بسم الله الرحمن الرحيم

مقـدمات في التفسـير

تفسـير سـورة الفاتحـة

1 غاية القرآن وهدفه

2 مــــخاطَب القرآن

3 شــمولية القرآن

4 إمكان معرفة القرآن

5 التدبُّر في القرآن

6 شروط فهم القرآن

7 أحاديث أهل البيت عليهم السلام

8 تحقق مصداقية القرآن وحاكميته

9 أنواع التفاسير

10 كتب التفسير

11 أسلوبنا في التفسير

مقدمات في التفسير

الحمد لله رب العالمين وبه نستعين، ثم الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأفضل المرسلين، محمد صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم ومخالفيهم أجمعين.

قبل البدء في تفسير القرآن الكريم، نحاول أن نشير بنحو مجمل إلى مقدمات ذات أهميَّة، قد تطرَّق إلى قسم منها بعض المفسِّرين تفصيلا، وتتلخص في الأمور التالية:

1 غايـة القـرآن وهـدفـه

لا تخفى أهمية معرفة الهدف والغاية لكلِّ أمر وبالأخص القرآن الكريم، وبدونها لا يمكن أن يتعرّف الإنسان على محتواه، وهذا أمر واضح لا لبس فيه، فكل من أراد أن يعرف غرض المتكلِّم ينبغي أن يعرف هدفه من الكلام ؛ هل هو جادٌّ في كلامه أم هازلُ؟ وهل هو بصدد الاسترسال في الكلام، أم يتكلَّم حسب حاجة المستمع؟ وما إلى ذلك من الدواعي.

القرآن الكريم - بصريح الكلمة - يبيِّن الهدف من نزوله فيقول:

{هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة/185)

فهدف القرآن، هداية الناس عامة، والمؤمنين خاصَّة. ويعني بالناس جميعهم من غير أي تخصيص أو تقييد، فهو هداية للعالم والجاهل وللمرأة والرجل وللمؤمن وغيره من دون فرق أصلاً، إلاّ أنَّه بينات من الهدى والفرقان للمتقين خاصة {هدىً للمتقين} وذلك لأنَّ المتقين هم الذين يهتدون بتقبلهم للهداية، لأنَّ القرآن يتطلَّب من كان له قلب مهيَّأ أو ألقى السمع وهو شهيد.

2 مخـاطـَب القـرآن

من هو مخاطَب القرآن؟ هل يخاطب الله الناس كبشرٍ يمشون على الأرض أو أنَّه تعالى يخاطب نفوس الناس وليس أسماعهم، فالسمع إنَّما هي واسطة لنقل المفاهيم إلى القلب؟

من الواضح أنَّ المخاطب إنَّما هو النفس الإنسانية، فهي التي تتأثَّر بالقرآن و تنسجم معه. لذلك نلاحظ التأثير الواضح للكلمات القرآنية في نفوس العرب، حتى وصل الأمر إلى درجة، يقول سبحانه وتعالى عن لسان كبرائهم:

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت/26)

فالتوسل بهذه الوسيلة للغلبة على الرسول، يدلّ على مدى ضعف هؤلاء أمام عظمة كلام الله تعالى فكانوا يضعون القطن في آذان أصحابهم، كي لا ينتقل الصوت إلى أسماعهم، لأنَّه بمجرَّد انتقال الصوت إلى الآذان كانت الهداية حاصلة من غير ترديد، فالنهي عن السمع والإلغاء فيه لأجل أن لا يتأثَّروا بمفاهيمه.

هذا وكلام الله المجرد عن الشوائب المادِّية، من شأنه أن ينسجم مع الروح الإنسانية التي هي نفحة من نفحاته تعالى.

3 شــموليـّة القـرآن

إنَّ القرآن يشمل كافة الناس في جميع الأزمنة والأمكنة والظروف.

وذلك:

لأن الإنسان كروح، لا يمكن أن يتغيَّر مهما تغيرت الظروف واختلفت المجتمعات، فالّذي كان يعيش قبل مائة سنة، هو نفس الإنسان الذي يعيش في هذا العصر، إذ أن الفطرة واحدة لا تبديل لها ولا تغيير، ولا ينقلب الإنسان حيواناً لا إرادة له مهما تطوَّرت الأجواء المحيطة به أو انحطَّت.

نعم ربَّ إنسان يصبح كالحيوان فيكتسب صفات حيوانية أو يُقوِّي في نفسه الجانب الحيواني ويبتعد عن القيم الإنسانيَّة، وكذلك ربَّما يكتسب صفةً نباتية إلاّ أنه يبقى إنساناً يمتلك كلَّ خصوصيات بني آدم وإن كانت تلك صفاته كإنسان دفينة فيه ،وهكذا المجتمع، فمادام أنَّه يتكون من الأفراد فحكمه كذلك. وعلى ضوئه نعرف السرّ في كون القرآن كتاب البشرية وأنَّ النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلَّم هو خاتم الأنبياء.

4 إمكان معرفة القرآن

يقول بعضهم أنه لا يمكن أن نعرف شيئاً من القرآن الكريم، فهو يخاطب أهله ليس إلا وهو النخبة من الناس، وهذا الكلام غير صحيح بل بإمكاننا جميعاً معرفة القرآن فهو الذي يقول:

{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف/2)

وهذا الخطاب يشمل العرب وغيرهم على السواء، فالكُل يستطيع أن يتعقَّل القرآن ويعرفه، فهو ليس كلاماً مُبهما غير مفهوم بل هو كلام واضح لمن كان له حظٌّ من الفهم والمعرفة، وأمّا المعرفة القصوى فلن ينالها إلا من خوطب بالقرآن.

5 التدبر في القرآن

من أهم الأمور التي أكَّدها سبحانه وتعالى هو التدبر في القرآن الكريم. يقول:

{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد/24)

فمن لا يتدبر في القرآن فقلبه مقفول، والقفل ربَّما يصل إلى درجة من الاستحكام بحيث لا يمكن فكُّه أصلاً بل ربَّما يشتد استحكاماً كلما أريد فكّه.

