أســرار الحـج

آية الله جوادي آملي

 الفـهـرس

المقـدمة

الصـلات

الصلة الأولى: حول الكعبة زادها الله شرفاً

الصلة الثانية: في أن الكعبة أُسست على التوحيد المحض

الصلة الثالثة: في أن قواعد الكعبة بُنيت ورُفعت على الخلوص الصرف

الصلة الرابعة: في أن الكعبة طاهرة لا يمسها إلاّ المطهرون

الصلة الخامسة: في أن الكعبة أقدم بيتٍ وُضع للناس

الصلة السادسة: في أن الكعبة مدار العتق ومحور الحرية

الصلة السابعة: في أن الكعبة مثابة للناس وأمنٌ لهم

الصلة الثامنة: في أن الكعبة البيت الحرام قيام للناس

الصلة التاسعة: في أن حرمة الكعبة وعزّتها لحرمة الحق وعزّته

الصلة العاشرة: في أن الحج من أهم مظاهر الإسلام.

الكليّـة و الدوام

الجهة الأولى: في أن الحج توحيد مُمّثّل

الجهة الثانية: في أن الحج وحيٌ مُمثّل

الجهة الثالثة: في أن الحج معادٌ مُمثّل

الجهة الرابعة: في أن الحج مُمثّل للحكومة العليا الإسلامية

الجهة الخامسة: في أنَّ الحج مُمثّل للخُلُق العظيم

خاتمة: في وداع الكعبة وفي بعض مآثر حجة الوداع

[5]

الحمد لله الذي جعل العرش مطاماً للملائكة الحافيّن، والبيت المعمور في السماء مثالاً له للزائرين، وجعل الكعبة في الأرض مثالاً لهما للطائفين والعاكفين؛ وصلى الله على جميع الأنبياء والمرسلين والأئمة الهداة المهديين، الذين هم خير الحاجّ والمعتمرين.

وبعد، فيقول العبد المفتاق إلى ربه الجواد عبدالله الجوادي الطبري الآملي: هذه وجيزة حول أسرار الحج وما له من المآثر القيّمة، في ضوء مقدمة وصلات وخاتمة.

 

أمّا المقـدمة

ففي بيان أن العبادة، ومنها الحج، غاية الخلق لا الخالق.

والسرّ في ذلك هو أن كل فاعل يفعل فعلاً لغرض يناله وغاية يطلبها فهو ناقص، وكل ما ليس بناقص فهو لا يفعل فعلاً لغرض وغاية (الفصل الخامس في المقالة السادسة من إلهيات الشفاء).

وحيث أن الخالق تعالى غني عن العالمين فليس بناقص، فلا يفعل فعلاً لغرض يتوخاه وغاية يطلبها، وإلاّ لزم أن يكون بذاته ناقصاً ومحتاجاً، ويصير بغيره كاملاً ومستغنياً؛ وحاشا الغني المحض عن الفاقة، وسبحان الكامل الصرف عن النقص.

ولا ميز في الغرض المنفي والغاية المسلوبة عنه تعالى، بين أن يكون هو جلب النفع إلى نفسه أو إيصال الخير إلى الغير؛ إذ لو كان إيصال ذلك الخير إلى الغير فرضاً

[6]

له وغاية لذاته، يلزم أن يكون ذاته تعالى بدون ذلك الإيصال ناقصاً، ومعه يصير كاملاً وهو محال. بل هو تعالى جواد محض، يهب ما ينبغي كما ينبغي، لا لعوض ولا غرض، وإن كان فعله تعالى متن الحكمة وينبوع الخير ومعدن البركة.

فمن هنا يتبين الجمع بين قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}(الذاريات/56)، وقوله تعالى {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}(إبراهيم/8)، لأن معنى الآية الكريمة الأولى هو بيان غاية الخلق، أي الهدف السامي للمخلوق والكمال النهائي له، هو أن يصير عبداً له تعالى، كما قال مولى الموحدين علي بن أبي طالب عليه السلام: "إلهي كفى بي فخراً أن أكون لك عبداً".

ومعنى الآية الكريمة الثانية، هو بيان أن الله تعالى لم يكن محتاجاً إلى أن يصير معبوداً، بحيث لو لم يُعبَد لبقى على نقصه وحاجته، فإذا صار معبوداً ارتفع نقصه وسُدّ حاجته. سبحان الغني المحض عن الفقر إلى شيء أصلاً، بل هو الغني الجواد عُبد أم لم يُعبد.

وهكذا تبين مغزى القول في بيانه تعالى "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف، فخلقت الخلق لكي أُعرف" لأن معرفة الله تعالى كعبادته تعالى، غاية الخلق لا الخالق، إذ الهدف إنما هو للمحتاج لا للغني، والغرض إنما يتصور للناقص لا للكامل بالذات، لأن ذاته هو الهدف لجميع ما سواه.

ثم إن هناك بياناً حكيماً، في ضرورة الغاية لكل فعلٍ، وفي تحتّم الغرض لكل فيض، وفي كون كلّ فاعل إنما هو يفعل لغاية يتوخاها حتى يستكمل بها ويصير كاملاً. وأما إذا كان الكمال المحض مبدء لفيض وسبباً لأمر، كيف يُفرض له غرض زائد على ذاته، بل هو الغرض الذاتي لكل فعل وفيض، كما هو المبدء الذاتي لكل أثر وخير، حسبما أفاده القرآن الحكيم بقوله تعالى {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ..}(الحديد/3).

الآية تبيّن أنه تعالى هو الغاية بالذات فلا غاية له، كما أنه تعالى هو الفاعل بالذات لما عداه فلا فاعل له، وهو تعالى خالق كل شيء وإليه تصير الأمور {..كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}(الأعراف/29).

فمن ذلك يظهر سر قوله تعالى {..وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}(آل عمران/97).

 

[7]

حيث أنّ الحج عبادة مفروضة من الله تعالى على الناس، وهم محتاجون إلى أن يحجّوا ويعتمروا، فإن كفروا وتمردوا فإن الله غني عن العالمين فضلاً عنهم وعن عبادتهم.

فالحج إذاً كغيره من العبادات، غاية الخلق لا الخالق؛ والحاج يتزود بحجّه خير الزاد، والله غني محض، لأنه نفس الغني ومحض الكمال، فلا يتصور له غاية زائدة على ذاته، إذ لا غاية للغاية الذاتية.

 

[8]

وأمّا الصـلات :

ففي بيان فضائل الكعبة، وسنن الحج وأسرارها، وتأثيرها في تحرير الرقاب من الاستعباد، وعتق النفوس من الاستكبار، ووضع الآصار والأغلال من الأعناق والأيدي والأرجل، لإخراج الناس من ذلّ الأديان إلى عز الإسلام.

 

الصلة الأولى: حول الكعبة زادها الله شرفاً

                (في أن الكعبة مثال للعرش)

إن الأصول القرآنية ناهضة:

أولاً: بأن لجميع الأشياء خزان عند الله تبقى ولا تفنى، وإن نفدت وبادت تلك الأشياء؛ حيث قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}(الحجر/21). {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ..}(النحل/96). فلا مجال لنفد الخزائن التي عند الله، لأن كل ما عنده فهو مصون عن الزوال ومحفوظ عن الفناء.

وثانيا: بأن جميع تلك الأشياء الخارجيّة نازلة من تلك الخزائن الغيبية، لا بنحو التجافي المستلزم للنفاد والزوال، بل بنحو التجلّي، كما قال عليّ عليه السلام: "الحمد لله المتجلّي لخلقه بخلقه". ويدل على ذلك التنزل، قوله تعالى: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} حيث ينطق بأنّ وجود تلك الأشياء في تلك المخازن بنحو اللف والجمع، وعند التنزل يصير بنحو النشر والقَدر والهَندسة.

فمن هنا يظهر معنى قوله تعالى: {..قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا..}(الأعراف/26). {..وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ

[9]

ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ..}(الزمر/6). {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}(الذاريات/22). {..وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ..}(الحديد/25). حيث أن الإنزال في هذه الموارد ونظائرها، بمعنى التنزل والتجسّم لا التجافي، نظير إنزال المطر من السماء المادي إلى الأرض، لأن كل قطرة إذا نزلت إلى الأرض فقد انتقلت وهجرت مكانها السمائي. فكل شيء موجود في عالم المادة له أصل محفوظ عند الله، يتنزل منه ويكون آية له ومرآة إيّاه، وكذا يكون مِرقاة إليه، {..أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ}(الشورى/53).

فمن ذلك ما ورد من نزول قواعد الكعبة من الجنة، وكذا نزول الحجر الأسود ونزول حَجر المقام منها (الميزان ج1ص294). حيث أن ذلك كله يدل على أن لأجزاء البيت وأركانه أصلاً طيّباً عند الله، تكون تلك الأمور متنزلة من ذلك الأصل الطيب (الوسائل ج9ص388:386).

ويشهد له ما ورد في سر تربيع الكعبة وبنائها على أربعة أركان، من أن ذلك كان بحذاء البيت المعمور، وكذا العرش، حيث أنّ له أركاناً وأضلاعاً أربعة. فلمّا سُئل الإمام الصادق عليه السلام المعصوم، عن سرّ تربيع العرش، أجاب عليه السلام: بأن الكلمات التي بنى عليها الإسلام أربع، وهي التسبيحات الأربع سبحان الله والحمدلله ولا إله إلاّ الله والله أكبر (البحار ج99ص57).

حيث أن هذا السؤال والجواب، يدل على أن الكعبة قد تنزلت من البيت المعمور المتنزل من العرش، على المعنى المتقدم من التنزل المنزه عن التجافي. وعلى أن سرّ التربيع في هذه الأنظمة الثلاثة، أعني الطبيعة والمثال والعقل، هو تربيع الكلمات الدالة على التنزيه والتحميد والتهليل والتكبير.

فمن هنا يلوح معنى ما ورد من أن الكعبة من موضعها إلى عنان السماء قبلةٌ (كتاب الوافي، باب وجوب الاستقبال) لأن ظاهره، وإن كان هو وجوب الاستقبال إلى هذا البُعد العمودي تشريعاً، ولكن سره يدل على الارتباط الوجودي بين عالم الطبيعة والمثال والعقل؛ والصراط الذي يمكن سلوكه هو

[10]

التحقق في المعارف المستفادة من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير تدبر-. نظير ما ورد عن أمير المؤمنين في الجواب عن، كم بين السماء والأرض، قال عليه السلام: "مدّ البصر ودعوة المظلوم".

 

الصلة الثانية: في أن الكعبة أُسست على التوحيد المحض

إن هندسة الكعبة كانت بهداية الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وقال عزّ من قائل {وَإِذْ بَوَّأْنَا لأَبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا..}(الحج/26). يعني أن تَبوئة البيت وتعيين مكانه وهندسة تأسيسه إنما هو على التوحيد الصرف الذي لا يشوبه أيّ شرك أصلاً، لا الشرك الجلي كالوثنية، ولا الخفي كالرياء، لأن النكرة التالية تفيد سر آية النفي إلى كل ما يصدق عليه الشرك، حيث قال تعالى: {لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا}.

وهذا التوحيد المحض، الذي أسس عليه الكعبة لا يتحقق إلاّ في الأوحدي من المؤمنين، إذ الأكثري منهم ليس مصوناً عن لوث الشرك الجلي، كالتواضع للغني لغناه، والتذلل للطاغوت لطغيانه. أو الشرك الخفي كترك الدنيا للدنيا والزهد فيها للجاه والمقام، ولذا قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ}(يوسف/106). أي أكثر المؤمنين مشركون بالمعنى المتقدم وهؤلاء الأكثرون لا يرثون الأرض، بل يرثها العباد الصالحون الذين يمكنهم الله دينهم الذي ارتضى لهم ويؤمنون به ولا يشركون به شيئاً.

وهذا التوحيد المحض قد تجلي في كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي أوتي جوامع الكلم، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا إله إلاّ الله وحدَه وحدَه وحدَه. ولعلّه ناظر إلى التوحيد في مراتبه الثلاث، من التوحيد الذاتي والصفاتي والأفعالي، فمعه لا مجال للشرك أصلاً، إذ لا يخلو شيء من المراحل الوجودية عن التوحيد حتى يكون ذلك الخلاء بنفسه شركاً، أو يملأ به الشرك بناءً على كونه أمراً وجودياً.

وحيث أن التوحيد شجرة طوبى ومن ثمارها التقوى، يكون مسجد قبا المؤسس على التقوى، من فروع ذلك الأصل ومن ثمار ذاك البذر. فالكعبة المؤسسة على التوحيد أصل لجميع ما يبنى على التقوى؛ كما يكون هدم الكعبة المؤسس على الشرك أصل لجميع ما يبنى على شفا جرف هارٍ ينهار في نار جهنم.

نتحصل، أن هندسة الكعبة على التوحيد البحت الذي لا يجتمع مع أي

[11]

شرك أصلا، وهي بهذه الهندسة الإلهية صارت موضوعة ومتعلقة لغير واحدٍ من الأحكام ومنها الحج، وهي بهذه الخصيصة تكون مثالاً للعرش الذي لا يحوم حوله إلا الملائكة الذين هم عباد الرحمن، لا يعصون الله ما أمرهم وهم بأمره يعملون، ولا يسبقونه بالقول ويفعلون ما يُؤمرون، ولا يفترون من تسبيحه ولا يسأمون من تقديسه، ولا يستحسرون من عبادته ولا يُؤثرون التقصير على الجدّ في أمره ولا يغفلون عن الوَلَه إليه (الصحيفة السجادية دعاء3).

 

الصلة الثالثة: في أن قواعد الكعبة بُنيت ورُفعت على الخلوص الصرف

إن عمران الكعبة وبناءها ورفع قواعدها كان ببيد إبراهيم خليل الله عليه السلام وإسماعيل ذبيح الله، قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا..}(البقرة/127). يعني أن بناء الكعبة ورفع قواعدها كان عبادة خالصة صادرة من ذ   ينك النبيَّيْن، بحيث لا يريدان من أحد جزاءاً ولا شكورا؛ بل إنما يرفعان قواعدها لوجه الله، ولم يكن ذلك منهما بدعاء لفظي فحسب، بل كان كامناً في القلب وظاهراً في القالب ومكنوناً في المهُجة وبارزاً في اللهجة. لن من جاء ربه بقلب سليم لا يمس كرامة قلبه طائف من غير الله؛ ومن قال {..يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ}(الصافات/102). لا يمس طهارة ضميره ما ينافي الخلوص، فهذان النبيان عليهما السلام، بتمام التوحيد والخلوص، دَعوا ربهما وقالا "ربنا تقبل منا"؛ وحيث أن الله تعالى وصفهما بأنهما من العباد المخلصين الذين لا تتطرق الشيطنة والوسوسة نحوهم، فهما من المتقين الذين لا يتقبل الله بقبول حسنٍ إلاّ منهم.

نتحصل أن الكعبة مرفوعة القواعد على الخلوص، ومقبولة لله تعالى بالتقوى؛ وحيث أن هندستها التوحيد، وعمرانها الخلوص والتقوى، تشرفت بإضافتها إلى الله تعالى، وصارت بيت الله الذي له ما في السموات والأرض، ورفيعةً بإذنه تعالى، ويذكر فيها اسمه تعالى آناء الليل وأطراف النهار، وصارت شجرة طوبى وثمارها بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، من المساجد والمشاهد

[12]

ونحوها من المراكز الدينية والعبادية.

 

الصلة الرابعة: في أن الكعبة طاهرة لا يمسها إلاّ المطهرون

قد أُمِر النبيّان، إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، بتطهير الكعبة عن كل قذارة ولوث وتزكيتها عن كل رجس ورجز. قال تعالى: {..وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}(البقرة/125). ومعه لا مجال لقذارة الوثن، ولا للوث الوثني، ولا موقع لرجس الصنم ولا لرجز الصنمي، إذ العابد والمعبود كلاهما في النار: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}(الأنبياء/98).

وهذا التطهير عهدٌ إلهي لا ينال الظالمَ كما لا يناله الظالمُ، إنما يناله الخليل والذبيح والكليم والمسيح والحبيب وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل صلوات المُصلين.

وهذا البيت الطاهر، بما فيه الحجر الأسود، يمين الله "الذي كلتا يديه يمين" (الفتوحات ج1ص666) أي لا يمس ظاهر القرآن وخطوطه المكتوبة إلاّ المطهرون من الحدث، ولا يمسنّ باطنه ومعارفه العليا إلاّ المطهرون من الذنب، وهم الأئمة من أهل بيت الوحي، حيث قال تعالى: {..إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الأحزاب/33). كذلك الكعبة الطاهرة لا يطوف حولها ولا يستقبلها في شؤونه الحيويّة إلاّ الطاهرون؛ إذ الطيب للطيب كما أن الخبيث للخبيث.

وكما أن القرآن الكريم مرآة نقيّة يرى الناظر صورته الجميلة أو القبيحة فيها، ولذلك يهدي به الله، من اتبع رضوانه، سبل السلام، ويضل به الفاسقين، كذلك الكعبة مرآة صافية يرى الناظر منظره الجميل أو القبيح فيها، يهدي بها الله من يشاء ويضل بها من يشاء، وهم الذين نزل فيهم: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً..}(الأنفال/35). وهؤلاء لا يُوفقون للطواف حولها والصلاة نحوها، وما إلى ذلك من الشؤون العبادية.

 

[13]

الصلة الخامسة: في أن الكعبة أقدم بيتٍ وُضع للناس

إن الأرض برحبتها مسجد وطهور، وكان الإنسان من أقدام الدهور يعبد الله سبحانه في أي قطر من أقطار الأرض، إلاّ أن أول موضع اختص للتعبد الشَعبي والتخضع الجمعي هو البيت الذي قد أُسس على التوحيد، بهندسة الوحي وعمارة النبوة وسَدانة الإمامة وتطهير الخُلَّة، حيث قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ*فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}(آل عمران/96،97).

