسلامي؟ وما هي علاقة الخلل في دائرة ما بعلماء الدين؟ فالعلماء هم أكبر جالية تعاني الشدة والضيق والفقر. ثم قال: بأن العدو الحاقد يسعى إلى ربط كل نقص بأهل النظام من أجل أن يشمئز الناس من الجمهورية الإسلامية، وبالنتيجة يمكّنون أنفسهم من العدو الذي بصدد القضاء على كل القيم ونهب ثروات الأمّة كما فعلت في كثير من دول العالم ومنها العراق، ويجب على الشعب أن يتنبه إلى هذه المؤامرة الخطيرة ويميز الحق من الباطل ولا يتأثر بالإعلام الشيطاني.

ثمّ ذكر مثالاً وقال:

إن التاريخ خير شاهد على هذه المؤامرات، فلنرجع إلى حادثة استشهاد آية الله الشيخ فضل الله النوري الذي عارض نظام المشروطة (وهو نظام قد وافق عليه بعض العلماء ولكن انحرف عن مسيره في التطبيق ولم يراعوا الدستور الذي تعاهدوا عليه ونقضوا الميثاق) وكان ينادي بالمشروطة المشروعة لا غير المشروعة.

قال بأن هناك أمراً لم يطلع عليه أحدٌ إلاّ خواص أهله رضوان الله تعالى عليه، وهو أنًه بعد أن أعدم بالمشنقة وأرادوا أن يغسِّلوه، فمن الواجب أن ينظَّف الميت من الأوساخ قبل الأغسال الثلاثة، فأرادوا أن ينظفوه ولكن واجهوا شيئاً لم يحدث لميت قبله وهو على لحيته المباركة، وهي كثرة البصاق، حيث أن الناس وهم المؤمنين قد بصقوا على وجهه بعد موته لأنّهم كانوا يظنّون أنّه قد خالف الإسلام، ولعلهم بصقوا على وجهه قربة إلى الله.

هكذا كان تأثير الإعلام في الناس بحيث يتعاملون مع أخلص وأنقى وأشجع الناس هكذا!! سبحان الله!!

وهذا كان تكراراً للتاريخ حيث كان الخوارج لا يصدقون بأنَّ عليّاً قد استشهد في المحراب فكانوا يقولون وهل كان عليٌّ يصلي؟ رغم أنّه عليه السلام هو حقيقة الصلاة ولم يسجد أحد سجدة تضاهي سجدة علي كما قال الإمام الخميني قدس سره في حقه هذا.

ومن ثمَّ ذكَّر الناس بالمؤامرات الخطيرة التي تحاك ضد الإسلام، فرئيس جمهورية أميركا اللعين رغم جميع مفاسده ولكن لا نشاهد أحد يحارب النظام الرأسمالي بل يهاجمون شخصه، في حين أنهم يحرضون الناس لمحاربة أصل النظام الاسلامي.. فما لكم كيف تحكمون؟!)).

طبعاً الهتافات كانت تدوي في آذان الناس ضد الشيطان الأكبر أمريكا وإسرائيل.

خطبة الجمعة للشيخ العبادي :

وأمّا إمام الجمعة وهو الشيخ العبادي فقد أبدع في تفسير حقيقة العبودية، وقال:

((بأن (إِيَّاكَ نَعْبُدُ )(الفاتحة/5) تحمل مفهومين: 1 – الحرية ، 2 – العبودية.

أما الحرية: من كل من هو سوى الله. وأمّا العبودية: لله تعالى لا غير.

ولذلك نشاهد الإهتمام البالغ في خطب المعصومين عليهم السلام خاصة أمير المؤمنين عليه السلام على العبودية، لأنّه بعد أن اعترف الإنسان بالعبودية علم بأنّه محرر من كل ما هو سوى الله، فحينئذ سوف يتقبل الخطاب.

كما أنّه فرق بين المخلِصين بالكسرة وتعني: من يخلِص في عمله، ومخلَصين بالفتحة وتعني: من يصفّي نفسه من كافة الشوائب فهو خالص صافٍ.

وأشار إلى أهمية صلاة الجمعة في ظل الإمام المعصوم أو ولي الفقيه، وأنّ صلاة الجمعة في ظل حكام الجور ليس بواجب بل أفتى بعضهم بالحرمة، ولعلّ السر في الحرمة أنّه يستفاد من هذه الصلاة لأجل توجيه أعمال الحكّام وتبرير مواقفهم.

وأما بمناسبة استشهاد الزهراء عليها السلام فأشار إلى كلمة أبكت عيون الحاضرين، فقال:

((فاطمة ليست مظلومة فحسب وليست شهيدة فحسب بل هي غريبة، لأنها فارقت الدنيا من دون أن يكون عندها زوجها وابناها، فأخبروا عليّاً حيث كان في المسجد، ورغم قصر المسافة بين المسجد والبيت إلا أنّه سقط على الأرض أكثر من مرة حزناً وهولاً على بضعة الرسول الزهراء عليها السلام)).

علاقة العقيدة بالعمل :

ومن جملة الخطباء المدعوين للأيام الفاطمية في مسجد گوهرشاد هو حجة الإسلام والمسلمين الشيخ جواد محدثي، صاحب التأليفات الكثيرة التي منها قاموس عاشوراء المتواجد في صفحتنا مدينة الكوثر الإسلامية الإلكترونية (www.al-kawthar.com) وهو أديب مثابر وخطيب مفوَّه بالفارسية. وهو من أصدقائي القدامى حيث كنا نذهب من قم إلى طهران لتدريس المصارف الإسلامية في جامعة طهران.

كان يتحدث عن علاقة العقيدة بالعمل، وقد أبدع حقيقة في هذا البحث بذكر أمثلة وأدلة قرآنية وروائية، وكان يؤكد على علم الله تعالى وأنه من يعلم بأن الله بكل شيء محيط وعلى كل شيء شهيد فكيف يجد مكاناً خالٍ من أحد ليرتكب الذنب فيه.

وقد ذكر مثالاً لطيفاً نقلاً عن العلاّمة الشيخ جعفر الشوشتري العالم الشاهد الخطيب البارع صاحب كتاب الخصائص الحسينية.

قال بأنه أراد أن يدخل المسجد رأس حمارٍ قد حطَّ الرحل الذي على ظهره على الأرض وقد رفع أذنيه يحركهما ويحرك رقبته يميناً وشمالاً، قال الشيخ: أما تعلمون ماذا يقول لي هذا الحمار؟ يقول :

أنا أوصلت رحلي إلى المقصد النهائي، أنت.. كيف؟ هل أوصلت رحلك الى المقصود؟.

وأيضاً قسَّم البلوغ الى ثلاثة أقسام:

(1) البلوغ الجسمي

(2) البلوغ الإجتماعي

(3) البلوغ الإنساني

ونعني بالبلوغ الجسمي أن يصل الإنسان إلى الكمال الجسمي حسب ما ذكر في الرسائل العملية ، فالكل تقريباً يصل إليه.

وأمًا البلوغ الإجتماعي هو حسن التعامل مع الناس في كافة المجالات الحيوية.

وأمّا البلوغ الإنساني فيعني أن يعلم الإنسان من أين أتى وهو في أين وإلى أين يصل.

أي يكون إنساناً حقيقة، فكثير من الناس لم يصل إلى هذا البلوغ وبالنتيجة لم يمت وهو إنسان بل انقلب إلى حيوان. ويذكرني هذا الحديث بقول الإمام الراحل رضوان الله تعالى عليه حيث فسر الوحوش في قوله تعالى (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ)(التكوير/5)  بالناس الذين انقلبوا وحوشاً.

* * *

:حجة الإسلام والمسلمين الشيخ الرسولي

وهناك ألطاف كثيرة شملتنا نحن الضعفاء في هذه المرحلة المعنوية أودُّ الحديث عن  بعضها في هذه الذكريات المعنوية:

تعرفت قبل سنة على عالم حقيقي وروحاني واقعي وهو حجة الإسلام والمسلمين الشيخ الرسولي، وهو المسؤول عن مكتب أخذ الحقوق الشرعية للسيد ولي أمر المسلمين في الحرم المقدس، فهو رغم مسؤليته زاهد عن هذه الدنيا الدنية وغير متعلق بزخارفها، لا يستلم شيئاً من الحقوق الشرعية أصلاً ولا يأخذ راتب الحوزة لأنّه يحتاط في أخذ الحقوق الشرعية، ويعيش على التوكل والاعتماد على الله (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)(الطلاق/3).

"شطيطة" رضوان الله تعالى عليها :

وبمناسبة الحديث عن استلام الحقوق الشرعية سوف أذكر ملخصاً للرواية التي حدثت في زمن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام:

((وفَد إلى خراسان وافد يكنى أبو جعفر فسأله جماعة أن يحمل لهم أموالا ومتاعا ومسائلهم في الفتاوي، ثم توجّه إلى الكوفة فوجد فقهاء شيعة يسمعون من هو الشيخ أبو حمزة الثمالي، وإذا بإعرابي قد أقبل من المدينة ويخبرهم بوفاة الإمام جعفر الصادق عليه السلام وبأنه قد أوصى لابنه عبدالله وابنه موسى وإلى المنصور. فقال أبو حمزة: الحمدلله الذي لم يضلّنا، دلَّ على الصغير وبيَّن على الكبير، وسرَّ الأمر العظيم. ثم فسّر ما قاله حيث بيَّن بأن الكبير ذو عاهة، ودلَّ على الصغير أن أدخلَ يده مع الكبير (أي: لو لم يكن الكبير ذا عاهة لأفرده في الوصية فلما أشرك معه الصغير أعلَم أنه غير صالح للإمامة) وسرَّ الأمر العظيم بالمنصور، حتى إذا سأل المنصور من وصيّه؟ قيل أنت.

إلاّ أن الخراساني لم يفهم تفسيره، وتوجّه إلى المدينة وكان ممّا معه درهماً ومنديلاً دفعت له امرأة تسمى "شطيطة"، لكنه استحى أن يحمل درهماً لقلَّته فقال: لا أحمل عنك إلا مائة درهم. فأجابته: إن الله لا يستحيي من الحق، وعوّجت الدرهم لئلا يلتبس بغيره وطرحته في بعض الأكياس.

ذهب الخراساني إلى عبدالله ابن الإمام الصادق الذي قيل له بأنه وصيّه، لكنه تعجّب من جهله بالمسائل والأحكام، لذلك رجع إلى بيته وإذا بغلام أسود ينتظره ويقول له: أجب من تريد.

فذهب معه إلى دار مهجورة أدخله فيها على الإمام موسى بن جعفر عليه السلام الذي تبيّنت له دلائله أدباً وعلماً، وطلب منه الإمام أن يقلِب الكيس الذي معه ففعل وظهر درهم شطيطة المعوجّ، وطلب منه أن يفتح الرزمة وأخذ المنديل منها بيده وقال له وهو مقبل عليه:

إن الله لا يستحيي من الحق يا أبا جعفر اقرأ على شطيطة السلام مني وادفع إليها هذه الصرّة .وقال: اردد ما معك إلى من حمله وادفعه إلى أهله، وقل قد قبله ووصلكم به.

وبيّن الإمام علمه بما قاله أبو حمزة الثمالي للخراساني وقال: كذلك يكون المؤمن إذا نوّر الله قلبه كان علمه بالوجه. وطلب منه أن يسأل ثقاة أصحاب الماضي عن نصّه. ففعل ووجدهم يشهدون بالنص على الإمام موسى الكاظم عليه السلام.

ثم رجع الخراساني إلى خراسان فوجد جماعة ممن حملوا المال صاروا فطحية، ولمّا وجد شطيطة، وهي تتوقعه أن يعود، عرَّفها بسلام الإمام عليه السلام وقبوله منها دون غيرها، وسلّم لها الصرّة ففرحت بها وقالت له أمسك الدراهم معك فإنّها لكفني، فأقامت ثلاثة أيام وتوفيت))(البحار ج 47 ص251 رواية 23 باب8، وج48 ص73 رواية 100 باب4).

غسيل الحـرم المُطهّـر

نرجع إلى حجة الإسلام والمسلمين الشيخ الرسولي باعتباره وكيل للسيد ولي أمر المسلمين وهو المسؤول عن مكتب أخذ الحقوق الشرعية فإن أكثر الحقوق الشرعية المتعلقة به حفظه الله أُسلّمها إلى هذا المكتب، وهذه المعرفة بيني وبينه فتحت باباً معنوياً فطلبت منه أن يأخذني إلى الحرم المقدس لعلّي أحظى بكنس الحرم مع خدام الإمام الرضا عليه السلام، حيث يكنسون الحرم في كل يوم ظهراً الساعة الثانية والربع.

ولكن ليس هو ككنس الأماكن الأخرى فهناك مراسيم معينة وأدعية خاصة قبل الكنس وبعده، وأمّا الغبار والتراب المجتمع فيُجمع في أكياس وتوزع على الزوار تبركاً، وكم من آثار وبركات لهذا الغبار!! إنه ليس بغبار وتراب إنّه تجلى للعشق الإلهي إنّه كقميص يوسف بل أفضل منه، فأين يوسف من الإمام الرضا عليه السلام؟ فهو شمس الشموس جميعاً ولكن لابدّ من عين يعقوبية حتى ترتد فكم من يعقوب ارتدت عيناه ببركة هذه التربة المباركة...وكم من أمراض شُفيت وحاجات قُضيت وآفات أزيلت ومصائب انتفت!!

كم كنت محظوظاً عندما دعاني الشيخ الرسولي لأشارك معهم في تنظيف وغسيل داخل الحرم وأطراف الضريح المقدس للإمام الرضا سلام الله عليه، هذا العمل لا يتم إلاّ بمراسيم خاصة، وكان الموعد أن أكون هناك الساعة الثانية عشرة والنصف ليلاً.

ذهبنا هناك وكان الحرم غاصّاً بالزوّار، والمفروض أن يخرجوا جميعاً، وخروجهم كان يستغرق وقتاً طويلاً حوالي ساعة واحدة، فكيف يمكن أن تخلّص العاشق من معشوقه، لذا كان من الصعوبة إخراج الناس وإبعادهم عن إمامهم سلام الله عليه، ولكن ليس هناك محيص إلاّ أن يخرجوا ليتم الغسيل، وبالفعل أخرجوا الرجال وقد تم إخراجهم في حوالي ساعة واحدة، ثم أخرجوا النساء حيث فتحوا ممرّاً من جهة الرجال وأغلقوا باب النساء من الجهة الثانية، فخرجن النسوة إلى جهة رأس الإمام سلام الله عليه، ثم حدّدوهن إلى أن تَضَيَّق الطريق وأُخرجن من الباب الآخر (باب الرجال)، ومن ثم بدأ غسيل الحرم.

ومن حسن الحظ أن آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني كان متواجداً حينها عند رأس الإمام سلام الله عليه، كان يصلّي هناك ويعبد الله وكان يُطيل في صلاته، فبدأ خدّام الحرم بغسيل الحرم ولكن بحالة معنويةٍ لا توصف، حيث رَشُّوا الماء بعد أن جمعوا السّجاد الكبير الموجود من جهة الرأس، رشّوا الماء والصابون والأدوية الأخرى، وبدأوا في تنظيف الحرم المطهّر وغسيله.

وفي نفس تلك اللحظة كان هناك سيد ويسمى السيد علي الطباطبائي، وهو الذي أدخلني إلى داخل الحرم المطهّر وإلى جهة الضريح، كان يقرأ مصيبة الزهراء سلام الله عليها وكان الناس كلّهم يبكون وهؤلاء يعملون ويبكون وكان يقول:

"نتمنى أن تكون هناك هذه المراسيم في أضرحة تتعلق بالإمام الحسن سلام الله عليه وأئمة البقيع الثلاثة الإمام زين العابدين والباقر والصادق عليهم السلام".