ومن الواضح أنَّ المراد من القفل هنا المعنوي منه لا المادي وهو الكدورة الباطنية والزيغ القلبي، فمعرفة القرآن تتطلب صفاءً نفسياً ونورانية باطنية لأنه نور والنور يحتاج إلى نور. يقول تعالى:

{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (ص/29)

واللام هذه للغاية أي أن غاية القرآن هو التدبُّر في آياته ومن ثمَّ التذكُّر.

6 شروط فهم القرآن

هناك شروط ينبغي أن تتوفر لدى الإنسان كي يدرك القرآن وتتلخَّص في الأمور التالية:

الأوَّل: معرفة الأدب العربي

ينبغي معرفة علم الصرف والنحو، وعلوم البلاغة، وعلم اللغة وفقه اللغة، معرفةً إجماليّة .

الثاني: الاعتماد على أدلَّة من نفس القرآن

فالذي يريد أن يعرف عمق القرآن الكريم عليه أن يعتمد على سائر الآيات القرآنية المتصلة بالآية أو المنفصلة عنها، لأن القرآن يفسّر بعضه بعضا، فمثلاً ظاهر قوله تعالى:

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة/22،23)

أنَّ الله سبحانه يُرى يوم القيامة كما يعتقد بذلك البعض من المسلمين حيث يزعمون أنَّه من الممكن النظر إلى وجه الله يوم القيامة! ولكن بمجرد أن نلاحظ الآيات الأخرى كقوله تعالى:

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى/11)

نستطيع معرفة المقصود من الوجوه في الآية ولا شك أنَّه ليس المقصود منها العيون بل هي وجوه القلب، والدليل على ذلك قوله تعالى بعد هذه الآية مباشرة:

{وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَة*تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} (القيامة/24،25)

فالظن ليس من حالات العين، بل هو من صفات القلب. هكذا نستطيع فهم الآيات القرآنية، وهذا النوع من التفسير هو التعقل والتدبر في القرآن الكريم.

الثالث: الرجوع إلى المحكمات في تفسير المتشابهات

القرآن يتكون من آيات محكمات وآيات متشابهات. يقول سبحانه وتعالى:

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (آل عمران/7)

فمن الضروري أن يميِّز المفسر المتشابهات من المحكمات، حتى لا يتورَّط في الشبهات، وينبغي له أن يُرجع الآيات المتشابهة إلى الآيات المحكمة فهي أم الكتاب كما مرَّ في المثال السابق.

الرابع: عدم التأثر بالأجواء المحيطة داخلاً و خارجاً

من الضروري أن يجرِّد الإنسان نفسه من الأجواء المحيطة حوله عند الغور في القرآن الكريم، كي يتمكَّن من معرفة القرآن بحرِّية كاملة ولا يُحمِّل أفكاره على كلام الله، فمن يعيش حالة الحرب ليس كمن يعيش حالة الصلح وكذلك من هو مبتلى بالعصبية أو الخوف أو الخمول، فكل هذه الحالات سوف تؤثِّر في فهم الإنسان للقرآن الكريم، وكذلك الانتماء إلى حزب أو مدرسة فكرية خاصة يكون له دور في فهم القرآن الكريم. وسوف نذكر نماذج كثيرة في مطاوي التفسير فانتظر.

7 أحـاديـث أهـل البيـت عليهم السلام

إنَّ هناك كمّاً كبيراً من الآيات الكريمة غير مفهومة لا من حيث المفهوم والمعنى ولا من حيث المصداق والتطبيق، وليست هناك أيُّة وسيلة عادية يمكننا من خلالها الإطِّلاع على تلك الآيات والوصول إلى محتواها الواقعي.

والقرآن الكريم بنفسه قد عرَّف لنا الوسيلة ورسم لنا السبيل لفهم تلك الآيات والوصول إلى حقيقتها حيث قال تعالى:

{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ*لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة/79:77)

قال آية الله العظمى السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه (في مبحث مسِّ القرآن الكريم):

“ ثم إن قوله عزَّ من قائل: لا يمسُّه إلا المُطهَّرون لا يستفاد منه حكم المسألة فضلاً أن يدلَّ عليه بالأولويـة، و ذلك: فلأنَّ المطهَّر غيرُ المتطهِّر..فالمطهَّر عبارةٌ عمَّن طهَّره الله سبحانه من الزلل والخطأ وأذهب عنه كلَّ رجس، والمذكور في الآية المباركة هو المطهَّر دون المتطهِّر ففيها إشارة إلى قوله سبحانه {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب/33) فمعنى الآية على هذا أن مس الكتاب -الذي هو كناية عن دركه بما له من البواطن- لا يتيسَّرُ لغير الأئمة المطهرين فإنَّ غير من طهره الله سبحانه لا يصل من الكتاب إلا إلى ظواهره" (التنقيح في شرح العروة الوثقى ج3 ص315).

الثاني: وهو الأكثر وذلك من خلال الاستشهاد بآياتٍ أخر متَّصلة بالآية المطلوب تفسيرها أو منفصلة عنها، تكون دليلاً على معناها وهذا من تفسير القرآن بالقرآن عن الأئمَّة عليهم السلام.

فعندما نستشهد بالروايات، فالهدف منها الوصول إلى الواقع من خلال الحديث، ولو فرضنا بأن هناك رواية ضعيفة ولكنَّها تدلنا على واقع عيني، فهي إذاً ترشدنا إلى تلك الحقيقة فلا داعي بالتالي للتحقيق في سندها، وأمّا لو أردنا أن نتعبَّد بالحديث، فيجب ملاحظة السند والتحقق من صحته فالحديث الضعيف لا يعتمد عليه خصوصاً لو كانت المسألة من الأحكام الشرعية العملية.

