فلسـطين
المؤرخ السيد حسن الأمين

 

حـدودها

يحد فلسطين من الغرب البحر الأبيض المتوسط, على ساحل طوله نحو 224 كيلومترا ومن الشرق سوريا- ويبلغ طول الحدود بين القطرين 70 كيلومتر- والأردن على حدود طولها نحو 360 كلم، ومن الشمال لبنان - على حدود طولها 79 كلم وسوريا، ومن الجنوب سيناء وخليج العقبة. ويبلغ طول الحدود المصرية الفلسطينية بين رأس طابا على خليج العقبة ورفح على البحر الأبيض المتوسط نحو 240 كلم هذا وطول الساحل الفلسطيني الواقع على خليج العقبة عشرة كيلومترات ونصف الكيلومتر.

 تعينت الحدود بين فلسطين من جهة ولبنان وسوريا من جهة أخرى بموجب الاتفاق الفرنسي- البريطاني المنعقد في /12/1920 وفي عام 1922- 1923 عدلت هذه الحدود فأدخلت ضمن حدود فلسطين بعض الأراضي السورية القريبة من نهري بانياس والحاصباني وكذلك بعض المواقع اللبنانية وكان أهم ما أخذ من لبنان هو منطقة (الحولة) التي كان اليهود يمهدون لشرائها ثم اشتروها، وكذلك جزء من جبل عامل فيه بلدة هونين. وبموجب هذا الاتفاق تسير الحدود من "رأس الناقورة" الواقع على البحر الأبيض المتوسط باتجاه الشرق إلى قرية "يارون" في لبنان. ومن ثم يسير باتجاه الشمال الشرقي إلى "القدس" و"المطلة" في فلسطين، وعبر وادي الأردن إلى "تل القاضي" في فلسطين، وإلى "بانياس" في سوريا. وبعد ذلك يسير خط الحدود باتجاه الجنوب الغربي إلى"جسر بنات يعقوب " ومن ثم يسير باتجاه الجنوب على طول نهر الأردن حتى بحيرة طبرية، وساحلها الشرقي إلى نقطة تكاد تكون من مدينة طبرية حيث ينحرف خط الحدود في اتجاه الجنوب الشرقي إلى أن يصل محطة "الحمة" الواقعة على سكة حديد درعا- سمخ. وحسب هذا التحديد تقع جميع "بحيرة الحولة" وحوضها، و"بحيرة طبرية" بأكملها في فلسطين.

ويتألف القسم الفلسطيني الواقع شرقي البحيرتين من قطاع ضيق يمتد على طول ساحل بحيرة الحولة الشرقي، وقطعة ضيقة تقع شرقي بحيرة طبرية يتراوح عرضها بين 10-2000 متر على أكثر تعديل. وأما الحدود مع شرقي الأردن فقد حددها المندوب السامي البريطاني لفلسطين وشرقي الأردن في ا أيلول 1922. وهي تبدأ من نقطة اتصال اليرموك بالأردن فتسير جنوبا من منتصف مجرى نهر الأردن وبحيرة لوط ووادي العربة حيث تنتهي في ساحل خليج العقبة على بعد ميلين غربي مدينة العقبة.                                           

وكانت الحدود بين فلسطين ومصر قد حددت بموجب الاتفاقية المعقودة في 12 شعبان 1324 أول أكتوبر- تشرين الأول- 1906 م. بين خديوية مصر والحكومة العثمانية. وتمتد الحدود من "تل الخرائب" في "رفح" على ساحل البحر الأبيض المتوسط وتنتهي في "رأس طابا" على خليج العقبة. وخط الحدو هذا يكاد يكون في امتداده مستقيم

كان العثمانيون يعتبرون هذه الحدود حدودا إدارية تفصل بين (خديوية مصر التي كانت لهم عليها سيادة اسمية- وبين ولاية سورية ومتصرفية القدس.