وكل الناس كانوا يبكون، وكان يتوجه إلى الشيخ الوحيد الخراساني عندما يذكر مصيبة الزهراء سلام الله عليها، بعد ذلك ذكر مدائح للإمام الرضا سلام الله عليه، وكان يجيبه شخص آخر بنفس الأسلوب.

وأمّا نحن فقد استفدنا من هذه الفرصة وبدأنا بزيارة الإمام سلام الله عليه ونحن ممسكين الضريح، وهذه الزيارة كانت زيارة ذات معنى عميق جداً، وصلّينا إلى جهة الرأس عند الإمام سلام الله عليه، نظرت إلي داخل الضريح فإذا بالضريح مملوء بالأموال حتى وصل على القبر، والضريح لم يكن فيه مجال إلاّ أن تُخرج هذه الأموال. وأمّا قطع القماش المربوطة على الضريح فقد قُطّعت ووُزِّعت وأنا أخذت قسماً منها تبرُّكاً.

بعد أن تم الإنتهاء من غسيل الحرم، فإن أخذ المكانس وتجميعها يتمّ أيضاً ضمن مراسيم دعاء، وبعدها يرفع أحد العلماء يده متضرعاً إلى الله تعالى طالباً حوائج دنيوية وأخروية، ثم فرشوا ذلك السّجاد مرة أخرى، وإذا بصوت يتصاعد..! استغربت من هذا الصوت وهذا الصراخ..! نظرت إلى الجهة الثانية فإذا بالنسوة يدخلن ولكن بعشق وتوجّه، لأن النسوة لم يتمكّنَّ من مسك هذا الضريح المقدّس ومن لمسه، وهذه فرصة لهن، صراخ عظيم جداً..! وعندما يسمع الإنسان هذا الصراخ وهذا التوجّه للإمام سلام الله عليه يبكي عشقاً.

ثم بدأ بعدها دخول الرجال، والحمدلله رب العالمين، وهذه نعمة لنا في هذه الزيارة المباركة. ندعو الله أن يوفّقنا جميعاً لأن نكون من خدام الإمام الرضا سلام الله عليه دوماً.

وهنا أرى من المناسب ذِكر حديث عن الإمام الصادق عليه السلام:

(عن عمر بن عبد العزيز عن أبي داود الحداد عن موسى بن بكر قال كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فقال رجل فى المجلس اسأل الله الجنة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أنتم فى الجنة فاسألوا الله أن لا يخرجكم منها. فقالوا جعلنا فداك نحن فى الدنيا! فقال: أ لستم تقرّون بإمامتنا؟ قالوا نعم. فقال: هذا معنى الجنة الذى من أقرّ به كان فى الجنة فاسألوا الله أن لا يسلبكم)(البحار ج68 ص102 رواية11 باب18).

* * *

إلقاء محاضرة في صحن الجمهورية الإسلامية :

في آخر يوم من تواجدي في مشهد وهو يوم الأربعاء 30 جمادي الآخرة، وُفّقت لإلقاء محاضرة ولأوَّل مرة في صحن الجمهورية الإسلامية، حيث يجتمع جميع الأخوة والأخوات من الدول العربية خاصة من مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية والكويت وعمان، وفي هذه السنة بالخصوص هناك عدد كبير من الزوار العراقيين الذين طال عليهم الأمد ولم يوفقوا لزيارة ثامن الحجج عليه السلام. وبما أننا كنا نعيش أيام الفاطمية الثالثة وأيضاً هنا ارتباط كامل بين الأم والأبن كما شرحنا سابقاً، فإني رأيت من المناسب أن أتحدث عن سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء عليها السلام، فبعد ذكر الله والصلاة على محمد وآله وذكر القصيدة المعروفة لشاعر شافعي حيث تستهل بقوله:

ما لعيني قد غاب عنها كراها             وعراها من عبرة ما عراها

إلى أن يقول :

بنت مَـن أمُّ مَـن حليلة مَن                ويـلٌ لمن سنَّ ظلمها وأذاها

شرح زيارة الزهراء عليها السلام :

قرأت مقطعاً من زيارتها عليها السلام التي ورد فيها :

(يا ممتحنة امتحنك الله الذي خلقك قبل أن يخلقك فوجدكِ لما امتحنك صابرة وزعمنا أنَّا لكِ أولياءُ ومصدّقون وصابرون لكل ما أتانا به أبوكِ صلى الله عليه وآله وأتى به وصيُّه.....)(البحار ج100 ص194 رواية11 باب5).

في قوله: (يا ممتحنة امتحنك الله الذي خلقك قبل أن يخلقك):

شرحت الموضوع من زوايا ثلاثة:-

1– لماذا الزهراء عليها السلام هي الممتحنة؟

2- إن الله سبحانه بكل صفاته وأسمائه امتحنها، فهي خلقت بيدي الجلال والجمال.

3- أنها كيف امتحنت قبل أن تُخلق، وما هو ذلك العالم الذي امتحنت فيه الزهراء؟

وأما بالنسبة إلى النقطة الاولى:

فلعلّ السر في ذلك هو أنًه رغم أن سائر الائمة عليهم السلام ممتحنون وأيضاً شيعتهم ممتحنون إلاّ أن الممتحنة حقيقةً هي الأمّ، باعتبار أنّها أصل الشجرة المباركة، فكلُّ ما حدث لأولادها وشيعتها يرجع إليها، فهي التي ابتليت بالمصائب حقيقة، مضافاً إلى أن المصائب التي وردت عليها كثيرة رغم تأكيد أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أنَّها بضعة منه من آذاها فقد آذى رسول الله ورغم شأنها العظيم عند الله تعالى، فهي الممتحنة حقيقة.

وأما بالنسبة إلى النقطة الثانية:

فالأمر يكمن في كونها فاطمة ((المشتقة)) من ((فاطر)) وهو يعني الإبداع في خلقها كيف لا وهي الحوراء الإنسية فأبدع الله حين خلقها بيديه.

فهي كما قال الإمام الخميني الراحل:

"ليست إمرأة عادية بل موجود من عالم الملكوت بل الجبروت شكّلها الله على شكل إمرأة". يالها من كلمة عظيمة صدرت من عظيم.

وأما بالنسبة إلى النقطة الثالثه:

فتحدثت عن عالم الأظلّة وأنّه غير عالم الملكوت بل هو عالم الجبروت ولعل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ)(الفرقان/45) إشارة إلى هذا العالم، وهو يتناسب مع قوله : ألم تر... كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل)(الفيل/1) و(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)(إبراهيم/24) والظل إشارة إلى الفيض الأول الذي له إشراق على كافة الموجودات، ولعل هذه هي الولاية التكوينية التي تمت الإشارة إليها في عدد من الزيارات خاصة الجامعة الكبيرة التي ورد فيها: (بكم فتح الله وبكم يختم وبكم ينـزل الغيث وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه)(البحار ج102 ص129 رواية4 باب8).

وقوله: (فوجدك لما امتحنك صابرة):

فالزهراء عليها السلام امتحنت هناك فوجدت صابرة على كل شيء، والحوادث في ذلك العالم لم تكن متقيدة بالزمان والمكان حيث لا زمان ولا مكان فهي خلقت قبل أن تخلق السموات والأرض وقبل أن يخلق آدم.

وأمًا قوله: (وزعمنا أنّا لكِ أولياءُ ومصدِّقون وصابرون): إلى آخر الزيارة فلم نتحدث عنده لضيق الوقت.

وفي آخر المحاضرة قرأت الأرجوزة المعروفة لآية الله العظمى المرحوم الشيخ محمد حسين الإصفهاني رضوان الله تعالى عليه وهي تشتمل على معاني كثيرة وهي بالفعل شجيّة حيث بيّن فيها أكثر المصائب التي حلَّ عليها بأبي هي وأمي ...

الجوُّ كان روحانياً للغاية، كيف لا! ونحن جالسون تحت ظلِّ إمام معصوم، فيجب علينا أن نشكر الله على هذه النعمة نعمة ولاية محمد وآل محمد كلَّ صباح ومساء.

طيور الحرم :

بعد المحاضرة صلينا خلف آية الله صدر جماعة، ثمَّ خرجنا من صحن الجمهورية الإسلامية فالتقينا بمجموعة من العشاق جاءوا لزيارة الإمام عليه السلام وهم كغيرهم كانوا يلطمون على صدورهم وينشدون، والجدير بالذكر أن خطابهم كان متوجهاً إلى ((طيور الحرم)) وكانوا يخاطبوها هكذا:

"هنيئاً لكِ أيتها الطيور بأبي أنتِ وأمي فكم أنتِ محظوظة بتواجدك في هذا المكان المقدس".

ثم كان يقول : "أفدي نفسي لتراب قدم زوار ثامن الحجج عليه السلام".

أخي وأختي: أنظروا إلى العرفان والوله والعشق والمنطق الإلهي والنفس الروحاني والرؤية المقدَّسة واللسان الجميل الذي ينبع من جمال الروح المتصل بالجميل على الإطلاق وهو الله تعالى.

فكل شيء هنا جميل ليس هنا بل في الكون كله ولكن العيون العمشاء ترى القبح والشر.

تقول السيدة زينب بنت علي عليها السلام لعبدالله بن زياد: (ما رأيت إلا جميلاً!)(البحار ج45 ص112 رواية1 باب39)  فلنكن من أتباعها سلام الله عليها ننظر إلى المخلوقات بنظرة عرفانية جميلة لا قبح فيها، ورؤية ملكوتية لا تخيم عليها شائبة الملك!

التوجّه إلى قـم :

وأخيراً ذهبت لأودع سيدي ومولاي غريب خراسان وأطلب من الله أن يوفقني العود ثمَّ العود. فإذا بي التقيت بشاب مهذَّب ذي ذوق رفيع من البحرين وهو من أفضل المصممين للشعارات والأطروحات لدينا، فطلبت منه أن يهيّئ لحوزتنا الفتيّة شعاراًً في مشهد وهي ((حوزة الكوثر للدراسات الإسلامية)) ووعدني بتحقيق هذا الأمر.

ورجعت إلى الفندق وكانت هناك سفرة بإسم أم البنين عليها السلام. التقيت بسماحة حجة الإسلام والمسلمين الخطيب المخلص الشيخ أبي علي البصري فتحدثت معه عن أوضاع العراق خاصة عن كربلاء والنجف الأشرف، حيث وُفِّق للذهاب إلي بلده بعد مضي 23 سنة من الفراق، وكان يتحدث عن مدى إجرام طاغية العراق على الشعب خاصة الشيعة.

هذا وفي النهاية رجعنا إلى طهران قاصدين قم في الساعة الخامسة من يوم الأربعاء المصادف آخر جمادى الأولى.

ولا أنسى هذه الرحلة الروحانية وأتمنى من الله أن يتقبل منَّا جميعاً، وأدعوا الله أن يديم علينا هذه النعم الجسيمة إنه وليََّ النعم والحمد لله ربّ العالمين والصلاة على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

* * *

مدينة قـم المقدسـة

وصلت إلى مدينة قـم عش آل محمّد يوم الأربعاء نهاية جمادى الأولى 1424 هجرية، فهذه المدينة كلُّها تعيش الحزن والعزاء بمناسبة ذكرى استشهاد سيدة النساء سلام الله عليها، نشاهد الأعلام السود واللاّفتات قد غطت المدينة، فمن تلك اللاّفتات ما كتب عليها ((السلام عليك أيتها الصديقة الشهيدة)) وهناك نشاطات كثيرة تهدف إلى إحياء هذه المناسبة المؤلمة.

ومن تلك النشاطات التي يجدر الحديث عنه هو:

مسابقة الفاطمية :

مسابقة الفاطمية واسمها ((عطر گل ياس)) أي عطر وردة الياسمين، إشارة إلى تلك الوردة التي قُطفت من يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والتي طالما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشمُّها ويُقبلها، وهذه المسابقة عبارة عن أسئلة متعلقة بالخطبة الفدكية للزهراء عليها السلام، والخطبة مُترجمة بالفارسية في كتاب يحمل نفس الإسم ويباع بسعر رمزي وهو 100 تومان أي أقل من 50 فلساً بحرينياً.

وجوائزها هي: جائزة بإسم الزهراء عليها السلام وجائزة بإسم أمير المؤمنين عليه السلام. الهدف من هذه المسابقة هو أن تتعرف الأمّة، خاصة الشباب، على أم الأئمة عليهم السلام وعلى خطبتها العظيمة المشتملة على أبواب مختلفة من العلوم، فهذه الخطبة مدرسة متكاملة من تعرّف عليها عرف مجمل المعارف الاسلامية.

كما أن هناك مسيرة كبيرة إلى حرم السيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، من أجل تعزيتها بمصاب جدّتها الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام، فإنّ هناك علاقة بين السيدتين.

فلسفة استقرار فاطمة المعصومة في قم :

وقد تحدث أحد كبار الخطباء وهو السيد فاطمي نيا وهو متواجد في البحرين هذه الأيام، تحدث في المسجد الأعظم في قم المقدسة في ذكرى ارتحال سماحة السيد أحمد الخميني رحمه الله، بحضور كبار المراجع والعلماء الأفاضل، قال وهو يخاطب العلماء الأفاضل: إن كل ما فعلتموه من نشاطٍ وسعي تؤجَرون عليه إن شاء الله ولكن لا يفيدكم في يومٍ لا ينفع مال ولا بنون إلاّ ((حبُّ فاطمة بنت محمد)) ثم قال: أتعلمون لم جاءت فاطمة المعصومة إلى قم وما هي فلسفة استقرارها ثم وفاتها في هذه الأرض المقدسة؟

نأتي هنا نزورها وننظر إلى قبرها وضريحها وقبتها الذهبية، فنتذكر بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام وقبرها المفقود فنشتاق اليها، ثم نتمنّى أن يخرج ابن الزهراء مهدي الامّة عجل الله تعالى فرجه فيُظهر لنا قبرها ويشفي بذلك صدورالمؤمنين.

وأنا أقول: إن هناك شواهد كثيرة لهذه الحقيقة منها أنّنا نبدأ بالتكبيرات ثم التسبيحات ثم التحميدات عند الشروع في زيارتها عليها السلام وهي تذكرّنا بتسبيحات الزهراء عليها السلام، وكذلك زيارتها فهي تشبه زيارة جدتها حيث نخاطبها: السلام عليك يا بنت رسول الله ...إلخ خاصة عندما نخاطبها يا فاطمة اشفعي لي في الجنة!! بالتأكيد نحسّ وكأنّنا بالمدينة المنوّرة نخاطب الصديقة الطاهرة سلام الله عليها.

هذا وذكرنّي عنوان عطر وردة الياسمين بقصيدة فارسية قد صيروها أنشودة جميلة مع موسيقى حزينة ومفهمومها باختصار هو:

في يوم من الأيام رجل سماوي غرس شجرة صغيرة في حديقة بيته وكان يسقيها الماء كلّ يوم حتى نمت، ولكن جاء أناس أشرار لا يعتقدون بالله وبالقيم فهجموا على تلك الوردة وكسروا قوائمها، فأخذها صاحبها ليلاً خفاء عن أعين الناس فغرسها في محلٍّ آخر لا يُعلم أين هو، ولكن قد مضت أكثر من ألف سنة وكلّ الأزقّة يُشمُّ منها رائحة الياسمين وأمّا نحن فلا نعلم أين تلك الوردة ومن أين تفوح تلك الرائحة العطرة.