وبهذه السابقة المقدسة والسالفة المباركة قُدّمت على البيت المقدس وصارت قبلة للعالمين، وبذلك أجيب اعتراض اليهود على الإسلام عند نزول قوله تعالى: {..فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..}(البقرة/144). حيث تمسكوا بقداسة البيت المقدس وقِدمَته، فأجيبوا بأن الكعبة المطهرة أول بيت وضع للناس وأقدمه، ولعلّه لهذا سميت بالبيت العتيق، إذ العتيق يطلق على القديم النفيس، فلا يطلق على ما لا قِدمة له، وكذا لا يطلق على القديم الذي لا نفاسة ولا قداسة له، بل إنه يطلق على خصوص القديم الذي مرت عليه الدهور ولم يُبله ولم يُدنسه شيء ولم تنجسه الجاهلية بأنجاسها ولم تُلبسه المدلهمات من ثيابها، لا أن مجرد القدمة التاريخية قد أورثت النفاسة، وصِرف السبق الزماني قد أوجب القداسة على ما يراه المتوسّمون؛ حاشا المعارف الإلهية أن يعطي القداسة شيئاً مرّ عليه الدهور فحسب، وأن يهب النفاسة شيئاً بقى طول الدهر فقط، بل كما أن مدار الكرامة في النظام الإنساني الإلهي هو التقوى لا غير، كذلك محور القداسة في النظام الخارجي من الأزمنة والأمكنة والبيوت ونحوها، هو تجلّي أمر إلهي كنزول الوحي فيه وانتشاره منه. وهذا هو الموجب لقداسة الكعبة وهي بانضمامها إلى القدمة التاريخية يوجب أن يصير بيتاً عتيقاً. وله أيضاً معنى آخر سيأتي في موطنه.

الصلة السادسة: في أن الكعبة مدار العتق ومحور الحرية

كما أن الكعبة لقدمتها ونفاستها صارت عتيقاً، كذلك لانعتاقها عن سلطة أي مالك وتحررها عن قهر أي سلطان صارت عتيقاً، حيث أنها لم يملكها أحد (وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ج9ص347)

[14]

ولم يسيطر عليها أحد سيطرة المالك على المملوك؛ فعليه يكون قدمتها التاريخية بنفاستها، وهكذا تحررها عن سلطة أي مالك موجباً لكونها عتيقاً بكلا الوجهين.

تبين من ذلك أنه، لا يطوف حول هذا البيت العتيق ولا يستقبل نحوه إلاّ العتقاء من سلطة الطغاة المردة؛ ولا يولي وجهه شطره إلاّ الأحرار من سيطرة الأهواء المردية؛ وحيث أن عبد الرّق أذل من عبد الشهوة، لا يصير الإنسان حراً ما لم يدع هذه اللماظة، ولا يكون حراً ما لم يضع عنه إصره والأغلال التي كانت عليه، وما لم يصير حراً لا يصلح لأن يطوف حول البيت الحرّ ويستقبل نحو الكعبة العتيق، لأن الطيب لا يناله إلا الطيب، كما أن الخبيث لا يحنّ إلاّ نحو الخبيث، ومن ذلك يلوح مغزى قوله تعالى {..وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}(الحج/29). وقوله تعالى: {..ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ}(الحج/33). فمن تحرر من شُحّ نفسه وأفلح وصار حراً من عبودية غير الله، يصير صالحاً للطواف حول البيت العتيق والصلاة شطره؛ وكذا الطواف حوله، ينهى عن الرقّية والانظلام كما تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر. فالطائف حول البيت الحرّ لا يستعبد أحداً كما لا يصير عبداً لأحد إلاّ الله: "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً". وهكذا التضحية، الهَدْي، وإبلاغه البيت العتيق، يدرس الحرية ويورث التحرر عن كل رقية عدا رقية الله تعالى، التي هي الفضيلة الوحيدة للإنسان؛ فعليه أن يعبد الله مخلصاً له الدين الواصب.

 

الصلة السابعة: في أن الكعبة مثابة للناس وأمنٌ لهم

قد جعل الله الكعبة مرجعاً ومثابةً للناس يرجعون ويثوبون إليها فيما يعرض لهم من الأمور الهامة، وأمناً لهم من أي خطر كان يصيب الذين يعيشون خارج الحرم، قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا..}(البقرة/125). وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}(العنكبوت/67). ونطاق الآية الكريمة الثانية هو كون الحرم أمناً للناس وصوناً لهم عن الاختطاف والاستلاب والقتل والنهب والسبي وما إلى ذلك مما كان يفعله الطغاة الذين لا شعار لهم إلا شعار "قد أفلح اليوم من استعلى" ولا يهمهم أمرٌ أصلاً؛ بل قد أهمتهم أنفسهم ويظنون بالله ظن الجاهلية ويأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام،

[15]

ولكن الأصل في ذلك كله هو الكعبة التي جعلها الله مثابة للناس وأمناً لهم، ثم بتشرّفها جعل البلد أميناً والحرم مأموناً والمكة مصونة. وقد روي (وسائل الشيعة ح9ص336) عن النبي والأئمة أنه حرّم الحرم لحرمة المسجد.

وروي عن مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال: من دخل الحرم من الناس مستجيراً به فهو آمن، ومن دخل البيت مستجيراً به من المذنبين فهو آمن من سخط الله، ومن دخل الحرم من الوحش والسباع والطير فهو آمن من أن يُهاج أو يؤدي حتى يخرج من الحرم (وسائل الشيعة ج9ص339). وكان هذا التأمين الإلهي إجابة لباني الكعبة إبراهيم الخليل عليه السلام حيث دعا ربه وقال أيضاً: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا..}(البقرة/126). وقال أيضاً: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا..}(إبراهيم/35). ولعل سر التفاوت في التعبير هو بلحاظ كون ذينك الدعائين في زمانين مختلفين، أحدهما قبل تحقق البلد وبناء مكة، وثانيهما بعد بناء مكة وتحقق البلد.

وكيف كان فقد جعل الله البيت حراماً ووصفه به، حيث قال في كتابه البيت الحرام، وقال: "ومن دخله كان آمنا". ومن ذاك الأصل ما تنعم به قريش حيث أنه تعالى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.

 

الصلة الثامنة: في أن الكعبة البيت الحرام قيام للناس

إن المراد من القيام المطلوب في قوله تعالى {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ..}(سبأ/46). هو المقاومة والاستقامة لا الانتصاب البدني وهو واضح، ويقابله القعود بمعنى العجز والاستكانة والانظلام. ولذا جعل الجهاد والقعود متقابلين حيث قال تعالى "فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ درجة" فالمجاهد الذي يجاهد أهواءه كما يجاهد أعداءَه فهو قائم، والذي يتصالح مع هواه كما يصالح عدوه فهو قاعد، والدين الإلهي يتلخص في قوله تعالى "إنما أعظكم بواحدة"، وهو يفيد الحصر أي لا موعظة إلا بخصلة واحدة وهو القيام لله، أي المقاومة لإحياء أمر الله والاستقامة في امتثال حكمه، وهذا هو المعبر عنه بالجهاد. فالدين الإلهي متبلور في المجاهدة لا غير، والجهاد مع الأهواء والأعداء قيام، وإعطاء الأعداء بيد والتسليم

[16]

لهم أو الفرار منهم قعود وعجز. ولعلّ التعبير عن المجاهدة بالقيام، لأنه من بين سائر الحالات والشؤون أقوى الحالة وأشدها دفاعاً وأهيائها دعّاً ودفعاً أو تحاملاً وتهاجماً.

فالدين قيام وجهاد لا يحوم حوله القعود والعجز، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ..}(الحديد/25). حيث يدل على أن الهدف السامي للنبوة العامة السارية في سير الأنبياء الذين يسيرون عليها ويدعون إليها، هو قيام الناس بالقِسط (بالكسر) وتحرّرهم عن القَسط (بالفتح)، وأجلى مراتب القيام بالقسط هو التوحيد، لأن الشرك ظلم عظيم لا عدل فيه أصلاً، ثم سائر مراتبه في الأخلاق والأعمال، فإذا تبين أن الموعظة الإلهية تتلخص في القيام لله، وأن غاية البعثة والإرسال وإنزال الوحي هو قيام الناس بالقسط، يلزم الغور الصادق في معتمد هذا القيام وفي عمود هذه المقاومة وعماد هذه الاستقامة.

والذي ورثناه من سلالة إبراهيم الباني لهذا البيت الحرام، هو أن عامل قيام الناس ومقاومتهم تجاه الطغاة اللئام هو قيام الكعبة وحياتها ودوام أمرها، حيث قال مولانا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة (وسائل الشيعة ج8ص14)، فحياة الكعبة هو حياة الدين، وبحياة الدين يحي الناس، وبخراب الكعبة وانهدامها وهجرها يموت الدين، وبموته يموت الناس؛ والأصل في ذلك كله هو قوله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ..}(المائدة/97). حيث يدل على أن عمران الكعبة، بالطواف حولها والصلاة شطرها والحج بمناسكها، وجعلها قبلة يستقبل إليها في الشؤون العبادية ونحوها، هو العامل الهام لقيام الناس. كما يدل على أن هدم الكعبة وهجرها بترك الطواف حولها والصلاة إليها وسائر ما يعتبر فيه الاستقبال هو الموجب لقعود الناس وعجزهم عن دفع الهواء والأعداء: {..لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ..}(الأنفال/42).

نتحصل أن الكعبة للدين الإلهي بمنزلة عظم الظهر وفقراته للإنسان، فإذا قامت وقويت وسلمت فقد أمكن القيام والمشي والمقاومة والسرعة إلى المغفرة والسبقة إلى الخير وما إلى ذلك مما يتوقف على القيام المعتمد على عظم الظهر

[17]

وسلامة فقراته. وإذا عجزت وضعفت ووهنت فقد تعذّر القيام وامتنع الاستقامة واستحال السرعة والسبقة ونحو ذلك مما يتوقف على القيام، وذلك لكسر فقار الظهر وانثلام عماده وصيرورته فقيراً، أي المنكسر فقار ظهره بعد أن أمكن أن يصير غنياً عن الغير وقائماً بنفسه اعتماداً على من هو عماد من لا عماد له ومحترزاً بحرز من هو حرز من لا حرز له، وهو الله القائم على كل نفس بما كسبت، الذي هو بكل شيء محيط وحفيظ.

وعند هجر بيت الله ينقطع الربط، وبانفصامه لا يمكن القيام بالقسط والمقاومة مع القسط (بالفتح)، وبذا يحرم ويمنع خير الدنيا والآخرة، لأن الكعبة عامل قيام الناس لدينهم ومعاشهم حسب ما أفاده مولانا الإمام الصادق عليه السلام (وسائل الشيعة ج8ص41).

فلذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أراد دنيا وآخرة فليؤم هذا البيت" (وسائل الشيعة ج8ص40) أي من أراد أن ينال في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة حيث يقول "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" وهكذا يناجي ربه ويقول "ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدا" فليقصد هذا البيت وليجعله إماماً يأتم به وقدوة يقتدي بها ومقصداً يطلبه، لأن في ضوئها خير الدنيا والآخرة، لأن في قيامها قيام الدين وبقيام الدين ينتفع في الدارين.

ومن أهم مظاهر الائتمام بالكعبة هو الحج بمناسكه والطواف حولها بأشواطها والهدي البالغ إياها ونحو ذلك.

ومما تقدم تبين سر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من أيسر ما يعطي من ينظر إلى الكعبة أن يعطيه الله بكل نظرة حسنة ويمحي عنه سيئة ويرفع له درجة" (وسائل الشيعة ج9ص359 و364 و365).

وعن مولانا الصادق عليه السلام: "النظر إلى الكعبة عبادة (وسائل الشيعة ج9ص359 و364 و365). وهكذا ما ورد عنه عليه السلام من التبرك بثياب الكعبة بجعلها للمصاحف (وسائل الشيعة ج9ص359 و364 و365) وغير ذلك. وأن الدخول فيها (أي في الكعبة)، دخول في رحمة الله والخروج منها خروج من الذنوب معصوم فيما بقى من عمره مفغور له ما سلف من ذنوبه. وأن الداخل فيها يدخل والله راض عنه ويخرج عطلاً من الذنوب. وهكذا ما ورد عن مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام

[18]

"الله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا" (وسائل الشيعة ج8ص15). لأن ترك بيت الله وهجره بمنزلة سقوط العماد الذي يسقط معه المتكئ به فينكب عن الصراط (إنهم عن الصراط لناكبون)، ويهوي ويسقط (لا تطفو فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى). وما ورد عن مولانا محمد بن علي الباقر عليه السلام: "لا ينبغي لأحد أن يرفع بناء فوق الكعبة". (وسائل الشيعة ج9ص343)، فكما أن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، كذلك الإسلام الممثل وهو الكعبة لا يُعلى عليه بناء، وحيث أنها قيام للناس جعلت في وسط الأرض ليكون الفرض لأهل الشرق والغرب سواء (وسائل الشيعة ج8ص8)، وحيث أنه لا شيء أحب إلى الله منها. ولذا ورد عن مولانا الصادق عليه السلام: "إن الله اختار من كل شيء شيئاً واختار من الأرض موضع الكعبة" (وسائل الشيعة ج9ص348).

والسر في ذلك كله هو أن الكعبة مثال للعرش الذي منه تدبير الأشياء كلها، ومؤسسة على التوحيد المحض ومبنية ومرفوعة على الخلوص وطاهرة عن لوث الشرك، لا يطوف حولها إلا الطاهرون، وأقدم بيت وضع للناس، وميزان الحرية، ومثابة للناس وأمن لهم، وقيام للناس بالقسط والعدل.

ولذلك يقوم الدين ما قامت الكعبة، ولأجله لم تختص بقوم دون قوم، وليس قبيلة أولى بها من قبيلة، بل ولذلك لم يحكم في شيء من الفضائل المارة بأنها أي الكعبة مثابة للمؤمنين أو قيام لهم، ولم يخاطب المؤمنون بتعظيمها ونحو ذلك، بل الخطاب أو محور الكلام في ذلك كله هو الناس بالعموم والإطلاق من دون أي وصف وقيد كما تقدم مبسوطاً.

ومن أهم مظاهر تلك السعة والدعوة البالغة والنداء العالمي هو الحج، حيث قال تعالى "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً" ولم يقل يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الحج واقيموا الحج ونحو ذلك مما ورد في الصوم والصلاة، بل اللسان العالمي قد نادى بقوله "ولله على الناس.." كما أن الإعلام

[19]

العالمي منذ زمن بناء البيت كان متجهاً نحو الناس سواسية، حيث قال: "وأذّن في الناس بالحج" على ما ستقف عليه.

نتحصل أن الكعبة بنيان إلهي للناس، الأسود والأبيض والعاكف والباد والراجل والراكب من دون خصوصية لأحد أو لقوم أو لإقليم، فارتقب لما يُتلى عليك من آيات الحج والعمرة في الصلات القادمة. ومن هنا تبين ضرورة قيام الشعب طُرّاً في تطهير الكعبة المقدسة عن تولية الطغاة المردة، ونجاتها من أيدي الأشرار المستولين على البيت الحرام والمنتفعين به نفعاً تجارياً، يبيعون الدين بالدنيا وهؤلاء هم السراق كما ورد عن مولانا الصادق عليه السلام: "أما إن قائمنا لو قد قام لقد أخذهم فقطع أيديهم وطاف بهم وقال هؤلاء سرّاق الله" (وسائل الشيعة ج9ص355).

وأنت أيها المسلم إذا سمعت (بان ولاية الكعبة كانت في خزاعة إلى زمن حليل الخزاعي، فجعلها حليل من بعده لابنته، وكانت تحت قصيّ بن كلاب، وجعل فتح الباب وغلقها لرجل من خزاعة يسمى أبا غبشان، فباعه أبوغبشان من قصي بن كلاب ببعير وزُق خمر، وفي ذلك يضرب المثل السائد  أخسر من صفقة أبي غبشان-) (الميزان ج3ص399) ومُتّ على ذلك ألماً وأسفاً لما كنت ملوماً، وهنالك يتبلور قوله تعالى: "وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي" وهذه هي، ملّة إبراهيم، التي لا يرغب عنها إلاّ من سفّه نفسه، وحيث أن رسول الله والذين آمنوا معه أولى بإبراهيم الذي طهّر بيت الله عن أي رجس ورجز، فعلى الأمة الإسلامية اليوم أن يطهروا بيته تعالى عن كل لوث وقذارة شرقية كانت أو غربية.

فكما أن العقل ما يُعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان، فكل ما لا يكتسب به الجنان ولا يعبد به الرحمن، بل يكتسب به الدنيا الجائفة ويعبد به الطاغوت، فهو ليس بعقل بل سفاهة. ولقد أجاد سيدنا الأستاذ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي (قدس سره) في تفسيره القيّم، عند بيان قوله تعالى: "ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه" حيث قال (ره) .. ومن هذه الآية يستفاد معنى ما ورد في الحديث إن العقل ما عُبِد به الرحمن (الميزان ج1ص303) انتهى.

[20]

وأنت إذا شاهدت اليوم ما ابتليت به الكعبة المعظمة من استيلاء الطغاة عليها، لاستبان لك معنى قول مولى الموحدين علي بن أبي طالب عليه السلام في كتابه إلى مالك ".. إن هذا الدين كان أسيراً في أيدي الأشرار، يعمل فيه بالهوى ويطلب به الدنيا" (نهج البلاغة)

فعلى الشعوب الإسلامية أن يحققوا ما حققه إبراهيم عليه السلام ويبطلوا ما أبطله، وذلك إنما يتجلى بالحج والعمرة على ما يرضاه الله ورسوله، وعلى ما حج ولبّى خاتم النبيين حيث قال: خذوا عني مناسككم. وهو صلى الله عليه وآله وسلم أخذ مناسكه من جبرائيل حسبما تقدم.

 

الصلة التاسعة: في أن حرمة الكعبة وعزّتها لحرمة الحق وعزّته

قد تبين في ثنايا الصلات المارة، أن للكعبة حرمة تختص بها، وعزة لا توجد في غيرها من البقاع والأبنية، وليكن يلزم الفحص عن منشأ حرمتها وعزتها هل هي بما أنها كعبة وبيت خاص في مكان مخصوص حرامٌ وعزيزٌ، أو ذلك بما أنها مثال للحق وتجلي لظهوره ووعاء للوعي ومهبط للوحي، وغير ذلك مما به يحي الحق ويموت الباطل، والحاصل هل حرمتها لذاتها أو لظهور الحق منها.