   

مسـاحة فلسطين السطحيّـة

 تبلغ حوالي (27009) كيلومترات مربعة: 10421 ميلأ مربعأ، من هذه المساحة (704) كيلومترات مربعة : 262 ميلا مربعا، مساحة بحيرة الحولة وبحيرة طبرية ونصف مساحة البحر الميت. ولا يمكن اعتبار أرقام مساحة البلاد صحيحة ونهائية، وذلك لعدم تعيين الحدود في "وادي عربة" بين فلسطين وشرقي الأردن. فقد جعل الحد في وسط الوادي ولكنه لم يعين حتى نهاية الحكم البريطاني فضلا عن مجرى نهر الأردن الذي يفصل بين البلدين، عرضة للتغيرات الكثيرة, الأمر الذي يؤثر في خط الحدود, وبالتالي في مساحة البلاد. ان الوكالة اليهودية تذكر في صفحة 435 من احصاءاتها المطبوعة في عام 1947 بأن ما يملكه اليهود من ارض فلسطين, في نهاية شهر أيلول من عام 1946 بلغ 18070000 أي ما يعادل 6,8%  من جميع أراضي البلاد.

وتوزع الدونمات عليها كما يلي:

-       175000 أجرتها الحكومة للوكالة اليهودية.

-       325000 منحتها الحكومة للوكالة اليهودية وهي من أملاك الدولة.

- 420600 ما حصل عليه اليهود في عهد الدولة العثمانية- حسب إحصاءات  الوكالة اليهودية- وذلك بعد جهود عظيمة بذلت خلال خمسين عاما في العهد المذكور، وهذه الدونمات تعادل نحو 6،1% من مجموع مساحة البلاد باع العرب هذه المساحة في وقت لم يعلموا فيه شيئا عن الغايات الصهيونية.   

- 261400 مساحة الأراضي التي اشتراها اليهود من عرب فلسطين. وبعضها نتيجة لقانون نزع الملكية وتنفيذا لأحكام أصدرتها المحاكم المختصة، أو لظروف اقتصادية بالغة القسوة والشدة.

-       625000 ما باعه الأقطاعيون من بعض (اللبنانيين ) و(السوريين) من غيرأهل فلسطين وتفصيلها كمايلي: 1807000 دونم .

- 400000 دونم في مرج بني عامر 156000 دونم في أراضي امتياز بحيرة الحولة 32000 دونم أراضي امتياز وادي الحوارث 28000 دونم من أراضي أقضية الناصرة وصفد وعكا وبيسان وجنين وطول كرم. ويتضح من هذه الأرقام بأن الفلسطينيين باعوا، ومعظمهم تحت ظروف قاهرة، أقل من 1% من مجموع مساحة البلاد البرية. وفي آخر إحصاء للأعداء أنهم كانوا يملكون في نهاية الانتداب البريطاني من فلسطين 15،7% من مجموع مساحة ا لبلاد. هذا والدونم يساوي ألف متر مربع أو 10/1 من هكتار. والفدان الواحد يساوي 0,405 من الهكتار.

   

عـدد السّـكان

قدر العثمانيون سكان فلسطين في عام 1914 العام الذي أعلنت فيه الحرب العالمية الأولى ب689275 نسمة 8% منهم من اليهود. وكان عدد سكان فلسطين حسب التقدير الرسمي، في سنة 1920م  673000 نسمة منهم 0 521000 من المسلمين .67000 من اليهود و78000 من المسيحيين و7000 من المذاهب الأخرى. وفي الإحصاء الذي أجراه البريطانيون في 22 تشرين الأول (أكتوبر) من عام1922 بلغ عدد السكان 757182 نسمة بينهم 83794 يهوديا، والباقي عرب يعودون في أصولهم إلى العناصر العربية التي هاجرت قديما من الجزيرة العربية وسكنت في هذه البقعة المقدسة من الوطن العربي.                                     

وفي 13 اذار من عام 1947 م قدر عدد سكان البلاد بنحو 193367 نسمة على حساب عدد بدو بئر السبع هو 47981 كما جاء في إحصاء عام 1931. ولما كان عدد هؤلاء البدو بلغ في إحصاء فني سري دقيق، أجرته الحكومة عام 1946، 91934  نسمة فيكون عدد سكان فلسطين هو:

