بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمَّد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين.

 

دروس في المنطـق

سماحة العلاّمة الشيخ إبراهيـم الأنصـاري

المحاضرة الثامنـة

 

الفـهرس

* المحاضرة الثامنة : الضروري والنظري :

        - أقسام العلم الحصولي

        - الضروري أو البديهي

        - النظري أو الاكتسابي

        - إشكال و ردّ

        - الفارق بين التصورات الضرورية والتصورات النظرية

        - أسئلة الدرس الخامس

 

الدرس الخامس

الضـروري و النظـري

 

ينقسم العلم الحصولي إلى قسمين :

القسم الأول: الضروري أو البديهي.

القسم الثاني: النظري أو الاكتسابي.

وبلحاظ القسمين السابقين للعلم الحصولي (التصور والتصديق) تنتج أقسامٌ أربعةٌ هي:

التصوُّرُ الضروري والتصديق الضروري والتصوُّر النظري والتصديق النظري.

فينبغي أن نبين هذه الأقسام تمهيداً لعمليَّة التفكير التي سنشرحها فيما بعد إن شاء الله.

فنقول:

1-الضروري أو البديهي (تصوراً كان أو تصديقاً) هو الذي:

 "لا يحتاج في حصوله إلى كَسْبٍ ونظر وفكر" فيحصل بالبداهة والضرورة، من غير تعبٍ ومن غير إجراء عملية فكريَّة. مثل تصور مفهوم "الوجود" و"الإمكان" و"العدم" و"الشيء". ومثل التصديق بأن "الكل أعظم من الجزء"، أو أن "النقيضين لا يجتمعان"، أو أنَّ "2×2=4".

2-النظري أو الاكتسابي: هو الذي يحتاج إلى كسب ونظر وفكر فلا يحصل إلاّ من خلال عملية التفكير. مثل: تصور مفهوم "الروح" وتصوُّر حقيقة "الكهرباء" و"الجن"ّ و"الحرارة"، و"البرودة" و"الإنسان" و"الماء". ومثل: التصديق بأن "الأرض ساكنة" أو "متحركة" وأنَّ "15×15=225" وأنَّ "أبعاد الكون متناهية" أو "غير متناهية".

كل هذه التصديقات وتلك التصوُّرات نظرية.

 

إشكال و ردٌّ :

عند ملاحظة الأمثلة السابقة نواجه الخلط في بعض المفاهيم فلا تُعرف أَ هي بديهيَّة أم نظرية؟ حيث تخطر في الذهن شبهة ويطرح سؤالٌ هو:

هل يمكن القول بأنّ تصور الروح والجنّ والكهرباء كتصور الإنسان والماء؟ وأنَّ كليهما نظري؟ كيف! ونحن نشاهد الفرق الكبير بينهما حيث وضوح مفهوم الإنسان والماء وغموض مفهوم الروح والجنّ والكهرباء؟

ولكـن :

هذه الشبهة ليست في محلِّها، فالتصديق بوجود الإنسان بديهي لأنّنا نعلم بديهةً بوجوده في الخارج، وأمّا التصديق بوجود الروح والجن فهو نظري. فالفرق إنَّما هو من ناحية تصديقهما وأمّا من ناحية التصوّر فلا فرق بين تلك الأمثلة أصلاً، لأنَّ جميع تلك التصوُّرات نظرية فليس هناك أيُّ فرق بين تصور الإنسان وتصوُّر الجنّ والمَلائكة، وذلك لأنه ليس من البديهي الوصول إلى حقيقة الإنسان كما أنه ليس من البديهي الوصول إلى حقيقة الجنّ.

فإذاً تصوُّر الروح نظريٌّ كما أنَّ تصديقه كذلك، وأمّا الإنسان والماء فتصورهما نظري غير أنَّ تصديقهما ضروريّ لأنَّهما من المرئيات والمذوقات حيث نُؤمن بوجودهما بالحس من غير النظر والفكر.