وليعلم أن مما قام البرهان العقلي عليه هو لزوم انتهاء ما بالعرض إلى ما بالذات دفعا للتسلسل وصوناً عن الدور. ومن ذلك ما يشاهد في القرآن الكريم أنه وإن ينطق بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن يهتف بان عزة غير الله (تعالى) تنتهي إلى عزته. حيث يقول: "العزة لله" تعالى، وهكذا في القوة حيث ينطق بقوله: "خذوا ما آتيناكم بقوة"، وبقوله" "يا يحي خذ الكتاب بقوة" وبقوله: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" وبقوله: "إني عليه لقوي أمين" وما إلى ذلك. ولكنه ينادي بأعلى صوته "القوة لله جميعاً" (البقرة/165) وهكذا في الشفاعو ونحوها من الأمور الوجودية، حيث أنها تنتهي إلى الحق الذي له الأسماء الحسنى بالذات.

ومما يتفرع على هذا الأصل الذي توافق فيه البرهان والقرآن، هو لزوم انتهاء ما للكعبة من الحرمة والعزة إلى حرمة الحق وعزته، بحيث لو دار الأمر بين هدم الكعبة وتخريبها وهدم الحق، يلزم هدم الكعبة تضحية للحق وفداء له، للزوم تضحية ما بالعرض وقاية لما بالذات.

[21]

ولنشر إلى نبذٍ في ذلك فنقول: إن للحرم أحكاماً تحكي عزّته وتدل على فضله، من عدم جواز الدخول فيه بلا إحرام، ومن عدم جواز دخول غير الموحّد فيه، ومن عدم جواز أخذ اللقطة منه على رأي، ومن عدم جواز الصيد فيه، ومن عدم جواز إجراء الحدود فيه إلا من لم يراع حرمته وارتكب الفحشاء فيه، ومن عدم جواز قطع شجرة وقلع نبتة، وغير ذلك من الآثار الخاصة الدالة على شرفه ونظير ما للمسجد الحرام الذي سواء العاكف فيه والباد، ولكن ذلك كله لحرمة الكعبة وعزتها. ويشهد له ما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه سُئل عن الوقوف بالجبل لِمَ لم يكن في الحرم؟ فقال: لأن الكعبة بيته والحرم بابه، فلما قصدوه وافدين وقفهم بالباب يتضرعون. قيل له: فالمشعر الحرام لم صار في الحرم؟ قال: لأنه لما أذن لهم بالدخول وقفهم بالحجاب الثاني، فلما طال تضرعهم بها أذن لهم بتقريب قربانهم، فلما قضوا تفثهم تطهروا بها من الذنوب التي كانت حجاباً بينهم وبينه، أذن لهم بالزيارة على الطهارة. قيل: فلم حرّم الصيام أيام التشريق؟ قال: لأن القوم زوار الله فهم في ضيافته، ولا يجمل بمضيف أن يصوم لضيافته. قيل: فالتعلق بأستار الكعبة لأي معنى هو؟ قال: هو مثل رجل له عند آخر جناية وذنب، فهو يتعلق بثوبه يتضرع إليه ويخضع له أن يتجافى له عن ذنبه (وسائل الشيعة ج9ص159،160).

فالحرم وكذا مكة والبلد الأمين، وإن كان له حرمة لا توجد في غيره من الأمكنة وهكذا للشهر الحرام والهدي والقلائد حرمة خاصة (سورة المائدة آية2)، إلاّ أن ذلك كله لحرمة الكعبة البيت الحرام، نظير ما يقال في أن الحرم قبلة لمن في خارجه، والمسجد الحرام قبلة لمن في الحرم، والكعبة قبلة لمن في المسجد الحرام، حيث انه ليس المراد عند التحقيق أن القبلة أمور متعددة وكلها قبلة بالذات، بل المراد هو أن الكعبة وحدها قبلة ولا غير، لا الحرم قبلة ولا المسجد الحرام قبلة لأحد أصلاً. وكذا الجهة والسَمت ليس قبلة لأحد أبداً، بل القبلة الوحيدة للأحياء والأموات هي الكعبة لا غير. إلا إن صدق الاستقبال يختلف باختلاف الموارد، فالاستقبال مختلف حسب اختلاف الموارد، لا أن القبلة متعددة، وإن كان الحق هو أن البعد الخاص والحيز المخصوص الذي شغلته الكعبة، هو القبلة من تخوم

[22]

الأرض إلى عنان السماء، لا أن الجرم الخاص والبناء المخصوص قبلة بذاته حتى يلزم فقد القبلة عند هدم الكعبة، بالسيل أو الزلزلة أو غير ذلك. وكيف كان فحرمة البلدة، التي حرّمها الله الذي له كل شيء، بحرمة الكعبة، إلا أن حرمة الكعبة وعزّتها لا لأنها قيام للناس بالقسط، الذي هو الهدف السامي لبعثة الأنبياء، ولأنها قبلة للعباد ومطاف للحجاج، وتكون مداراً لبقاء الدين الإلهي ما بقيت، (لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة). فمن أرادها بسوء وشاء أن يزيل الدين بهدم الكعبة ويميت العبادة بتخريبها، ويمحو الطواف والزيارة بقلعها، ويمحق القيام بالقسط بإزالتها، وبالجملة فمن يرد فيها بإلحاد بظلم يذقه الله بعذاب أليم لا يبقي ولا يذر. {أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل*أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ*وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ*تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ*فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}الفيل/5:1).

ولم يكن ذلك نادرة اتفاقية، أو صدفة تاريخية، أو بارقة خاطفة، تظهر طول الدهر مرة وتنمحي أخرى، بل هي سنّة إلهية لا تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً، حسب ما أسسه القرآن الكريم على النهج القاطع العام والحكم الإلهي الدائم أنه "من يرد فيه بإلحاد نذقه من عذاب أليم". وهكذا كالتعهد الإلهي في صيانة القرآن الكريم عن التحريف وقال {..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ*لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(فصلت/41،42). وبين سر تحفظه عن تطرق الباطل، وصيانته عن النسخ والمسخ والتحريف والمحو، بأنه تعالى قد تكفل لحفظه حيث قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9).

فعلى هذا الأصل الذي أصله القرآن الكريم، يكون حرمة الكعبة زادها الله شرفاً لحرمة الحق الذي لا يزهق، ولحياة الدين الذي لا يموت، ولدوام الوحي الذي لا يُنسى. عهداً من الله فمن أراد الكعبة بسوء، وكان في أمنيته محو الحق، يعذبه الله بعذاب بئيس لا اختلاف فيه ولا تخلف عنه.

وأما من تحصّن بالكعبة والتجأ إليها ولاذ بها وتمسك بأستارها، ولكنه لم ينصر الحق ولم يخذل الباطل ولا يغيث مستغيث الحق، ولا يُلبي منادي الحرية، ولا يجيب هُتاف الاستقامة، ولا يسمع دعاء داعي القسط، وليس له أذن واعية تعي الحق الصراح، ولا يد باسطة تبطش الباطل، ولا رجل ثابتة تَتِدُ في الأرض

[23]

ولا رأس يعير الله جمجمته، وبالجملة لا يعرف إمام زمانه وتكون حياته كموتة جاهلية، لأن الموت على وزن الحياة (كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون)، فمن كانت موتته ميتة جاهلية تكشف أن حياته كانت جاهلية، فلا لياذ لمثله ولا أمان له أصلاً، بل يسلط الله عليه من لا يرحمه وإن كان بهدم الكعبة وتخريبها. كما ابتلى ابن الزبير الذي لم يعرف إمام زمانه الحسين بن علي عليه السلام وابنه علي بن الحسين عليه السلام، ولم ينصره على الحق الذي قام به ولم يخذل الباطل الذي ركزه بين اثنتين، بين السلّة والذلةن ولم يسمع هتافه الملكوتي (هيهات منّا الذلة) ولم يلبّ نداءه الإلهي بأنه "على الإسلام السلام إذ بُليت براع مثل يزيد" ولم يجب دعوته الربانية بأن "من كان باذلاً فينا مهجته، وموطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا" وهكذا لم يعن سيد الساجدين حيث يقول "أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم وصفا" ثم التجأ إلى الكعبة وتعلق بأستارها، فلا يعينه الله بالغيب بل يمهل الظالم أن يهدم الكعبة ويسيطر عليه ويصلبه {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا..}(الأنعام/129). لأن المقصود هناك لم يكن هو هدم الكعبة بما أنها قبلة للمسلمين ومطاف لهم ومهبط للوحي ومعدن للوعي، بل القصد هناك إلى السيطرة على ابن الزبير المتحصن بها واللاجئ إليها. ومن تلك الحادثة يعرف قدر الحق وبهائه وجماله وجلاله وكبريائه ومشيئته المستولية على كل شيء، وسلطانه الذي ملأ كل شيء فانتهت تلك الحرمات، التي كانت للحرم والبلد الأمين، إلى الكعبة ومن الكعبة إلى الإمام الذي يتولاه الله الذي هو ولي الصالحين، ثم منه إلى الحق الولي الذي يخضع له كل شيء، فلئن أمهل الله الظالم حتى هدم الكعبة فليس ذلك نقضاً لقوله تعالى: "ومن يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ نذقه من عذاب أليم" فتدبر حتى تجد الميز بين أبرهة وبين ابن الزير والحجاج.

إذ ذاك الغاشم أراد الكعبة بسوء هدماً للقبلة والمطاف، إذ كانت حينذاك قبلة للحنفاء ومطافاً لهم كما لغيرهم، وهذا الظالم أي الحجاج المسلّط على ظالم آخر مثله لم يرد الكعبة بسوء بما أنها قبلة ومطاف، ولم يشاء أن يمحق الإسلام والدين الحنيف، وإن لم يكن له دين وكان ممن لا يخاف المعاد، لم يكن قصده حينذاك إلا السيطرة على الظالم الذي لم يعرف إمام زمانه، القائم بالحق والداعي إلى القسط، المنادي بالحرية الهاتف بالحكومة الإسلامية، القائل القول السديد:

[24]

"لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد" الباذل مهجته في الله ليستنقذ عباده من الجهالة وحيرة الضلالة، المعتصم بحبل الله المتين الذي لا انفصام له والمنقطع عن غيره، قائلاً بمقالة العتيق "لو لم يكن لي في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية" وذلك القائل هو سيدنا ومولانا سيد الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام.

نتحصّل أن الحرمة لله تعالى بالذات ولغيره بالعرض، وأن العزة للحق الذي من صارعه صرعه بالذات ولغيره المتحقق به بالعرض، وأن القوة لذي القوة المتين بالذات ولغيره بالعرض، وأن القدرة للقدير المحض بالذات ولغيره المقتدر بالعرض، فحان أن يحترم المسلمون بحرمة الله، ويعتزوا بعزة الحق، ويتقوا بقوته ويقتدروا بقدرته. وبالجملة فليتخلقوا بأخلاقه، حتى لا يَظلِموا ولا يُظلَموا ويكونوا أنصار الله، كما قال عيسى للحواريين "من أنصاري إلى الله" ويأخذوا ما أتاهم الله ورسوله بقوة القلوب وقوة الأبدان، كما أخذ يحي الزاهد كتاب الله بقوة واستشهد في سبيله.

ومن أهم مجالي هذا الأمر ومعالي هذه النهضة العالمية هو الحج، الذي ندب الناس إليه من أقطار العالم، وهو فرار وهجرة إلى الله، كما تقف عليه.

 

[24]

 

الصلة العاشرة: في أن الحج من أهم مظاهر الإسلام.

       إن للإسلام قواعد ومباني يبتني عليها ويتكئ بها وينهدم دونها، ولا يبقى له بدونها إلا الاسم العاري من المسمى. ومن تلك المباني الحج، حيث يقول مولانا محمد بن علي الباقر (عليه السلام): " بني الإسلام على خمس، الصلاة والصوم والزكاة والحج والولاية" (جامع أحاديث الشيعة ج1 ص127) ، فمن ترك الحج متعمداً فقد هدم ركنا من أركان دينه الإلهي فينهدم معه الإسلام الكامل، ولذا قال تعالى في من تركه عامدا {وَمَنْ كَفَرَ فَفِنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنِ العَالَمين} حيث عبّر عن تركه العمدجي بالكفر، فتارك الحج عمداً كافر عملاً وإن لم يكن كافرا إيمانا واعتقاداً. وحيث أن الحج من مباني الإسلام، فجميع ما ورد في شأنه لابد وأن يتبلور في الحج ويكون الحج مُمثلا إياه ومجلىً لظهوره.

[25]

الكليّـة و الدوام 

ومن أعلى أوصاف الإسلام وأهمها أمران:

أحدهما الكلية وثانيهما الدوام.

يعني أن الإسلام دين إلهي كلّي يسع جميع أفراد الإنسان من الأسود والأبيض والأحمر وغيرهم إذ الناس فيه سواسية كأسنان المشط، وكذا القبائل والشعوب فيه شرع سواء بحيث لا يشذّ من ذلك أحد ولا يغيب منه قوم ولا يغرب منه شعب. وهكذا يسع عمود الزمان غابرة وقادمة إلى يوم القيامة، فهو كلي جامع للأفراد والشعوب بأسرهم، ودائم باق في امتداد الزمان إلى انقضائه، بطيّ ما هو عامله وقبض ما هو موضوعه أي السماء والأرض، حيث يقول تعالى:{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} ويقول تعالى: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ قَبَضْتُهُ يَوْمَ القِيَامة}.  فلا يبليه  الدهر ولا تدرسه الليالي والأيام، بل هو كل يوم غض وطري لا ميز فيه بين السابق من الزمان واللاحق منه، لأنه أمر إلهي مسيطر على الزمان ومهيمن على الحركة وفائق على المادة فيكون مصونا عن الزوال، بل هو باق ما بقى الدهر كما كان موجودا فيما تقدم من الدهور الغابرة والأيام الخالية، منذ كان على الأرض إنسان إذ لا بد لكل إنسان من دين إلهي ولا دين إلهي إلا الإسلام، حيث يقول الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ}(آل عمران/19) فالذي يهمنا الآن هو بيان هذين الأصلين أي كليّة الإسلام ودوامه أولا، وبيان كون الحج، من حيث أنه من مباني الإسلام الهامة، صالح لتجلّي ذينك الأصلين فيه، بل هو من أهم مظاهر ذلك، ثانيا.

أما الأول:

        فالقرآن ينادي بأن الدين عند الله هو الإسلام، وأن غيره من الأديان منحولة مردودة{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}(آل عمران/85).وأنه مطابق للفطرة الإلهية{الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}(الروم/30).وكذا يهتف ، بأن الله تعالى {نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}(الفرقان/1).، وبأنه {ذِكْرٌ للعَالَمِين}(القلم/ 68) ويصرّح بأنه لا هادي غلا الله، {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}(الفرقان/31). ، {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}(الأنعام/71).بل القرآن في بادئ أمره قد أعلن، في عتائق سوره، بهذين الأصلين أي الكلية والدوام حيث يقول: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}(التكوير/27).،حيث

[26]

يدل على أن ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا شأن له إلا ذكرا وهدى للعالمين.

        والبرهان على ما نطق به القرآن، هو أن الموجود المعلول كما يحتاج في اصل وجوده إلى علته التامة التي يجب بها ويمتنع دونها، كذلك بقائه ودوامه يفتقر إليها، يبقى ببقائها ويدوم بدوامها. فإذا كانت العلة التامة باقية بحالها ومصونة عن التحويل والتبديل ومحفوظة عن التغير والزوال يكون المعلول باقيا كذلك ، إلا يتحول شأن من شؤون تلك العلة التامة مما يرجع إلى العلة الباقية أو الفاعلة، بحيث لم يبق نصاب العليّة التامة على حالها، فسوف يتطرق التغير إلى المعلول ويتحول من حال إلى حال آخر، مما تقتضيه العلة التامة الأخرى على ما في موطنه.

        وفي ضوء هذا الأصلي الحكمي، يتبين ضرورة بقاء الإسلام ما بقي على الأرض إنسان، وذلك لأن الإنسان موجود حي متفكّر ومختار، ولا بد له من أن يتكامل كغيره من الموجودات الطبيعية التي لا بد لها أن تتحول وتتكامل لاحتياجها في التحقق والبقاء إلى الكمال، وإلا فينعدم؛ ولا كمال إلا ما يعطيه الكمال المحض، وهو الله الذي أعطى كل شيء خَلَقه ثم هدى، فالمكمّل هو ربّ العالمين ولا غير، لأن التكميل والترتيب نوع خلقة، حيث أنه إيجاد الربط الخاص بين شيئين أو مستلزم للخلقة إذ الخالق يقدر ويعلم أن يربّ ويكمّل مخلوقه لا غيره. وهداية الموجود الحي المتفكر المختار، وتربيته وتكميله لا يكون إلا بهدايته إلى العلم والعمل الصالح، أي العقيدة والعمل الصالح، وهذا هو الدين، فالإنسان محتاج إلى دين يبيّنه الله ويهديه إليه، وإن ابتغى دينا من عنده، أو من عند أي إنسان آخر فلن يقبل منه، أي لا يتكامل به بل ينكب عن الصراط السوي ويهوى إلى مكان سحيق.

        وهذا الدين الإلهي المعبّر عنه بالإسلام، موجود ممكن، فله علة تامة يجب بها ويمتنع دونها، وعلته التامة مؤلفة من فطرة خاصة فطر الناس عليها تكون هي العلة القابلة، ومن هداية إلهية تكون هي العلة الفاعلة بل الفاعل هو الله الذي كفى به هاديا ونصيرا. كما أن القابل هو الإنسان بما له من فطرو مخصوصة مفطور عليها، فإذا تحققت هذه العلة التامة المؤلفة من الفطرة القابلة والربوبية الفاعلة، يجب تحقق المعلول بها، فما دامت تلك العلة التامة باقية يجب بقاؤه بها أيضا.