 1933673-47981×91934=1977626 نسمة. بينهم 614239 يهوديا، وهذا يعادل نحو 31% من مجموع السكان وفي اخر إحصاء للأعداء أن عددهم بلغ عند نهاية الانتداب حوالي 650000 نسمة إلا أن معظم هؤلاء اليهود كانوا من المهاجرين الذين دخلوا البلاد بالقوة، وخلافا لرغبات سكانها الأصليين فلا يمكن اعتبارهم كالسكان العرب مواطنين فلسطينيين شرعيين بأي حال من الأحوال، وعليه فإن النسبة المذكورة أكثر من الواقع بكثير.                                        

   

تطـور قضيـة فلسـطين

 وفيما يلي كلمة للدكتور عبد الوهاب الكيالي عن الحركة الصهيونية منذ سنة 1897 حتى سنة 1947 السنة المشؤومة التي تمزقت فيها فلسطين. أما ما أتى بعد ذلك فسيكون له دراسات مستغلة نرجو أن نوفق لاستيعابها.

قال الدكتور الكيّـالي :

تعود جذور الصراع العربي- الصهيوني المعاصر إلى ثلاث ظواهر متداخلة متفاعلة متناقصة، برزت فى القرن التاسع عشر وحددت الإطار العام للحركة الجدلية التاريخية في المنطقة العربية :

أولاً : الظاهرة الإمبريالية وأطماع الغرب في المنطقة.

ثانيا : ظاهرة اليقظة القومية التحررية عند العرب.

ثالثا : الظاهرة الصهيونية الاستيطانية الإجلائية وهي ظاهرة وثيقة الصلة والتحالف بالظاهرة الأولى كما سنبين.

 

لفلسطين أهمية تاريخية وروحية وجغرافية واستراتيجية فريدة. فهي قلب الوطن العربي وواسطة عقدة وهي التي تصل أوروبا بآسيا وإفريقيا، وهي مهد الديانات التوحيدية الكبرى في التاريخ وملتقى الحضارات ومن أهم بقاع الأرض قاطبة من النواحي الاستراتيجية والسياحية والدينية. ومن هنا كانت أطماع الدول الغربية في فلسطين قديمة العهد، تشهد بقوتها ومداها الغزوات الصليبية المتعاقبة.

وقد استعاد الغرب اهتمامه الشديد بمنطقتنا في أعقاب احتلال بريطانيا للهند في القرن السابع عشر وبروز الأساطيل الغربية لتأمين المواصلات والتجارة بين الدول الأوروبية ومستعمراتها. كما أيقظت حملة نابليون بونابرت على مصر وفلسطين في أواخر القرن الثامن عشر وأطماع بريطانيا ورغبتها في السيطرة المباشرة نظرا إلى ما انطوت عليه حملة نابليون من تهديد خير للمصالح البريطانية. من هنا إن بريطانيا حرصت على الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية كحاجز في وجه أطماع الدولة الغربية الأخرى وعارضت قيام أية قوة حقيقية محلية في المنطقة. وهكذا نظرت بريطانيا في قلق بالغ إلى بروز محمد علي الكبير في مصر ما لبث أن تحول إلى تدخل عسكري عندما هزمت جيوش محمد علي (بقيادة ابنه إبراهيم باشا) الجيوش العثمانية ووحدت مصر وسوريا الطبيعية مهددة بذلك استنبول عاصمة الدولة العثمانية ومعها مصالح الدول الغربية وامتيازاتها في المنطقة. أثار تقدم جيوش محمد علي في المشرق العربي ما عرف بـ "المسألة الشرقية" واستتبع ذلك إقدام بريطانيا على الالتزام بسياسة ثابتة هدفها الحفاظ على المصالح التجارية البريطانية في المنطقة، تحت ستار حماية الأقليات الدينية، وذلك عن طريق الحيلولة دون قيام دولة موحدة تضم مصر وسوريا تستطيع أن تهدد نفوذ الدولة الأجنبية ومصالحها.

وكان من جراء تلك السياسة أن أقامت بريطانيا أول قنصلية غربية في القدس عام 1839 وجهت معظم جهودها ونشاطها إلى حماية الجالية اليهودية في فلسطين التي لم تكن تتجاوز تسعة الاف وسبعمائة نسمة. وحاولت بريطانيا استقدام جاليات يهودية لأسباب ودوافع استعمارية بينها في وضوح الفايكونت بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا في رسالة بعث بها إلى سفيره في إستانبول شرح فيها المنافع السياسية والمادية التي تعود على السلطان العثماني من جراء تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإقامة حاجز بشري استعماري يحول دون قيام دولة موحدة تضم المشرق العري وإفريقيا العربية.