ثـمَّ: إنَّه يطرح سؤال آخر وهو:

ما هو السرّ الذي أدَّى إلى كون بعض التصوّرات بديهيَّة وبعضها نظريَّة؟ وما هو الفارق الجذري بين التصورات النظرية والتصورات الضرورية؟ وهل هناك ضابطة يمكننا أن نميِّز من خلالها التصور النظري والتصور الضروري؟

أقـول:

نعم إنَّ هناك ميزاناً يُمَيَّز به التصور الضروري من التصور النظري وهو:

 "المفهوم التصوري إن كان بسيطاً فهو مفهوم بديهيٌ، وإن كان مركباً فهو مفهوم نظري".

فمفهوم الإنسان مركبٌ من مفاهيم مختلفة لأنَّه "جوهرٌ جسمانيٌ نامٍ حسّاس متحرك بالإرادة ناطق" فإذاً هو مفهوم تصوُّريٌ نظري يفتقر -لأجل الوصول إلى تمام حقيقته- إلى المعرِّف، كما أن "الكهرباء والجنّ والملائكة" كذلك، ومفهوم "الوجود والشيء والعدم والإمكان والوجوب" ليست مركَّبة من عناصر ذهنيَّة مختلفة، بل هي بسيطة. فإذاً هي مفاهيم ضرورية واضحة لا غموض فيها ولا غبار عليها، حيث لا تفتقر إلى المعرِّف.

على ضوء ذلك نقول:

إنَّ المفاهيم التي تحتاج إلى تعريف هي مفاهيم نظرية لمكان تركُّبها، لأنَّ التعريف إنَّما هو بسط المفهوم بذكر أجزائه الذاتيَّة التي هي الجنس والفصل وأمّا المفهوم البسيط حيث لا جنس له و لا فصل فلا تركيب فيه فهو واضح مبسوط لا يفتقر إلى شرحٍ وبسط وتعريف، بل لا يمكن تعريفه.

ثمَّ: إنّ المعرِّف يعني التفكير في مجال التصوُّرات النظريَّة كما أنَّ الحجَّة هي التفكير في مجال التصديقات النظريَّة، أما التصورات البديهية والتصديقات البديهية فلا تحتاج لا إلى المُعرَّف ولا إلى الحُجّة، وعليه كلُّ من تمكَّن من تعريف المفاهيم تعريفاً صحيحاً فهو الذي بإمكانه أن يفكِّر في مجال التصورات، وكلُّ من تمكَّن من إقامة الحُجَّة بنحو صحيح من غير أن يتورَّط في الخطأ والانحراف، فهو الذي يتيسَّر له التفكير بنحو صحيح في مجال التصديقات النظريَّة حيث يُبدل المجهولات التصديقيَّة إلى معلومات تصديقيَّة.

ومن هنا قسَّم المنطقيون أبحاث هذا العلم -الذي يعلمنا كيف نفكِّر- إلى قسمين:

قسمٌ يرتبط بالمفاهيم التصوريّة وهذا ما يسمى بالمعرِّف.

و قسم يرتبط بالمفاهيم التصديقية وهذا ما يسمى بالحُجّة.

 

أسئلة الدرس الخامس

الضروري و النظري

 

1-عرِّف العلم الضروري أوالبديهي مع ذكر أمثلة ثلاثة.

2-عرِّف العلم النظري أو الإكتسابي مع ذكر أمثلة ثلاثة.

3-ما الفرق بين العلم بالجن والعلم بالإنسان مع أنَّ كليهما نظري؟

4-لماذا لا تفتقر التصوُّرات البديهيَّة إلى التفكير؟ دون التصورات النظرية؟

5-ما هو التفكير بخصوص التصوُّرات النظريَّة؟

6-ما هو التفكير بخصوص التصديقات النظريَّة؟

 

العودة إلى صفحة محاضرات المنطق