        وحيث أن الإنسان نوع تام لا ميز بين أصنافه وأفراده إلا بعوارض خارجية، لا مساس لها في التقويم، ولا احتياج للإنسان إليها في التقوّم، ولا دخل لها

[27]

في أصل الهداية وضرورتها، وإن كان لها مساس في فروعها وآدابها وسُننها المتشعبة من ذاك الأصل الثابت. فهو أي الإنسان، الذي له نوعية تامة متحفظ بحاله لا يمسه التغير ولا يطرأ عليه التحول النوعي بحيث يصير غير الإنسان من الأنواع التامة الموجودة في عَرضِه، وأن يتكامل في سيره الجوهري إلى نوع آخر فوقه أو دونه بمعنى أنه إنسان صار راقيا أو هاويا (الصحيفة السجادية دعاء (1)) مع صدق الإنسانية عليه بعد، والحاصل أن اختلاف الأعراض والعوارض لا يوجب انثلام وحدته النوعية، ولا يكثر وحدته الفطرية ما دام هو إنسان. فالإنسان، بما له فطرة خاصة فطره الله عليها، إنسان طول الدهر ولا تبديل له، كما بينه خالقه الذي أعلم به من نفسه فضلا عن غيره حيث قال{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}(الروم/30).

        فتبين ، أن العلة القابلة باقية ما بقى على الأرض إنسان، كما كان كذلك أيضا فيما مضى من الدهر، حيث يقول تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا}(الشورى/13). . وأما العلة الفاعلة فهو الله، الذي لا يمسّ كرامته التغيّر أصلاً، لأن ذاته عين الحياة التي لا موت فيها، والنور الذي لا ظلام فيه، والعلم الذي لا جهل فيه، والقدرة التي لا عجز لها؛ لأن الحي الذي لا يموت، ولأنه نور السماوات والأرض فلا انمحاء له، ولأنه لا يغرب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فلا يخفى عليه خافية ولا يضل ولا ينسى، وما كان ربك نسيّا؛ ولأنه بكل شيء قدير، فلا يعجزه شيء أصلا ولا يمسّه في خلق شيء عيّ ولا لُغُوب أبدا. فهو العالم بمصالح الإنسان ومفاسده، وهو القادر على تعليمه إيّاه وهدايته إلى رُقيّه، وتحذيره عن هويه،وبيان درجاته وأعلام دركاته، أعاذنا الله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

        والحاصل أن الله تعالى لا يسنح له حال دون حال، ولا يحجبه شيء عن شيء فلا الصغر يمنعه عن الإحاطة العلمية به، ولا البُعد يحجبه عن الشهود، ولا الحجاب يمنعه عن الحضور ولا الظلمة تصده وتحجبه عن الظهور، بل هو تعالى، عالم بالصغير كالكبير، وشاهد للبعيد كالقريب، وحاضر في المحجوب كالمشهود، وظاهر في الظلمة كالنور حيث يقول عزَّمن قائل " {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ

[28]

فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}(لقمان/16)..يعني أن صغر الخردلة وحجاب الصخرة وبُعد السماوات وظلمة الأرض، لا يمنع اللطيف الخبير عن الشهود التام، لأنه لطيف وكل لطيف خبير، وأنه خبيرٌ وكل خبير لطيف، لأن كل لطيف ومجرد فهو عالم، وكل عالم فهو لطيف ومجرد، حسبما بيّنته الحكمة الإلهية في موطنها.

        والسر في ذلك كله أنه تعالى، هو الأول قبل كل شيء، فلا يسبقه شيء أصلا حتى يكون السبق موجبا لغيبة السابق عن المسبوق. وهو الآخر بعد كل شيء، فلا يلحقه شيء أصلا حتى يكون اللحوق مانعا عن شهود اللاحق. وهو الظاهر فلا ظهور لغيره إلا به، فلا يظهر عليه شيء أبدا حتى يكون ظهوره الفائق قاهرا على ظهوره تعالى فيكون حجابا نورياً له تعالى عن الحضور. وهو الباطن فلا بطون لغيره بحيث يكون خافيا له تعالى حتى لا يكتنهه، بل هو مع كل شيء، وداخل في الأشياء لا بالممازجة، وخارج عنها لا بالمزايلة، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، ولذل يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، واختلاف التينان في البحار الغامرات ومعاصي العباد في الخلوات.

        فتبين بذلك أنه يمتنع فرض الجهل أو السهو في حقه تعالى، بحيث لم يكن عالما في هداية الإنسان وتبيين أحكامه في أمر ما ثم صار عالما به حتى يكون هو الموجب لتغيير الدين الإلهي، وهكذا في السهو والتذكّر، وبذلك لا مجال لتوهم التغيير في الدين الوحيد، أي الإسلام، من ناحية القابل أو الفاعل أصلا، ويشهد له قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} (الشورى/13). حيث يدل على أن الدين المشروع للأنبياء العظام واحد لا اختلاف فيه ولا تخلّف، وأن الأمم بأسرهم مأمورون بإقامة ذلك الدين الوحيد، ومنهيّون عن التفرق والاختلاف. إذ الأنبياء أُخوة أُمهاتهم شتّى ودينهم واحد. وكل لاحق منهم مصدّق لسابقه، حتى انتهى الآمر إلى أفضلهم وخاتمهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي كان مصدقا لما بين يديه ومهيمنا، أي مشرفا ومسيطرا على ما تقدمه.

        وأما اختلاف الشرائع والمناسك والمناهج، الذي قال تعالى فيه:" ولكل جعلنا شرعة ومنهاجا"، فمآله ومرجعه إلى التخصيص لا النسخ. يعني أن الشرائط

[29]

الخاصة التي تعتري المجتمع الإنساني تستدعي حكما فرعيا وقانونا جزئيا، يختص بتلك الشرائط التي ينقضي أمده بانقضائها. وهذا ليس من باب النسخ أصلا بحيث يدل على ظهور فساد ما كان سابقا، بل جميع ما ورد من الاختلافات الفرعية في الشرائع، فإنما يكون من باب التخصيص الزماني لا النسخ بمعنى ظهور نقص ما تقدم أو عيبه أو فساده ونحو ذلك، لأنه تعالى حق ولا يقول إلا الحق حيث قال: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}(الأحزاب/4).. إلى هنا نَجزَ الكلام في الأمر الأول الباحث عن الأصلين، وهما كلية الإسلام ودوامه.

        وأما الأمر الثاني: الباحث عن كون الحج من حيث أنه من المباني الهامة للإسلام، صالح لتبلور ذينك الأصلين فيه، فبيانه فيما يلي من الجهات:

 

الجهة الأولى: في أن الحج توحيد مُمّثّل

        إن العبادة، أية عبادة كانت، يُعتبر فيها الخُلوص "{أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}(الزمر/3)  . إلا أن تجلي ذلك الخلوص في بعضها أظهر، وطرد الشرك في بعضها أقوى وأجلى، ومن ذلك الحج. حيث أن التوحيد قد تمثل به وصار هو بأسره من البدو إلى الختم مثالاً لتوحيد وطردا للشرك. وقد جعل ترك الحج كفرا حيث قال تعالى : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}(آل عمران/97).. حيث يشعر بأن الحج نفسه، إيمان وتوحيد وأن تركه كفر، أي كفر عملي.

        وعن مولانا الصادق (عليه السلام) في دعاء سفر الحج بعد كلمات الفرج بسم الله دخلت ، بسم الله خرجت وفي سبيل الله ، إلى أن قال .. فإنما أنا عبدك وبك ولك (وسائل الشيعة ج8 ص279) والخبير المتضلع بلسان الدعاء يعرف الميز بين قوله " فإنما أنا عبد وبك ولك" وبين غيره من الأدعية والأوراد، إذ المهم هنا هو ذات الله تعالى ولقائه، لا اسم من أسمائه الحسنى.

        فالحج هو سير إلى الله وسلوك إلى لقائه، وتعال إلى أقرب من هو دان في علوه وعال في دنوه، وتكامل إلى جوار من هو أقرب إلينا من حبل الوريد.

[30]

ولا يتقرب العبد من مولاه إلا بالتوحيد الواصب الخالص وطرد الشرك الجلي والخفي.

        وعنه (عليه السلام)، حج مويى بن عمران ومعه سبعون نبيا من إسرائيل.. يُلبون وتجيبهم الجبال، ويقول: لبيك عبدك ابن عبدك. وعنه (عليه السلام) في التلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك- لبيك لا شريك لك لبيك- إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك- لبيك ذا المعارج لبيك- لبيك داعيا إلى دار السلام لبيك- لبيك غفار الذنوب لبيك- لبيك أهل التلبية لبيك- لبيك ذا الجلال والإكرام لبيك- لبيك تبدئ والمعاد إليك لبيك لبيك تستغني ويفتقر إليك لبيك- لبيك مرهوبا ومرغوبا إليك لبيك- لبيك إله الحق لبيك- لبيك ذا النعماء والفضل الحسن الجميل لبيك-لبيك كشاف الكُرب العظام لبيك- لبيك عبدك ابن عبديك لبيك-لبيك يا كريم لبيك- إلى أن قال (عليه السلام): تقول ذلك في دبر كل صلاة مكتوبة ونافلة، وحين ينهض بعيرك، وإذا علوت شرفا او هبطت واديا، أو لقيت راكبا أو استيقظت من منامك وبالأسحار، وأكثِر ما استطعت وأظهرتها.. واعلم أنه لا بد من التلبيات الأربع التي كنّ في أول الكلام، وهي الفريضة وهي التوحيد وبها لبّى المُرسلون. وأكثِر من ذي المعارج، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يكثر منها، وأوّل من لبّى إبراهيم (عليه السلام)(وسائل الشيعة ج9 ص53 إلى 55) إلخ.

        وعن مولانا أبي جعفر (عليه السلام) سُئِل لم سمّيت التلبية تلبة، قال (عليه السلام): إجابة أحاب موسى ربه (وسائل الشيعة ج9 ص48). وعن مولانا الصادق (عليه السلام) في إشعار البدنة، الذي هو بمنزلة التلبية في بعض أقسام الحج، أنه قال (عليه السلام) ثم قل بسم الله اللهم منك ولك، اللهم تقبل مني(وسائل الشيعة ج8 ص199).إلخ، حيث أنه ناظر إلى ما تقدم من أن ما يرومه الحج هو لقاء الله وطرد غيره، أي غير كان . وفي دعاء الإحرام .. اللهم إني أسألك أن تجعلني ممن استجاب لك وآمن بوعدك واتبع أمرك، فإني عبدك وفي قبضتك، لا أوقى ما وقيت، ولا آخذ إلا ما أعطيت(وسائل الشيعة ج9 ص23).وحيث أن التلبية إجابة لله

[31]

خالصة تخسف بالأخابث، وتطرد كل شيطان مارد وخبيث، كما قال الصادق (عليه السلام) .. هيهنا يخسف بالأخابث(وسائل الشيعة 9 ص49) كما خسف بقارون وكنوزه. وحيث أن الحج توحيد صراح لا شرك فيه، بل يطرد فيه كل ما كان أو يكون صنما أو وثناً، يظهر سر استحباب دخول المسجد الحرام من باب بني شبيه. وهو أنه لما علا علي (عليه السلام) ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورمى بـ (هبل) من ظهر الكعبة، دُفن عند باب بني شيبه، فصار الدخول إلى المسجد من ذاك الباب سنة كما بيّنه مولانا الصادق (عليه السلام)(وسائل الشيعة 9 ص323) ، وهذا أي جهل هُبل تحت الأقدام والمشي عليه، مثال عال وتمثل عال لجعل الشرك نسيا منسيا، وإماتته ميتة سوء، حيث أن الحق إذا تجلى لا يبقى معه مجال للباطل السابق أو اللاحق: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}(سبأ/49).، يعني أن الحق لا يأتلف مع الباطل، فلا موقع له سواء كان عودا للباطل السالف أو بدواً للباطل السانح، فلا إعادة للباطل ولا ابتداء له مع الحق أصلا. وظهور التوحيد وتجلّيه البالغ في الإحرام، وهو التجرد عن غير واحد مما هو زينة الحياة الدنيا، لائح لا سترة فيه، وتمثّل الحشر والمعاد، الذي ع\هو العود إلى المبدء، بالإحرام، بيّن الإخفاء فيه. وسيظهر بعض معالي التوحيد عند بيان سائر ما للحج من المناسك السنن فارتقب.

        والحاصل أن الحج توحيد مُمثل، والتوحيد هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لها. فعليه يكون الحج من أهم مظاهر الإسلام، ومُجلي للأصلين المتقدمين، أي الكلية والدوام، ولذا تداولته الأمم والأقوام، ولم تطاوله الأعوام والأيام طول الدهر. ومما يرشدك إلى أن الحج توحيد ممثل، هو أن من أركانه الهامة هو الطواف، وهو عبادة خاصة، يتجلى فيها قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} بخلاف الصلاة التي يتحتّم فيها قوله تعالى {فَأَيِنَما كُنْتُم فَوَلُّوا وُجُوهَكُم شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرام}.

        وبيان ذلك، هو أن المُعتبر في الصلاة المكتوبة واستقبال الكعبة والتوجه إليها دون غيرها من الجهات. وأما المُعتبر في الحج هو السير حول الكعبة والطواف على محورها في أية جهة كانت من الجهات الأربع وإلى أية جهة منها. فالحاج

[32]

يرى-أينما تولوا فثم وجه الله-والمُصلي يرى- ولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام-وكم بينهما من الميز.

        وكذا من الواجبات الهامة في الحج، هو السعي بين الصفا والمروة، وهو هرولة خاصة من الله وإلى الله، وفرار منه إليه، وهجرة منه إليه، ولياذ منه إليه، وعوذ به منه. كما عن مولانا أبي جعفر محمد بن علي (عليه االسلام) في تطبيق قوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}، قال (عليه السلام): حجّوا إلى الله عز وجل (وسائل الشيعة ج8 ص5)  . وهذا هو التوحيد القراح الذي لا يصحبه شيء عدا من " هو الأول والآخر" تدبر- قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): حيث قال بعد حمل جهازه على راحلته-هذه حجة لا رياء فيها ولا سُمعة. ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): من تجهّز وفي جهازه عَلم حرام لم يقبل الله منه الحج(وسائل الشيعة ج8 ص103) . وتأمل في قوله (عليه السلام) : "إن الحجر الأسود يمين الله في الأرض للميثاق، حتى يتجه كون الحج مثالاً للتوحيد(الجامع المتبلور في قوله تعالى .. {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}(آل عمران/64)) .

 

الجهة الثانية: في أن الحج وحيٌ مُمثّل

        قد لاح لك أن الحج توحيد مُمثّل، بحيث لو تدلى التوحيد وتجلّى في مزاياه، وتنزل في درجاته، لصار حجاً. ولو تعالى الحج وصعد إليه تعالى وترقى في معارجه، لبلغ ذا العرش أو صار توحيداً. أي عقيدة لا يشوبها شيء، ويقينا لا يعتريه ريب كما قال الصادق ( عليه السلام) .. حتى يلصق بالعرش ما بينه وبين الله حجاب (وسائل الشيعة ج9 ص422)

        والكلام الآن، هو أن الحج بأسره وحي مُمثل، وأن مناسكه مما تجلّت بالوحي، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رآها من جبرائيل، وهو، أي الملك الأمين الطائف حول العرش، أرى إبراهيم (عليه السلام) مناسكه، وأن تلك الأعمال الخاصة لم تكن مفروضة على الناس بمجرد التعليم القولي نظير، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ}، بل تحقّقت خارجا بالتمثل وتنـزّلت عينا كذلك.

        والشاهد على ذلك قوله تعالى:{وَأَرِنَا مَنَاسِكَنا}(سورة البقرة/128) ، حيث أن هذه الإرائة ليست بمعنى التعليم المفهومي الحصولي حتى يدركه الذهن تصوراً وتصديقاً، بل بمعنى الأشهاد والإرائة الخارجية كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ}(الأنعام/75).

  ويؤيده قول مولانا الصادق (عليه السلام): أمر الله عز وجل إبراهيم (عليه السلام) أن يحج ويحج بإسماعيل معه ويسكنه الحرم، فحجّا.. وما معهما إلا جبرائيل، فلمّا بلغا الحرم قال له جبرائيل: يا إبراهيم، انزلا فاغتسلا قبل أن تدخلا الحرم. فنزلا فاغتسلا، وأراهما كيف يتهيئان للإحرام ففعلا، ثم أمرهما فأهلاَّ بالحج، وأمرهما بالتلبيات الأربع، التي لبى بها المرسلون، ثم سار بهما إلى الصفا ونزلا، وقام جبرائيل بينهما واستقبل البيت فكبّر الله وكبّرا، وحمد الله وحمدا، ومجّد الله ومجدا وأثنى عليه وفعلا مثل ذلك. وتقدما يُثنيان على الله عز وجل ويمجداه حتى انتهى بهما إلى موضع الحجر، فاستلم جبرائيل وأمرهما أن يستلما، وطاف بهما أسبوعاً ثم قام بهما في موضع مقام إبراهيم عليه السلام، فصلى ركعتين وصليا، ثم أراهما المناسك وما يعملان به (وسائل الشيعة ج8ص163:160).

حيث أن ظاهرة تمثُّل جبرائيل لهذين النبيين عليهما السلام، وإرائتهما المناسك بالعينة الخارجية، ولم يكن هذا بدعاً خاصاً بهما، بل قد تقدمهما آدم عليه السلام وتمثل جبرائيل عليه السلام له أيضاً كما تمثل لأفضل الأنبياء وخاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يقول مولانا الصادق عليه السلام: "إن الله بعث جبرائيل إلى آدم فقال إن الله أرسلني إليك لأُعلمك المناسك التي تطهر بها، فأخذه بيده فانطلق به إلى مكان البيت، وأنزل عليه غمامة فأظلت مكان البيت، وكانت الغمامة بحيال البيت المعمور..الخ (وسائل الشيعة ج8ص163:160). ويقول عليه السلام: "كنت أطوف مع أبي، وكان إذا انتهى إلى الحجر مسحه بيده وقبّله، وإذا انتهى إلى الركن اليماني التزمه، فقلت: جُعلت فداك تمسح الحجر بيدك وتلتزم اليماني! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أتيت الركن اليماني إلا وجدت جبرائيل عليه السلام قد سبقني، الله يلتزمه" (وسائل الشيعة ج9ص419). وستقف على الوحي المتمثل

[34]

في مطاوي المباحث القادمة كالماضية، وتعثر أيضاً على ما لم نأتها روماً للإختصار.