"إن عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين بدعوة من السلطان وتحت حمايته تشكل سدا في وجه مخططات شريرة يعدها محمد علي أو من يخلفه".

وقد تبنى فكرة بالمرستون في هذا الصدد رجال السياسة الاستعمارية البريطانية الذين توالوا على الحكم في بريطانيا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ولا شك في أن شق قناة السويس واحتلال بريطانيا لمصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان لهما أعمق الأثر في تفكير الساسة الإنكليز الاستراتيجي بالنسبة إلى أهمية فلسطين وضرورة السيطرة عليها وأدى بالتالي إلى تزايد الحماسة لفكرة إقامة مستعمرة يهودية تحت الحماية البريطانية فيها.

   

نشـوء الحـركة الصهيونية

وعلى رغم تبني بالمرستون للفكرة الصهيونية فإن الفكرة الصهيونية السياسية لم تأخذ في شق طريقها إلا بعدما فشلت الأفكار الليبرالية التي نادت بها الثورة الفرنسية في فرض مبادئ الإخاء والمساواة على المجتمعات الأوروبية، وبعدما اتضح أن الأكثرية الساحقة من اليهود عجزت عن الانصهار في المجتمعات التي تغيم فيها أو أن هذه الأكثرية رفضت ذلك. وهكذا جاءت الفكرة الصهيونية كتعبير عن فقدان الأمل في قيام مجتمعات أوروبية تحررية عادلة قادرة على استيعاب اليهود اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وكاستجابة لرغبة الدولة الاستعمارية الكبرى في استخدام الجاليات اليهودية لأغراض استعمار الشعوب المختلفة. وقد لاقى ذلك تشجيعا من كبار الرأسماليين اليهود في غرب أوروبا الذين كانوا يرغبون في تحويل سبل الهجرة اليهودية من أوروبا الشرقية (نتيجة زحف الرأسمالية الصناعية إليها وفقدان اليهود مكانتهم ووظائفهم التقليدية) إلى خارج أوروبا لتجنب نتائج منافسة اليهود الوافدين للبورجوازية الصغيرة في أوروبا الغربية وعواقب البطالة في إثارة النعرات اللاسامية عند الطبقات الشعبية.

وفي مطلع ستينات القرن التاسع عشر أخذ بعض المفكرين اليهود في الدعوة إلى العمل من أجل "العودة إلى فلسطين واستعمارها وكان أولهم هيرش كاليشر وذلك في كتابه "البحث عن صهيون" الصادر عام 1861 وفي العام التالي نشر مؤسس هس كتابه "روما والقدس" الذي نادى فيه بإقامة دولة يهودية في فلسطين. أما معاصرهما دافيد غوردن فقد نادى بما سماه "دين العمل " مشددا على أهمية استعمار اليهود لفلسطين والعمل اليدوي لتحويل اليهود إلى أمة كغيرها من الأمم. ويعتبر كتاب ليون بينكر التحرير الذاتي الصادر عام 1882 والذي حلل الوضع اليهودي العام وخلص إلى المناداة بوطن قومي يهودي في فلسطين أو أميركا، أقوى الكتابات الصهيونية وأعمقها أثرا.

لكن الصهيونية بقيت مع ذلك فكرة معزولة عن جماهير اليهود حتى العام 1881 عندما اضطرت أعداد ضخمة من هؤلاء إلى النزوح عن روسيا نتيجة المجازر التي وقعت ضدهم أثر اغتيال القيصر الروسي الكسندر الثاني. وكان من نتائج المجازر انهيار الحركة الاندماجية اليهودية وقيام جمعيات صهيونية محلية مكانها باسم "حب صهيون" (نسبة إلى جبل صهيون في القدس ). وطرحت هذه الجمعيات مسألة استيطان اليهود لفلسطين كاحتمال عملي كما درست إحياء اللغة العبرية لتصبح لغة غالبية اليهود عوضا عن اليديشية التي كانت أقرب إلى الألمانية.

