الحـجّ في أحاديث

الإمام الخميني قدس سره الشريف

منذ بدء الحج لم يكن بعده السياسي أقل أهمية من بعده العبادي.

 

الحج هو تنظيم وتمرين وخلق تجانس لهذه الحياة التوحيدية،   وهو ميدان ومرآة لتقييم مدى استعداد المسلمين وقدراتهم المادية والمعنوية.

 

إنّما أسس البيت الحرام للقيام و(النهضة) قيام الناس وللناس.   لذا وجب أن يكون الاجتماع فيه من أجل هذا الهدف.

 

لقد أقيم هذا البيت العظيم من أجل الناس،   ومن أجل قيامهم.

 

يجب على المسلمين جميعا أن يسعوا لإعادة الحياة للحج،   والقرآن الكريم،   وإعادتهما إلى واقع الحياة.

 

ليس حجا ذلك الحج الخالي من الروح والتحرك والقيام،   والفاقد للبراءة والوحدة،   وغير الداعي لهدم الكفر والشرك.

 

سنقف -إنشاء الله- بوجه الأصوات الداعية للتسليم لأمريكا وروسيا

 

والكفر والشرك ونحول دون انطلاقها من الكعبة ومن الحج،   فهذا المنبر الكبير الذي يطل من أعلى شرفة للإنسانية،   يفترض أن يصدح بصوت المظلومين وبنداء التوحيد ليسمع العالم كله.

 

 لنحطم الأصنام في مكة المكرمة،   ولنرجم الشياطين في العقبات -وعلى رأسهم الشيطان الأكبر- حتى نؤدي بذلك حج خليل الله،   وحج حبيب الله،   وحج ولي الله "المهدي" العزيز.

 

إنّ أبا التوحيد (إبراهيم) ومحطم أصنام العالم هذا هو الذي علّمنا وعلّم كلّ البشر أن للتضحية في سبيل الله جوانب سياسية وقيماً اجتماعية،   قبل أن يكون لها جوانب توحيدية وعبادية.

 

أيها الخطباءأيّها الكتّاب احضروا الاجتماعات الكبرى في عرفات والمشعر ومنى ومكة المعظمة والمدينة المنورة،   وتحدثوا لإخوانكم في الإيمان عن القضايا الاجتماعية والسياسية لبلدانكم،   واطلبوا النصرة من بعضكم بعضاً.

 

لو أدرك المسلمون الحج،   والسياسة التي ينطوي عليها الحج،   لكان ذلك كافياً لأن يجدوا استقلالهم.

 

إنّ إعلان البراءة من المشركين،   هو أحد الأركان التوحيدية،   وأحد الواجبات السياسية للحج،   ويجب أن يقام على هيئة تظاهرات ومسيرات في أيام الحج

بصلابة وعظمة أكثر.

 

إنّ نداء البراءة من المشركين لا يحدّه زمن خاص،   بل إنه أمر خالد.

 

توجهوا إلى منى،   احصلوا على آمالكم الحقة هناك،   وهي التضحية بأحب الأشياء في سبيل المحبوب المطلق.   واعلموا أنكم ما لم تتخلوا عما تحبّون -وأساسه حب النفس الذي يتبعه حب الدنيا- فإنّكم لن تصلوا إلى المحبوب المطلق.

 

ليكن سعيكم بين الصفا والمروة سعي صدق وصفاء بحثا عن المحبوب،   فبالعثور عليه تتقطّع كلّ الصلات بالدنيا،   ويختفي كلّ شك وريب،   ويزول كلّ خوف ورجاء حيواني.

 

أفرغوا قلوبكم من كلّ ما سوى الله عند الطواف في حرم الله الذي يعبّر بحدّ ذاته عن الحب لله،   وطهّروا أنفسكم من الخوف ممن سواه.   وتبرءوا من الأصنام الكبيرة والصغيرة،   ومن الطواغيت وأتباعهم،   بنفس القدر الذي تحبون به الله،   فقد تبرأ الله -سبحانه وتعالى- وأحباؤه منهم،   كما أنّ جميع أحرار العالم بريئون منهم.