فإذا تبين، أن الحج هو وحي ممثل، وتلقاه مؤسس الكعبة بالمشاهدة والرؤية، يكون الناس مأمورين بإتيان ما ورثوه منه، وبالنظر إلى ما رآه لعلهم يرون شيئاً مما رآه ويشاهدون نزراً مما شاهده. إذ النظر إلى ظاهر الكعبة المأمور به مقدمة لرؤية ملكوتها. لذا يتجه معنى قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}(الحج/27). إذ المستفاد من قوله تعالى   يأتوك- تدبر. ولا يأتي إبراهيم إلا من تهيأ وتعبأ وأعد واستعد للقيام تجاه الطغاة اللئام الذين يقولون {..حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا..}(الأنبياء/68).

إذ الكعبة كما تقدم قيام للناس، ولا قيام إلا أن يقول القائم لعبدة الأوثان والأهواء {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ..}(الأنبياء/67). ولا قيام إلا أن يقول القائم للذين كفروا ومردوا على النفاق: {..إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ}(الزخرف/26). ولا يأتي إبراهيم إلا من يقول "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا". وبالجملة، لا يأتيه إلا من أتى الله بقلب سليم، كما أتاه تعالى إبراهيم به.

ومن ذلك كله يتجلى قوله تعالى {وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}(التوبة/3).

وهذا هو خاتم النبيين الذي كان هو أولى بإبراهيم عليه السلام ورأى ما رآه "وما كذب الفؤاد ما رأى"، وبصر بما بصر به إبراهيم، (ومازاغ البصر وما طغى) وتولى ما تولاه إبراهيم، "إن الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين" "وتبرأ مما تبرأ منه إبراهيم" "إن الله بريء من المشركين ورسوله".

وحيث أنه صلى الله عليه وآله وسلم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ذبح بما لم يذبح به إبراهيم عليه السلام، حيث ذبح من هو من رسول الله ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه، وهو

[35]

الحسين بن علي عليه السلام المذبوح على القنا صوناً للكعبة عن الطغاة اللئام وإيثاراً لمصارع الكرام على طاعة اللئام.

والسر في ذلك كله هو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أنا من حسين وحسين مني". ثم قال الحسين عليه السلام: "يا أيها الناس إني سمعت رسول الله يقول: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً لعهده يعمل في عباده بالظلم ولم يغير عليه بقول ولا فعل حق على الله أن يدخله مدخله" أي معه في النار. فالحسين الذي كان من رسول الله ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه، فدا نفسه وضحى بأهل بيته وأصحابه، صوناً للدين الإلهي عن الزيغ والتحريف، وحفظاً لعهده من النكث، ولخلقه من الظلم.

ومن ذلك كله يظهر لك البعد السياسي للحج، حيث أن التبرء من المشركين والحياد عنهم والانزجار منهم وقطع أيديهم والإعلان الصريح بذلك هو منسك سياسي للحج، كما يهتف به قوله تعالى المتقدم {وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ..}(التوبة/3). ويمكن أن نشير إليه إجمالا حيث يحين حينه.

نتحصل أن الحج، بما له من السنن الخاصة التي تمثلت للأنبياء، هو بنفسه وحي مُمثّل. فهو من أهم مظاهر الإسلام ، وصالح لتحقق الأصلين المارين، من الكلية والدوام. ولذا جرى لخاتم الأنبياء ما جرى لإبراهيم عليه السلام وقبله لآدم عليه السلام. فليس الحج شرعة خاصة ومنسكاً مخصوصاً، يختص بشعب دون شعب، أو عصر دون عصر، بل هو كلي دائم حسبما قرر في بيان كون الكعبة أول بيت للناس، وقياما للناس، ومثابة وأمناً للناس؛ وكون الحج مفروضاً على الناس وأذان إبراهيم عليه السلام متجهاً نحو الناس، وكون المسجد الحرام سواء العاكف فيه والباد، وكون الحج معياراً لحساب السنين والأعوام حيث كانوا يرقِّمونها به، كما يشهد له قوله تعالى: {..عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ..}(القصص/27). حيث جعل الحج معياراً لعدّ السنين فعبّر عن ثماني سنين بثماني حجج، لأن في كل سنة حجاً واحداً، واشتهارها به يوجب عدّها به، وجعله ميزاناً لها.

وبعد الإحاطة بما ذكر، والعثور على ما دارج بين الأقوام والملل، كهند وفارس وكلدان واليهود، من تكريم الكعبة والسفر إليها وزيارتها بنحو من الأنحاء؛ وبعد التنبه لما في التعبير عن مكة بـ (بكة) الدّال على الزحام والتراكم والمجتمع

[36]

العام، يتجه معنى قوله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}(آل عمران/96). حيث جعل ذلك أمراً عالمياً، يشمل جميع الشعوب والأقطار والأعصار. فمعه يتضح الأصلان المتقدمان أي الكلية والدّوام، وضوح الرائعة وصلوح الحج، لأن يتبلور به ذلك الأصلان، وإلاّ لم يكن هدىً للعالمين، بل كان منهاجاً لقوم خاص، وهذا خلاف. ويشهد له قول علي عليه السلام: "ألا ترون أن الله سبحانه اختبر الأولين من لدُن آدم عليه السلام إلى الآخرين من هذا العالم، بأحجار لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيتُه الحرام الذي جعله للناس قياماً" (نهج البلاغة الخطبة القاصمة192).

 

الجهة الثالثة: في أن الحج معادٌ مُمثّل

قد تبين مما تقدم من الجهتين، أن الحج توحيدٌ ممثل، وكذا هو وحي مُمثّل.والكلام هنا هو أن الحج معادٌ مُمثّل ، وأن مناسكه أنموذج للقيامة والحشر الأكبر. وبيانه: بأنه كما أن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم "وأنهم يأتون الله فرادى" كما خُلقوا أول مرة، وأن أُناس يُدعَون بإمامهم، وأن لكل امرء يومئذ شأناً يُغنيه، وأنه لا وليّ هناك ولا حميم، وأنهم من الأجداث إلى ربهم ينسلون، وأنه لا وزر هناك لأحد وإلى ربهم المستقر، وإن تدعُ مُثقَلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى، وأن كلهم آتيه يوم القيامة فردا، ويفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، ولا خلة ولا بيع ولا شفاعة هناك. وبالجملة لا تجزي نفس نفساً ولا تملك نفسٌ لنفس شيئاً، والأمر يومئذٍ لله.

كذلك الحج تمثّل لحشر الناس يوم القيامة (عن مولانا الصادق عليه السلام في قوله تعالى "ذلك يومٌ مجموعٌ له الناس وذلك يومٌ مشهود" قال عليه السلام المشهود يوم عرفة، والمجموع له الناس يوم القيامة وسائل الشيعة ج10ص23) في الساهرة التي لا نوم فيها خوفاً وفزعاً، ولتجردهم في المعاد عن الأزياء ومظاهر الحياة الدنيا. فلا مجال لشعب أن يقولوا نحن أحسن أثاثاً ورئياً، وتنزهم عن زهرة الدنيا وكنوزها. فلا موقع لأن يقول قوم يا ليت لنا مثل ما أوتي فلان، كما لا مجال لأحد أن يخرج في قوم بزينةٍ، ولفرارهمعن غير الله إلى الله، حسبما فسّر قوله تعالى "ففروا إلى الله"

[37]

-بالحج-، ولتفردهم عن المجمع، وكذا رؤيتهم آيات بينات كانت خُفيت عليهم وهم في بلدانهم، ولبسهم ما يشبه الكفن وهو ثوبا الإحرام، ويستحب للحاج أن يكفن فيهما كما كفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثوبي إحرامه (وسائل الشيعة ج9ص37) وتذللهم لله مشاة بل حفاة، حيث ورد "ما عبد الله بشيء أفضل من المشي" (وسائل الشيعة ج8ص55) ولذا حج الحسن بن علي عليه السلام عشرين حجة ماشياً على قدميه (وسائل الشيعةج8ص55). وعن الصادق عليه السلام جعل السعي بين الصفا والمروة مذلة للجبارين ولاعترافهم بالذنوب، حيث كشف مولانا الصادق عليه السلام وهو محرم عن ظهره حتى أبداه للشمس، وهو يقول: "لبيك في المذنبين لبيك" (وسائل الشيعةج9ص55). وكان عليه السلام إذا انتهى إلى الملتزم قال لمواليه، أميطوا عنّي حتى أقر لربي بذنوبي في هذا المكان الخ (وسائل الشيعةج9ص424). ولأمنهم وأمان الوحش والطير ولصيانتهم عن العدوان والجدال وكل ما يوجب الأذى المُحرم، حيث أنه تمثل قوله تعالى "لا ظلم اليوم".

والحاصل أن الحج بما له من المناسك الخاصة التي لا توجد في غيره، من الإحرام والوقوف بساهرة العرفات، والمشعر مشفوعاً بالضراعة والابتهال، والبيتوتة بمنى والتضحية هناك والحلق ورمي الجمار، والنفر إلى مكة، والهرولة بين جبلي الصفا والمروة وغير ذلك، مما لا يعلم تأويله إلا الله، يحكي يوم النشور ويُمثل يوم الحشر، حيث أن الناس هناك مع اختلاف ألسنتهم وألوانهم، يلبون نداء واحدا ويجيبون هتافاً فارداً، لا يحكم عليهم إلا الواحد القهار الذي تخضع له الرقاب وتعنو له الوجوه وتخشع له الأصوات فلا تسمع إلا همساً.

فإذا تبين أن الحج مُمثل للمعاد ومصور إيّاه، والمعاد أي العود إلى المبدء أُسّ الإسلام الكلي الدائم، فعليه يكون الحج من أهم مظاهر الإسلام وهو أي حج البيت الحرام- مظهر تام للأصلين المُتقدمين، أي الكلية والدوام. ولذا ترى الأنام يردونه ورود الأنعام، ويألهون إليه ولوه الحمام، ويقفون مواقف الأنبياء، ويتشبهون بالملائكة الحافين المطيفين بالعرش، ويحرزون الأرباح في متجر العبادة،

[38]

ويتبادرون موعد المغفرة، وهو كما قال وليد الكعبة أمير الكلام مولى الموحدين علي بن أبي طالب: "عَلمٌ للإسلام وحرمٌ للعائذين".

فالبيت الحرام بما له من الحكم الخاص، عَلمٌ للإسلام، فرض الله حقه وأوجب حجّه وكتب على الناس وفادته (نهج البلاغة الخطبة1). فقال سبحانه "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين".

 

الجهة الرابعة: في أن الحج مُمثّل للحكومة العليا الإسلامية

قد تبين لك أن الحج مُمثل لأصول الدين الأصلية وجذوره العريقة، وحيث أن الأصل الثابت يٌؤتى اكله كل حين بإذن ربه، ولا أصل حيث لا ثمر، كما لا ثمر بدونه. وأن الحج مُمثل لثمرة هذه الشجرة الطيبةن أي العقائد والمعارف الثلاثة: من التوحيد والنبوة والمعاد. وأن من أطيب ثمارها هو الحكومة الإسلامية التي لا يتخذ فيها بعضنا بعضاً أرباباً. فيلزم البحث حول هذا الأمر الهام الذي لولاه لاندرس الدين وزال الحق وضاع، إذ لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض، حيث أن المجتمع الذي لا يحكم فيه الله هو مجتمع الكفر والطغيان الذي إلهه هواه. والأهواء مختلفة والأماني شتى، فأين يذهبون وأين يُتاه بهم وأضلهم الله على علمِ، ولهذا شواهد:

الشاهد الأول: على أن الحج ممثل للحكومة الإسلامية:

هو أن إبراهيم عليه السلام لما رفع مع ابنه إسماعيل قواعد البيت دعا ربه بأدعية راقية أجابها الله تعالى. ومنها قوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(البقرة/129).

حيث أن الأمة المسلمة، إذا دُعوا من أقطار العالم في جميع الأعصار إلى حج البيت، وأجابوا ربهم وأتوه على كل ضامر ومن كل فج عميق، فلابد لهم ممن ينظم أمورهم وينضدها. ولابد لهم أيضاً من أصول وأحكام يجرون في أمورهم السياسية عليها عدا ما لهم من المناسك العبادية، فكيف يمكن أن يجتمعوا في صعيد واحد ولكل منهم آداب وسنن، بل كيف يمكن نظم أمورهم، لولا الأصل المقبول لهم جميعاً، ولولا الشخص لذي يسلمه الكل، السائر فيهم جميعا بسنة واحدة

[39]

يتلقونها بالقبول، ويسوّسهم بقانون فارد يخضعون لديه، وهذا هو الحكومة.

ومن هنا ترى نصوص باب الحج تنادي بأن لهؤلاء الذين أجابوا ربهم، إماماً واحداً (وسائل الشيعة ج10 ص7:5)، يطيعونه ويسلمون لهن وحاشا الإسلام الذي يقول إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا أحدكم- يتركهم سدى ولا يُعيّن الآمر الحاكم على هؤلاء  الجمّ الغفير الذين يسيحون أقطار الأرض وآفاق السماء، ويطوون البلاد ويطئون البراري والصحارى، ويسبحون البحار ويطيرون في السماء. وبالجملة -على كل ضامر يأتين من كل فج عميق-، ويدع هؤلاء وأهوائهم وأمانيّهم كلٌ يجر النار إلى قرصه- فأين قول علي عليه السلام  ونظم أمركم-.

والحج له خصيصة لا توجد في غيره، لأن الجماعة الصغيرة المتحققة بالإثنين في الصلوات اليومية  الاثنان وما فوقهما جماعة- يتكامل بالجماعة الوسطى التي لا تتحقق إلا بالسبع أو الخمس في صلاة الجمعة، التي إذا نودي من يوم الجمعة يسعون إلى ذكر الله ويذرون البيع ويجيبون ندائها عن بعد ستة أميال، ولا يقيمون جمعة أخرى على مسافة ثلاثة أميال، ثم يتكامل ذلك بالجماعة الكبرى التي لا حد لها في الحج فهل يمكن أن لا يكون لذلك سياسة خاصة، تسوسهم في معاملاتهم، وتضارب آرائهم، وفصل خصوماتهم، وكيفية معيشتهم، والرابطة التي بينهم بعضاً إلى بعض، والارتباط المتصور بينهم وبين غيرهم من الملل الأخرى.

 

والشاهد الثاني: على أن الحج ممثل للحكومة الإسلامية :

وأن لها تأثيرا في بقائه وتكرره، هو ما قاله مولانا الصادق عليه السلام: "لو عطل الناس الحج لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحج إن شاءوا وإن أبوا، فإن هذا البيت إنما وضع للحج". وكذا قال عليه السلام: "..ولو تركوا زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك، وعلى المقام عنده، فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين (وسائل الشيعة ج8ص15، 16).

والسر في قوله عليه السلام، إن هذا البيت إنما وضع للحج، هو ما تبين في ثنايا البحوث المارة من أنه بيت عتيق يُدرس الحرية والانعتاق من كل هوى وروي داخلي أو خارجي، وأنه بيت أسس على التوحيد يدرس نفي الشرك الجلي والخفي،

[40]

وأنه بيت طاهر يُدرّس الطهارة عن كل رجس وقذارة، وأنه بيت سواء  العاكف فيه والباد فيدرّس المساواة بين الأبيض والأسود، ويعلمهم أنهم سواسية كأسنان المشط، وما له من سائر المآثر القيّمة التي توجب على الناس شد الرحال إليه، وإن تركوه قصوراً أو تقصيراً، يجب على والي المسلمين أن يسد خلّتهم إن قصروا، وأن يجبرهم إن قصروا، حتى يأتوه وطوفوا حوله ولا يتركوه، وهذا هو الحكومة الإسلامية التي لها حاكم عادل وبيده مال المسلمين.

أضف إلى ذلك قوله عليه السلام: "ولو تركوا زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. الخ، حيث يظهر منه أن زيارته صلى الله عليه وآله وسلم تجديد ميثاق، ومبايعة لتحكيم الحكومة الإسلامية.

 

والشاهد الثالث: على أن الحج مُمثل للحكومة الإسلامية : 

ما قاله مولانا محمد بن علي الباقر عليه السلام: "إنما أُمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار ليطوفوا بها ثم يأتونا فيجزونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم" (وسائل الشيعة ج10ص260:252) ، حيث يدل على أن الحج عبارة عن الطواف والسعي والرمي، ونحو ذلك مما له مساس بالأحجار التي لا تضر من تركها ولا تنفع من أتاها، وعبارة عن لقاء الإمام، (تمام الحج لقاء الإمام)، وإتيانه وإعلامه الولاية وعرض النصر والإطاعة، الذي هو لبّ الحج ومغزى العمرة ولباب الكعبة. فلولا الحكومة والولاية بمعنى السياسة، لما احتيج إلى إخبار الولاية وعرض النصرة.

وإيّاك وأن تتوهم أن المراد من الزيارة المندوب إليها في الحج هو زيارة القبور فقط، وإن كانت تلك أيضاً من حقوق الولاية، لأن المعصوم حياته ومماته سواء، إذ كان موته كحياته لله حيث قال: "إن صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" بل المراد منها أولاً، هو لقاء الوالي الإسلامي وإعلامه الولاية وعرض النصرة عليه، وثانية، هو الحضور عند قبره والصلاة عليه والدعاء والابتهال والضراعة إلى الله تعالى، ولذا قال عليه السلام: "إبدأوا بمكة واختموا بنا" (وسائل الشيعة ج10ص260:252) .