أدت المجازر الروسية من جهة ونشوء جمعيات "حب صهيون" من جهة أخرى إلى قيام بضع مئات من الشباب الصهيوني بحركة "البيلو" التي عملت على تهجير اليهود إلى فلسطين بقصد الاستيطان وتمكنت عام 1882 من إيصال 20 مستعمرا يهوديا إلى فلسطين شكلوا طليعة ما اصطلح على تسميته الهجرة الأولى. وحول هؤلاء قرى عربية نائية عدة إلى مستعمرات صهيونية شكلت في ما بعد المراكز الرئيسية للاستعمار الزراعي الصهيوني في المراحل اللاحقة لكن هؤلاء "الرواد" واجهوا مشاكل شائكة لم تكن في حسبانهم، فقد كانوا يجهلون أساليب الزراعة إضافة إلى عدم تعودهم الطقس وصعوبة المعيشة وغير ذلك من العوامل التي جعلتهم في حالة من اليأس الشديد.

وبقيت الحركة الصهيونية مبعثرة تفتقر إلى التنظيم الشامل والخطة الواضحة والجهاز القادر على تنفيذها إلى أن تمكن يهودي نمساوي اسمه تيودور هرتزل من عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية في 27 آب 1897، في حضور 4 0 2 مندوبين يمثلون جمعيات صهيونية متناثرة في أرجاء مختلفة. وتمخض هذا المؤتمر عن رسم أهداف الحركة الصهيونية، في ما عرف ببرنامج بازل، وإنشاء الإدارة التنيمية لتنفيذ هذا البرنامج: المنظمة الصهيونية العالمية التي حددت أغراضها بالعمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والصناعيين وتغذية الشعور القومي اليهودي وتنظيم اليهودية العالمية والحصول على الموافقة الحكومية الضرورية لتحقيق أهداف الصهيونية.

وعلى رغم تأييد بريطانيا والدولة الغربية الأخرى للصهيونية ولمشاريع هرتزل فقد فشلت جميع محاولاته لحمل السلطان العثماني عبد الحميد على منح اليهود الحق في فلسطين. ولهذا السبب قررت المنظمة الصهيونية غزو فلسطين عن طريق التسلل والهجرة التدريجية. وخلال الفترة 1905-1907 بدأ ما يسمى "الهجرة الثانية" التي كان من أبرز قادتها دافيد بن غوريون. وقد وجدت الحركة الصهيونية في ثورة "تركيا الفتاة" عام 1908 وحركة الاتحاد والترقي فرصة لزيادة الهجرة والاستيلاء على الأراضي والاستيطان نظرا إلى التعاطفط الذي أبداه عدد من القادة العسكريين الذين شاركوافي الحكم الجديد، بعد العام 1908، إلا أنهم اصطدموا بمعارضة عربية قوية.

   

يقظـة العـرب

شهد القرن التاسع عشر احتكاكا حضاريا مهما بين الغرب والمنطقة العربية وخصوصا في مصر والمشرق أدى إلى تفاعلات بعيدة الأثر. فمع فتوحات نابليون أدخلت وسائل الطباعة الحديثة وتسربت بعض الأفكار الجديدة، ومع بروز محمد علي الكبير جاءت محاولات تحديث مصر في مختلف الحقول الاقتصادية والثقافية مما تطلب إيفاد البعثات الدراسية إلى الغرب والانفتاح على أفكاره وحضارته ولا سيما أفكار الثورة الفرنسية والفكرة القومية الليبرالية. وكانت بداية ظهور الوعي السياسي التيقظ للرابط القومي العربي والمطالبة بالتحرر والاستقلال سابقة لبداية بروز الحركة الصهيونية في طورها التنظيمي. وقد تتبع جورج أنطونيوس فى كتابه القيم "يقظة العرب" إرهاصات الحركة العربية الحديثة منذ عام 1868 في الجمعية السورية العلمية السرية حيث أطلق رواد النهضة الأدبية والعلمية العربية الحديثة صرختهم الشهيرة "تنبهوا واستفيقوا أيها العرب" والتي بفضلها أمكن عام 1875 تأسيس أول حركة قومية سرية.