شخصية الزهراء عليها السلام :

من حسن الحظ أنني كنت متواجداً في حرم أهل البيت قم المقدسة أيام الفاطمية، حيث وُفِّقت للمشاركة في مجالس مختلفة أهمها مجلس أقيم باسمها في مكتب سماحة آية الله الخامنئي حفظه الله، وكان خطيب المجلس يتغير كل يوم، ففي يوم الخميس أول جمادى الآخرة استمعت إلى محاضرة قيمة جداً ألقاها أحد الخطباء وكان يتحدث عن أمرين رئيسين في شخصية الزهراء عليها السلام: أمر توصيفي وأمر تبييني، وإليكم ملخص من هذه الكلمة:

أما توصيف الزهراء عليها السلام: فهي ((المحور)) :

(1) قبل الخلق، فأول ما خلق الله نورها.

(2) لدى أهل البيت عليهم السلام، يقول الإمام العسكري عليه السلام هي حجّة علينا وكذلك سائر الأئمة عليهم السلام.

(3) في القيامة، فلها المحورية هناك عند اجتماع الخلائق، كما تؤكد على ذلك الأحاديث الكثيرة.

(4) للملائكة، فهي المحدّثة حيث مجيء الروح الأمين إليها طوال 75 يوماً.

(5) محبتها محور للنجاة من أهوال البعث والحشر..

مضافاً إلى محوريتها فقد مدحها:

(6) الله تعالى، في سورة الكوثر.

(7) الرسول: حيث قال فداها أبوها وهي أم أبيها.

(8) أمير المؤمنين عليه السلام قال: حبيب ليس يعدله حبيب.

وأما التبيين : أعني السرّ في كل ما لها من مواصفات.

لم صارت فاطمة عليها السلام هكذا؟ ولماذا وصلت إلى هذا المستوى من الشأن؟ وهذا ما نسميه ((مرجّحات الزهراء)) تتلخص في كلمة واحدة وهي ((الإنتخاب)).

الإنتخـاب :

فالإنتخاب هو الذي يقيمّ الإنسان، فقيمة كلُّ امرءٍ بما ينتخبه من خطأ أو مرجعية أو موقف..

وأما انتخابها عليها السلام :

1– ترجيح رضا الله على رضا غير الله، فأوَّل ما أجابت حينما خطبها عليٌّ عليه السلام قالت: وهل في ذلك رضى الله؟ وقد نزلت الآية الكريمة في شأنها عليها السلام: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا)(الإنسان/9) .

2– ترجيح المعنويات على الماديّات، فهناك مواقف كثيرة تؤكد على ذلك.

3– ترجيح إمام النّور على أئمة النار، فهي التي انتخبت الصراخ على السكوت ودافعت بكل ما لديها عن القيادة والإمامة، و فدت نفسها لإمام زمانها أمير المؤمنين عليه السلام.

4– ترجيح الموت على الحياة، فهي التي اغتسلت ثم بدّلت ملابسها وبدأت تدعو ودعاؤها مستجاب (إلهي عجِّل وفاتي سريعاً) وأرادت من الحسن والحسين أن يؤمِّنوا ... فهل رأيتم أُمَّـاً هكذا..!!

فتحيَّر الحسن والحسين عليهما السلام هل يرفعا أيديهما بالتأمين أم لا؟ هل يطيعا أمهما؟

ربَّما أمّنا خفاءً إطاعة لحجة الله ولكنهما ذهبا بالفور إلى قبر أبيهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ودعا الله سبحانه أن يبقي أمهما فاطمة، ولكن بمجرد رجوعهما فإذا بأسماء بنت عميس أخبرتهما بوفاة أمهما!!.

* * *

صلاة الجمعة في مصلَّى القدس :

يوم الجمعة في الجمهورية الإسلامية يتحول كل شيء إلى معنوية حيث المجموعات المؤمنة تتوجه إلى الصلاة العبادية والسياسية (صلاة الجمعة). وصلاة الجمعة هنا تختلف عن جميع بلدان العالم لأنّها حقيقةً مواجهة للشياطين والشيطان الأكبر، ولأنّها مركّزة للتوعية والتزكية والهداية.

توجهت في يوم الجمعة الموافق 2 جمادى الآخرة إلى مصلّى القدس العظيم المليء بالمصلين وهم يستمعون إلى محاضرة ما قبل الخطبة، فمن المتداول هنا أن يلقي أحد الخطباء كلمة قبل أن يدخل وقت الصلاة، وفي أكثر الأحيان يكون المتكلم من الشخصيات العلمائية المعروفة أو من الشخصيات الحكومية، وفي هذه المرة تحدث عالم من العلماء عن قوله تعالى:

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ )(الإسراء/9).

وذكر الحديث المعروف الذي يفسر الآية بالإمام المعصوم وشرح هذا الموضوع تفصيلاً، وفي نهاية الحديث لفت انتباهي إلى كلمة جميلة حيث قال : "أنّ العشق المتواجد بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبين الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام قد تجلّى في ابنيهما الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، كما هو واضح لمن يتأمّل في شخصيتهما.

وأمّا الخطبتان فقد ألقاهما آية الله الشيخ إبراهيم الأميني حفظه الله، وهو معروف في أبحاثه التربوية والإجتماعية وقد ألَّف كتباً كثيرة في هذا المجال. ففي الخطبة الأولى تحدث عن الصديق وتأثيره في صديقه سواء في هدايته أو انحرافه وقد أبدع في هذا البحث. وأمّا الخطبة الثانية فخصّصها بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عن الزهراء عليها السلام: ((وأمّا ابنتي فاطمة فهي بضعة مني وثمرة قلبي)). وشرحها شرحاً علمياً وافياً.

* * *

إحياء ذكرى استشهاد الزهراء عليها السلام في قم :

وأمّا يوم السبت وهو الثالث من جمادى الثانية، ذكرى استشهاد بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحال مدينة قـم قد انقلب تماماً، فالمواكب المختلفة من ناحية والمجالس الفاطمية من ناحية أخرى وتوزيع الماء والمشروبات الأخرى على المعزِّين قد غيرت صورة المدينة إلى جنّة معنوية تضاهي جنّة الخلد.

ذهبت كالعادة إلى حسينية الإمام الخميني قدس سره، وهي متعلقة بولي أمر المسلمين حفظه الله، لأستمع إلى المحاضرات والتعازي ولكن الوضع هناك لم يكن كالأيام الماضية، فالحسينية المفتوحة على المكتب رغم سعتها كانت مليئة بالعلماء والأفاضل وآيات الله، وبصعوبة تمكنت من العثور على مكان للجلوس فقط للإستماع للعزاء.

ورأيت بأن آية الله الشيخ علي بناه حفظه الله، وهو من كبار أساتذة الحوزة العلمية في قم، رغم كبر سنِّه رأيته جالساً على درج من الأدراج التي تربط المكتب بالحسينية ولم يقم من هناك رغم إصرار الناس عليه، وهذا يدل على معرفته لأهمية هذه المجالس خاصة المجلس الذي يقام بإسم أم الأئمة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام، وأمّا إصراره للحضور في هذا المجلس خاصّة وفي كلِّ يوم فلأجل أن يقوِّي ولاية الأمر المتمثلة في ولي أمر المسلمين آية الله العظمى الخامنئي حفظه الله رغماً عن الأعداء الكثيرين الذين هم بصدد ضرب ولاية الفقيه التي تعارض مصالحهم وأهدافهم المشؤومة.

الدين و السياسة :

كان الخطيب هو حجة الإسلام والمسلمين مروى حفظه الله، وهو من كبار الخطباء، وطرح موضوعاً مهماً للغاية أحبُّ أن أبيّنه هنا. وقد بدأ حديثه بكلمه للمرحوم آية الله الشيخ حسن المدرّس رضوان الله تعالى عليه (وهو من كبار العلماء الأفاضل والسياسيين) حيث قال :

أكَر سياست أز بنجرة وارد شود عدالت أز بنجرة ديكر مي كريزد.

أي إذا السياسة دخلت من نافذة فالعدل يخرج من نافذةٍ أخرى.

قال: هذا ليس في القضاء فقط بل حتى في الفقه، لو تدخّلت التعصبات القومية في الفقه سوف يفسد الفقه أيضاً.

نرى بأن الفقه في بعض الأمور يتأثر بالجاهلية. ثم ذكر الشعر المعروف:

بنـونا بنـو أبنـاءنا             وبناتنا بنوهُّن أبناء الرجال الأباعد

وهي من الأبيات التي ذكرتها الجاهلية، ويستشهد بها هؤلاء بأن الإرث لا يصل إلاّ إلى أولاد الولد وبنات الولد، وأمّا أولاد البنت ليس كذلك، كما قالوا لو وقف على الأولاد وقفاً خاصّاً فلو كان عنده الآن بنت تستفيد، أمّا إذا ماتوا فأولاد الأولاد يصل إليهم الوقف لا غيرهم لأنه لا يُعدُّ إبن البنت، قال هذا من تأثيرات الجاهلية على عقائد المسلمين.

وأيضاً من جملة الموارد: أنّ الشاهد يجب أن لا يكون من المقربين، فإذا كان من المقربين كما لو كان أخاً أو إبناً فهو مجروحٌ.

قال: هل هذا له سند؟ ليس هناك سند في البين، إلاّ قول أبي بكر للزهراء عليها السلام أنه لا يمكن أن تستشهدي بعليٍّ وبالحسن والحسين في قضية فدك. والحال أن القرآن قد جعل أول شاهد هو عليّاً سلام الله عليه، كما في الآية المباركة: (.. قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)(الرعد/43). أبو بكر قال: هو ابن عمّك وزوجك، فهو قد ردَّ الشهادة، ولكن هل سنده هذا صحيح؟ وهل يعتمد على أساس الإسلام؟

وأيضاً من جملة المسائل السياسية التي قد خيم عليها التاريخ الخاطئ أنَّهم قالوا: بأنّ الزهراء عليها السلام وُلدت خمس سنوات قبل البعثة، والحال أن أكثر الشيعة يقولون بأنّه خمس سنوات بعد البعثة، هم يريدون رفع سنّ الزهراء إلى 28 سنة حتى لا يثبت أن الزهراء ماتت وهي في عمر 18 سنة. لكنّ كلامهم متناقض في هذا المجال، فهذا سنن النسائي يقول:

جاء أبو بكر لزواج فاطمة وأيضاً عمر فلم يقبل رسول الله متعلّلاً بصغر سنِّها.

فهذا الشيخ الجليل خاطب أهل السُّنة:

أيها السُّنة لو كانت ولادتها عليها السلام قبل البعثة بخمس سنوات فهذا يعني أنّها أول الهجرة تبلغ  18 سنة!! وكان العرب حينها يزوّجون البنت وهي 10 سنوات و 12 سنة خصوصاً أن الوضع الجغرافي كان يقتضي ذلك، فلم تعلَّلَ رسول الله بصغر سنّها؟ أنظروا إلى السياسة كيف تؤثر حتى في التاريخ.. تؤثر في كل شيء.

إنّما القضية ليست كذلك، رسول الله لم يقبل بأنّه يزوّج فاطمة من هؤلاء، فالعاقد هو الله والشهود هم الملائكة وجبرئيل، وقد زوّج ابنته فاطمة لعليٍّ سلام الله عليه. فهو قد انتخب عليّاً وهي قد انتخبت عليّاً بإذن الله.

ضرب الزهراء عليها السلام :

ثم تحدّث هذا الشيخ الجليل عن مصائب الزهراء سلام الله عليها وأنها تقول:

"صُبَّت عليَّ مصائبٌ لو أنها صُبَّت على الأيام صرن لياليَ"

ونقل كلمات عن العلاّمة الأميني رضوان الله تعالى عليه في محاضرته في مشهد في حضور آية الله العظمى السيد الميلاني.

يقول هذا الرجل: أنّه كنت مع أبي عندما جاء العلاّمة الأميني وألقى محاضرته في مدرسة النُّوَّاب، وهي مدرسة معروفة في مشهد، يقول: خاطب الأميني السيد الميلاني رحمة الله عليه وقال:

أنا أقول لك وأخاطب الطلاّب، وانقلوا منِّي للناس بأنَّ جنازة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كانت على الأرض وهم ضربوا فاطمة، يوم الإثنين توفيَ رسول الله ويوم الثلاثاء ضربوا فاطمة سلام الله عليها، ثم أشار إلى البيت المعروف:

فإن كنت بالــشورى ملكت أمـــورهم           فـكيف بهذا والـــــمشيرون غُــــــيّبوا

وإن كنت بالــقربى حججت خصيمهم         فــــغيرك أولـــى بــــالنبي وأقـــــرب

ثم تكلّم عن ضرب الزهراء سلام الله عليها،وأنّه حدث ذلك قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبدأ الناس بالبكاء، وخاطب من ينكر ضرب الزهراء وقال: فإنكار ضرب الزهراء له جانب سياسي، لماذا تنكرون ضرب الزهراء سلام الله عليها ؟. الوحدة أمرٌ آخر، الوحدة لا تعني أن يتراجع الإنسان عن عقائده.

ثم قال: قلنا من قديم الأيام أنَّ الشُّهرة والشِّياع إذا كان قريبا من عصر المعصوم فهو أقرب إلى الواقع، فهذه المصائب قد ذكرها علماء عاشوا في عصر الغيبة الصغرى، أي في سنة 329 هجرية، وأيضاً في أوائل الغيبة الكبرى كالشيخ المفيد والمرتضى والطوسي، هؤلاء كانوا في أوائل الغيبة الكبرى.

والسيد المرتضى رحمة الله عليه في مقام رد القاضي عبدالجبار يقول تلويحاً أنه أُحرق باب الزهراء، وفي تلخيص الشافي: لماذا يحرقون بيت عليّاً لمجرد أنه لم يبايع؟

وأمّا الشيخ الطوسى رحمة الله عليه في مصباح المتهجد، هو كتب زيارة عاشوراء مع أنه يتقي عندما سألوه عن "وابدأ به أولاً ثم العن الثاني والثالث والرابع" قال: أولاً قابيل وثانياً عاقر ناقة صالح وثالثاً بخت النصر ورابعاً ابن ملجم. وهذه القصة معروفة عنه. مع ذلك يقول في كتابه تجريد الاعتقاد: "أحرِقوا بيت الزهراء".

والعلاَّمة في شرح التجريد يقول: "بل ضربوا الزهراء حتى أُسقط جنينها".

هؤلاء ليسوا محدثين فقط، هم نقّاد الحديث، هم فقهاء، فلو أبرز فقيهٌ رأيه في أمرٍ تاريخي وقال بصراحة أن الزهراء ضُربت فهذا يختلف عما ينقل الإنسان حديثاً ما.

وأيضاً اشتهر عن صاحب الحدائق الناضرة المحقق يوسف البحراني قدس سره أنه قال:

(إن من العجب الذي يضحك الثكلى والبين البطلان الذي أظهر من كل شئ وأجلى أن يُحكم بنجاسة من أنكر ضرورياً من سائر ضروريات الدين وإن لم يعلم أن ذلك منه عن اعتقاد ويقين ولا يُحكم بنجاسة من يسبُّ أمير المؤمنين عليه السلام وإخراجه قهراً مقاداً يُساق بين جملة العالمين، وأدار الحطب على بيته ليحرقه عليه وعلى من فيه، وضرب الزهراء عليها السلام حتى أسقطها جنينها ولطمها حتى خرت لوجهها وجبينها وخرجت لوعتها وحنينها، مضافاً إلى غصب الخلافة الذى هو أصل هذه المصائب وبيت هذه الفجائع والنوائب)(ج5 ص180).

* * *

كلمة لآية الله اليزدي في المدرسة الفيضية :

في يوم وفاة الصديقة الكبرى فاطمة سلام الله عليها عصراً، ألقى آية الله مصباح اليزدي كلمة في المدرسة العظيمة "المدرسة الفيضية"، وكانت المدرسة غاصّة بالرجال والنساء.