ومن هنا يظهر سر قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}(البلد/1،2). حيث يُستفاد منه أن البلد الأمين لا حرمة له لولا محمد الأمين صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الإقسام بمكة إنما هو بحلول رسول الله في ذاك المحل، وأنه لولاه لما صارت مُقسماً بها.

[41]

كما أن الحلف بالزمان الخاص، وهو عصر الرسالة في قوله تعالى: "والعصر إن الإنسان لفي خسر" إنما هو بلحاظ المتزمن المخصوص وهو النبي المبعوث. يعني أن حرمة ذاك المكان وهذا الزمان، بحرمة المتمكن والمتزمن، أي الحاكم على أمور المسلمين بإذن الله.

فتبين أن مغزى الحج وروحه، لقاء الوالي وعرض النصرة عليه والقيام معه والرغبة إليه والرهبة عن مخالفته ونحو ذلك. ولولا الوالي الإسلامي والحاكم الإلهي، لعادت مكة إلى مآلها من سوق عكاظ، وصارت الكعبة مأوى للأصنام ومحلاً للأوثان، لعلا هُبل على ظهر الكعبة، ولتباع مقاليدها ببعير وزقّ من خمر كما مرّ، تدبر.

 

والشاهد الرابع: على أن الحج مُمثّل للحكومة الإسلامية :

هو أن الإسلام الذي بعث به الأنبياء، إنما يتجلى في التوحيد المحض الذي يطرد بنفسه أي شرك، حيث قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ..}(النحل/36). ومعنى اجتناب الطاغوت هو جعله في جانب وحيّز، ثم الاستقرار في جانب وحيز آخر منفك عنه، حتى يصدق الاجتناب ويصدق كونه منحازاً، وأما عند الالتقاط والاختلاط فلا مجال لصدق الاجتناب. وليس مفاد هذه الآية الكريمة إثبات أمرين بالاستقلال، أحدهما لزوم عبادة الله وثانيهما طرد الطاغوت، بل مفادها التنبه بما فطر الناس عليه، وهو التوحيد وعبادة الله، التي يطرد بنفسه الطغيان ويدفعه، كما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر في العبادة الفرعية كذلك التوحيد ينفي الطاغوت في العبادة الأصلية.

ومن هنا يقال، إن لفظة (إلاّ) في الكلمة الطيبة، أعني لا إله إلاّ الله، بمعنى  غير- لا بمعنى الاستثناء؛ يعني أن مفادها هو لغي الآلهة التي تكون غير الله، الذي تخضع له الرقاب ويسجد له من في السموات والأرض؛ وهذا الطرد والنفي ليس مجرد الاعتقاد القلبي أو الذكر القالبي، بل هو إعلام انزجار ونداء تبرئ وهتاف براءة وصيحة خاطفة، تجاه الطغاة اللئام في البعد السياسي وغيره، وهذا المعنى إنما يتحقق في الحج، حيث أنه موضع إعلام وأذانٌ بأن الإسلام بريء من الشرك، وأن المسلمين يتبرّون من المشركين، وأن لا ولاية بين أهل الإسلام وأهل الشرك، كما يدل عليه قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ

[42]

فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}(التوبة/3). إذ مفاد هذه الآية، كما تقدم سابقاً، هو تبلور البعد السياسي في الحج وتجلي الاستقلال الثقافي فيه بحيث لا سيطرة لأحد من الكفار والمشركين على أحد من المسلمين. وهذا الهتاف البارق إنما يتحقق في الساهرة التي آتاها الناس من كل فج عميق ليبلغ الشاهد منهم الغائب فينتشر في العالم نشر رائحة المسك، فهل هذا إلاّ تمثل الحكومة الإسلامية بأعلى مراتبها في الحج، وهل يمكن طرد صناديد الإلحاد وتحطيم صياصيهم إلا في ضوء الحكومة الإسلامية، فولا حضور السياسة الإسلامية في ساهرة العرفات والمنى الذين فسر بهما  الحج الأكبر_، لما أمكن إعلام التبريء من عمال الجور وعبدة الطاغوت، ولولا ولاية المؤمنين بعضهم مع بعضهم ومبايعتهم لم هو وليهم المنصوب من الله، أو المأذون من قبل أولياء الله، وصيرورتهم يداً واحدة على من سواهم، لما ينشر إعلان العداوة والبغضاء تجاه هؤلاء الجبابرة الذين أهمتهم أنفسهم ويأكلون ويتمتعون ويُلههم الأمل، ولولا الاقتدار المتشكل السائس، لما أمكن دفع هؤلاء الأكاسرة والقياصرة. ولولا دفعهم لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله. فلولا الحج لاندرست تلك المراكز العبادية رأساً، ولولا تلك المراكز العبادية لفسدت الأرض، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.

والحاصل أن التجلي التام في تلبية النداء الإلهي إنما هو في الحج الأكبر وهو أيام العرفة والتشريق، والبرنامج البالغ حينذاك هو إعلام التبريء والبغضاء قبال الكفار  والمشركين، وهذا لا ينتشر بدون الحكومة الإسلامية التي يمثلها الحج أتم تمثل، ويقررها الكعبة البيت الحرام التي جعلها الله قياما للناس.

ومن الواضح أن الناس الذين لا حكومة لهم يكونون في أمر مريج، فأين لهم أن يقوموا  بالقسط قبال القاسطين، وأن يقوموا بالعدل قبال الظالمين، وأن يقاتلوا في سبيل الله صفاً كأنهم بنيان مرصوص.

وبالجملة، أن القيام الشعبي والمقاومة العالمية والاستقامة الشاملة، التي بنيت الكعبة الحرام لأجلها، لما ينتشر بدون الحكومة الإسلامية، التي هي من أهم مظاهر الإسلام. فنجز الوعد بحمده تعالى وتبين أنه كيف يكون الحج من أهم مظاهره، فإذا لم يكن هناك حكومة إسلامية لما كان للحج لبٌّ (الوافي، كتاب الحج باب النوادر)، وللعمرة

[43]

روحٌ، ولعرفات معرفة، ولمنى تقرب، ولرمي الجمار طرد للشيطان، ولأيام التشريق نور، وللشهر الحرام حرمة، ولليل عشرٍ كرامة، وللشفع والوتر عزة. وبالجملة لما كان البيت الحرام مثابة للناس وأمناً لهم، ولعله لذلك كله، ولما لا يعلم من الأسرار الإلهية، لم يحج مولانا سيد الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، ولم يقصد التمتع بالعمرة إلى الحج بادئ الأمر، ولم يلبّ تلبية العمرة المتمتع بها، بل اعتمر عمرة مفردة فقط، وذلك لحرمة البيت. وكان من قصده عليه السلام الخروج من مكة، لا أنه عليه السلام قد لبى بعمرة التمتع، واشتبك حجُه بعمرته، وصار رهيناً بالحج، إلا أنه صار مصدودا مثلا ثم بدل حجة التمتع بالعمرة المفردة، بل كان اعتماده بادئ الأمر بالعمرة المفردة، حسب ما دل عليه النص حيث أنه سُئل مولانا الصادق عليه السلام عن رجل خرج في أشهر الحج معتمراً ثم خرج إلى بلاده، قال عليه السلام: لا بأس وإن حج من عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم، وأن الحسين بن علي عليه السلام خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمراً. وتنبه له سيدنا الأستاذ فقيه أهل البيت آية الله العظمى السيد المحقق الداماد قدس الله نفسه الزكية، وأفاده في الدرس (كتاب الحج للمؤلف ج1ص333، وسائل الشيعة ج10ص246). ويؤيد ذلك ما قاله سيد الشهداء في دعاء العرفة مما يرجع إلى الحكومة. ومن أراد أن يتضح له اتضاحاً رائعاً أنه كيف يكون الحج مُمثلا للحكومة، فلينظر ماذا فعله رسول الله في حجة الوداع، وما قاله للناس وقرره لهم من مهام الأمور السياسية وغيرها، فارتقب.

 

الجهة الخامسة: في أنَّ الحج مُمثّل للخُلُق العظيم

قد تبين أن الحج توحيد مُمثل، وكذا أنه وحيٌ مُمثل، وأنه معادٌ مُمثل، واتضح أيضاً أنه مُمثل للحكومة الإسلامية، والكلام الآن فيما هو الغرض الأسنى والهدف السامي من العبادة، وهو اليقين الذي يمثله الحج ويحصله أتم تحصّل، واليقين هو الخلق العظيم الذي تخلّق به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث وصفه الله تعالى بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، كما تخلّق به أيضا مؤسس الكعبة إبراهيم، الذي نعته الله بقوله:{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ}(الأنعام//75).

[44]

وبيان ذلك هو أن العبادة وإن كانت غاية الخلقة بالمعنى المتقدم في المقدمة، إلا أنها بنفسها مقدمة لليقين ومغيّاة به، حيث قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} هو الهدف السامي والمنفعة المطلوبة، لا الحد والنهاية، لأن تلك غاية الحركة لا ما هو الأجلّ منها؛ واليقين المستفاد من العبادة يصير بعينه مبدأ لها بلا عطلة وغفلة أصلاً. وكم فرق بين العبادة الصاعدة إلى اليقين والعبادة الصادرة من اليقين، الذي يتحد فيه غاية العقل النظري وغاية العقل العملي، فيصير الشهود هناك بعينه قدرة، والعلم بنفسه عملاً والمعرفة بذاتها مصدراً، ولا يتخلف عنه شيء من عمل صالح، ولا يشذ منه شيء من أدب حسن، فيصير هو، أي اليقين، بنفسه خلقاً عظيماً، إذ لا ميز هناك بين الشهود والعمل، إذ الخلق العظيم لا يتحقق بدون الشهود، كما أن العمل الصالح والأدب الطيب لا ينفك عن الشهود، بل الشاهد هو بنفسه من الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ولا يستخسرون. فالشاهد المتيقن هو العابد، فهو المتخلق بخلق عظيم، لا يعبد الله خوفاً من ناره، ولا شوقاً إلى جنته بل حباً له تعالى. وهذا هو المقام المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون.

فإذا تحصّل أن العبادة تورث اليقين، وأن الحج عبادة خاصة، يلزم البحث عن كيفية كونه موروثاً لليقين الذي هو الخلق العظيم، الذي يتحد هناك الخلق والمتخلّق فيصير هو أيضاً، كما ورد عن الصادق (عليه السلام): أنه من تعلم العلم وعمل به وعلّمه الله تعالى، دُعي في ملكوت السماوات عظيماً. يعني أن العالم العامل المعلم، إذا كان جميع هذه الشؤون التي اتصف بها الله تعالى يُدعى في باطن السماوات عظيما. وكم فرق بين من هو عظيم ومن له فوز عظيم وأجر عظيم وفضلٌ عظيم. وكم فرق بين من هو مندوب إلى قوله تعالى {وَالله خَيْرٌ وَأبْقَى} ومن هو مندوب إلى قوله تعالى: {وَمَا عِنْدَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى}، وكم فرق بين من هو صالح وبين من عمله صالح، إذ الصالح هو الذي يتولاه الله الذي هو يتولى الصالحين، وأما الذي يعمل صالحاً فهو بعد ممن يتولى الله. وكم بين من هو خالص ويستخلصه الله لنفسه فهو من المخلصين-بالفتح-ومن عمله خالص وهو من المخلصين-بالكسر-.

 

والحج عبادة خاصة تورث الخُلق العظيم

بماله من الأسرار والرموز القريبة، نُشير إلى نُبذٍ منها فيما يلي:

[45]

أحدهما: أن الحج بماله من التكرمة الخاصة، ليس تكليفاً عباديا يُؤمر به كالصلاة والزكاة، بل هو ميثاق إلهي يتشرف به.

ولذا ليس التعبير عن لزوم الحج بسياق الخطاب الآمري، حسبما ورد في الصلاة والزكاة، نحو، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، بل التعبير عن لزومه إنما هو بلسان الميثاق الخاص والعهد المخصوص الإلهي، حيث قال تعالى: {وَلله عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ}، ومثل هذا العهد، يأخذ كلمة اللام واسم الجلالة وتقديمه على المتعلق، لم يعهد في غيره من العبادات، وإن ورد في بعض الروايات أن الصوم لي، ولكن الحج أيضا واجد للصوم حيث أنه من لم يجد الهَدْي يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده. كما أن جميع ما ورد في الصلاة يتحقق في الحج أيضا لأنها فيه طوافا هو بنفسه صلاة، وفيه أيضا صلاة لأن الطائف يتخذ من مقام إبراهيم مُصلاّ يصلي فيه، ويناجي هناك ربه، وبه يقيم عمود دينه ويتقرب بذلك من مولاه، فينال جميع المزايا التي للصلاة. وهكذا ينال البركات التي للزكاة، حيث أن في الحج إنفاقا ماليا ونثارا وإيثارا مزيلا للشح، الذي أحضرت الأنفس الشح، ووقاية لها عن التلوث بذاك الشح والبخل-{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}.

وثانيها: أن الحج بما له من التلبية الخاصة، إخفاتا وجهرا، طارد لأية جاهلية كانت أو تكون.

وكاسر لأي صنم جاهلي نُحت، ولأي وثن جاهلي يُنحت، ودامغ لأي باطل بدء أو عاد، فإذا هو زاهق وشاف لما في الصدور، من داء الرياء والهوى المتّبع والشح المُطاع وإعجاب المرء بنفسه، وذلك أن تلبية الحج في الجاهلية كانت نداء للشرك وهتافا للوثنية، حيث كانوا يلبّون.. لبيك لا شريك لك إلا هو لك تملكه وما ملك..، ويثبون بذلك لله سبحانه وتعالى شريكا وإن كان ذلك الشريك أيضا له.

        وأما التلبية في الإسلام، فتكون ضراعة إلى الواحد المحض، وصيحة

[46]

خاطفة على ترك أي شرك جلي أو خفي، فمعه لا يبقى لغيره تعالى ظهور حتى يلتجئ إليه، ولا قدرة له حتى يعتصم بها، بل هنا لك الولاية المطلقة لله الحق، ويتّضح بذلك اتضاحاً رائعا لمن يشاهد الجهر بهذه التلبية في البيداء، والصياح بها في الساهرة، والتداوم عليها، كلما علا تلْعه أو هبط وادياً.

        ويشهد له ما يستفاد من نصوص أهل البيت، أن من استن بسنة جاهلية أو تلوث بقذارة المال الحرام ثم لبّى-نودي عند التلبية لا لبيك ولا سعديك(وسائل الشيعة ج8 ص102) .

        ولذا قال مولانا الكاظم (عليه السلام): إِنا أهل بيت حج صرورتنا ومهور نسائنا وأكفاننا من طهور أموالنا(وسائل الشيعة ج9 ص47 و48و55) . وما ذلك إلا أن تلبية الحج تلبية لبّى بها المرسلون في الأرض حذاء ما يسبحون به في الطواف حول العرش حسبما تقدم مبسوطاً.

        ومما يشير إلى ما ذكر من كون الحج صيحة على الجاهلية، هو ما يعثر عليه المتتبع في نصوص هذا العهد الإلهي، من نقل ما ورد من تلبية إبراهيم الخليل وموسى الكليم وخاتم النبيين عليه أفضل صلوات المصلين، أكثر وأوفر (وسائل الشيعة ج9 ص47 و48و55)  ما ورد في غير هؤلاء الأطيبين من الأنبياء والمرسلين، الذين لا فرق بين أحد منهم ولكن الله فضّل بعضهم على بعض، سيّما في طرد الطغاة ودحض اللِّثام ودفع الجاهلية الجهلاء، الداخلية أو الخارجية. إذ الخليل طرد الطغاة بقوله:{يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الأعراف/104).، وخاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم) دفع الجاهلية بقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(المائدة/50)

      وثالثها: أن الحج بماله من التضحية الخاصة موجب للتقرب المخصوص الذي قلّما يوجد في غيره.

وذلك أن النحر أو الذبح الذي كان في الجاهلية، لم يكن خالصاً من رجس الشرك، بل كان متلطخا به كالتلبية والصلاة، حيث انهم كانوا يلبون بقولهم .. لا شريك لك إلا شريك هو لك ..، وكانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية حسبما تقدم، وكان دأبهم بعد النحر أو الذبح، لتلطيخ الكعبة بدم الهَدْي المذبوح وتعليق شيء من لحمه عليها، حتى يتقبله الله. وأما الإسلام فقد جعل الهّديَ ذا حُرمة خاصة لا يصح إحلاله، حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ

[47]

 وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ}(المائدة/2).ثم قال في طرد تلك السنّة السيّئة، وبيان ما للهَدي من القرب، ولعله لذا اشتهرت الأضحية بالقربان، {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ (الحج/37).، حيث نزّه الكعبة عن ذاك التلطيخ والتعليق، كما نزّه الله عن الفاقة إلى اللحوم والدماء، دفعاً لمن يقول بعد لزوم النحر أو الذبح، لأن الله غني عن العالمين، فلم يلزم على الحاج أن يذبح حيواناً، فأفاد بأن أصل الهدْي لازم وأنّ الله غني عنه، وأنّ الذي يناله تعالى ليس هو اللحم أو الدم، بل يناله هو روح العمل ولب الفعل، وهو التقوى.

        ومدار الكلام الآن هو في خصوص هذا التعبير حيث قال تعالى: {.. وَلَكِنْ يَنَالُه التَّقْوَى مِنْكُم}، والذي ينبغي التنبيه له هو أنه قد يُقال بأن هذا العمل الصالح مثلا مما يتقبله الله، وقد يُقال أنه يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، وقد يُقال كما في المقام-يناله التقوى منكم-.

        ولا خفاء على الخبير المتدرب أن هذه التعبيرات ليست سواء، ولا يكون على وزن واحد، لأن لفظ القبول يفيد أمرا، ولفظ الصعود إليه يفيد أمرا آخر فوقه، ولفظ النيل يفيد أمرا فائقا لا يصعد إليه شيء من ذَيْنَك التعبيرين.