والواقع أن تقارير قناصل الدول الغربية تلقي المزيد من الضوء على التحرك السياسي القومي في تلك الفترة وتؤكد الطابع الوحدوي العربي والتحرري لهذا التحرك. ولم يكن عرب فلسطين معزولين عن التيارات والاتجاهات السياسية الجديدة في المنطقة. وبحسب شهادة القنصل البريطاني في القدس فإن عرب فلسطين أبدوا تجاربا في يافا والقدس مع ثورة أحمد عرابي ووقوفه ضد الاحتلال البريطاني لمصر. كما أنهم تعاطفوا مع ثورة المهدي في السودان "كعربي يناضل من أجل جنسه (العربي ) ضد السيطرة العثمانية وسوء الحكم العثماني".

ومن المهم أن نلاحظ أنه لم يرافق يقظة الشعور القومي عند العرب في القرن التاسع عشر أي شكل من أشكال العداء لليهود قبل بداية الغزو الصهيوني والهجرة الصهيونية الأولى عام 1882. كان رد الفعل الأولي هو رد الفعل الطبيعي لشعب أخذ يستيقظ، محب لأرضه، متمسك بها وبتاريخه إزاء محاولات الغزو والاغتصاب. ففي الريف بدأ أول اصطدام مسلح بين الفلاحين العرب والغزاة الصهيونيين عام 1886 عندما هاجم الفلاحون المطرودون من الخضيرة وملبس (بتاح تيكفا) قراهم المغتصبة التي أجلوا عنها على رغم إرادتهم. أما في المدن فقد أثارت الهجرة اليهودية الجديدة مخاوف المهنيين والتجار وبادرت هذه القطاعات وغيرها إلى تقديم عرائض احتجاج إلى الصدر الأعظم طالبوا فيها بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين وتحريم استملاكهم للأراضي فيها في مطلع العقد الأخير من القرن التاسع عشر. واشتدت الحملات المناوئة للصهيونية في أعقاب المؤتمر الصهيوني الأول انطلاقا من إدراك حقيقة هدف الصهيونية في إقامة دولة يهودية في فلسطين، واتخذت شكلا تنظيميا محدودا وحالت دون حصول اليهود على أراض زراعية جديدة لسنوات وكان لمشاعر الفلسطينيين العرب صدى لدى المفكرين العرب كما كان لهذه المشاعر أثرها في مواقف السلطان عبد الحميد نفسه.

وبقيام ثورة 1908 وإعلان الدستور وإجراء انتخابات الهيئة التشريعية (المبعوثان) دخلت المناطق العربية في الإمبراطورية العثمانية مرحلة جديدة نظرا إلى ما تضمنه الدستور من إطلاق بعض الحريات وحق إصدار الصحف والى الآمال الواسعة التي علقت على المرحلة الجديدة. ولكن سرعان ما اتضح أن دعاة الإصلاح الدستوري الأتراك هم من غلاة العنصريين الأتراك الذين يكنون للعرب الحقد الأمر الذي دفع الشبان العرب في استنبول إلى تبني آراء ثورية والبدء بتأسيس جمعيات سرية ("القحطانية" و"العربية الفتاة") إضافة إلى إقامة النوادي الاجتماعية والأدبية (المنتدى الأدبي ) واتخاذها ستارا لبث روح القومية العربية. وكانت جمعية "العربية الفتاة" أول جمعية تطالب بالاستقلال الكامل لا مجرد الحكم الذاتي للعرب ضمن الإمبراطورية. وأدى نشاط الجمعيات المختلفة إلى تحرك سياسي واسع مما دفع السلطات العثمانية إلى القيام بحملة اعتقالات شملت السياسيين والصحفيين.