8 تحـقق مصـداقية القـرآن و حـاكميته

نحن اليوم أمام واقع موجود، وهناك أمر لا بدّ أن يتحقق لكنه لم يتحقق بعد، فإذا رأينا أن القرآن لا يمكن تطبيقه، فالقصور منا وليس من القرآن، يعني أن الأجواء التي هيأها العدو أجواء غير مناسبة لتطبيق القرآن. لنفرض أن إنساناً لديه ماء صاف غير أن كأسه قذر لو أسكب الماء فيه و شرب لتسمَّم ، و الآن يريد أن يشرب الماء فماذا يفعل؟! الماء موجود ولكن لا يستطيع أن يشرب، لأن لا يوجد عنده وسيلة للشرب. فنحن إذاً يجب أن نفرق بين مشكلتنا وبين قضية القرآن. القرآن كُلّه نور ولكن لا نستطيع أن ننظر إلى هذا النور فهذا مشكلتنا نحن.

لماذا لا نستطيع؟ هذا بحث آخر يرجع إلى العهود السابقة؟ إلى عصر السقيفة وما بعدها، فإذاً إذا رأينا بعض الآيات، ولم نر لها مصداقاً في الخارج، نقول لمن جاءت هذه الآية؟! جاءت إلى الناس لكنَّهم لا يطبقونها في حياتهم فلا مصداق لها إذاً، فمثلاً قوله تعالى:

{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (آل عمران/191)

يمكن أنه لا توجد هذه الصفات حتَّى في إنسان واحد غير ولي الله الأعظم روحي له الفداء، لكن هذا الأمر لا يعدُّ ضعفاً في القرآن بل هو ضعفٌ فينا نحن المبتعدون عن تعاليمه، وهناك مثلاً آيات كثيرة في مجال تربية الأولاد، لا يمكن أن تطبق فعلاً، لماذا ؟ لأن الواقع فاسد لا أرضيَّة خصبة فيه.

فما هي النتيجة إذاً؟ لا بد من مجيء يوم يطبق القرآن فيه بتمام ما للكلمة من معنى، وهو يوم ظهور الحجة بن الحسن (صلوات الله وسلامه عليه) فإذن عندما تأسست تلك الدولة المباركة، يكون للقرآن مصداقية في الخارج لأن الأرضية تتهيأ، وإذا أردنا أن نعرف دولة المهدي يجب أن نعرف القرآن ، فكل الصفات الحسنة التِّي يدعوا القرآن لها هي ظاهرة في تلك الدولة المباركة، كما أنَّها بريئة عن جميع الشرور التي ينهى القرآن عنها.

9 أنواع التفاسير

يمكننا أن نقسِّم التفاسير إلى قسمين رئيسيين هما:

1 التفسير النقلي:

وهو التفسير الذي يعتمد على الأحاديث الشريفة الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم و الأئمة المعصومين عليهم السلام، وقدماء الأصحاب كانوا يعتمدون على هذا النوع من التفسير، فكانوا في تفسيرهم للآيات الكريمة يتطرقون إلى الروايات المفسرَّة لها أو التي لها أدنى مناسبة بالآية. وأبرز الكتب التفسيرية الجامعة لهذا النمط من التفاسير في العصر المتأخِّر هي: تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني، وتفسير نور الثقلين للحويزي وأبرزها بين العامة كتاب تفسير الدر المنثور للسيوطي.

2 التفسير بالرأي:

لا نريد من التفسير بالرأي، التفسير المذموم والممنوع الذي ورد في شأنه "من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" بل نقصد بذلك التفسير الذي يكون للرأي فيه دورٌ ما، فيستفيد الإنسان من كلِّ الوسائل التي لها تأثير في فهم الآية ثم يستنتج منها. و من الواضح أنَّه ليس لكلِّ رأي اعتبار بل لا بدَّ وأن يكون على أساس قويم و برهان قاطع وفي غير هذه الصورة يكون صاحب الرأي ممن يتبوأ مقعده من النار.

10 كتب التفسير

لا بأس بذكر أهم الكتب التي كتبت في مجال التفسير سواء بين العامَّة أو الخاصة وهي أيضاً تنقسم إلى تفاسير نقلية وتفاسير بالرأي وهي باللغات المختلفة أهمُّها العربية والفارسية.

وأما أهم التفاسير العربية الإمامية فهي:

1 تفسير الإمام الحسن العسكري ( سلام الله عليه ) و هو تفسير منسوب إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام، في مجلَّدٍ واحد.

2 تفسير الحبري وهو تفسير لأبي عبد الله الكوفي الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري -رضوان الله تعالى عليه المتوفى- سنة 286هجرية قمرية وهو في مجلَّد واحدٍ أيضاً.

3 تفسير فرات الكوفي من مؤلَّفات أبي القاسم فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي - رضوان الله تعالى عليه - من علماء الغيبة الصغرى في مجلَّدٍ واحد.

4 تفسير القمي لعليِّ بن إبراهيم بن هاشم القمِّي - رضوان الله تعالى عليه - من علماء القرن الثاني في مجلَّدين.

5 تفسير العياشي لأبي النضر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي - رضوان الله تعالى عليه - من علماء القرن الثاني، والكتاب في مجلَّدين.

6 التبيان في تفسير القرآن للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن عليِّ الطوسي -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 460هجرية قمرية، في عشر مجلَّدات.

7 مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ أمين الدين أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي الطوسي -رضوان الله تعالى عليه- من علماء القرن الخامس المتوفى سنة 548هجرية قمرية والكتاب في عشر مجلَّدات.

8 جوامع الجامع أيضاً للشيخ أمين الدين أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي الطوسي -رضوان الله تعالى عليه- من علماء القرن الخامس المتوفى سنة 548هجرية قمرية والكتاب في مجلَّدين.