        وكم من فرق بين الصعود إلى الله وبين نيله تعالى، إذ الثاني يصرّح بأنه لا حجاب حتى بين ذاك التقوى النائل وبينه تعالى، بخلاف الأول، حيث أنه لا يُصرّح بذلك وإن لا ينافيه ولا وجه لحمل النيل على الصعود بعد أن لا برهان عقلي ولا نقلي على ذلك، بل يُؤيد ما ذكر من حمل النيل على مفهومه العالي العاري عن النيل المادي ونحوه مما هو تعالى منزّه عنه.

        بعض ما ورد في أنه قد استتر بغير ستر مستور، واحتجب بغير حجاب محجوب، ليس بينه تعالى وبين خلقه حجاب غير عقله.. أي الخلق ما دام متوجها إلى نفسه فهو حجاب ومحجوب عن ربه، والحجاب هنا نفس المحجوب لا ما هو الحائل بينه وبين المحجوب عنه، كما أن الربط الإشراقي والفقر الوجودي هو عين المرتبط الفقير لا ما هو الواصل بينه وبين المربوط إليه. فالموجود الإمكاني هو بذاته ربط وفقر، كما أنه بذاته حجاب ومحجوب. فإذا لم يلتفت إلى ذاته، ولم ير نفسه، ولم يُحب بقاءه الخاص به، بل دنى فتدلى، ولم ير إلا مولاه، ولم يحب إلاّ الله تعالى، ارتفع الحجاب وزال السحاب وتجلّى نور السماوات والأرض وانطمست

[48]

النجوم الزاهرة وانمحت الأقمار المنيرة، فهنا لك يناله تعالى هذا التقوى الأخص لا التقوى الخاص، فضلا عن العام.

        وحيث أن التقوى نعت خاص يتّحد معه المنعوت به حسبما تقدم، إن هذه الملكات الفائقة تتّحد النفس المجردة بها وتصير هي إياها، فلا ميز وجودي حتى بين التقوى والنفس المتقية المتحدة به. فعليه إذا بلغ التقوى شأواً قاصيا، ونال الله تعالى بالمعنى الممكن المعقول منه، تبلغ النفس المجردة المتقية ذلك الشأو القاصي، وينال الله تعالى بالمعنى المعقول منه، ولا يمكن أن يناله التقوى ولا يناله المتقي، إذ ليس التقوى إلا حقيقة وجودية خارجية متحدة مع النفس الكاملة. فأين الانفكاك (هنيا لحاج نحر هدية الله تعالى نحرا خالصا لوجهه لا يبتغي بذلك إلا الله، فيناله تقواه ثم يناله هو بنفسه أيضا لأن تقواه ليس بخارج منه) طوبى له وحسن مآب تدبّر-.

        ولعله لهذا التقوى الغالي الموعود به في النحر سمي يوم النحر بالحج الأكبر(وسائل الشيعة ج10 ص87 وص137) ، ولأجله قال الصادق (عليه السلام): (إذا اشتريت هَدْيَكَ فاستقبل به القبلة وانحره أو اذبحه، وقل وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحيياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم منك وبك بسم الله وبالله والله أكبر اللهم تقبل منّي)(وسائل الشيعة ج10 ص87 وص137) ، لأن النحر إذا كان بهذا التقوى لا يرى فيه إلا الله، ولا شأن لهذا الناحر إلا الله ، حيت أن صلاته ونسكه ومحياه ومماته إلى جميع شؤونه لله رب العالمين، فحريٌ بذلك أن ينال الله ويناله تعالى الناحر المتقي أيضا.

        وهذا هو الهدف السامي، أي الخلق العظيم، الذي يمثله الحج، بما له من الآداب والسنن الراقية. وإيّاك وأن تتوهم أن هذه الملكات أمور ذهنية أو نعوت عرضية أو نحو ذلك. فاقرأ يا حبيس قوله تعالى:{هُمْ دَرَجَات}(آل عمران/163) ، أي ذواتهم ونفوسهم صارت درجات . وآرق من قوله تعالى: :{لَهُمْ دَرَجَات}(الأنفال/4) لأن الأول للأوحدي من الأتقياء، والثاني للأوساط منهم. فاقرأ يا صاحبي قوله تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ

[49]

وَجَنَّةُ نَعِيمٍ}(الواقعة/ 88-89).، أي المقرب، ذاته روْح ونفسه ريحان وقلبه جنة نعيم. وأرق من قوله تعالى: {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}، لأن الأول للأوحدي المخلَص (بالفتح) والثاني للمتوسط المخلِص (بالكسر). فاقرأ يا صاحبي قوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *وَادْخُلِي جَنَّتِي }(الفجر/29-30). وارْقَ من قوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ}. فاقرأ أيها العارف الشاهد قوله تعالى: {وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وارْقَ أيها السالك العابد من قوله تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى}(الفتوحات المكية ج1 ص686)

        وإياك وأن تتوهم أن هذا الرقي بمعنى التنزه المحض كما في المَلَك المُقرّب، بل الإنسان كون جامع فله التنزه والتشبه معاً، ويجمعهما قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}(القمر/54-55). فللإنسان الأوحدي الشاهد جنتان، إحداهما جنّة اللقاء، وهي المشار إليها بقوله تعالى: {وَادْخُلِي جَنَّتِي }، والأخرى جنة تجري من تحتها الأنهار المُصرّح بها في غير واحدة من الآيات. إيّاك أن تحصر الجنة في قوله تعالى: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}، بعد التصريح بقوله تعالى:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهْر}. نعم ليس للأوساط من المؤمنين إلا جنات تجري من تحتها الأنهار دون جنة اللقاء.

        وحيث أن درجات الجنة عدد الآيات القرآنية ، مع ما بين كل درجة من البون البعيد، فعلى المتخلق بخلق عظيم أن يأتي ويقتدي بمن هو نفسه خلق عظيم، وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ قال: ربِّ زدني علماً. فيقول هو أيضاً: ربِّ زدني علماً. ولا يقف على حد ولا يكتفي به، بل عليه أن يقرأ ويرْقأ ويقتحم العقبة، ولا يقتصر على السهلة، فإذا كان أمامه قوله تعالى: {اذْكُرُونِي أَذْكُرُكُم}، لا مجال له أن يكتفي بقوله تعالى: {اذْكُروا نِعْمَتِيَ التَّي أنْعَمْتَ عَلَيْكم} ، لما بين ذكر الله وذكر نعمة الله من الفصل البالغ. وإذا كان قدامه قوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} لا يمد عينيه إلى قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} لأن تلك العين التي يشرب بها عباد الله تكون خالصة محضة، وأما الذي يشربه الأبرار فهو ممزوج بمقدار من تلك العين لا نفس تلك العين، فللأبرار شراب ممزوج وللمقربين شراب خالص، حسبما

[50]

يستفاد من آيات أُخر أيضا نحو قوله تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً}(الإنسان/17-18).وقوله تعالى: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ *عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}(المطففين/25-28).حيث يدل على أن الأبرار يشربون من رحيق ممزوج من تسنيم لا الخالص من تسنيم إنما هو للمقربين الذين هم فوق الأبرار وهو شاهدون كتب الأبرار ويشهدون صحائفهم. وإذا كان أمامه قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبَّهُم شَرَاباَ طُهُوراً}(سورة الدهر/ 21) لا يكتفي بما اكتفى به المقربون فضلاً عن الأبرار. فاقرأ يا صاحبي هذا القول، الذي لم يوجد في القرآن الكريم إلا في موضع واحد، لا ند له واقض العجب من لطفه تعالى بعباده المخلصين، وتدبره حتى تجد أمورا نشير إليها:

        الأول: إن الساقي ها هنا هو الله دون غيره من الموارد، حيث قيل هناك يسقون-وقيل ها هنا- سَقى-.

        الثاني: إن الشراب ها هنا، لم يجعل له وعاء، ولم يُعين له آنية، ولم يقرر له كأس، ولم يبين له رحيق، حيث لا يسعه وعاء ولا آنية ولا كأس ولا رحيق، إذ لا قدر  ولا حد ولا نصاب ولا منتهى، لشراب يكون ساقيه هو الله تعالى دون غيره من الأشربة، حيث قد عين لها أوعية وأواني ونحوها.

        الثالث: إن الشراب ها هنا، لم يجعل له عين يذخر فيها، أو ينبع منها، وما إلى ذلك دون غيره من أشربة  الأبرار أو المقربين، حيث عيّن لها عيون ومنازل خاصة، يخزن فيها وينبع منها.

        الرابع: إن الشراب ها هنا، قد وصف بما لم يوصف به شراب قط، ونُعت بما لم يُنعت به غيره أصلاً، وهو قوله تعالى-{شَرَابَا طُهُورا}. وقد فسره من شربه،  وهو مولانا جعفر محمد الصادق (عليه السلام) بقوله: {يًطَهَّرُهُم عَنْ كُلِّ شَيٍْ سِوَى الله} (مجمع البيان) فهناك الرقي، وإن إلى ربك المنتهى، فإذا بلغ الكلام إلى الله فامسكوا.

        فلنرجع إلى ما كنا فيه، وهو أن الحج بما له من التضحية الخاصة موجب

[51]

لتقرب قلّما يوجد في غيره، فهو مُمثل للخُلُق العظيم بالمعنى المتقدم.

        ورابعهما:  إن الحج بما له من التعرفة الخاصة، التي لا توجد في غير العرفات(وسائل الشيعة ج8 ص113) ، موجب لرقي الإنسان إلى ذروة عالم الإمكان وسنامه، وهو الخُلُق العظيم.

وإجماله، إن ليوم العرفة مقاما، ولمكان عرفات مقاما، ولكن نيل ذلك كله إنما يتيسر للحاج الذي يدركهما، مع ما لغيرهما من الأزمان والمواقف المعيّنة في الحج، ويسعد بذلك لدرك ما هو الحري بهما، وهو الدعاء، الذي هو مخ العبادة وكهف الإجابة، كما أن السحاب كهف المطر ، وهو الدعاء الذي لا يكون ذريعة إلى قضاء حاجة من الحوائج النفسانية، بل يكون هو عين الإجابة ولا يطلب فيه إلا الله، ولا يطلب فيه إلا الغناء عن الحاجة لا قضاء حاجة، ولا يطلب فيه إلا النزاهة عن الطلب ولا يرجى فيه إلا كمال الانقطاع إليه تعالى، ولا يقصد فيه إلا خرق جميع حجب النور حتى يصير الروح معلقاً بعز العرش، ويصل إلى معدن العظمة فيصير هو بنفسه عظيما. وبيانه: بأن الله تعالى قد بيّن قربه من عباده بمراتب ودرجات بعضها أقرب من بعض، حيث قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(البقرة/186). لأنه تعالى بادر بالجواب من دون أن يقول لرسوله-قل-، ثم أفاد في الكريمة قربه من عباده. ولقد أجاد سيدنا الأستاذ العلامة الطباطبائي (قدس سره) في تفسيره القيّم-الميزان- بقوله:

        أحسن بيان لما اشتمل عليه من المضمون، وأرق أسلوب وأجله، فقد وضع أساسه على التكلم وحده دون الغيبة ونحوها؛ وفيه دلالة على كمال العناية بالأمر. ثم قوله عبادي ولم يقل الناس وما أشبه يزيد في هذه العناية، ثم حذف الواسطة في الجواب، حيث قال: فإني قريب، ولم يقل-فقل-إنه قريب- ؛ ثم التأكيد بأن ثم الإتيان بالصفة دون الفعل الدال على القرب، ليدل على ثبوت القرب ودوامه، ثم الدلالة على تجدد الإجابة واستمرارها، حيث أتى بالفعل المضارع الدال عليهما، ثم تقيده بالجواب، أعني قوله-أُجيب دعوة الداع-، بقوله  إذا دعان-وهذا القيد لا يزيد على قوله دعوة الداع-المقيّد به شيئا-بل هو عينه، وفيه دلالة على أن دعوة الداعي مجابة من غير شرط وقيد، كقوله تعالى:

[52]

{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(غافر/60) .

        فهذه شبع نكات في الآية تُنبئ بالاهتمام في أمر استجابة الدعاء والعناية بها، مع كون الآية قد كرر فيها على إيجازها ضمير المتكلم سبع مرات، وهي الآية الوحيدة في القرآن على هذا الوصف. انتهى-الميزان ج2 ص29.

        فهذه هي المرحلة الأولى التي يثبت فيها اصل قربه تعالى من عباده. والمرحلة الثانية ما يثبت فيها كونه تعالى أقرب إلى الإنسان من الذين يحومون حوله، حيث قال :{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ}(الواقعة/85). والمرحلة الثالثة ما يثبت فيها كونه تعالى أقرب من الإنسان من حبل وريده، حيث قال تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}(ق/16).

        والمحلة الرابعة ما يثبت فيها كونه تعالى أقرب إلى الإنسان من نفسه، حيث قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ (الأنفال/24) ، وهو تعالى داخل في الأشياء، ومنها الإنسان، لا بالممازجة، وخارج عنها، لا بالمباينة والمزايلة.

        وللحاج أن يرتحل هذه المراحل إلى قصواها، حسب ما ورثه من دعاء العرفات، المأثور من قتيل العبرات، سيد الشهداء في الكائنات، مولانا الحسين بن علي (عليهما السلام)، حيث قال (عليه السلام) يومذاك: وهو تعالى للدعوات سامع، وللكربات دافع، وللدرجات رافع، وللجبابرة قامع، فلا إله غيره، ولا شيء يعدله، وليس كمثله شيء.

        وقال لم تُخرجني، لرأفتك بي ولطفك لي وإحسانك إليّ، في دولة أئمة الكفر، الذين نقضوا عهدك، وكذّبوا رسلك، لكنك أخرجتني للذي سبق لي من الهدى الذي يسترني وفيه أنشأتني و.. في ذلك غشارة إلى الحكومة الإسلامية كما تقدم، إلى أن قال (عليه السلام): إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بَعُدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عَميتْ عين لا تراك عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا. إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليك بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار، حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها مصون السر عن النظر إليها، ومرفوع

[53]

الهمة عن الاعتماد عليها، إنك على كل شيء قدير.. إلخ.

        وهذا هو دعاء من سقاه ربه شرابا طهورا، فصار طاهر السر عن النظر إلى غير الساقي، ومصون الضمير عن حب الشراب وإن كان طهورا، لأن قلبه صار متيما بحب الساقي فلا موقع لحب غيره فيه. وهذا الدعاء هو الحري بأن يكون مُخ جميع العبادات، إذ هو عبادة صرف، لا مجال فيها لظهور غير المعبود، ولا مطلوب فيها إلا المعبود، ولا مقصود فيها إلا معرفة المعبود بالمعبود، لا بغيره من آيات الآفاق أو الأنفس، فهناك يتحد الدليل والمدلول، لأنه تعالى دل على ذاته بذاته دون غير ما نهجه تعالى، لأن ما عدا ذلك إما استدلال عليه تعالى، بآيات الآفاق وفي ذلك ينحاز كل واحد من المستدل والدليل والمدلول بحياله، وأما استدلال عليه تعالى بآيات الأنفس، وفي ذلك، وأن يتحد المستدل والدليل، ولكن ينحاز كل منهما عن المدلول. ومعلوم أن الدليل إذا لم يكن عين المدلول لا يمكن أن يدل عليه حق الدلالة، بخلاف ما إذا كان عينه، كما في هذا الدعاء البالغ، حيث أنه تعالى استدل بالله على الله، وعرفه من ذاته الظاهر، وحكم بأنه لا ظهور لغيره تعالى حتى يكون هو المظهر له.

        ومثل هذا الدعاء السامي، تجده في أدعية علي بن الحسين (عليه السلام)، في أسحار ليالي رمضان، من قوله (عليه السلام) .. بك عرفتك وأنت دللْتني عليك. ومن قوله.. إن الراحل إليك قريب المسافة، وإنك لا تحتجب عن خلقك، إلا أن تحجبهم الأعمال دونك.. إلخ. كما تقف على مثله في دعاء الصباح، المأثور عن علي بن إبي طالب (عليه السلام) .. يا من دل ذاته بذاته.

        نتحصل أن الحج من حيث اشتماله على الأدعية الخاصة المحفوفة بالبركات الزمانية والمكانية وغيرها، مُمثل للخلق العظيم.

        وخامسها: إن الحج بما له من التذكرة الخاصة، التي قلما توجد في غيره، موجب لشهود الحاج ما لا يشاهده غيره

وذلك أن الحج وإن كان بنفسه ذكر الله تعالى، إلا أن المندوب إليه في حالاته هو الذكر الموجب لنسيان غير الله وعدم التباهي به، حيث قال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ *وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ* وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}(البقرة/200-203).

[54]

حيث أن نطاق هذه الآيات هو طرد السنة الجاهلية (وسائل الشيعة ج10 ص219 إلى 221) ، بذكر الآباء  والفخر بهم، وذكر القبائل والتباهي بها، والتكاثر بذلك، وإثبات ذكر الله ذكرا شديدا، حيث أن الذين آمنوا أشد حبا لله، فذكرهم الله أيضا أشد من ذكر هؤلاء آبائهم:

        والذي ينبغي له التنبه له أن ذكر الله سار في الحج وداخل في مناسكه لا بالممازجة، وخارج عنها لا بالمباينة، وهو لُبهما وروحها.

        وكما أن نسيان الله ونسيان آياته يوجب العمى ها هنا، وسيظهر ذلك العمى يوم القيامة، حيث قال تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}(طه/126). إذ يدل على أن نسيان الله قد أورث العمى.

        كذلك ذكر الله يوجب البصيرة ها هنا، فالحاج الذاكر لله تعالى يبصر ما لا يبصره غيره، ولعله لذا جُعل الحاج نفسه حرما لا يجوز إحلاله، وهو نفسه شعار من شعائر الله ، وهو نفسه نور ما لم يقترف ذنباً.