   

1908-1914

 أثار توافد يهود "الهجرة الثانية" الذين كانوا يتمتعون بدرجة عالية من التنظيم والتزمت الصهيوني المتمثل في مقاطعة اليد العاملة العربية مقاطعة تامة، استياء الفلاحين العرب ورافقت هذا الاستياء موجة من الغضب على الملاكين الإقطاعيين الغائبين، بعضهم من غير الفلسطينيين وبعضهم من التجار، الذين كانوا يجنون الأرباح من بيع الأراضي للصهيونيين وبحلول 1909 أصبحت معارضة الهجرة الصهيونية موضوع الأحاديث الدائمة للناس وعبرت عن ذلك الصحيفتان الفلسطينيتان الوحيدتان في ذلك الحين "الأصمعي" و"الكرمل "، ثم انتقلت معارضة الصهيونية إلى صحف دمشق وبيروت كما تولى نواب فلسطين في المبعوثان التعبير عن معارضة العرب الفلسطينيين للصهيونية والهجرة اليهودية. ولم يكتف العرب بتسجيل الاحتجاجات وإرسال البرقيات إذ شهد العام 1910 ظهور دعوة إلى مقاطعة البضائع اليهودية ردا على مقاطعة الصهيونيين للبضائع والأيدي العاملة العربية.

وفي العام 1911 قام "الحزب الوطني العثماني " الذي كرس جهوده لمحاربة الخطر الصهيوني على فلسطين. وفي آب 1913 أعلنت صحيفة "فلسطين" في أحد أعدادها أنها ستضطر إلى زيادة عدد صفحاتها حتى تتمكن من استيعاب العدد المتزايد من العرائض والاحتجاجات الواردة ضد الصهيونية وفي الشهر نفسه نشرت صحيفة الكرمل في صفحتها الأولى نبأ قيام تظاهرة كبيرة في نابلس ضد اعتزام الحكومة بيع أراضي بيسان التابعة للدولة لليهود، وما لبثت أن أعلنت الصحيفة قيام "جمعية مكافحة الصهيونية" التي اتخذت من نابلس مقرها الرئيسي لإنشاء فروع لها في بعض المدن الفلسطينية الأخرى.

وفي السابع من تموز 1913 نشرت االكرمل نداء إلى الفلسطينيين  تلقته من القدس جاء فيه :

"،. .هل تقبلون أن تصبحوا عبيدا للصهيونيين الذي جاءوا لطردكم من بلادكم مدعين أنها بلادهم ؟.. أيرضيكم ذلك أيها المسلمون والسوريون والعرب. . إننا نؤثر الموت على أن نسمح بأن يحدث ذلك".

 

وحث النداء الشعب على الضغط على الحكومة لحظر بيع الأراضي الأميرية للأجانب وتشجيع الصناعات الوطنية ومحاربة الهجرة والنهوض بالصناعات والمهن الزراعية وعدم الاعتماد على الحكومة في كل ذلك. وكشف هذا النداء النقاب عن أن الفلسطينيين فقدوا الأمل في أن تتخذ الحكومة أي إجراء ضد العدوان الصهيوني، ومن هنا كان التفكير بالانتفاض على الحكم العثماني. وهكذا ضمنت جمعيتا "العهد" و"الفتاة" الثوريتان العديد من الفلسطينيين الذين باتوا ينظرون إلى الأتراك كحلفاء للصهيونيين في وجه النهضة العربية. وعبرت الانتخابات التي جرت على عام 1914 للمبعوثان عن جو البلاد حيث أعلن جميع المرشحين معارضتهم القوية للصهيونية ولسياسة الحكومة التي تعمل على تسهيل استيلاء الصهيونية على البلاد.

   

الحـرب العالميـة الأولى

كان من شأن اندلاع الحرب العالمية الأولى صرف الأنظار عن الأحداث المحلية. ومن دون الدخول في تفاصيل تطور الأوضاع العربية أثناء الحرب فإنه يكفينا في هذا المجال أن نقول أن العرب وجدوا في الحرب فرصة للثورة على الأتراك لنيل استقلالهم ووحدتهم عن طريق محالفة الإنكليز ضد دول "المحور" الذي جذب الإمبراطورية العثمانية إلى جانبه. أما الصهيونية فقد نشطت للحصول على فلسطين بموجب إعلان يصدر عن الدول المتحاربة وبما يوافق رغبة بريطانيا وفرنسا في تجزئة المناطق العربية الخاضعة للحكم العثماني. ووجدت هذه الجهود المتضاربة تعبيرا لها في وعود الحلفاء واتفاقاتهم السرية خلال الحرب. ففي مراسلات حسين ومكماهون وعدت بريطانيا العرب بتأليد مطالبهم في الاستقلال والوحدة في الوقت الذي اتفقت -سراً- مع حليفتها فرنسا اتفاق (سايكس – بيكو) على تجزئة الشرق العربي إلى مناطق نفوذ ضمن المنطق الاستعماري المحض كما حصلت الحركة الصهيونية على وعد بتأييد بريطانيا لأمانيها في إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين عرف بوعد بلفور ( 2 تشرين الثاني 1917). ويعتبر وعد بلفور من أغرب الوئائق الدولية في التاريخ إذ منحت بموجبه دولة استعمارية أرضا لا تملكها (فلسطين ) لجماعة لا تستحقها (الصهاينة) على حساب من يملكها ويستحقها (الشعب العربي الفلسطينى) مما أدى إلى اغتصاب وطن وتشريد شعب بكامله على نحو لا سابقة له في التاريخ.