المحاضرة كانت من أجل الوقوف ضد قانون المرأة التي أرادوا تحميله على الجمهورية الإسلامية وأرادوا بضغوط أن تستسلم إيران لقبول هذا القانون، ومع الأسف مجلس الشورى قَبِل ذلك، ولكن  مجلس صيانة الدستور ردَّ على ذلك، وعلى هذا الأساس صار هناك تجمّع كبير، والشيخ المصباح اليزدي حفظه الله ألقى كلمة لطيفة استند فيها في البداية على هذا الحديث:

نقض البيعة :

(........ يا سادتى يا آل رسول الله إني بكم أتقرَّب إلى الله جل وعلا بالخلاف على الذين غدروا بكم ونكثوا بيعتكم وجحدوا ولايتكم وأنكروا منزلتكم وخلعوا ربقة طاعتكم وهجروا أسباب مودتكم وتقرّبوا إلى فراعنتهم بالبراءة منكم والإعراض عنكم، ومنعوكم من إقامة الحدود واستئصال الجحود وشعب الصدع ولم الشعث وسد الخلل وتثقيف الأود وإمضاء الأحكام وتهذيب الإسلام وقمع الآثام، وأرهجوا عليكم نقع الحروب والفتن وأنحَوا عليكم سيوف الأحقاد وهتكوا منكم السّتور وابتاعوا بخمسكم وصرفوا صدقات المساكين إلى المضحكين والساخرين، وذلك بما طرقت لهم الفسقة الغواة والحسدة البغاة أهل النكث والغدر والخلاف والمكر والقلوب المنتنة من قذر الشرك والأجساد المشحنة من درن الكفر، أضبّوا على النفاق وأكبّوا على علائق الشقاق.

فلما مضى المصطفى صلوات الله عليه وآله اختطفوا الغرة وانتهزوا الفرصة وانتهكوا الحرمة وغادروه على فراش الوفاة، وأسرعوا لنقض البيعة ومخالفة المواثيق المؤكدة وخيانة الأمانة المعروضة على الجبال الراسية وأبت أن تحملها وحملها الإنسان الظلوم الجهول ذو الشقاق والعزة بالآثام المؤلمة والأنفة عن الانقياد لحميد العاقبة، فحشر سفلة الأعراب وبقايا الأحزاب إلى دار النبوة والرسالة ومهبط الوحي والملائكة ومستقر سلطان الولاية ومعدن الوصية والخلافة والإمامة، حتى نقضوا عهد المصطفى في أخيه علم الهدى والمبين طريق النجاة من طرق الردى، وجرحوا كبد خير الورى فى ظلم ابنته واضطهاد حبيبته واهتضام عزيزته بضعة لحمه وفلذة كبده، وخذلوا بعلها وصغّروا قدره واستحلوا محارمه وقطعوا رحمه وأنكروا أخوته وهجروا مودته و نقضوا طاعته وجحدوا ولايته وأطمعوا العبيد فى خلافته، وقادوه إلى بيعتهم مسلّطة سيوفها مقذعة أسنتها، وهو ساخط القلب هائج الغضب شديد الصبر كاظم الغيظ، يدعونه إلى بيعتهم التى عمَّ شؤمها الإسلام وزرعت فى قلوب أهلها الآثام، وعقَّت سلمانها وطردت مقدادها ونفت جندبها وفتقت بطن عمَّارها، وحرَّفت القرآن وبدلت الأحكام وغيرت المقام وأباحت الخمس للطلقاء، وسلَّطت أولاد اللُّعناء على الفروج وخلطت الحلال بالحرام واستخفت بالإيمان والإسلام، وهدمت الكعبة وأغارت على دار الهجرة يوم الحرة، وأبرزت بنات المهاجرين والأنصار للنّكال والسّورة وألبستهن ثوب العار والفضيحة، ورخّصت لأهل الشبهة فى قتل أهل بيت الصفوة وإبادة نسله واستيصال شأفته وسبي حرمه، وقتل أنصاره وكسر منبره وقلب مفخره وإخفاء دينه وقطع ذِكره. يا موالي فلو عاينكم المصطفى وسهام الأمّة معرّفة في أكبادكم ورماحهم مشرّعة في نحوركم وسيوفها مولعة في دمائكم، يشفي أبناء العواهر غليل الفسق من ورعكم وغيظ الكفر من إيمانكم، وأنتم بين صريع فى المحراب قد فلَق السيف هامته، وشهيد فوق الجنازة قد شكَّت أكفانه بالسهام، وقتيل بالعراء قد رفع فوق القناة رأسه، ومكبَّل فى السجن قد رضَّت بالحديد أعضاؤه، ومسمومٌ قد قُطِّعت بجرع حاء أمعاؤه، وشملكم عباديد تفنيهم العبيد وأبناء العبيد. فهل المحن  يا سادتى إلاّ التي لزمتكم والمصائب إلاّ التي عمَّتكم والفجائع إلاَّ التي خصتكم، والقوارع إلاَّ التي طرقتكم صلوات الله عليكم وعلى أرواحكم وأجسادكم ورحمه الله وبركاته.

ثم قبِّله وقل بأبي وأمي يا آل المصطفى إنَّا لا نملك إلاَّ أن نطوف حول مشاهدكم ونعزّي فيها أرواحكم على هذه المصائب العظيمة الحالَّة بفنائكم والرزايا الجليلة النازلة بساحتكم، التي أثبتت في قلوب شيعتكم القروح وأورثت أكبادهم الجروح وزرعت في صدورهم الغصص، فنحن نشهد الله أنّا قد شاركنا أولياءكم وأنصاركم المتقدمين في إراقة دماء الناكثين والقاسطين والمارقين، وقتله أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة يوم كربلا بالنيات والقلوب والتأسّف على فوت تلك المواقف التى حضروا لنصرتكم، وعليكم منّا السلام ورحمة الله وبركاته .......)(البحار ج102 ص163 رواية6 باب8).

وقال بأن هذا الحديث يشتمل على حقائق كثيرة تاريخية وتعليلات، ثم تطرق إلى هذه المسألة وشرح الموضوع بالتفصيل، وبيّن سياسة أمريكا وأن بوش قد صرّح بأن الحرب هي حرب صليبية ضد الإسلام، وهم لا يقتنعوا بهذا المقدار ويريدوا أن يقمعوا الإسلام ويزيلوا الإسلام تماماً، واستند إلى قوله تعالى:

(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)(البقرة/120).

* * *

 

العودة إلى مدينة مشـهد المقدسة :

من لطف الله عليّ أنني وفقت لتقبيل عتبة مولاي ومقتداي علي بن موسى الرضا عليه السلام مرة أخرى، وفي هذه المرة كان الغرض يتركز على أمرٍ آخر في نهاية القدسية، وهو أمر التبليغ الذي ورد في شأنه:

(الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)(الأحزاب/39).

حيث دعيت من قبل المؤسسة الرضوية المقدَّسة لألقي محاضرات يومية في صحن الإمام الرضا عليه السلام المسمى بصحن الجمهورية الإسلامية، وذلك للجالية العربية المتواجدة هذه الأيام في حرم الإمام عليه السلام.

تلبية الدعوة والتوسل بالرضا عليه السلام :

وصلت إلى مشهد يوم الخميس الموافق 8 جمادي الآخرة 1424 هـ، الساعة السادسة مساء بتوقيت إيران، وبمجرد أن وصلت ذهبت إلى حرم الإمام عليه السلام ومن ثم إلى مكتب ولي الفقيه للحقوق الشرعية المتواجد في الصحن الذهبي، فالتقيت بحجة الإسلام الشيخ الرسولي الذي تحدثت عنه سابقاً، ففوجئت بخبر يخصني وهو أنني رشحت بأن أكون الخطيب قبل خطبة الجمعة في مشهد وذلك باللغة الفارسية، والخبر قد نُشر في جريدة قدس الصادرة من مشهد، فلم يكن هناك مفرٌّ أصلاً بل لابد من تلبية هذه الدعوة وينبغي أن أتوسل بالإمام عليه السلام لشرح الصدر وإحلال العقدة من اللسان والإخلاص في العمل.

فتشرفت بزيارة الحرم الشريف وطلبت من سيدي ومولاي ذلك ثم توسلت بالاستخارة لانتخاب الموضوع، واستقر الأمر على أن أطرح موضوعاً قرآنياً يتعلق بأهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، وبالفعل تطرّقت إلى موضوع الخلافة الإلهية وأنّهم عليهم السلام كانوا متواجدين قبل أن يُخلق أبينا آدم على نبينا وآله وعليه السلام.

كان من بين آلاف المصلين السيد الموسوي وهو مرافق ولي أمر المسلمين حفظه الله، حيث أن ولي الأمر متواجد في مشهد وقررنا أن نزوره زيارة خاصة، كما كان آية الله عبادي إمام جمعة مشهد موجوداً وعدد كبير من علماء البلاد وأيضاً القيادة العامة للقوة الجوية في محافظة خراسان، والكل أعجبه البحث وشكرني على الموضوع.

ثم بدأت خطبة الجمعة بإمامة آية الله عبادي، وكان من بين الحضور آية الله الفيلسوف المتأله والمفسر الكبير العلامة الشيخ عبدالله جوادي آملي حفظه الله تعالى وأيضاً عدد من علماء العراق.

الحريّة الحقيقية والحريّة المزيفة :

وأمّا كلمة إمام الجمعة فكانت قيِّمة جداً، ففي الخطبة الأولى تحدَّث عن الحرية الحقيقية والحرية المزيَّفة، وذكر مثالاً لذلك وقال إن الصياد ينثر الحب للطيور لا ليشبعها بل ليصطادها، والأمريكان وأذنابهم أيضاً يهتفون بشعارات خلاّبة من أجل أن يصطادوا الناس ويتسلَّطوا على مصيرهم وعلى ثرواتهم. وفي الخطبة الثانية تحدَّث عن أهميَّة حليب الأم للطفل وذلك باعتبار مصادفة هذا اليوم لليوم العالمي لحليب الأم، ولكنَّه حفظه الله طرح موضوعاً قرآنياً جميلا للغاية سأذكر ملخص البحث.

الرضاعة وأهمية حليب الأم :

كان البحث متمحوراً حول الآية المباركة التالية :

(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ...)(البقرة/233).

فركَّز حديثة على أمور ثلاثة لها أهميَّة كبرى في رشد ونمو الطفل :

1- التغذية.

2- الإرضاع.

3- كيفية اللبن.

الآية الكريمة لا تأمر الوالدات بأن يرضعن، فالخطاب ليس هو "أرضعن" بل جاء بفعل المضارع "يرضعن"، فالأمر مفروغ منه لا نقاش فيه فهنَّ بطبيعتهنَّ يرضعن أولادهنَّ.

ثم نرى بأنّ الأهميَّة ليست للحليب كي يتغذَى به الطفل كما يركِّز عليه علماء التغذية، بل الاهتمام القرآني يتوجَّه إلى "الإرضاع" وهو مص اللبن من الثدي، فهذا الأمر هو الذي له خصوصية مميَّزة في الرضاعة، فهي تغذي الطفل من زاويتين: زاوية مادية وزاوية روحية حيث الارتباط الوثيق بين الأم والطفل حين الرضاعة، فعلاقة الأمومة والبنوة إنّما تنشأ من الرضاعة، ولذلك لو أرضعت امرأة أخرى الطفل تحصل هذه العلاقة بينها وبين الطفل وبينه وبين سائر أولادها وبناتها، فالمحرمية أيضاً منطلقة من الرضاعة، ومن هنا يمكننا أن نستفيد بأن الأمومة تتزايد وتقل حسب مدة الرضاعة فمن لا ترضع ولدها فكأنّها ليست بأمٍ للطفل، من هنا نعرف السر في كلمة "أولادهن" فالكلمة تبيِّن مدى المحبّة بين الأم والولد .

وأمّا "الكاملين" بعد "الحولين" فلأجل التأكيد على الكمال فهو الأفضل وبه تتم الرضاعة.

وأمّا قوله تعالى "وعلى المولود له رزقهن .." فلعله من أجل تهدئة روحية الأمّ، لأنه قد ثبت أنّ القلق يؤدي إلى عدم رشد الولد فكرياً، وربَّما من أجل ذلك منعت المرأة من أمر "القضاء" حيث أن القاضي دائماً هو قلق البال وهذا يؤثِّر في روحية الجنين، فالآية تُطمئن الأم من ناحية الرزق والكسوة حتى لا تعاني من قلق ودغدغة فكرية حين الرضاعة فلا تفكر في رزقها وكسوتها، فالأب هو المسؤول عن ذلك.

وبعد إتمام الخطبة والصلاة ذهبت إلى آية الله جوادي آملي فعرَّفني به ابنه سعيد الذي جاء إلى البحرين وكان فرحا مسروراً بلقاء الأخوة وقد استُقبل استقبالاً جيداً، فمن أجل ذلك عانقني آية الله جوادي آملي معانقة حارَّة ورحّب بي وكان يضحك مسروراً، وأنا قلت له إن ابنك بالفعل كان مفيداً جداً وطلبت منه أن يدعوا لي دعاءً خاصاً.

* * *

أول محاضرة باللغة الفارسية في مسجد كَوهرشاد :

يوم الإثنين 12 جمادي الثانية 1424هجرية الموافق 11/8/2003 ميلادية ، هو أول يوم ألقيت فيه محاضرة باللغة الفارسية في مسجد كَوهرشاد المجاور لحرم الإمام الرضا عليه السلام، وهذا المسجد له تاريخٌ قديم ويشتمل على محراب وقاعة، وعلى يمين المحراب قاعةٌ أخرى وعلى يساره أيضاً كذلك، وكل قاعةٍ لها إسم خاص، هذا المكان الذي كنت ألقي فيه المحاضرة اسمه "المقصورة"، والقاعة الأخرى تسمى "قاعة النهاوندي"، والثانية تسمى "قاعة الطباطبائي"، وقد وقعت حوادث كثيرة في هذا المسجد المبارك منها:

عندما أمر رضا خان كشف الحجاب، تحدّث في هذا المسجد خطيبٌ معروف وهو الشيخ بهلول، وهجم على رضا خان وبالنتيجة جاء الجلاوزة وقتلوا الناس، ويُقال بأن المسجد امتلأ بدماء الأبرياء.

وأيضاً هناك منبرٌ كبير جداً في هذا المسجد، نرى في كل يوم تجمّع الناس حوله خصوصاً النساء، يقولون بأنه منبر الحجة سلام الله عليه، ويصلون صلاة الحجة عليه السلام التي تشتمل على ركعتين، الركعة الأولى الحمد وعندما تصل إلى إياك نعبد وإياك نستعين تكررها مائة مرة، والركعة الثانية كذلك، وأما ذكر الركوع والسجود فكل واحدٍ منهما سبع مرات. ولكني قد حقّقت في هذا الموضوع وقيل لي بأنّ هذا المنبر قد صنع قبل مائتي عام، وهذا المنبر لم يُستخدم فيه مسمار ولا صمغ، يُقال إن صانعه هيَّأه لكي يأتي الحجة بن الحسن صلوات الله وسلامه عليه ويلقي محاضرته على هذا المنبر.