        فانظر بدء الحج وختمه واقض العجب، أما بدئه فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا}(المائدة/2). ، حيث أن الحاج الذي قد أمَّ البيت الحرام وقصده حَرَمٌ لا يجوز إحلاله. وأما ختمه، فعن مولانا جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) أنه قال: الحاج لا يزال عليه نور الحج ما لم يلم بذنب. (وسائل الشيعة ج10 ص219 إلى 221)  

        نتحصل أن الحج نور وبصيرة، ولذا ورد أن تارك الحج يحشر أعمى، وهو في الدنيا أعمى، وفي الآخرة أعمى وأضل سبيلا(وسائل الشيعة ج8 ص17 إلى 18) . وحيث أن الحج نور وشهود فهو ممثل للخلق العظيم، ولا يتخلق الإنسان بخلق عظيم إلا أن يصغر ما دون الخالق في نفسه، ممن تخلّق بخُلق عظيم وصار هو بنفسه عظيما، لا يتعاظم عنده شيء أصلا، إذ هو مظهر للإسلام العظيم.

        وأفضل من تخلق به، هو خاتم الأنبياء المنعوت بقوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى

[55]

خُلُقٍ عَظيم}. وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) مظهر لأعظم الأسماء، إذ ليس المراد من الاسم العظيم هو اللفظ الذي يتكلم به، ولا المفهوم الذهني الذي تتصوره النفس، بل هو مقام خارجي تناله النفس المتكاملة، وعين واقعية تتحقق بها النفس المتعالية.

        ولعل السر في كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) خير من حجّ ولبّى، بجميع ما للحج من الأسرار، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها.

        وحيث أن الثقة بالله ثمن كل غال وسلّم كل عال، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كان وثوقا وثوقا بربه متّكلا عليه، وقد يسره الله تعالى لليسرى، فلذا تخلّق بذاك الخلق العظيم. لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان واجدا لما يشتري به ذاك الغالي، ولما يتدرج به إلى ذلك العالي.

        وكان حجه (صلى الله عليه وآله وسلم) موازيا لمعراجه، حيث قال مولانا الصادق (عليه السلام)، في بيان علة إحرام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مسجد الشجرة: إنه لما اسري به إلى السماء وصار بحذاء الشجرة، نودي يا محمد ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لبيك(وسائل الشيعة ج8 ص224و225) .

        والحاصل أن الحج بما له من السنن والأسرار الجامعة، يكون من أهم مظاهر الإسلام، وكفى بجامعيته ما رواه زرارة عن مولانا الصادق (عليه السلام) ، حيث قال : جعلني الله فداك أسألك في الحج منذ أربعين عاما فتفتيني! فقال: يا زرارة بيتٌ حُجّ إليه قبل آدم بألفي عام، تريد أن تفني مسائله في أربعين عاما. (وسائل الشيعة ج8 ص7) .

        وكذا ما قاله مولانا الباقر (عليه السلام): إنه أتى آدم هذا البيت ألف آتية على قدميه، منها سبعمائة حجة وثلاثمائة عمرة(وسائل الشيعة ج8 ص94)

        وما ورد أن صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كل سنة، فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه (وسائل الشيعة ج8 ص96). وما ورد عن مولانا علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، أنه قال: إنما أُمر الناس بالحج، لعله الوفادة إلى الله عز وجل، وطلب الزيادة، والخروج من كل ما اقترف العبد، تائبا مما مضى مستأنفاً لما يستقبل إلى أن

 

[56]

قال (عليه السلام):وقضاء حوائج أهل الأطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيه، مع ما فيه من التفقه ونقل أخبار الأئمة (عليهم السلام) إلى كل صُقع وناحية، كما قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ* وَلْيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم}(وسائل الشيعة ج8 ص8 وص9)

        وما ورد عن مولانا الصادق (عليه السلام) ، في علة لزوم الحج على العباد.. فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا و لتعرف آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتعرف أخباره، ويُذكر لا يُنسى.(وسائل الشيعة ج8 ص8 وص9) .

        وما ورد عنه (عليه الصلاة والسلام)، بعد ما قيل له أن ناسا من هؤلاء القصاص يقولون، إذا حج الرجل حجة تصدق ووصل كان خيرا له ، فقال: كذبوا، لو فعل هذا الناس لعُطّل هذا البيت، إن الله عز وجل جعل هذا البيت قياما للناس (وسائل الشيعة ج8 ص14) . وقال (عليه السلام): جعلها الله لدينهم ومعائشهم(وسائل الشيعة ج8 ص41) والأصل في ذلك هو قوام الدين وقيامه، ولا جدوى لحج لا قيام فيه للدين ولذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يأتي على الناس زمان يكون فيه حج الملوك نزهة، وحج الأغنياء تجارة، وحج المساكين مسألة(وسائل الشيعة ج8 ص41).

        وما ورد في الحج، من تبيّن الحق وسعة الرحمة،ما لا يتبين في غير، وما لا يتسع فيما عداه، حيث قال تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَات}(آل عمران/97)، إذ كل ما سوى الله آية له، إلا أن أسرار الحج آيات بينات له، وهناك يشاهد الضيف مضيفه، والمضيف يُرى نفسه أضيافه، بحيث تكون آياته هنالك بيّنات.

        وأما في سعة الرحمة فقد ورد عن مولانا أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: في رجل خرج حاجا حجة الإسلام فمات في الطريق، إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام(وسائل الشيعة ج8 ص47). فانظر سعة الرحمة وأدب الضيافة. 

[57]    

        وقال رسول الله (صلى الله عليه آله وسلم) في حجة الوداع لما وقف بعرفة وهمّت الشمس أن تغيب: ي بلال قل للناس فلينصتوا، فلمّا أنصتوا، قال: إن ربكم تطوّل عليكم في هذا اليوم، وغفر لمحسنكم، وشفّع محسنكم في مسيئكم، فأفيضوا مغفورا لكم(وسائل الشيعة ج8 ص65).

        ولعله لهذه المزايا الخاصة للحج، قال مولانا الصادق (عليه السلام) لعيسى بن أبي منصور: يا عيسى إني أحب أن يراك الله فيما بين الحج إلى الحج وأنت تتهيأ للحج(وسائل الشيعة ج8 ص106)، وقال (عليه السلام): ليحذر أحدكم أن يُعَوّق أخاه عن الحج، فتصيبه في دنياه مع ما يدخر له في الآخرة (وسائل الشيعة ج8 ص106) . إذ ليس لأحد أن ينأى عن خير كالحج، وينهى عنه، بل يلزم أن يرغب بنفسه فيه ويُرغب غيره فيه. ولنكتف في فضله بنقل ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لمن قال له، يا رسول الله إني خرجت أريد الحج ففاتني وأنا رجل يُميلٌ (أي كثير المال)، فمرني أن أصنع في مالي ما أبلغ به مثل أجر الحاج؛ فالتفت إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: انظر إلى أبي قبيس، فلو أن أبا قبيس لك ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت به ما يبلغ الحاج، ثم قال: إن الحاج إذا أخذ في جهازه، لم يرفع شيئا ولم يضعه إلا كتب الله له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، فإذا ركب بعيره لم يرفع خفّا إلا كتب الله له مثل ذلك، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه، فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه، فإذا وقف بالمشعر الحرام خرج من ذنوبه، فإذا رمى الجمار خرج من ذنوبه فعدّ رسول الله كذا وكذا موقفاً، إذا وقفها الحاج خرج من ذنوبه، ثم قال: "أنّى لك أن تبلغ ما يبلغ الحاج" قال أبو عبدالله (عليه السلام) ولا يكتب عليه الذنوب أربعة أشهر، ويكتب له الحسنات إلا أن يأتي بكبيرة (وسائل الشيعة ج8 ص796). ولعل المراد من مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا طاف خرج من ذنوبه، فإذا سعى خرج من ذنوبه، هو بيان اختلاف تلك الأعمال في مغفرة الذنوب الخاصة حيث أن كل واحد منها موجب لغفران ذنب خاص. أو أنّ

[58]

الذنوب لما تراكمت وصارت رَيْنا على صاحبها، وحجابا على من اقترفها، يكون كل واحد من تلك المناسك موجبا لترقيق قشر من تلك الحُجُب، ورفع غطاء من تلك الأغطية، وتسطيح كنان من تلك الأكنه في القلوب، حتى يأتي الحاج ربه بقلبٍ سليم، لا كنان فيه، ولا صدأ عليه، ولا حجاب، رزقنا الله وإياكم.

 

خاتمة: في وداع الكعبة وفي بعض مآثر حجة الوداع

        كما أن الله تعالى هو الأول الذي لا أول له، والآخر الذي لا آخر له، لأن أوليته بذاته، وكذا آخريته، حيث قال تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخَرُ}(الحديد/3) وكذلك يكون تعالى، مبدء صدور الأشياء ومرجع عودها، (إنا لله وإنا إليه راجعون). كذلك يلزم أن يكون ابتداء كل آمر بالتوجه إليه تعالى، وختام كل أمر جميل بالثناء عليه تعالى، حيث لا يفتتح بأمر بدون الاعتصام به والاتكال عليه والتوجه إليه، ولا يختتم بدون حمده وشكره، لأن الموحد كما يعرف الله تعالى بأنه الأول والآخر، ويعرف أن بدء جميع  الموجودات منه تعالى وختمها إليه تعالى، كذلك لا يدخل في آمر ولا يخرج منه إلا بالتوجه إليه تعالى. كما أدّب الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا}(الإسراء/80).

        ومقتضى توحده، أن يكون محياه ومماته لله رب العالمين، فلا يدخل في الدنيا ولا يخرج منها إلا صادقاً، ولا يدخل في البرزخ ولا يخرج من إلا صادقا، ولا يدخل في المعاد الذي لا خروج منه، ولا يبقى ولا يدوم فيه إلا صادقا، لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم قدم صدق عند ربهم، ولهم لسان صدق، وكذا يكونون في "مقعد صدق عند مليك مقتدر"

        ومن أهم تلك الشؤون هو الحج، فله بدء يبتدأ منه الحاج صادقا، وله ختم يختتم إليه الحاج صادقا. فلذا ودّع مولانا علي بن موسى الرضا (عليه السلام) البيت الحرام، بأن خَرَّ ساجداً، ثم قام، فاستقبل الكعبة، فقال: "اللهم إني انقلب على لا إله إلا

[60]

أنت"(وسائل الشيعة ج10 ص232). يعني على التوحيد المحض وطرد أي شرك كان. وهذا هو الحاج الذي لا يزال عليه نور الحج،-الوافي باب فضل الحج-.

        ومن أدب الوداع أن يدعو، كما عن مولاه الصادق (عليه السلام): اللهم اقبلني مُفلحا منجحا مُستجابا لي، بأفضل ما يرجع به أحد من وفدك، من المغفرة والبركة والرضوان والعافية مما يسعني أن أطلب.. "(وسائل الشيعة ج10 ص231). الخ. وأن يكون آخر عهده بالبيت أن يضع يده على الباب ويقول: المسكين على بابك فتصدق عليه بالجنة(وسائل الشيعة ج10 ص233).

        وليكن آخر عهدنا في هذه الوجيزة، الباحثة عن نظام الحج ونبذٍ من أسراره، هو ما يتصدق الله علينا بجنة الحكمة، وهي خطبة خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي أوتي جوامع الكلم، والذي ما كلّم العباد يكُنه عقله قط، حيث لم يكن مَن يعادله حتى يكلمه بكُنه عقله إلا هو نفسه،{وَأَنْفُسِنَا وَأَنْفُسِكُمْ}(آل عمران)،وكيف لا يكون كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) الجنة ما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "أنا مدينة الحكمة وهي الجنة وأنت يا علي بابها."

        وكما أنه (صلى الله عليه وآله وسلم): قد صلى ، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): صلّوا كما رأيتموني أصلي، وحج وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) خذوا عني مناسككم، كذلك أدّب الناس وعلّمهم نظام الحج وأسراره في خطبته المباركة في حجة الوداع. ولنشر إلى نزر من شَذَراتها فيما يلي، الجامع لما تقدم في الصِلات المارة والجهات الماضية:

        أحدهما: تهذيب النفس بالتوحيد الخالص

وتزكيتها بتولي أولياء الله، وتطهيرها عن النفاق والخلاف، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم)، حثّاً على الوعي، نصر(وفي نسخة نضّر الله عبدا-أي جعل وجهه من الوجوه الناضرة يوم القيامة) الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم يبلغها؛ رُبّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه؛ ثلاث لا يفَل عليهن قلبُ امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم 

        فالحاج يعبد الله مخلصا له الدين، وينصح لأئمته، ويلازم المجتمع الإسلامي، كما قال علي (عليه السلام): وليس رجل أحرص على جماعة أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)

[61]

وأُلفتها منّي، ابتغى بذلك حسن الثواب وكرم المآب(نهج البلاغة كتاب 78).

        وثانيها: تأمين الناس على الدماء والأموال

حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): .."إن الله حرّم عليكم دمائكم وأموالكم.. ولا تعثوا في الأرض مفسدين فمن كانت عنده أمانة فليُؤدّيها.. فالحاج أمين لأعراض الناس وأسرارهم، لأن قلوب الأحرار خزائن الأسرار.

وثالثها: تسوية الناس بآحادهم وقبائلهم

حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): .."الناس في الإسلام سواء.. لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بتقوى الله.. فالحاج يستوي ويُساوي.. ولا يرى لنفسه فضلاً على غيره، ولا لقومه تقدما على قومٍ آخر، ويرى الآحاد والشعوب سواسية.

        ورابعها:  تطهير المجتمع الإسلامي عن السنن الجاهلية الجهلاء في الأموال والدماء والبغضاء والشحناء

حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): كلُّ دمٍ كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي.. وكلُّّ ربا كان في الجاهلية، موضوع تحت قدمي. وأوّل ربا أضعه ربا العباس بن عبدالمطلب.. فالحاج لا يَجْرِ منّهُ شنآن قوم أن يعتدي، ولا يجرّه حب الدنيا إلى أن يأذن بحرب من الله . ويقول، إنما البيع مثل الربا، لأنه يعلم إن الله تعالى يمحق الربا ويُربي الصدقات.

    وخامسها: تكريم النساء كالرجال، وتعديل الحقوق التي لهن عليهم ولهم عليهن.

حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أُوصيكم بالنساء خيرا.. ولكم عليهن حق ولهن عليكم حق، وكسوتهن ورزقهن بالمعروف. فالحاج يرى قوله تعالى جعل بينكم مودة ورحمة، ويشاهد قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} ، ويراعى قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(البقرة/228)

        وسادسها: تحبيب العمال وتفقّد الخَدَمة

حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم).. أوصيكم بمن ملكت أيمانكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون فالحاج يتحبب إلى من يخدمه ولا يستعلي عليه، بل يجتمع معه على مائدة، ويلبسه ما يتلبّس به، ولا يتزّئ ولا يتفوه بقوله، أنا أحسن منك أثاثا ورئياً.

           

        وسابعها: تنسيق المجتمع الإسلامي على نسق العدل والأمانة

حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم)  إن المسلم أخ المسلم لا يغشه ولا يخونه ولا يغتابه ولا يحل له دمه

[62]

ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه .. فالحاج مع أي مسلم آخر أخٌ له في الدين، أبوه النور وأمه الرحمة، وهو طيّب لا يحنّ إلاّ نحو الطيّب.

        وثامنها: تكليف المجتمع الإسلامي برسالة التبليغ والاهتمام بالمسؤولية

حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنكم مسؤولون، فليبلغ الشاهد منكم الغائب .. فالحاج فقه يحمل الفقه إلى أي مسلم لآخر لم يوفق الحضور في المواقف ولم يدرك الحرمين ومجامعهما.

        وتاسعها: تعليم الناس بأهم فرائض الإسلام

وهو الاعتصام بالثقلين، الذين تركهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمته حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) .. إني خلّفت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي .. فالحاج يعتصم بحبل الله، ومن اعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم.

        وعاشرها: تولية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجعله ولياً للمسلمين

حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) .. من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه، وبذلك يكمل الدين ويتم النعمة.

        إلى هنا انتهى ما جرى اليراع، ولقد أُتيت جوامع هذه الكلم في سفر الحج ولم يتيسر لي تنسيقها مرة بعد أُخرى، بل كنت أكتب كل ما نفث في الروع، سفراً كان أو حضراً، حرماً كان أو حِلاً، فإن وفى بشيء من أسرار الحج فلله المنة وإلا فليعذرني الكرام، ولكنه جرعة من ماء زمزم الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستهديه وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة ولعله يصير شراباً طهورا لمن أتى الله ولبّاه بقلب سليم. دعواهم فيها سبحانك اللهم، وتحيَّتهم فيها سلام. وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

.0pt;mso-ansi-font-size: 10.0pt;font-family:"simplified arabic";color:navy"> إن المسلم أخ المسلم لا يغشه ولا يخونه ولا يغتابه ولا يحل له دمه

[62]

ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه .. فالحاج مع أي مسلم آخر أخٌ له في الدين، أبوه النور وأمه الرحمة، وهو طيّب لا يحنّ إلاّ نحو الطيّب.

        وثامنها: تكليف المجتمع الإسلامي برسالة التبليغ والاهتمام بالمسؤولية

حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنكم مسؤولون، فليبلغ الشاهد منكم الغائب .. فالحاج فقه يحمل الفقه إلى أي مسلم لآخر لم يوفق الحضور في المواقف ولم يدرك الحرمين ومجامعهما.

        وتاسعها: تعليم الناس بأهم فرائض الإسلام

وهو الاعتصام بالثقلين، الذين تركهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمته حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) .. إني خلّفت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي .. فالحاج يعتصم بحبل الله، ومن اعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم.

        وعاشرها: تولية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجعله ولياً للمسلمين

حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) .. من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه، وبذلك يكمل الدين ويتم النعمة.

        إلى هنا انتهى ما جرى اليراع، ولقد أُتيت جوامع هذه الكلم في سفر الحج ولم يتيسر لي تنسيقها مرة بعد أُخرى، بل كنت أكتب كل ما نفث في الروع، سفراً كان أو حضراً، حرماً كان أو حِلاً، فإن وفى بشيء من أسرار الحج فلله المنة وإلا فليعذرني الكرام، ولكنه جرعة من ماء زمزم الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستهديه وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة ولعله يصير شراباً طهورا لمن أتى الله ولبّاه بقلب سليم. دعواهم فيها سبحانك اللهم، وتحيَّتهم فيها سلام. وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.