9 منتخب التبيان وهو المنتخب من تفسير القرآن و النكت المستخرجة من كتاب التبيان للشيخ أبي عبدالله محمَّد بن أحمد بن إدريس الحلِّي -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 598هجرية قمرية في مجلَّدين.

10 نهج البيان عن كشف معاني القرآن لمحمَّد بن الحسن الشيباني -رضوان الله تعالى عليه- من مشاهير القرن السابع وهذا الكتاب في مجلَّدٍ واحد.

11 تفسير القرآن الكريم لصدر المتألهين محمَّد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1050هجرية قمرية وهو في سبع مجلَّدات.

12 الصافي في تفسير كلام الله للمولى محسن الفيض الكاشاني -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1091هجرية قمرية في خمس مجلَّدات.

13 البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم الحسيني البحراني -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1107هجرية قمرية، في مجلَّدين.

14 تفسير نور الثقلين للشيخ عبد علي بن جمعة الحويزي -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1112هجرية قمرية، في خمس مجلَّدات.

15 تفسير المعين للمولى نور الدين محمَّد بن مرتضى الكاشاني -رضوان الله عليه- المتوفى بعد سنة 1115هجرية قمرية، في مجلَّدين.

16 الوجيز في تفسير القرآن العزيز لعلي بن الحسين بن أبي جامع العاملي -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1135هجرية قمرية، في مجلَّد واحد.

17 تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب للشيخ محمَّد بن محمَّد رضا القمِّي المشهدي -رضوان الله تعالى عليه- وهو من مشاهير القرن الثاني عشر والكتاب في 14مجلَّد.

18 تفسير القرآن الكريم للسيد عبد الله شبَّر -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى 1242هجرية قمرية، في مجلَّد واحد.

19 الجوهر الثمين في تفسير الكتاب المبين أيضاً للسيد عبد الله شبَّر -رضوان الله تعالى عليه- في ستّ مجلَّدات.

20 بيان السعادة في مقامات العبادة للحاج السلطان محمَّد الجنابذي الملقَّب بسلطان عليشاه -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1327هـ،في أربع مجلَّدات.

21 مقتنيات الدرر وملتقطات الثمر للحاج مير سيد علي الحائري الطهراني -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1340هجرية قمرية، في 12 مجلَّد.

22 تفسير القرآن الكريم للسيد مصطفى الخميني -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1397هجرية قمرية، في أربع مجلَّدات.

23 الميزان في تفسير القرآن للعلاّمة السيد محمَّد حسين الطباطبائي -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1402هجرية قمرية، في عشرين مجلَّداً.

24 الجديد في تفسير القرآن للشيخ محمَّد السبزواري النجفي -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1410هجرية قمرية، في سبع مجلَّدات.

25 تفسير الكاشف لمحمَّد جواد مغنية -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1400هجرية قمرية، في 7 مجلَّدات.

26 الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي في عشرين مجلَّداً.

27 مواهب الرحمن في تفسير القرآن للسيد عبدالأعلى الموسوي السبزواري -رضوان الله تعالى عليه-

وأمَّا أهم التفاسير باللغة الفارسية فهي:

1 روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن (تفسير أبو الفتوح الرازي) -رضوان الله تعالى عليه- للحسين بن علي محمّد بن أحمد الخزاعي النيشابوري المتوفى سنة 552 هجرية قمرية.

2 جلاء الأذهان وجلاء الأحزان لأبي المحاسن الحسين بن الحسن الجرجاني -رضوان الله تعالى عليه- وهو من أواخر القرن التاسع الهجري.

3 تفسير مواهب عليَّة (تفسير حسيني) مؤلفه كمال الدين حسين واعظ الكاشفي -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 910هجرية قمرية.

4 تفسير منهج الصادقين في إلزام المخالفين مؤلفه ملا فتح الله الكاشاني -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 988هجرية قمرية.

5 تفسير شريف لاهيجي لبهاء الدين محمد شيخعلي الشريف اللاهيجي -رضوان الله تعالى عليه- المتوفى سنة 1088هجرية قمرية.

6 تفسير اثنى عشرى للحسين بن أحمد الحسيني الشاه عبد العظيمى المتوفى 1384هـ.

7 أنوار درحشان در تفسير قرآن للسيد محمد حسيني الهمداني.

8 تفسير جامع للسيد إبراهيم البروجردي.

9 حجة التفاسير والبلاغ الأكبر (تفسير بلاغي) للسيد عبد الحجّة البلاغي.

10 كشف الحقائق عن نكت الآيات و الدقائق لمحمد كريم العلوي الحسيني الموسوي.

11 تفسير خسروي لشاهزاده على رضا ميرزا خسرواني المتوفى 1386 هجرية قمرية.

12 برتوي از قرآن للسيد محمود الطالقاني المتوفى سنة 1358 هجرية شمسية.

13 مخزن العرفان في علوم القرآن (كنز العرفان) للسيدة الجليلة (بانوي اصفهاني) المتوفية سنة 1404 هجرية قمرية.

14 تفسير عاملي مؤلفه إبراهيم العاملي.

15 روان جاويد در تفسير قرآن للميرزا محمد ثقفي الطهراني.

16 تفسير نمونة للشيخ ناصر مكارم الشيرازي.

17 تفسير أحسن الحديث للسيد على اكبر القرشي.

18 أطيب البيان في تفسير القرآن للسيد عبدالحسين طيب المتوفى سنة 1411هجرية قمرية.

19 تفسير راهنما للشيخ أكبر هاشمي رفسنجاني حفظه الله.

وأمّا تفاسير العامة فأهمُّها هي:

1 التفسير الكبير (الفخر الرازي).

2 أنوار التتريل و أسرار التأويل (البيضاوي).

3 مدارك التتريل و حقائق التأويل (النسفي).

4 لباب التأويل في معاني التتريل (الخازن).