في هذا اليوم عندما ذهبت لألقي المحاضرة التي كانت بعد صلاة الفجر بإمامة السيد أيازي، وكان المسجد غاصّاً بأهله وكل شيء مهيأ، فبدأت بتفسير سورة الإنسان أو الدهر تفسيراً عميقاً، وانتهى القسم الأول وبقي القسم الثاني ليوم غد، وكان الموضوع شيّقاً، والكل أذنٌ صاغية رجالاً ونساءً، وأثناء إلقاء المحاضرة أشاهد القبّة الذهبية لمولاي ومقتداي الإمام الرضا عليه السلام، وكأنني أنظر إلى شخصه سلام الله عليه، وفي آخر المحاضرة قرأت مصيبة سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء عليها السلام، وكنت أسمع البكاء الشديد فإذا برادودٍ (خطيب) قد جلس على الكرسي الأول من المنبر فأعطيته الميكروفون ليكمل المصيبة، فقرأ مصيبة الزهراء سلام الله عليها ومن جملة ما قال هو:

يا زهراء أنت لدقائق قليلة رأيت السيف على رقبة زوجك عليّ سلام الله عليه فلم تتحملي هذه المصيبة، فكيف تحملت حادثة كربلاء حيث قطع الشّمر رأس ابنك الإمام الحسين عليه السلام؟

هذا وبعد أن انتهيت من المحاضرة اجتمع الإخوة المؤمنون حولي، وأبرزوا إعجابهم بالمحاضرة بعباراتٍ مختلفة.

الرجل العارف :

والمهم في هذا الأمر أن جاء إنسان يبدو ظاهر شكله أشبه ما يكون بالمجانين،  وكنت أنا ومن هم  حولي نتصوره مجنوناً أو بسيطاً سفيهاً، ملابسه مندرِسة وفي رقبته خيطٌ أخضر، ومن ينظر إليه لا يرغب في الحديث معه، ولكن العَجب العُجاب عندما كنت أجيب على الأسئلة المختلفة كان يسمع وربما يعلّق على كلامي، ولكن تعليقاته تختلف عن الآخرين، كان يفهم القرآن والحديث وكان يعرف ما يقول، كان قد وصل إلى مراحل من السلوك في عالم المعنى، سألني أحدٌ عن التفسير الروائي قلت: أفضله نور الثقلين والبرهان، قال هذا الرجل: نور الثقلين لمن؟ قلت: للحويزي، فبدأ يكتب إسمه بخط جميل، وهو معجب بهذا التفسير ويسأل عن سعره. قلت له: أنت من أين؟ قال: من القرية، والأفضل أن أعيش في القرية ولا أختلط بأهل المدينة الذين لا يزيدونك إلاّ بعداً، والمظاهر الخلابة التي تسيطر على ذهن الإنسان تجعله لا يفكر إلاّ في شهواته، ثم بدأ الحديث عن مقولاتٍ مختلفة إلى أن جاء أحد الرجال وهو من أهالي مشهد، ولكن بينه وبين ذلك الرجل بوناً بعيداً وفرقاً كبيراً.

هذا الرجل المشهدي قال لي: ما معنى (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ)(الضحى/10)؟ شرحت له معناه. قال: وأما الله سبحانه وتعالى فلم يستجب دعائي ولم يقض حاجتي وقد نهرني وأنا أطلب منه ثلاثين سنة ولم يؤد قرضي! ..

سبحان الله كيف يفكر هذا الرجل؟!!

ثم قال: وأنا أعتب على الإمام الرضا عليه السلام حيث لم يلبِّ حاجتي!

حاولت إقناعه بأنه ربما يحبك الله ويريد سماع صوتك وهذا يعني الاستجابة، وقلت له توسل بالإئمة عليهم السلام، قال: توسلت بهم ولا جدوى. قلت: توسل بأم البنين عليها السلام. قال: كيف؟ قلت: سفرة أم البنين. قال: ليس لدي أموال. قلت: مختصراً. قال: لا أتمكن. قلت: أنا سأتوسل بها إن شاء الله تعالى.

ولكنه لم يسلّم أمره إلى الله بل كرر مقولته ثانياً عند جلوسنا في المرة الثانية مع الشباب. فقال: كم عدد الشيعة في العالم.. مائة مليون.. أم أكثر، فلم لم تُحَل مشاكلهم بعد؟ فما هو السبب؟

قلت في الجواب: السبب هو سقيفة بني ساعدة التي حرفت المسيرة عن هدفها الحقيقي، فلولا السقيفة لما ابتلينا بكل هذه المشاكل. فالمشكلة تنبع من هناك:

منهم جرى من بعـد كل ما جـرى              فإن كل الصيد في جـوف الفرى

هـم أسسـوا السّـقيفة السـخيفة             ظـلماً و ما أدراك ما السّـقيفة

فلو أنهم قلّدوا عليّاً الخلافة لما حدث ما حدث، ولكن مع الأسف غُصِبت الخلافة منه وأزيل عن مرتبته التي رتّبه الله فيها، قال تعالى: (وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)(الجن/16) وليس الماء الغَدق إلا النّعم المعنوية الإلهية بما فيها من الموائد السماوية، والمنّ والسلوى، بدليل قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)(المائدة/66)  فالأكل من فوق وتحت هو الأكل من مواضع لا يتدخل الشيطان فيها لأنه يقول: (ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)(الأعراف/17) فلا يتطرّق الشيطان إلى الفوق ولا إلى التحت فلا مجال للشيطان من هاتين الناحيتين أصلاً.

وبعد أن أنهيت كلامي قال هذا الرجل العارف بلسانه العاميّ الخاص يخاطب ذلك الرجل: إن الإيمان هو شرط استجابة الدعاء، ولو أن الخليفة الثاني يرفع يده ليلاً ونهاراً لما استجيبت دعوته، وأما عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام فلا يحتاج إلى رفع اليد، فبمجرد أن ينوي في قلبه أن تُرَد له الشمس ، ثم خاطبه قال: يا أخي العزيز قوِّ إيمانك ثم هل تعلم بأن الصبر نصف الإيمان، لم لا تصبر ليتقوى إيمانك، انظر إلى الاختلاف بين الناس ، حقيقةً الناس جواهر كجواهر الذهب والفضة كما ورد في الرواية:

(قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)(البحار ج61 ص65 رواية51 باب42).

أولياء الله :

على أي حال هذا ولي من أولياء الله، ذكّرني بكلام العلامة آية الله حسن زاده آملي حفظه الله حيث قال: هناك الكثير من الناس الذين تراهم وكأنهم مجانين يركضون حول حرم أمير المؤمنين سلام الله عليه، وينظرون إليك نظراً عجيباً تستوحش منهم وتبتعد عنهم، ولكنهم ليسوا بمجانين إنهم أولياء الله لا يحبون معاشرة الناس، ويبغون بذلك الابتعاد عن الناس كي لا يتورطوا في الكثرات، بل يعيشوا دوماً في عالم الوحدة مع معشوقهم الحقيقي الحق المطلق.

جابر بن يزيد الجعفي :

وأيضاً ذكّرني بجابر بن يزيد الجعفي الذي هو من أصحاب الأئمة عليهم السلام، وله قصص مفصلة منها:

(...عن أحمد بن النضر عن النعمان بن بشير قال: زاملت جابر بن يزيد الجعفي إلى الحج، فلمّا خرجنا إلى المدينة ذهب إلى أبي جعفر الباقر عليه السلام فودعه ثم خرجنا، فما زلنا معه حتى نزلنا الأخيرجة، فلمّا صلّينا الأولى ورحلنا واستوينا فى المحمل إذا رجل طوال آدم شديد الأدمة ومعه كتاب طينه رطب من محمد بن علي الباقر إلى جابر بن يزيد الجعفي، فتناوله جابر وأخذه وقبَّله، ثم قال: متى عهدك بسيدي قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ قال: بعد الصلاة الساعة. قال: ففكَّ الكتاب وأقبل يقرأه ويقطب وجهه فما ضحك ولا تبسّم حتى وافينا الكوفة ليلاً.

فلمّا أصبحت أتيته إعظاماً له فوجدته قد خرج عليّ وفي عنقه كعاب قد علّقها وقد ركَّب قصبة وهو يقول: منصور بن جمهور أميرٌ غير مأمور.. ونحو هذا من الكلام. وأقبل يدور فى أزقة الكوفة، والناس يقولون: جُنَّ جابر.. جُنَّ جابر.

فلما كان بعد ثلاثة أيام ورد كتاب هشام بن عبد الملك على يوسف بن عثمان، بأن انظر رجلاً من جُعف يقال له جابر بن يزيد فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه. فلمّا قرأ الكتاب التفت إلى جلسائه فقال: من جابر بن يزيد، فقد أتاني أمير المؤمنين يأمرني بضرب عنقه وأن أبعث إليه برأسه؟ فقالوا أصلح الله الأمير هذا رجل علاَّمة صاحب حديث وورع وزهد، وأنّه جُنَّ وخولط فى علمه، وها هو ذا في الرحبة يلعب مع الصبيان.

فكتب إلى هشام بن عبد الملك أنك كتبت إليّ في هذا الرجل الجعفي وأنه جُنَّ. فكتب إليه دعه.

فقال: فما مضت الأيام حتى جاء منصور بن جمهور فقتل يوسف بن عمر وصنع ما صنع) (البحار ج27 ص23 رواية15 باب11).

الجدير بالذكر أنه بعد إتمام الحديث ذهبت لألبس حذائي فإذا هي مفقودة، فقالت امرأة لي: شيخنا أخذوا حذاءك ليتبركوا به. قلت: فلا بأس.

* * *

:رؤيا السيد الطباطبائي

يوم الجمعة 9 جمادي الثانية الساعة الخامسة والأربعون دقيقة، جاء السيد الطباطبائي إلى حجرتنا ونقل رؤيا قال: رأيت في المنام بأنه في يوم الجمعة بعد صلاة الصبح أنني كنت في حرم الإمام الرضا عليه السلام، وبمعيتي أنت وأخوك محمد وأخوك إسماعيل، فالباب كان مغلقاً وأردنا أن ندخل في الحرم، قلت (هو يقول): اصبروا قليلاً حتى ينفتح الباب، قال أخي محمد: إقرأ مصيبة أبي الفضل. فقرأت المصيبة، وهذه المصيبة هي عندما نظر الإمام الحسين عليه السلام إلى أخيه .. وقال يا أهل بيتي البسوا ملابس الأسر ، وقرأت هذه الأبيات في شأن العباس ع :

مصطفى مـن أو حـيدر كـرّار مـن أسـت

هم دليل أز تو شجاع أز تو مشير أز تو مشار

هم وزير من أو هم منشي در بار من أسـت

فإذا برجلٍ سيد قال لي: فلندخل في الحرم. فسحبنا وأدخلنا الحرم. فإذا بالجمع يتفرّق فدخلتم ودخلنا الحرم المقدس للإمام الرضا عليه السلام.

* * *

:لقاء معنوي ذو ثمرات روحانية عظيمة مع سماحة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي حفظه الله

يوم الإثنين 12/8/2003 الساعة الحادية عشر والنصف كان موعد لقائي مع ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي حفظه الله تعالى، وذلك في شارع اسمه "السيد جواد الخامئي"، وهو والد السيد حيث بيته الذي ولد وتربَّى فيه، هذا البيت بيتٌ متواضع حقيقةً بمعنى الكلمة، وهو يشبه أحقر البيوت الموجودة لدينا في البحرين، لا يصدِّق الإنسان أن هذا هو بيت قائد الثورة الإسلامية.

وفي الآونة الأخيرة بُنيت إلى جنب البيت حسينية متواضعة لخصوص اللقاءات العامة للسيد ..

دخلت الحسينية فإذا بكبار العلماء جالسون ينتظرون ومنهم سماحة الشيخ محمدي كلبايكاني وهو صاحب السيد ويده اليمنى، وسماحة السيد الموسوي مستشار السيد، وسماحة السيد العبادي إمام جمعة مدينة مشهد.

بعد انتظار قليل دخلنا الغرفة التي كان السيد جالساً فيها، وهي غرفة طولها عشرة أمتار وعرضها أربعة أمتار، قديمة وسقفها مرتفع من جذوع الشجر، ورغم أن الفصل هو فصل الصيف ولكنها لم تتمتع بالتكييف بل وُضعت مروحتان أرضيتان خلف النوافذ الخشبية، والجدران فيها فتحات مسدودة بقطع من الورق. وقد عُلِّقت في هذه الحجرة صورة الإمام الراحل وصورة لوالد السيد القائد، وكان كبيراً في السن ويشبهه تماماً. وهناك حوالي سبع كراسي متواضعة، كان السيد القائد جالس على إحداها وإلى يمينه إمام جمعة مشهد السيد العبادي، وعلى يساره الرجل الروحاني صاحب الكرامات جالس على كرسي متحرك، وهو آية الله مرواريد البالغ من العمر تسعين عاماً، ويجلس بعده رئيس آستان القدس الرضوي الشيخ طبسي، ومن ثَمّ شيخ اسمه الأعرافي.

بمجرد أن دخلنا المجلس، قام لنا السيد مبتسماً ومُرحباً وسلّم علينا جميعاً. ثم جلس السيد ونحن جلسنا، كنت أنظر إلى وجهه وكأنّ النور يتلألأ منه، كيف لا وهو نائب وليَّ الله الأعظم الحجة بن الحسن عجل الله فرجه الشريف، ولعله يلتقي به كما نُقل عنه.

كان السيد يتحدث مع آية الله مرواريد، ولكننا لم نسمع صوته لكبر سنه،  فكان ابنه يوضح ما يقوله والده، والظاهر أنه كان ينقل قصة بها كرامة تتعلق بالجمهورية الإسلامية المباركة. ولعلي أسال ابنه عن هذه الكرامة ليشرحها لي. بعد انتهاء الحديث رافقهم السيد إلى أن خرجوا وطلب من آية الله مرواريد أن يدعو له.

بعد رجوع السيد قام مستشار القائد السيد الموسوي بتعريفنا عليه، ثم جاء دوري وعرَّفني عليه،عانقته وقبَّلت يده وبلغته سلام المؤمنين إليه .

جلست في قباله وتحدث عن الشيخ العمري من أهل المدينة الذي كان عنده قبلنا، قال السيد:

إنّ هذا الشيخ البالغ من العمر خمس وتسعون عاماً يتمتع بنشاط وصحة على عكس الشيخ مرواريد رغم كونه أصغر منه سناً.

ثم نقل لنا عن لسان العمري: بأن بساتين المدينة المنورة ترجع إلى الأئمة عليهم السلام .

ثم توجه إلي وتحدث معي حوالي عشرين دقيقة أو أكثر وبعدها انتهى المجلس.

سألني فيها عن أخبار البحرين، وحال المؤمنين، وتحدثت معه عن وضع المؤمنين في البلاد بعد الإنفتاح السياسي والحريات وعن النشاط الثقافي في البلاد. بعدها تحدث هو عن البحرين وأنها ذات تراث عريق متسائلاً:

لماذا الشيعة لا يهتمون بتراثهم هناك؟ لماذا نشاهد في الإمارات العربية يطبعون كتب لمالك ابن أنس ونحن لا نهتم بكتبنا وشخصياتنا أمثال السيد هاشم والشيخ يوسف ومئات من العلماء البحرينيين، وقال بأن البحرين كانت تشتمل على عدد كبير من العلماء.

قلت له: أهل البحرين يسلمون عليكم؟ فقال أنت أيضاً بلِّغ سلامي إلى المؤمنين في البحرين.

ثمَّ طلبت منه أن يقدِّم إلينا نصيحة:

فقال لي نصيحتي إليكم هي:

المحافظة على وحدة الكلمة خاصة بين العلماء فعليهم أن يتحدوا تحت راية الإسلام وولاية أمير المؤمنين عليه السلام.

* * *

ليلة مولد الزهراء عليها السلام وحفيدها الإمام الخميني قدس سره :

ليلة 20 جمادي الثانية 1424 هجرية، وهي ليلة عظيمة تتعلق بالصديقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها، ليلة مولدها ومولد حفيدها الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه، وأمّا هنا في مشهد فنشاهد المظاهر الجميلة واللاّفتات المتنوعة التي تدل على مدى فرح وسرور هذا الشعب المسلم المعتقد بأهل البيت عليهم السلام.