 

لبّوا لله،   تبرءوا من الأنداد بجميع درجاتهم،   وهاجروا من أنفسكم فإنّها المنشأ الأكبر للشرك،   والجئوا إلى الله جل وعلا.

 

عند التلبية أطلقوا صيحات ((لا)) على كلّ الأصنام،   وكلّ الطواغيت الكبار والصغار.

 

 عند لمسكم الحجر الأسود بايعوا الله على أن تكونوا أعداءً لأعدائه ولأعداء رسله،   ولأعداء الصالحين والأحرار.   ولا تخضعوا لأولئك الأعداء -مهما كانوا وأينما كانوا- وانزعوا الخوف والخنوع من قلوبكم،   فإنّ أعداء الله -وعلى رأسهم الشيطان الأكبر- هم الخانعون،   مهما تفوقوا في معدات القتل والقمع والإجرام.

 

 توجهوا إلى المشعر الحرام وعرفات بحال من الشعور والعرفان،   وزيدوا -في كل موقف- من اطمئنان قلوبكم بالوعد الإلهي وحكومة المستضعفين،   وتفكروا في آيات الله بصمت وسكون.

 

انتبهوا إلى أن سفر الحجّ ليس سفر كسب وتجارة،   وليس بسفر لتحصيل الدنيا،   بل إنه سفر إلى الله.

 (من كتاب الكلمات القصار ص69:66) 

****

الحج هو نداء لإيجاد وبناء المجتمع البعيد عن الرذائل المادية والمعنوية. الحجُّ ومناسكه هو تجلّي عظيم لحياة كريمة ومجتمع متكامل في هذه الدنيا. ومن ذلك المكان ومن ذلك الموقع الذي يتواصل فيه مجتمع المسلمين من أي قومية كانوا ويصبحوا يداً واحدة، ينطلق أداء هذه الفريضة المباركة، التي يجب أن يكون أداؤها وجوهرها توحيدياً إبراهيمياً محمدياً. إن الحج هو ساحة عرض ومرآة صادقة للاستعدادات والقابليات المادية والمعنوية للمسلمين، الحج كالقرآن يستفيد منه المجتمع. فالمفكرون والعارفون بآلام الأمة الإسلامية إذا ما فتحوا قلوبهم ولم يهابوا الغوص عن قرب في أحكامه وسياساته الاجتماعية، سيصطادون الكثير من صدف هذا البحر، جواهر الهداية والرشد والحكمة والحرية، وسيرتوون إلى الأبد من زلال حكمته ومعارفه، ولكن ماذا نفعل؟ وأقولها بألم وحزن: إن الحج أصبح مهجوراً كالقرآن وبنفس النسبة التي اختفى فيها هذا الكتاب كتاب الحياة والكمال والجمال- بسبب حجب النفس التي صنعناها بأيدينا، ودفنا هذا الكنز، كنز أسرار الخلق فكذلك الحج أصبح أسيرَ هذا القدر، قدر أن الملايين من المسلمين يجتمعون كلّ سنة ويضعون أقدامهم محل قدم محمد وإبراهيم وإسماعيل وهاجر ولا يوجد أحد يسأل ماذا فعل إبراهيم ومحمد؟ ما هو هدفهما؟ ماذا طلبا منّا؟ وهذا ما لا نفكر فيه!

 

من المسلّم أن حجّاً دون معرفة ووعي ودون روح ودون حركة ونهوض، وحجّاً دون براءة، وحجاً دون وحدة، وحجاً لا ينتج هدماً للكفر والشرك، ليس حجاً. وخلاصة الأمر أنه يجب على جميع المسلمين السعي لأجل تجديد حياة الحج والقرآن وإعادتهما ثانية إلى ساحة حياتهم، وعلى المحققين المؤمنين بالإسلام أن يبينوا التفاسير الصحيحة والواقعية لفلسفة الحج، ويرموا في البحر كلّ نسيج خرافات وادعاءات علماء البلاط.