5 البحر المحيط (أبو حيان)

6 تفسير الجلالين (الجلال المحلي والجلال السيوطي )

7 غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري)

8 السراج المنير (الخطيب الشربيني)

9 إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم (أبو السعود)

10 روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (الآلوسي)

11 جامع البيان في تفسير القرآن (الطبري)

12 بحر العلوم (أبو الليث السمرقندي)

13 الكشف والبيان عن تفسير القرآن (أبو اسحق الثعلبي)

14 معالم التتريل (الحسين بن مسعود البغدادي)

15 المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (ابن عطية الأندلسي)

16 تفسير القرآن العظيم (الحافظ عماد الدين ابن كثير)

17 الجواهر الحسان (عبد الرحمن الثعالبي)

18 الدر المنثور (جلال الدين السيوطي)

19 تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (أبو طاهر الفيروزآبادي)

20 أحكام القرآن - حنفي - (الجصاص)

21 أحكام القرآن - شافعي - (الكياالهراسي)

22 الإكليل في استنباط التتريل - شافعي - (الجلال السيوطي)

23 أحكام القرآن - مالكي - (أبوبكر بن العربي)

24 الجامع لأحكام القرآن - مالكي - (القرطبي)

25 الثمرات اليانعة - زيدي - (الفقيه يوسف الثلاثي)

11 أسـلوبنـا فـي التفسـير

لأنَّ هذا الأمر له أهمِّية كبيرة في تقبُّل القاريء مع ما سنبيِّن من تفسير القرآن الكريم، فالجدير أن نشرحه بالتفصيل فنقول:

ورد حديث في كتاب الاحتجاج للطبرسى (ره) عن أميرالمؤمنين عليه السلام حديث طويل وفيه يقول عليه السلام :

((ثم إن الله جل ذكره لسعة رحمته ورأفته بخلقه وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كلامه قسم كلامه ثلاثة اقسام : فجعل قسما منه يعرفه العالم والجاهل، وقسما لا يعرفه إلاّ من صفا ذهنه ولطف حسه وصح تمييزه ممن شرح الله صدره للاسلام)) (كتاب الإحتجاج ص253).

بملاحظة هذا الحديث والأنس بكلام الله سوف يمكننا أن نستكشف حقائق القرآن لنكون ممن شرح الله صدره، فإنَّ القرآن الذي بين أيدينا قد حافظ الله عليه من شرِّ المبدلين و المحرِّفين بأسلوب لا نظير له وذلك بتفريق آياته على سوره المختلفة بحيث لو جمع شملها لظهر منها بوضوح ما يريده سبحانه من المعنى ذلك كالجهاز الذي يتكوَّن من عشرات القطع يفرِّقها صاحبها -كي لا يسرق- ثمَّ ينقل تلك القطع وهي متفرقة من بلدٍ إلى آخر وعند وصوله إلى الغاية يجمعها مرَّة ثانية .

القرآن الكريم أشبه شيءٍ بذلك، فمن اللازم على المفسِّر أن يلاحظ جميع الآيات المتعلِّقة بالبحث ومن ثمَّ إبداء النظرية و الاستقرار على الرأي الصائب.

ثمَّ إن هذا الأمر لا يعني أنَّه يتمكَّن كلُّ إنسان صاف الذهن ولطيف الحس وصحيح التمييز من فهم كافة آيات القرآن الكريم! بل يبقى الكثير من آياته لا يمكن لغير الراسخين في العلم وهم أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام أن يعرف الترابط بينها، فيتأكَّد في مثل هذه الموارد مراجعة أحاديثهم، بل حتى في الموارد الأخرى من اللازم الرجوع إلى ما رُوي عنهم عليهم السلام من الأحاديث في تفسير الآيات المباركة تأكيداً وتعزيزاً .

ولا بأس بذكر نموذج للمورد الأوَّل أعنى ما لا تدركه أذهاننا القاصرة:

((محمد بن عبد الله الطبراني عن أبيه عن علي بن هاشم والحسن بن سكن معاً عن عبد الرزاق بن همام عن أبيه عن مينا مولى عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: وقف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم أهلُ اليمن يبشّون (من البشاشة وهي طلاقة الوجه) بشيشا، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم قال: قوم رقيقةٌ قلوبُهم راسخٌ إيمانُهم منهم المنصور يخرج في سبعين ألفا ينصر خلفي وخلف وصيي، حمائلُ سيوفهم المسَد (المسد حبل من ليف أو خوص)، فقالوا : يا رسول الله: مَنْ وصيّك ؟ قال: هو الذي أمركم بالاعتصام به، فقال عزَّ وجلّ: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" فقالوا: يا رسول الله بيِّـن لنا ما هذا الحبل ؟ فقال: هو قول الله: "إلاّ بحبل من الله وحبل من الناس" فالحبل من الله كتابُه والحبل من الناس وصييِّ فقالوا: يا رسول الله: من وصيك؟ فقال: هو الذي أنزل الله فيه "أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله" فقالوا يا رسول الله: وما جنب الله هذا ؟ فقال: هو الذي يقول الله فيه: "يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً "فوصييِّ السبيل إليَّ من بعدي. فقالوا: يا رسول الله بالذي بعثك بالحق، أرناه فقد اشتقنا إليه. فقال: هو الذي جعله الله آيه للمؤمنين المتوسمين، فإن نظرتم إليه نظر منْ كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عرفتم أنه وصيي كما عرفتم أني نبيكم، تخللوا الصفوف وتصفحوا الوجوه فمن أهوت إليه قلوبكم فإنَّه هو لأنَّ الله عزَّ وجلّ يقول في كتابه: "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم" إليه وإلى ذريته عليهم السلام. قال: فقام أبو عامر الأشعري في الأشعريين وأبو غرّة الخولاني في الخولانيين وظبيان وعثمان بن قيس وعرنة الدوسى في الدوسيين ولاحق بن علاقة فتخللوا الصفوف وتصفحوا الوجوه وأخذوا بيد الأنزع الأصلع البطين و قالوا: إلى هذا أهوت أفئدتنا يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم: أنتم بحمد الله عرفتم وصيَّ رسول الله قبل أن تعرفوه وعرفتم أنَّه هو، فرفعوا أصواتهم يبكون ويقولون: يا رسول الله نظرنا إلى القوم فلم نحنَّ لهم ولما رأيناه رجفت قلوبنا ثم اطمأنت نفوسنا وانخدشت أكبادنا وهملت أعيننا وانثلجت صدورنا حتى كأنه لنا أب ونحن له بنون. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، أنتم منهم بالمنزلة التي سبقت لكم من الله الحسنى وأنتم عن النار مبعدون قال: فبقي هؤلاء القوم المتوسمون حتى شهدوا مع أمير المؤمنين عليه السلام الجمل وصفين رحمهم الله، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم بشرهم بالجنة وأخبرهم انهم يستشهدون مع علي بن أبي طالب عليه السلام)) (بحار الأنوار ج36 ص112، بحار الأنوار ج36 ص17).