في بداية بوابة الصحن هناك قاعدة حديدية كبيرة طولها حوالى 12 متر وعرضها 5 أمتار، تشتمل على آلاف المصابيح وبألوانٍ مختلفة، وكُتب عليها يا زهراء، وهذه المصابيح التي وُضعت هنا بهذا الشكل الجميل تتعلق بهيئة اسمها أنصار الزهراء، وهؤلاء لديهم مقر وهي حسينية اسمها بيت فاطمة.

حسينية بيت فاطمة :

وهي حسينية كبيرة تشتمل على ثلاث طوابق وسرداب، وسط سوق الإمام الرضا سلام الله عليه من جهة اليسار، والميزة الموجودة في هذا المكان أنَّ المجموعة التي تتولى أمر هذا البيت المبارك كلها تتبع خط ولاية الفقيه المتمثل في ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي حفظه الله، ورأينا من اللازم أن نشارك في الاحتفال العظيم الذي يقام في هذا المكان في كل عام.

ذهبت أنا وأخي الشيخ محمد وأخي الحاج إسماعيل وصديقنا الحاج أحمدي، وعندما وصلنا إلى ذلك المكان طُلب منّا أن ندخل في السرداب لنتناول شيئا من الحلويات والعصير ثم بعد ذلك نذهب إلى الطابق الأعلى للمشاركة في الاحتفال.

عندما دخلنا الطابق الأعلى رأينا هناك قاعة كبيرة تشتمل على مرايا جميلة جداً وكل مرآة هي محراب في الواقع مكتوب عليها اسمٌ من أسماء الزهراء عليها السلام، كأم الحسنين وأم الحسن والحسين والمهذّبة والعليمة والمحدّثة وسائر أسماءها، وأيضا هناك مقاطع من خطبتها الفدكية المعروفة، وقد انتخبوا المقاطع المهمة في هذه الخطبة مثل:

(طاعتنا نظاماً للملّة وإمامتنا أماناً من الفرقة)(البحار ج6 ص107 رواية1 باب23).

والجدير بالذكر أنّه قد كتب هذا المقطع الذي هو المقطع الأول من هذه الخطبة المباركة:

(جعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك)(البحار ج6 ص107 رواية1 باب23).

هذا المقطع كُتب على صورة كبيرة لحرم أمير المؤمنين سلام الله عليه، ولعل السرّ في ذلك هو تفسير هذه الكلمة المباركة كلمة الزهراء سلام الله عليها، حيث قالت: جعل الله الإيمان والإيمان هو أمير المؤمنين عليه السلام، كما دلت على ذلك آياتٌ كثيرة قد فسّرها أهل البيت عليهم السلام، كقوله تعالى:

(... وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ)(الحجرات/7).

(..... محمد بن جعفر عن يحيى بن زكريا عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: "حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم" يعني أمير المؤمنين عليه السلام، "وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان" الأول والثاني والثالث....)(البحار ج35 ص336 رواية1 باب13).

وأيضا الكلمة المعروفة للرسول صلى الله عليه وآله وسلّم:

"برز الإيمان كلُّه إلى الشِّرك كلِّه".

(روى الكراجكي رحمه الله قصة قتل عمرو نحواً مما مر وذكر أنه قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات: أيُّكم يبرز إلى عمرو وأضمن له على الله الجنة. وفي كل مرة كان يقوم عليّ عليه السلام والقوم ناكسوا رؤوسهم، فاستدناه وعمّمه بيده، فلما برز قال صلى الله عليه وآله وسلم: برز الإيمان كله إلى الشرك كله...)(البحار ج20 ص215 رواية2 باب17).

وفي الواجهة هناك منصّة جميلة مغطّاة بالورود والشموع، في يمين هذه المنصة هناك حديث عن الإمام الصادق عليه السلام، وهذ الحديث هو:

(ما تكاملت النبّوة لنبيٍّ حتى أقرّ بفضلِها ومحبّتها)(مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني).

هذا الحديث من جملة الأحاديث المعروفة التي وردت في شأنها سلام الله عليها، وهي كلمة عظيمة صدرت من الإمام الصادق عليه السلام، ولذلك هي حجّة الله على جميع الخلق حتى الأنبياء.

وفي يسار هذه المنصّة هناك حديثٌ آخر للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وهو:

(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أول شخص يدخل الجنّة فاطمة)(البحار ج37 ص70 رواية38 باب50).

وفي الواجهة أيضاً رأيت كلمتين عظيمتين مكتوبتين بخط جميل جداً وبطريقة فنية لطيفة، في اليمين وإلى جانب بعضها تقريباً مكتوب:

( ولها جلال ليس فوق جلالها إلا جلال الله جل جلاله).

وفي الجهة الثانية مكتوب:

(ولها نوال ليس فوق نوالها إلا نوال الله عمّ نواله).

* * *

مدَّاحو أهل البيت عليهم السلام :

ثم بدأ مدّاح أهل البيت عليهم السلام بقراءة قصائدهم المختلفة، وكان عرّيف البرنامج هو أستاذ المدّاحين واسمه "ملائكة" (الذي ذكرناه سابقاً)، عرّف المدّاحين واحداً تلو الآخر، والذين قرأوا وأنشدوا هم حوالي ستة مدّاحين، وبمجرّد أن بدأ المدّاح فإذا بصوت انفجار الكهرباء في السرداب، وقد احترق السرداب ولكن لم يكن لذلك أثر في البرنامج، بل استمر البرنامج على حاله.

قرأ أحدهم قصيدة "شفق" العجيبة في مدح الزهراء وهي عميقة جداً، ثم جاء ابن موحّد وموحّد، وهما من أبرز المدّاحين فأنشدوا للزهراء سلام الله عليها، وابن موحّد هو شابٌ صغير في العمر ولكن صوته عظيم وشجي وكان لقصيدته تأثيرٌ في الحاضرين، وكذلك أبوه الذي قرأ قصيدة جميلة بصوتٍ جهوري، ومن جملة ما قيل في هذه القصيدة هو:

أربعون يوماً :

أربعين يوماً لميقات موسى أدى إلى نزول الألواح عليه (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى ِلأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)(الأعراف/142).

وأربعين يوماً تحصّن للرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو السبب في نزول الزهراء سلام الله عليها.

(روي أن فاطمة عليها السلام وُلدت بمكة بعد المبعث بخمس سنين وبعد الإسراء بثلاث سنين فى العشرين من جمادي الآخرة..... وقيل بينا النبى صلى الله عليه وآله جالس بالأبطح، ومعه عمار بن ياسر والمنذر بن الضحضاح وأبو بكر وعمر وعلي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وحمزة بن عبد المطلب، إذ هبط عليه جبرئيل عليه السلام فى صورته العظمى قد نشر أجنحته حتى أخذت من المشرق إلى المغرب فناداه:

يا محمّد العلي الأعلى يقرأ عليك السلام وهو يأمرك أن تعتزل عن خديجة أربعين صباحاً. فشقَّ ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان لها محبّاً وبها وامقاً.

قال فأقام النبي صلى الله عليه وآله أربعين يوماً يصوم النهار ويقوم الليل، حتى إذا كان فى آخر أيّامه تلك بعث إلى خديجة بعمار بن ياسر وقال: قل لها يا خديجة لا تظنّي أن انقطاعي عنك ..... ولا قلى ولكن ربي عز وجل أمرني بذلك لتنفذة أمره، فلا تظنّى يا خديجة إلاّ خيرا فإن الله عز وجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مراراً، فإذا جنَّك الليل فأجيفي الباب وخذي مضجعك من فراشك فإني في منزل فاطمة بنت أسد. فجعلت خديجة تحزن في كل يوم مراراً لفقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فلما كان في كمال الأربعين هبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمّد، العلي الأعلى يقرؤك السلام وهو يأمرك، أن تتأهب لتحيته وتحفته، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبرئيل، وما تحفة ربّ العالمين؟ وما تحيته؟ قال: لاعلم لي.

قال : فبينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذلك إذ هبط ميكائيل ومعه طبق مغطى بمنديل سندس أو قال إستبرق فوضعه بين يدي البني صلى الله عليه وآله وسلم، وأقبل جبرئيل عليه السلام وقال: يا محمّد يأمرك ربُّك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام ........ ثم قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليصلّي فأقبل عليه جبرئيل وقال: الصلاة محرّمة عليك في وقتك حتى تأتي إلى منزل خديجة فتواقعها فإن الله عز وجل آلى على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذريه طيبة.

فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى منزل خديجة، قالت خديجة رضوان الله عليها: ........ فلا والذي سمك السماء وأنبع الماء ما تباعد عني النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحسست بثقل فاطمة في بطني)(البحار ج16 ص77-79 رواية20 باب5).

* * *

ابن مريم وأمّه آية :

وأمّا الخطيب فهو حجة الإسلام والمسلمين فرشاد، الذي لديه محاضرات في الصحن الشريف أيضاً، وهو مرتبطٌ بـ "آستان قدس"، وهو من جملة الخطباء الذين يسيرون على نهج الإمام وولاية الفقيه، ألقى كلمته المباركة التي بدأ فيها بالآية المباركة:

(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)(المؤمنون/50).

وقال: ما هو السبب في أن ابن مريم وأمّه صارا آيتين، مع أن جميع الموجودات هي آيات الله سبحانه وتعالى؟ فما هي الخصوصية المتواجدة فيهما؟

قال: ذلك بأن مريم ولدت من أبٍ وأمٍّ كبيرين وهذه آية مستقلة، وأمّا عيسى فقد تمكّن من الحديث وهو في المهد "قال إني عبدالله...إلخ الاية"

فإذا كان الموضوع هذا أدّى إلى أن يصرّح القرآن بأنهما آيتان فكيف بالزهراء سلام الله عليها وهي لم تتكلم بعد ولادتها بل تحدّثت وهي في رحم الأم، فهي كل يومٍ كانت آية وليست هي آية واحدة في يومٍ واحد، ففي كل يوم هي آية عظمى، ولذلك هي محدَّثة سلام الله عليها، وهي هدية من الله سبحانه وتعالى كما في الزيارة "تحـفـة":

الزهراء عليها السلام تحفة :

(روينا بإسنادنا إلى شيخنا المفيد قال: عند ذكر جمادى الآخرة ما هذا لفظه يوم العشرين منه كان مولد السيدة الزهراء عليها السلام سنة اثنتين من المبعث... ومن تعظيم هذا اليوم زيارة سيدتنا عليها السلام فيه...

السلام عليك يا بنت رسول الله السلام عليك يا بنت نبي الله السلام عليك يا بنت حبيب الله السلام عليك يا بنت خليل الله السلام عليك يا بنت صفي الله السلام عليك يا بنت أمين الله السلام عليك يا بنت خير خلق الله السلام عليك يا بنت أفضل أنبياء الله السلام عليك يا بنت خير البرية السلام عليك يا سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين...........

.....اللهم صل على محمد وأهل بيته وصلِّ على البتول الطاهرة...... فاطمة بنت رسول الله وبضعة لحمه وصميم قلبه وفلذة كبده والنخبة منك له والتحفة خصصت بها وصيه وحبيبة المصطفى وقرينه المرتضى وسيدة النساء ومبشرة الأولياء....)(البحار ج100 ص199 رواية20 باب5).

هذه التُّحفة التي قد حصل عليها رسول الله بعد الرياضة والجهاد الكبير.. الجهاد المستمر أربعين يوماً، ثم أشار هذا الشيخ الجليل إلى سورة الكوثر وبين التكليف لمن يحب الزهراء قال بأن التكليف هو الاهتمام بالصلاة حيث يقول سبحانه وتعالى:

(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ ...)(الكوثر/1،2).

فالصلاة والاهتمام بالصلاة وأوقات الصلاة هو جزاء حبّ الزهراء سلام الله عليها، ونصح الناس بأنه لا يبتعدوا عن الصلاة ولا يبتعدوا عن الله، ثم أشار إلى كلمة موَّجَّهة لغورباتشوف نقلاً عن الشيخ آية الله جوادي آملي حيث قال غورباتشوف:

" إنّ انهدام النظام الشيوعي لم يتحقق إلاّ لأنهم ابتعدوا عن الله تعالى".

وهكذا انتهى هذا البرنامج بعد أن وُزّعت وجبة العشاء على الناس. 

* * *

:مجلس العشّاق في مشهد

ليلة الثلاثاء 25/8/2003، وكل ليلة ثلاثاء يجتمع عدد كبير من مدّاحي وقرّاء مصيبة أهل البيت عليهم السلام في بيت أحدهم ويتداول المجلس بينهم في كل أسبوع، وهذا المجلس شُكِّل من أجل التمرين والتدريب على القراءة، والمسؤول المشرف على المجلس هو رجلٌ عظيم كان من قرّاء أهل البيت عليهم السلام ومن خدّامهم طوال ستين سنة، ويُقال بأنه حافظٌ لمائة ألف بيت شعر، وهو الحاج أكبر زاده.

دخلنا المجلس فقاموا جميعاً احتراماً لعمامة رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم، وقد علموا بأننا زوّار ثامن الحجج من البحرين فرحبوا بنا كثيراً.

دخلنا المجلس فكانت هناك منصّة يقف المدّاح خلفها وإلى يمينه موقع الأستاذ، حيث يعلّق أو يصحح الأخطاء إن كانت، فكان يدعو القرّاء بأسمائهم واحداً تلو الآخر، فيقرأ حوالي خمس دقائق فقط، وكان من ضمنهم طفلٌ صغيرٌ يبلغ من العمر حوالي عشر سنوات، ولكنه كان يقرأ بصوتٍ شجيٍ وبقلبٍ مطمئن وكأنّه رجلٌ له خلفية طويلة بالنسبة لهذه المهنة المقدَّسة، وقد دعا قبله وبعده أشخاصاً آخرين فبلغ عدد القرّاء الذين قرأوا في هذا المجلس حوالي ثلاثين إلى أن وصل الدور إلى كبارهم.

الحاج قانع :

كان أحدهم الحاج قانع وهو معروفٌ لدى الناس بصوته الشجيّ وطريقته المثلى. ثم طلبنا منه أن يُتحفنا بأشعاره، فارتقى المنصّة بعد إصرار كبير، وبعد أن شكرنا قال:

إنني عندما كتبت كتاباً في حق سيد الشهداء أبي عبدالله الحسين عليه السلام كان البعض يريد الالتقاء بي والتحدث معي حول الكتاب، فاتصل تليفونياً، فقلت: لا أريد اللقاء أنا سأتحدث معه في الهاتف فقط وذلك لأنه قد سمع كثيراً عنَّي وهذا أفضل من أن يراني، يريد القول بأنه تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه، كما هو معروف لدى العرب، بالطبع هذا من تواضعه البالغ.

بدأ بأشعاره وكانت متعلقة بالصدَّيقة الطاهرة، كما أن سائر القرّاء كانوا ينشدون لها سلام الله عليها، وكان من جملة تلك الأبيات هي أبيات ذات معنى عميق، طلبت منه أن يكتبها لي فكتبها بخطه، وها هي أنقلها بالفارسية وأُترجمها للقرّاء ليعلموا مستوى الرؤيا العشقية والتصوير الجميل في الشعر الفارسي، قال:

"ما هو السَّر في أن الزهراء عليها السلام طلبت من زوجها علي عليه السلام أن يُخفي قبرها؟ هل هو من أجل أن لا يُنبش القبر؟ أو من أجل أن يبقى هذا الأمر إلى قيام ابنها الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ويكون له مبرر لثورته العظيمة؟

كلُّ ذلك مُحتمل، ولكن ربّما تكون وصيّتها لعليٍّ عليه السلام بإخفاء قبرها هو من أجل أنها لا ترغب أن يجلس أحدٌ عند قبرها إلاَّ من تعشقه وهو زوجها أمير المؤمنين عليه السلام".