 

إنني أوصي جميع العلماء المحترمين والكتاب والمتحدثين الملتزمين أن يوضّحوا لجميع المسلمين وخاصة الحجاج منهم أهداف هذه الفريضة المقدّسة.. كما أني أوصيهم بتعليم الحجاج مناسك الحج وكيفية أدائها بشكلها الصحيح حتى يكون عملهم خالياً من الأخطاء، وعدم الاكتفاء بأننا أدينا الفريضة وأنجزنا الواجب كيفما كان، فإن الأخطاء في هذه الفريضة تترك آثاراً وإشكالات على صحتها قد تكلفهم وقتاً وجهداً مضاعفاً لتصحيحها..

*****

 

عندما تلفظون لبّيك الّلهم لبيك، قولوا: لا لجميع الأصنام، واصرخوا: لا، لكل الطواغيت الكبار والصغار.

 

وأثناء الطواف في حرم الله حيث يتجلى العشق الإلهي، أخلوا قلوبكم من الآخرين، وطهروا أرواحكم من أي خوف لغير الله. وفي موازاة العشق الإلهي، تبرأوا من الأصنام الكبيرة والصغيرة والطواغيت وعملائهم وأزلامهم، حيث أن الله تعالى ومحبيه تبرأوا منهم، وإن جميع أحرار العالم بريئون منهم.

 

وحين تلمسون الحجر السود اعقدوا البيعة مع الله أن تكونوا أعداء لأعداء الله ورسوله والصالحين والأحرار، ومطيعين وعبيداً له، أينما كنتم وكيفما كنتم. لا تحنوا رؤوسكم واطردوا الخوف من قلوبكم، واعلموا أن أعداء الله وعلى رأسهم الشيطان الأكبر جبناء، وإن كانوا متفوقين في قتل البشر وفي جرائمهم وجناياتهم.

 

أثناء سعيكم بين الصفا والمروة اسعوا سعي من يريد الوصول إلى المحبوب، حتى إذا ما وجدتموه هانت كل الأمور الدنيوية، وتنتهي كل الشكوك والترددات، وتزول كل المخاوف والحبائل الشيطانية والارتباطات القلبية المادية، وتزهر الحرية، وتنكسر القيود الشيطانية والطاغوتية التي أسرت عباد الله.

 

سيروا إلى المشعر الحرام وعرفات وأنتم في حالة إحساس وعرفان، وكونوا في أي موقف مطمئني القلب لوعد الله الحق بإقامة حكم المستضعفين. وبسكون وهدوء فكّروا بآيات الله الحقّ، وفكروا بتخليص المحرومين والمستضعفين من براثن الاستكبار العالمي، واطلبوا من الحق تعالى في تلك المواقف الكريمة تحقيق سُبل النجاة. بعد ذلك عندما تذهبون إلى منى اُطلبوا هناك أن تتحقق الآمال الحقّة حيث التضحية هناك بأثمن وأحب شيء في طريق المحبوب المطلق، واعلموا أنه ما لم تتجاوز هذه الرغبات، التي أعلاها حبّ النفس وحبّ الدنيا التابع لها، فسوف لن تصلوا إلى المحبوب المطلق. وفي هذا الحال ارجموا الشيطان، واطردوا الشيطان من أنفسكم، وكرروا رجم الشيطان في مواقع مختلفة بناء على الأوامر الإلهية؛ لدفع شرّ الشياطين وأبنائهم عنكم.

 

إن هذا السفر الإلهي الذي تذهبون إليه، وترجمون فيه الشيطان، وإذا ما كنتم لا سمح الله- من جنود الشيطان سترجمون أنفسكم أيضاً. يجب أن تكونوا فيه رحمانيين، وأن تصبحوا رحمانيين، حتى يكون رجمكم رجم أتباع الرحمن وجنوده للشيطان، وأنتم تقفون في تلك المواقف والمواضع الكريمة، معاذ الله أن يتلوّث وقوفكم بشيء خلاف الشرع، أو يتلوّث بالمعصية، ففضلاً عن إراقة ماء الوجه أمام الله تسقط كرامة الإسلام في الدنيا. اليوم كرامة الإسلام متقوّمة بوجودكم، أنتم الذين تذهبون جماعات جماعات إلى تلك المواقف الكريمة، ويشاهدكم سائر المسلمين من شتى بقاع الدنيا.

****

" align="center">****