فتلاحظ كيف ربط رسول الله صلى الله عليه وآله قوله تعالى "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" بقوله "إلاّ بحبل من الله وحبل من الناس" وذلك من خلال حلقة الوصل بينهما وهو "الحبل" ثمَّ استنتج من الآية الأخيرة أنَّ هناك أمراً قد وقع في جنب الله تعالى ومن خلاله انتقل إلى قوله تعالى "أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله" وأثار سؤالاً آخر وهو : ما المقصود من جنب الله؟

وإجابة على هذا السؤال رجع إلى كلمة "يا حسرتا" التي تعطي نفس مفهوم "يا ليتني" الواردة في قوله تعالى "يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً" ومن ثمَّ يعرف المقصود من السبيل الذي هو مع الرسول وهو الوصيّ، وهكذا انتقل إلى قوله تعالى "إِنَّ فِي ذلِك لآياتٍ لِلمتوسمين" والسر في الاعتماد بهذه الآية هو الآية التِّي جاءت بعدها حيث يقول سبحانه "وإنَّها لبسبيل مقيم" فهناك إذاً حلقة وصلٍ بينهما وهو كلمة "سبيل" ثمَّ أراد الرسول منهم أن ينظروا إليه نظر "من كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد" كي يعرفوه.

وأمّا كيف اعتمد على هذه الآية وربطها بالسابقة؟ الظاهر أنَّ هناك علاقة بينها وبين تلك باعتبار أنَّ المتوسِّم هو الذي كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، مضافاً إلى أنَّ الموضوع يرتبط بالقلب والشهود وهو سبحانه يقول: "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم" وأخيراً يربط الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه المسألة بعليٍ وذريته عليهم السلام.

ثمَّ إنَّهم لمّا عثروا على الوصيِّ بنفس الموازين التِّي تعرَّفوا عليها قال صلوات الله عليه "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم" وبذلك كشف عن معنى واقع التأويل المذكور في الآية المباركة ، وأنَّه نوعٌ من تطبيق المفهوم على المصداق، ثمَّ استند على قوله تعالى "إِنَّ الَّذِين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون" حيث طبَّق الآية على هؤلاء الجماعة، وبيَّن عاقبة المحبِّين لهم عليهم السلام وأيضاً أكَّد على أنَّ الحسنى هي معرفتهم عليهم السلام .

فانظر إلى عمق هذا التفسير الصادر عن معدن الوحي والربط الحاصل بين تسعة آيات لا يمكن أن يعرف ذلك الربط إلا الله والراسخون في العلم .

وهناك مئات من الأحاديث التِّي تفسِّر القرآن بهذا الأسلوب المنطقي والذي يعمد على نفس القرآن من غير الابتعاد عنه أصلاً.

وعليـه:

لا محيص إلا إتباع طريقة الرسول وأهل بيته الكرام عليهم آلاف التحيَّة والسلام في تفسير القرآن الكريم، وأيّ تخطٍّ عنه سوف يجرُّ الإنسان إلى الضلال المبين .

وبناءً على هذا ينبغي أن نشير إلى أهم النقاط التِّي بيانها لفهم بعض عبارات القرآن بل إشاراته.

1 الالتـزام بالآيـات القرآنيـة وعـدم الخـروج منها

نشاهد الكثير من المفسِّرين، يخرجون عن مضمون الآية ويدخلون في أبحاث اجتماعية أو أخلاقية لا علاقة لها بالآية أصلاً إلا الاشتراك في العنوان، ثمَّ يأتون بالروايات والأقوال ويطنبون الحديث في مجال ذلك الموضوع ذاهلين عن أنَّهم مفسِّروا القرآن .

أمّا نحن فنحاول أن نحوم حول القرآن الكريم وآياته المباركة من غير خروج عنها ، ولو تطرَّقنا إلى أمور أخرى فسوف نمرُّ عليها مروراً سريعاً.

نعم:

لا نلتزم في تفسيرنا على الآية التي بين أيدينا فحسب، بل سوف ندخل في الآيات الأخرى التِّي لها تعلُّق ما بالآية فنربط بعضها ببعض ، كما شاهدنا في حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وليس الغرض من التفسير معرفة الآية كآيةٍ منفصلةٍ عن سائر الآيات بل الغرض هو معرفة القرآن الكريم كقرآن فلا بأس بالدخول في كلٍّ القرآن عند الحديث عن آية واحدة مادام هناك صلة بينها وبين سائر الآيات القرآنية كما هو المشاهد بخصوص سورة الفاتحة التي هي أم الكتاب، فإنَّها مشتملة على جميع المفاهيم التي وردت في القرآن ولكن بشكل مجمل.