أين القمر من الزهراء عليها السلام!!

وأخيراً وقف خلف المنصّة الرادود المعروف وهو الحاج أحمد واعظي، وهو الرجل الأول في إيران، وقد زارنا في البحرين مرتين، وحقيقةً أبدع في قراءته، حيث بدأ بمدح الصّديقة الطاهرة عليها السلام مستفيداً من قصيدة عظيمة لشاعرٍ كبير وهو الحاج مؤيّد، وفيها تصويرٌ رائعٌ وتشبيهٌ لطيف إليك ترجمتها:

((فاطمة دارد رخي كه ماه ندارد)) هذه بدايتها.

((إن لفاطمة وجهٌ ليس للقمر ذلك الوجه، القمر ليس له حسنٌ يعشقه من ينظر إليه لحسنه))

ثم قال:

((ما هذا التمثيل؟ أين القمر من الزهراء! القمر لا يمتلك حلاوة الكلام، القمر لا يمتلك النّظرة الجميلة، القمر لم يركع لله، القمر لا أُلفة له بمحل السجدة، القمر لم يعشقه رسول الله ولم يُقبِّل يده، القمر ليس لديه ملجأ كأمير المؤمنين عليه السلام))

ثم قال مخاطباً الزهراء عليها السلام:

((إنّه لا يجوز أن يُلمَس اسمك من غير وضوء، فويلٌ لمن لا يراعي هذا الأدب))

والبيت الأخير له معنى لطيف، قال:

((عشق الزهراء هو فخرٌ لي ولا حرج لمن يعشق أمّه))

وأنا أقول:

((هي أمُّ أبيها، وأبوها أبٌ للأمّة، فهي أمٌ للأمّة، فقد ورد في الحديث: أنا وعليٌ أبوا هذه الأمة)).

( .... الهمداني عن علي عن أبيه عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن موسى عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا سيد من خلق الله وأنا خيرٌ من جبرئيل وإسرافيل وحملة العرش وجميع الملائكة المقربين وأنبياء الله المرسلين، وأنا صاحب الشفاعة والحوض الشريف، وأنا وعليّ أبوا هذه الأمة، من عرفنا فقد عرف الله ومن أنكرنا فقد أنكر الله عزّ وجل، ومن عليّ سبطا أمتي وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، ومن ولد الحسين أئمة تسعة طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي، تاسعهم قائمهم ومهديهم)(البحار ج16 ص364 رواية66 باب11).

هذا ثم قرأ مصيبتها سلام الله عليها، وأعطاني الميكروفون لأدعو، فاغتنمت الفرصة وقرأت أبيات عليٍّ عليه السلام على قبرها:

نفسي على زفـراتها محبوسـة                 يا ليتها خـرجت مع الزفـرات

لا خير بعـدك في الحـياة وإنَّما                 أشـكو مخـافة أن تطول حياتي

لكل اجتماعٍ من خليـلين فُرقـة                 وكـلّ الذي دون الممات قليـل

وإن افتقادي فاطـما بعد أحـمد                 دليـل على أن لا يـدوم خليـل

(البحار ج22 ص547 رواية65 باب2، ج43 ص213 رواية44 باب7).

* * *

بيت الحاج إيمان دوست :

ليلة الإثنين 3 رجب 1424 هـ  31/8/2003 ذهبنا إلى بيت مقدَّس قد أقيم فيه مجلس عزاء أهل البيت عليهم السلام طوال خمسين سنة، وهو بيت الحاج علي أكبر إيمان دوست، فهو يقيم مجلس القراءة في كل جمعة والوفيات، والمهم في هذا المجلس هو أنه يحضر فيه أكبر القرَّاء وأشهرهم في الجمهورية الإسلامية كمهدي قانع وعلي طاهري وغيرهما من القرَّاء المعروفين، وقد تربَّى فيه كبار القرَّاء والخطباء كالمرحوم الشيخ الكافي رحمة الله عليه.

يقول صاحب البيت: منذ بداية بناء هذا البيت لم نضع طابوقاً آجراً إلاَّ ونقرأ مصيبة سيد الشهداء ونبكي، فبناؤه قد تم على أساس القراءة الحسينية.

إحياء ذكرى استشهاد الإمام الهادي عليه السلام :

هذا اليوم هو يوم استشهاد الإمام الهادي عليه السلام، صعد خطيب المنبر قبل صلاة المغرب، ثم أُقيمت الجماعة، وفُسِح لي المجال لأصعد، فصعدت المنبر وتحدثت عن السقيفة وآثارها المشؤومة.

ثم بدأ القرَّاء بالقراءة كلٌّ يجيب على الآخر ويُكمِل قراءته، وكانوا جميعاً يحفظون أشعاراً كثيرة ومتناسقة، بحيث أن كل واحدٍ منهم يبدأ بقصيدة أو بأبيات والثاني يُكمل تلك الأبيات أو يربط تلك الأبيات بأبياتٍ أخرى متناسبة مع تلك الأبيات. فبدأ أحدهم بقراءة أشعار ثم الآخر أجاب عليه، وكانوا يتداولون الميكروفون بينهم. وأمَّا البكاء فكان غير عادي، خاصّةً وأنَّ القرَّاء كانوا يذكرون غربة الإمام الهادي عليه السلام، إلى أن وصل الدور إلى الحاج إبراهيم قانع، وهو أحد الأولاد الأربعة الذين شملتهم ألطاف أهل البيت عليهم السلام.

أربعة نجوم :

وقد نقل لي أحد القرَّاء قصة أبيهم وأنَّه كان أيضاً من المدَّاحين والقرّاء بالصوت الشجي، فقال مخاطباً سيد الشهداء:

((إنِّي لا أطلب منك شيئاً إلاَّ أن ترزقني أولاداً يكونوا خدَّاماً لك ينشدون ويقرأون ويبكون الناس))

فإذا به رأى في المنام أربعة نجوم قد سقطت في حضنه، وبالفعل رزقه الله محمد وإبراهيم ومهدي وحسين، كلٌّ له صوتٌ شجيّ، وبعضهم ينشد الشعر لسيد الشهداء ارتجالا، ولكن الحاج مهدي ارتحل بسبب علَّةٍ في رأسه رضوان الله تعالى عليه.

موقف الإمام الهادي عليه السلام في مجلس المتوكل :

بدأ الحاج إبراهيم قانع بقراءة أشعار عن الإمام الهادي عليه السلام، تفسِّر موقف الإمام الهادي عليه السلام في مجلس المتوكّل، حيث أُخِذ الإمام حاسراً في تلك الليلة:

(كان  المتوكل يقول: قد أعياني أمر ابن الرضا، وجهدت أن يشرب معي فامتنع، فقال له بعض من  حضر: إن لم تجد من ابن الرضا (أطلق على الإمام الهادي من أحفاد الرضا عليه السلام) ما تريده، فهذا أخوه موسى (موسى المبرقع) يأكل ويشرب ويعشق فأحضره وأشهره فإن الخبر يشيع عن "ابن الرضا" بذلك، ولا يفرق الناس بينه وبين أخيه.

فعمل المتوكل على أنه إذا رآه حوّل إليه الخمارين وأفرد له منزلا سريّا ليزوره هو فيه. ولما وافى موسى تلقاه الإمام الهادي عليه السلام فقال له: إن هذا الرجل قد أحضرك  ليهتكك ويضع منك، فلا تقر له أنك شربت نبيذا واتق الله يا أخي أن ترتكب محظوراً، فقال له موسى: إنما دعاني لهذا فما حيلتي؟ قال: ولا تضع من قدرك  ولا تعص ربك، ولا تفعل ما يشينك، فما غرضه إلا هتكك.

فأبى عليه موسى، وكررعليه أبوالحسن عليه السلام القول والوعظ، فلما رأى أنه لا يجيب قال عليه السلام له: أما إن المجلس الذي تريد الاجتماع معه عليه، لا تجتمع عليه أنت وهو أبدا.

فأقام موسى ثلاث سنين يبكر كل يوم إلى باب المتوكل فيقال: قد تشاغل اليوم، فيروح فيبكر فيقال له قد سكر، فما زال على هذا ثلاث سنين حتى قتل المتوكل، ولم يجتمع معه على شراب).(البحار ج46 ص1-6) 

إلى أن قال:

إن أكبر مصيبة هي إحضار الإمام إلى مجلس شرب الخمر، وأعظم من ذلك هو أنَّ المتوكل قرَّب الكأس إلى فم الإمام وطلب منه أن يشرب.

والذي أدى إلى هيجان المجلس وإثارة المستمعين حتى ارتفع صوت البكاء والنحيب هو ما أجاب به أحدهم وأنشده شعراً هو:

((بزم شراب بود وليكن كن سرى نبود ، دشمند حضور داشت ولي خواهرى نبود))

ومعناه:

كان في مجلس المتوكل خمر ولكن لم يكن هناك رأس (إشارة إلى رأس الإمام الحسين عليه السلام) وكان العدو حاضراً ولم تكن الأخت موجودة (إشارة إلى حضور عقيلة بني هاشم زينب عليها السلام في مجلس يزيد بن معاوية).

انظر إلى هؤلاء كيف يربطون كل مصيبةٍ بمصيبة سيد الشهداء عليه السلام، وحقاً لا يوم كيومك يا أبا عبدالله.

هناك مجلسٌ آخر في هذا البيت المبارك قد أُقيم قبل سنتين تقريباً، وهو من أروع المجالس، وفيه أكبر القرَّاء مثل علي إنساني، وأكبر الشعراء، وقد رأيت تصويره بالفيديو، وسوف أشرح عن ذلك المجلس وما حدث فيه فيما بعد إن شاء الله.

* * *

:شورى صيانة الدستور

في صباح كل خميس يجتمع عدد كبير من قوات الحرس الثوري في مسجد كَوهرشاد، فيلقي الخطيب محاضرته، ثم تُقرأ زيارة عاشوراء، وفي هذه المرة كان الخطيب هو آية الله الشيخ الخزعلي الذي هو من كبار الفقهاء الثوريين، الذي كان وما يزال ركناً ركيناً للثورة الإسلامية المباركة والقيادة الحكيمة، وهو من جملة فقهاء شورى صيانة الدستور، الذين لهم إشرافٌ على جميع القوانين التي تُشرَّع في مجلس الشورى الإسلامي. وفقهاء شورى صيانة الدستور هم ستة، كما أن هناك ستة حقوقيين تكون مهتمهم تطبيقات التشريعات مع الدستور الإسلامي.

 (شرح مختصر عن أهمية فقهاء شورى صيانة الدستور وأيضاً مهمتهم في مجلس الشورى الإسلامي)

بدأ سماحته محاضرته القيِّمة التي تلا في مطلعها قوله تعالى:

(.. وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)(إبراهيم/5).

ثم قال إنّ قبل انتصار الثورة الإسلامية كان قائد الشرطة يقول: إن في خارج الشرطة يُتلى القرآن وأمّا في الداخل فلا دور للقرآن بل القانون هو الحاكم، وأمّا اليوم فشورى صيانة الدستور يشرف على كل شيء فلا يُطبق قانون إلاّ بعد اجتيازه من هذه الشورى. وبما أن المناسبة كانت تتزامن مع الهجوم على مسجد كَوهرشاد تحدَّث الشيخ في هذا المجال وقال: في سنة 1314 هجرية شمسية صعد بهلول المنبر فتحدث واعترض على رضا خان، فهجم الشرطة على الناس وضربوهم، وكان آنذاك عمري يبلغ 10 سنوات، فقتل 300 شخص من أجل الحجاب.

عصر الإمام الخميني قدس سره :

وأمّا اليوم وبحمد الله نرى المحجبات والشباب المؤمن في هذا البلد المبارك، فهل كان بإمكاننا  أن نتصور دولة كإيران تقف في وجه قوتين عظيمتين طوال عشر سنوات من دون كلل وملل

انظر إلى كتاب عصر الإمام الخميني قدس سره الذي طُبع في أمريكا خمسة آلاف نسخة. يقول: 90% من الشعب الأمريكي اعتقد بالله بعد الثورة الإسلامية في إيران، أنا رأيت صورة الأستاذ حامد ألغور مع تلامذته وهو يروِّج المذهب الشيعي، وهو أستاذ ست لغات ويقول: أنا عاشق الإمام الخميني.

هل تعلمون أن الإسلام قد أصبح الدين الثاني في أمريكا؟ وكذلك في كوبا نشاهد فيديل كاسترو يصرِّح بإسم الله فيقول في خطبته أنا بإذن الله أفعل كذا وكذا، كما أنّ إحسان طبري وهو مُنظِّر الحزب الشيوعي في إيران، يقول: إنّا أصبحنا إلهيين بسبب كتب الشهيد مطهري رضوان الله تعالى عليه. والإمام الخميني قد نجح في ثورته حيث قال: إنني جئت من أجل أن تكون إيران إسلامية، وأيضاً من أجل أن أحيي وأوقظ الشعوب الإسلامية، سوف تواجه أمريكا الويلات والمصائب، هناك ثاقبي النظر يقولون ويرون هلاك الشيطان الأكبر قريباً.

أعجبني جواب قائد الثورة الإسلامية وولي أمر المسلمين على بوش حينما تفوه بكلمة وقال إن كل من هو ليس معنا فهو مع الإرهاب، قال الإمام الخامنئي:
"نحن لا معكم ولا مع الإرهاب، نحن مستقلون".
ثم قرأ الشيخ الآية المباركة من سورة الحشر:

(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)(الحشر/19).

قال: إن أكبر مصيبة هو نسيان الإنسان نفسه، ولكي لا ننسى أنفسنا يجب أن لا ننسى الله، الدين هو رأس كل شيء ومن قال بأن السياسة ليست من الدين فهو كمن يقول هناك إنسان بلا رأس.

عظمة الإنسان وأصحاب الكرامات :

ثم تحدث عن عظمة الإنسان فقال بأنّ الله تعالى لم يفخر بخلق النجوم والكواكب ولكن حينما يخلق الإنسان يقول: (..فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(المؤمنون/14). وهذا يعني أن الله قد خلق أحسن المخلوقين.

فنشاهد شخصيات عظيمة كأصحاب الكرامات هؤلاء قد وصلوا إلى مراتب عالية جداً، وكثير من هذه الشخصيات مدفونون في حرم ثامن الحجج علي بن موسى الرضا عليه السلام، كالشيخ جعفر المجتهدي فهذا الرجل عظيمٌ جدا أخبروه بأن في ألمانيا اثنين قد تورطوا في الجليد فأخرجهم وهو في خراسان، وأيضاً إن والد السيد أبي ترابي قد تيقّن بأن ابنه في الأسر قد قُتل بيد البعثيين، فقال الشيخ له: لا إنّه حيٌّ يرزق، هو في العراق وسوف تسمع صوته غداً الساعة العاشرة من خلال الراديو، ثم يكتب لك كتاباً وسيرجع مرفوع الرأس وهو رئيس الأسرى، والجدير بالذكر أن الشيخ مجتهدي والسيد أبي ترابي وأباه مدفونون معاً في مكان واحد في صحن آزادي، لأن السيد أبي ترابي وأباه بعد رجوع السيد قد توفيا في حادث على طريق مشهد، انظر عظمة هذا الشخص.

ثم ذكر قصةً أخرى، قال:

إن شاباً أصفهانياً رأى في المنام الإمام الرضا عليه السلام وهو يوزع الهدايا على الناس، وعندما وصل لي أعطاني هدية صغيرة فتأثرت كثيراً فقلت في قلبي: لم هذه الهدية الصغيرة لي؟ فقال لي عليه السلام بمجرد أن عرف ما في قلبي: أعطه لمؤتمر خوارزمي (وهو مؤتمرٌ يهتم بالرياضيات والهندسة) فاستيقظ الشاب من نومه، وشارك في المؤتمر وصار هو الأول، حيث اخترع قطعة بمقدار الإصبع له دوام وبقاء مليون سنة، وهو ذاكرة عظيمة وسي دي لا يشبه الأقراص الموجودة وسوف يكتمل اختراعه بعد سنوات، وهكذا يتوجه الإمام الرضا إلى محبيه.