ولكن:

حيث أنَّه ربَّما تضيع حلقات الوصل بين الآيات المباركة أو يصعب العثور عليها -كما هو كذلك في النموذج الذي نقلناه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم- فسوف ندعم كلِّ مقطعٍ أو كلِّ آية برسمٍ بيانيٍ متكاملٍ يُسهِّل في فهم المقصود عند لجوء القارئ إليه في نهاية كلِّ بحث ، وبذلك سوف تنحلُّ العقدة وتنكشف المعاني.

ولا ندَّعي أنَّنا نتمكَّن من العثور على جميع ما هو مرتبطٌ بالآية من الآيات الأخر، فادعاء ذلك من غير المعصومين عليهم السلام ينبأ عن الجهل، بل كلُّ ما نريد أن نقول هو أننا نسعى لمعرفة بعض الآيات المترابطة فما لا يدرك كلُّه لا يترك كلُّه‍!

ومن الواضح أنَّ الأبحاث القرآنيَّة التي نبيِّنها في السور الأولى لن نكرِّرها في سائر السوَر بل نحيل القارئ الكريم إلى ما مضى ، وعليه كلَّما نتقدَّم في التفسير سوف تقلّ الأبحاث، اللهم إلا لو كانت الآية ذات مضمون آخر لم نتحدَّث عنه سابقاً أو كان البحث السابق غير مستوعَب.

ونؤكِّد مرَّة أخرى على أنَّ كلَّ ذلك غير ممكن إلا بالاعتماد على الثقل الآخر وهم أهل البيت عليهم السلام .

2 الاهتـمام البـالغ بالأحـاديـث المفسِّـرة

الأحاديث الشريفة لها الدور الكبير في معرفة كثير من الآيات القرآنية وكشف الغموض منها لأنَّه لا يعرف القرآن إلا من خوطب به، ولذلك سوف نستفيد من الأحاديث التي تشير إلى الآية فقط وأمّا سائر الأحاديث الواردة في أبواب أخرى لا علاقة لها بالآية إلا من باب الاشتراك الموضوعي، فلا نذكرها أصلاً.

3 عـدم التطـرق إلى أقـوال المفسِّـرين إلا ما شذَّ وندر

وهذا لا يعني أننا لن نلاحظ الأقوال بل الأمر بالعكس تماماً، فسوف نلاحظ كلام جميع المفسرين بعون الله وسوف نستفيد من النقاط العلمية التي ذكروها حيث لا يمكننا أن نستغنيَ عنها إلاّ أننا لن ننقل القرآت ووجوه الإعراب والأقوال التِّي تطرَّقوا إليها تلك الأقوال التي لا دليل عليها حيث أنَّ ذلك سوف يوجب ذلك يوجب الحيرة والالتباس، مضافاً إلى أنَّه لا داعي للتكرار فمن أراد فليراجع تلك المصنَّفات، وقد اتَّبع هذا الأسلوب العلامة الطباطبائي (رضوان الله تعالى عليه).

نعم تبقى عقَدٌ كثيرة لا يمكننا أن نحلَّها إلا بمراجعة من هو جدير بتفسير القرآن الكريم، ومن خلال البحث في كتب القوم ومراجعة كتب الإمام الخميني قدِّس سرُّه خصوصاً تفسيره لسورة الحمد وسورة التوحيد والقدر وكثيرٍ من الآيات وصلنا إلى قناعة كاملةٍ بالنسبة إلى آراءه المباركة دعماً وشاهداً.

4 التـدبُّـر والاسـتنتـاج

إنّ القرآن الكريم يؤكِّد على التلاوة ومن ثمَّ التدبُّر والتمعُّن كما هو واضح ، فليس من الضروري أن يتحدَّث الإنسان عن كلٍّ آية ويشرحها مادام هناك آية أخرى شارحة لها، ولهذا نحن لا نلزم في تفسيرنا هذا بشرح كلِّ الآيات التِّي نذكرها كدليل على المدَّعى أو شاهدٍ له، بل ربَّما ذكرنا آيةً أو آياتٍ مترابطة من غير أن نعلِّق عليها تاركين القارئ اللبق يفكِّر ويتدبَّر ليعثر على ضالته .

نعم، الأمر يختلف بخصوص الآية الرئيسيَّة التي هي محور البحث، فلا بدَّ من شرح مفرداتها والتعمُّق فيها بالمستوى المطلوب.

5 الاعتـماد عـلى سـياق الآيـات

إنَّ أهم ما ينبغي اتباعه في تفسير القرآن الكريم هو السياق ،ونعني به هو نمط البيان وأسلوب الخطاب ، وهذا ليس له ميزان محدَّد، بل هو يرتبط ارتباطاً مباشراً بأمور كثيرة، أهمُّها لحن البيان مثل التعجب والاستفهام والتحريض والتهديد وما إلى ذلك، فالكلمة الصادرة عنه تعالى تختلف من مقامٍ إلى مقام، فهناك فرق كبير بين قوله تعالى {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}(البقرة/65) وقولـه {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا}(الإسراء/50) وقوله {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا}(البقرة/135) وكذلك قوله تعالى {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ}(المائدة/91).، وقوله{فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا}(الأعراف/44) وقوله{فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(هود/14) وقوله{فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ}(غافر/11) وقوله {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}(القمر/15).

من خلال هذه الأمثلة لا أريد القول بأنَّ السياق يرتبط بالصيَغ كصيغة الأمر في "كونوا" أو الأدوات كـ"هل"، بل أردت أن أبيِّن نموذجاً له، وأما حقيقة المسألة فهي أوسع من هذه الأمور، فموارد السياق لا تعدُّ ولا تُحصى، وسيتَّضح لك المراد منه في مطاوي التفسير إن شاء الله تعالى.

ثمَّ إنَّ هناك أمر رئيسي له دور مهمٌّ في معرفة السياق وهو:

6 الاعتـماد على المقاطـع المختـلفة في السـورة الواحـدة

فمن أراد أن يفسِّر القرآن الكريم ينبغي له مضافاً إلى فهم الآية الخاصَّة أن يلاحظ المقطع الكامل الذي يشتمل على الآية المباركة، فحينئذٍ سوف يستفيض من روح الآيات وملكوتها.

ولتوضيح الأمر نستعرض مثالاً واضحاً يتعلَّق بأم الكتاب أعني سورة الحمد الآتي في هذا الكتاب:

فهذه السورة تقع في مقطعين رئيسيين:

أحدهما: يرتبط بالله تعالى والآخر: يرتبط بالناس.

فقوله تعالى {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ*الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ*مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}(الفاتحة/4:1) يرجع إلى الله، وقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ*اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ*صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }(الفاتحة/7:5) يتعلَّق بالناس، فعلى المفسِّر أن يفصل بين المقطعين ليفهم المعنى ثمَّ يربط بينهما.

وينبغي أن ننبِّه على أنَّه ليس هناك ميزاناً معيَّناً لعدد الآيات التي تشكِّل مقطعاً متكاملاً، فربَّما تكون أربعة وثلاثة كما في سورة الحمد أو تكون تسعة كما في سورة الأحزاب حيث يبدأ مقطع جديد من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ِلأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً} (الأحزاب/28) وينتهي بقوله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا} (الأحزاب/36) أو تكون الآيات أكثر.

ونحن نركِّز على المقاطع كمجموعة متكاملة ونحاول أن نستخرج تفسيراً للمجموعة وتفسيراً للآية .

7 ملاحـظة أدوات الربـط بيـن الآيـات

الملاحظ في كثير من السور القرآنية أنَّ هناك كلمات لها دورٌ مهم لربط ما في السورة من مقاطع مختلفة ذلك لئلا ينسى القاريء بداية السورة وهو في أواسطها أو نهايتها، انطلاقاً من حقيقة "تداعي المعاني في الذهن" التي لها أهمِّية بالغة في علم النفس، فينبغي للمفسِّر أن يلاحظ تلك الكلمات ويتعرَّف عليه ليتمكَّن من معرفة الجوّ المخيِّم على السورة من البعد الهدائي، فإنَّ ذلك من أهمّ الأسس في تفسير القرآن الكريم.

مثال:

توضيحاً للمقصود نذكر مثالاً يتعلَّق بسورة يوسف التِّي يوصفها الله بأنَّها "أحسن القصص" فهذه السورة تشتمل على أربعة مقاطع :

1 انتهى بقضيَّة النسوة.

2 انتهى بتفسير رؤيا صاحب السجن.

3 انتهى بمجيء أخوة يوسف.

4 وانتهى بمجي أبيه وأمِّه.

تلاحظ أنّه قد كرِّرت كلمتان في جميع مقاطع السورة، وهما "الربّ" "المراودة" رغم أنَّه لا يقصد منهما معنىً واحداً فالسرّ في تكرار الكلمة يرجع إلى الأمر الذي بيَّناه، فبالنسبة إلى كلمة الرب فقد وردت مع ضمير التكلِّم "ربِّي" ثمان مرّات، ومع ضمير الخطاب "ربّك" أربع مرّات، ومع ضمير الغيبة "ربّه" أربع مرات أيضاً رغم أنَّ المقصود منها ليس أمراً واحداً بل في بعض الموارد يقصد منها الملك كقوله {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} (يوسف/42) وربَّما أريد منها الله تعالى {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} (يوسف/53) وربَّما جمع بينهما كقوله: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} (يوسف/50).

فهذه الكلمة هي الخيط الذي يربط كافة أبعاد السورة المباركة ويوَّجِّه مسيرتها الهدائية.

وأمّا بالنسبة إلى المراودة فهي أيضاً لها نفس الدور أعني الربط بين المفاهيم المختلفة في السورة ربطاً هدائيّاً رغم أنَّه لا يقصد منها معنىً واحد، فالذي يرعي الإنتباه أنَّ الكلمة قد وردت في غير هذه السورة في مورد واحد فقط يتعلَّق بلوط حيث يقول: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} (القمر/37).

وأمّا في خصوص هذه السورة فقد وردت في ستة مواضع وهي: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}(يوسف/23)، ثمَّ جاءت بعد ذلك {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}(يوسف/26)، وتكررت في قوله {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} (يوسف/30)، وقوله{قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ}(يوسف/32)، وقوله {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ}(يوسف/51).

فهذه خمس مواضع وردت فيها الكلمة بصيَغِها المختلفة، فياترى ما هو السرّ في ذلك؟

عندما نقرأ الآية التالية {قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ}(يوسف/61)، وقد وردت في آخر مقطع من السورة المباركة يمكننا أن نتعرَّف على أحد أسرار ذلك، فكأنَّه سبحانه يريد من الإنسان وهو يقرأ هذه الآية التِّي تبيِّن مستوى يوسف ومكانته في قبال إخوته ومستوى ذلِّهم وتواضعهم في قباله، أن لا ينسى يوسف وهو في بيت العزيز وبين النسوة وفي السجن، كي يستلهم من ذلك أمراً حيويّاً له تأثير كبير في حياته فيعرف قدرة الله تعالى وكيفيَّة إعزازه من يشاء وإذلاله من يشاء، فيهتدي بهدى القرآن وبهذا تمكَّن سبحانه من تحقيق هدفه الذي هو الهداية .

والحاصل أنَّنا سوف نركِّز في تفسيرنا على هذا الجانب أيضاً.

نتمنَّى منه تعالى التوفيق للسير على السبيل القويم الذي لا عوج فيه، ونستعينه ليسدِّد خُطانا لعلَّنا نُوفَّق في استمرار هذا العمل المتواضع وإكماله، ونستغفره على كلِّ حال فإننا المذنبون وهو اللطيف بعباده.