ثم تطرق الشيخ إلى مصيبة الزهراء عليها السلام.

* * *

:شرح مقاطع من زيارة الإمام الرضّا عليه السلام
ليلة الأربعاء 3/9/2003 وهي آخر ليلة أتواجد فيها في هذه الروضة المباركة، أعني مشهد المقدس، رأيت من المناسب أن أتطرق إلى موضوع يتعلق بالإمام الرضا عليه السلام مباشرة، وهل هناك أمرٌ أفضل من شرح مقاطع زيارته عليه السلام ولو بصورة موجزة تيمّناً وتبرّكاً! وسأبدأ بالكتابة وأستعين بالله وألتمس من مولاي ثامن الحجج أن يسددني ويشرح صدري وأن يحلل عقدة من لساني، وها أنا جالسٌ عند رأسه المبارك رغم بضاعتي المزجاة أسبح في بحر الرحمة الواسعة، لعلّي أتذوق بعض القطرات منها الذي هو العين المسمى سلسبيلا.

زيارة وارث :

يُزار الإمام الرضّا عليه السلام بزياراتٍ مختلفة أشهرها زيارة وارث التي تشبه زيارة جدِّه الإمام الحسين عليه السلام، ولعلّ هذا يجعلنا نعرف أهمية زيارة قبره عليه السلام فزيارته هي زيارة جده عليه السلام، فخراسان هي كربلاء وكربلاء هي خراسان.

بعد الغُسل وقراءة دعاء الغُسل، وهو:

(ذكر شيخنا محمد بن الحسن فى جامعه فقال: إذا أردت زيارة الرضا عليه السلام بطوس فاغتسل عند خروجك من منزلك وقل حين تغتسل: اللهم طهِّرني وطهِّر لي قلبي واشرح لي صدري وأجرِ على لساني مدحتك والثناء عليك فإنه لا قوة إلاَّ بك اللهم اجعله لي طهوراً وشفاءً)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

وأيضاً دعاء الخروج من البيت وهو:

(بسم الله وبالله وإلى الله وإلى ابن رسول الله حسبي الله توكلت على الله اللهم إليك توجهت وإليك قصدت وما عندك أردت)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

ودعاء الوقوف عند باب البيت وهو:

(اللهم إليك وجَّهت وجهى وعليك خلَّفت أهلي ومالي وما خوَّلتني وبك وثقت فلا تخيبني يا من لا يخيب من أراده ولا يضيع من حفظه صلِّ على محمد وآل محمد واحفظنى بحفظك فإنه لا يضيع من حفظت)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

تقرأ إذن الدخول الذي يبدأ بقولك:

(..اللهم إني قد وقفت على باب بيت من بيوت نبيك محمد صلواتك عليه وآله وقد منعت الناس الدخول إلى بيوته إلاّ بإذن نبيك فقلت يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلاّ أن يؤذن لكم اللهم وإني أعتقد حرمه نبيك في غيبته كما أعتقدها في حضرته وأعلم أن رسلك وخلفاءك أحياء عندك يرزقون يرون مكاني فى وقتي هذا وزماني ويسمعون كلامي ويردون علي سلامي وأنك حجبت عن سمعي كلامهم وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم وإني أستأذنك يا ربّ أولا وأستأذن رسولك صلواتك عليه وآله ثانيا وأستأذن خليفته الإمام المفروض علي طاعته في الدخول في ساعتي هذه إلى بيته وأستأذن ملائكتك الموكلين بهذه البقعة المباركة المطيعة لك السامعة)(البحار ج102 ص141 رواية4 باب8)

 

لذيذ مناجاتهم :

وفي هذا الإذن جملة يجدر بنا أن نتأمل فيها وهي:

"يسمعون كلامي ويردون علي سلامي"

هذه حالة المعصومين عليهم السلام، وهل هناك من يسمع كلامهم ويلاحظ ردَّ سلامهم، ربما، ولكن الشرط الرئيسي هو رفع الحجب عن النفس، وقد أشار ذلك بعدها وقال:

"وأنك حجبت عن سمعي كلامهم"

ولكن رغم ذلك فإن باطن الإنسان ربما يتلذذ بمناجاتهم رغم عدم سماعها، وهذه الحالة يحس بها كل من يذهب لزيارتهم عليهم السلام، ولذلك قال:

"وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم"

ولذلك يجب الاستئذان من الله ورسوله والزهراء والأئمة عليهم السلام ومن الملائكة المقرّبين للدخول في هذه الروضة المباركة.

وبعد أن تقرأ إذن الدخول تقول:

(بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله وأشهد أنّ عليّاً ولي الله)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

حقيقة هو هكذا فإن هذا المكان هو الوادي المقدس بالفعل لا يجوز دخوله من غير ذكر الله تعالى.

ثم تستقبل الضريح وتقرأ الزيارة وهي تبدأ بالصلوات على رسول الله وابنته وابن عمه وأولادهم عليهم السلام، وفي جميع هذه الصلوات يوصف الأئمة بالعبودية ثم الولاية، ولربما هو إشارة إلى أن هؤلاء رغم عظمتهم إلاّ أنهم عباد الله، والعبودية هي التي أوصلتهم إلى المقامات التي هم فيها، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(الأنبياء/73).

(وسر حتى تقف على قبره وتستقبل وجهه بوجهك واجعل القبلة بين كتفيك وقل أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأنه سيد الأولين والآخرين وأنه سيد الأنبياء والمرسلين اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ونبيك وسيد خلقك أجمعين صلاة لا يقوى على إحصائها غيرك اللهم صل على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عبدك وأخي رسولك الذى انتجبته بعلمك وجعلته هادياً لمن شئت من خلقك والدليل على من بعثته برسالتك وديّان الدين بعدلك وفصل قضائك بين خلقك والمهيمن على ذلك كله والسلام عليه ورحمة الله وبركاته اللهم صلي على فاطمة بنت نبيك وزوجة وليّك وأم السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة الطهر الطاهرة المطهرة التقية النقية الرضية الزكية سيدة نساء العالمين وأهل الجنة أجمعين صلاة لا يقوى على إحصائها غيرك اللهم صلّ على الحسن والحسين سبطي نبيك وسيدي شباب أهل الجنة القائمين في خلقك والدليلين على من بعثت برسالتك ودياني الدين بعدلك وفصل قضائك بين خلقك اللهم صلّ على عليّ بن الحسين عبدك القائم في خلقك والدليل على من بعثت برسالتك وديّان الدين بعدلك وفصل قضائك بين خلقك سيد العابدين اللهم صل على محمد بن عليّ عبدك وخليفتك في أرضك باقر علم النبيين اللهم صل على جعفر بن محمد الصادق عبدك ووليّ دينك وحجتك على خلقك أجمعين الصادق البار اللهم صل على موسى بن جعفر عبدك الصالح ولسانك في خلقك الناطق بعلمك والحجة على بريتك اللهم صل على علي بن موسى الرضا المرتضى عبدك وولي دينك القائم بعدلك والداعي إلى دينك ودين آبائه الصادقين صلاة لا يقوى على إحصائها غيرك اللهم صلّ على محمد بن علي عبدك ووليك القائم  بأمرك والداعى إلى سبيلك اللهم صل على عليّ بن محمد عبدك ووليّ  دينك وحجتك على خلقك أجمعين اللهم صل على الحسن بن عليّ العامل بأمرك القائم في خلقك وحجتك المؤدي عن نبيك وشاهدك على خلقك المخصوص بكرامتك الداعي إلى طاعتك وطاعة رسولك صلواتك عليهم أجمعين اللهم صل على حجتك ووليك القائم في خلقك صلاة تامة نامية باقية تعجل بها فرجه وتنصره بها وتجعلنا معه في الدنيا والآخرة)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

خير الدنيا والآخرة :

وفي نهاية الصلاة ورد:

(اللهم إني أتقرب إليك بحبهم وأوالي وليّهم وأعادي عدوهم)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5). 

واللطيف أن هذا المقطع يتناسب مع دعاء رجب، الذي ورد فيه: "يا من أرجوه لكلِّ خير..إلخ" حيث يقول هنا: "جميع خير الدنيا" وفي الزيارة:

(فارزقني بهم خير الدنيا والآخرة واصرف عني بهم شر الدنيا والآخرة وأهوال يوم القيامة)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

فالخير الكامل التام لا يمكن أن يصيب العبد إلا بمحمد وآل محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام.

ثم تجلس إلى جهة الرأس وتقول:

(السلام عليك يا ولي الله)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5) فهم أولياء الله لقوله تعالى: (..أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ..)(النساء/59).

حُـججُ الله :

ثم تقول: (السلام عليك يا حُجّة الله)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5) الحجّة لنا وعلينا وقد نصّت أحاديث كثيرة مضافاً إلى الزيارة الجامعة الكبيرة على أنهم حجج الله:

(عن الأسدي عن البرمكي عن النخعي قال قلت لعلي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم علِّمني يا بن رسول الله قولاً أقوله بليغاً كاملاً إذا زرت واحداً منكم. فقال: إذا صرت إلى الباب فقف واشهد الشهادتين ......ثم قل: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة.... السلام على الأئمة الدعاة والقادة الهداة والسادة الولاة والذادة الحماة وأهل الذكر وأولي الأمر وبقية الله وخيرته وحزبه وعيبة علمه وحجته وصراطه.... اصطفاكم بعلمه وارتضاكم لغيبه واختاركم لسره واجتباكم بقدرته وأعزّكم بهداه وخصكم ببرهانه وانتجبكم لنوره وأيّدكم بروحه ورضيكم خلفاء في أرضه وحججاً على بريته وأنصاراً لدنيه......)(البحار ج102 ص127 رواية4 باب8).

(...عن الحسين بن خالد عن الرضّا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أحب أن يركب سفينة النجاة ويستمسك بالعروة الوثقى ويعتصم بحبل الله المتين فليوال عليّاً بعدي وليعاد عدوه وليأتم بالهداة من ولده فإنهم خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي...)(البحار ج23 ص144 رواية100 باب7).

(عن ابن زكريا القطان عن ابن حبيب عن الفضل بن الصقر عن أبي معاوية عن الأعمش عن الصادق عليه السلام عن أبيه عن علي بن الحسين عليه السلام قال: نحن أئمة المسلمين وحجج الله على العالمين.. .. ثم قال عليه السلام ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها ولولا ذلك لم يعبد الله قال سليمان فقلت للصادق عليه السلام: فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال عليه السلام: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب)(البحار ج23 ص5 رواية10 باب1).

(عن الحسن بن أحمد المالكي عن أبيه عن إبراهيم بن أبي محمود قال قال الرضا عليه السلام: نحن حجج الله في أرضه وخلفاؤه في عباده.... لا تخلو الأرض من قائمٍ منّا ظاهر أو خاف ولو خلت يوماً بغير حجة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله.)(البحار ج23 ص35 رواية59 باب1).

ثم تقول: (السلام عليك يا نور الله في ظلمات الأرض)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5) كيف لا وهو شمس الشموس! فجميع الشموس وهم محمد وآل محمد هو شمسهم، فمن زاره استضاء بتلك الشموس الزاهرة جميعاً وهذه خصوصية فيه سلام الله عليه.

عمود الدين :

ثم تقول: (السلام عليك يا عمود الدين)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5) الجدير بالذكر أن الصلاة هي عمود الدين كما ورد في الحديث:

(عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: الصلاة عمود الدين مثلها كمثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود ثبتت الأوتاد والأطناب وإذا مال العمود وانكسر لم يثبت وتد ولا طنب)(البحار ج82 ص218 رواية36 باب1).

وهم أقاموا الصلاة، لأن العمود لا يُقرأ إنما يُقام على سوقه، فإذاً هم العمود وهم الصلاة حقيقة وهذا ما ورد في زيارات كثيرة "أنتم الصلاة أو أنا الصلاة" في بعض الخطب

(روى الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله بإسناده إلى الفضل بن شاذان عن داود بن كثير قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أنتم الصلاة في كتاب الله عزّ وجل وأنتم الزكاة وأنتم الحج فقال: يا داود نحن الصلاة في كتاب الله عزّ وجل ونحن الزكاة ونحن الصيام ونحن الحج ونحن الشهر الحرام ونحن البلد الحرام ونحن كعبة الله ونحن قبلة الله ونحن وجه الله..)(البحار ج24 ص303 رواية14 باب66).

وهذا لا يعني أن الإنسان يستغني عن الصلاة بهم، بل من يواليهم تُقبل صلاته كما ورد "واجعل صلاتنا بهم مقبولة.. إلخ".

الوراثة في الصفات :

ثم تخاطب الإمام:

(السلام عليك يا وارث آدم صفي الله السلام عليك يا وارث نوح نبي الله السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله السلام عليك يا وارث إسماعيل ذبيح الله السلام عليك يا وارث موسى كليم الله السلام عليك يا وارث عيسى روح الله السلام عليك يا وارث محمد بن عبد الله خاتم النبيين وحبيب ربّ العالمين رسول الله السلام عليك يا وارث عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين وليّ الله السلام عليك يا وارث فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين السلام عليك يا وارث أبي محمد الحسن السلام عليك يا وارث أبي عبد الله الحسين السلام عليك يا وارث عليّ بن الحسين سيد العابدين السلام عليك يا وارث محمد بن عليّ باقر علم الأولين والآخرين السلام عليك يا وارث جعفر بن محمد الصادق البار الأمين السلام عليك يا وارث أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم الحليم)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

فالوراثة إنما هي في تلك الصفات فهم الصفوة الإلهية، وهم الأخلّة وهم القرابين والروح الإلهية.

الصِّديق الشهيد :

ثم تقول:

(السلام عليك أيها الشهيد السعيد المظلوم المقتول السلام عليك أيها الصدِّيق الوصيّ البار التقيّ)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

وبذلك تثبت أنه استشهد في سبيل الله، وهذا يفنِّد كل ما حكته حكومة بني العباس وأخص بذلك المأمون العباسي حيث قتل الإمام ثم جاء يُشيّع جنازته، فلولا هذه الزيارت لربما اختفت عنا الكثير من الحقائق والظلم الواقع عليهم سلام الله عليهم، وقد ورد في الحديث "ما منا إلا  مقتول أو مسموم".

ثم تتلو الشهادة بقولك:

(أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وعبدت الله مخلصاً حتى أتاك اليقين)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

والمهم هو ذكر الغاية من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهي "حتى أتاك اليقين" إشارة إلى قوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)(الحجر/99).فمن وصل إلى اليقين فقد وصل إلى المنتهى (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)(النجم/42).

واللطيف هو:

(السلام عليك يا أبا الحسن ورحمة الله وبركاته إنه حميدٌ مجيد)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

وهذا السلام يختلف عن السلام السابق، فهو سلامٌ بعد المعرفة.

ثم تتطرق إلى الدعاء وهو:

(اللهم إليك صمدت من أرضي وقطعت البلاد رجاء رحمتك فلا تخيبنى ولا تردني بغير قضاء حوائجي وارحم تقلبي على قبر ابن أخي رسولك صلواتك عليه وآله بأبي أنت وأمي أتيتك زائراً وافداً عائذاً مما جنيت على نفسي واحتطبت على ظهري فكن لي شافعاً إلى الله تعالى يوم حاجتي وفقري وفاقتي فلك عند الله مقامٌ محمود وأنت عند الله وجيه)(البحار ج102 ص44 رواية1 باب5).

 

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.