سعت الإدارة العسكرية البريطانية التي حكمت فلسطين طوال تلك الفترة إلى تهدئة عرب فلسطين وذلك بإخفاء الحقائق عنهم والتوفيق ما أمكن بين الزعماء العرب والصهاينة تمهيدا لفصل فلسطين عن سوريا وتمكين السيطرة الاستعمارية عليها.

   

1917-1920

 وحاول الصهاينة أن يتجاوزوا معارضة عرب فلسطين لهم ولمشاريعهم عن طريق اتصالات - بتأييد من بريطانيا - مع العرب خارج فلسطين "حتى يؤثروا في العرب داخل فلسطين ". وإزاء اتضاح اللقاء الكامل بين السياسات البريطانية والأهداف الصهيونية، ونظرا إلى اندماجهم في الحركة العربية، تبنى الفلسطينيون في آيار 1918 "العلم العربي "و"النشيد القومي العربي " (نشيد الثورة العربية) كذلك عمدوا إلى إنشاء الجمعيات والنوادي بما في ذلك أول ناد نسائي عربي، وفي حزيران تم في القدس تشكيل جمعية مسيحية-إسلامية ذات برنامج يهدف إلى مقاومة السيطرة اليهودية وإلى مكافحة النفوذ اليهودي والحيلولة بجميع الوسائل الممكنة دون شراء اليهود للأراضي. وقد فشلت طبقة الوجهاء التي كانت تقود هذه الجمعيات كما فشل أسلوبها في تقديم الاحتجاجات الخطية والشفهية في ممارسة تأثير حاسم على السياسة البريطانية.

إلا أن ردة الفعل العربية للسياسة البريطانية الصهيونية لم تكن متماثلة عند جميع فئات عرب فلسطين. ففي المؤتمر العربي الفلسطيني الذي عقد في مطلع العام 1919 للبحث في أمر عرض المطالب الفلسطينية في شأن تقرير المصير على مؤتمر السلام والإعراب عن معارضة الصهيونية، نشب صراع شديد بين الوجهاء والشيوخ والملاكين الموالين لبريطانيا والميالين إلى انتهاج سياسة مساومة والشباب المثقف المنتسب في غالبيته إلى الطبقة الوسطى الذي تمسك بالمطالبة بفلسطين (سوريا الجنوبية) مستقلة تشكل جزءا من دولة عربية كبرى ذات سيادة. وكان تيار الشباب الوطني هو المعبر عن الضمير الفلسطيني والغالبية الساحقة بحيث أدرك الصهاينة وقادة بريطانيا أنه ليس في الإمكان تطبيق البرنامج الصهيوني بالقوة وفرضه بالإكراه وعندما أوفد مؤتمر السلام الذي عقد في باريس على أثر انتهاء الحرب لجنة لاستفتاء رأي سكان المقاطعات العربية في الإمبراطورية العثمانية، وجدت إجماعا إسلاميا - مسيحيا على معارضة الصهيونية في فلسطين وعموم سوريا على رغبة سكان فلسطين في الحفاظ على الوحدة مع سوريا التي هم جزء منها.

   

الصهيونية الإجلائيــة

وعلى رغم الدور البارز الذي لعبه الشباب المثقف فإن الفلاحين الفلسطينيين كانوا أشد فئات المجتمع استعدادا للثورة والتضحية بالنفس ومرد ذلك إلى أسباب عدة منها: الأضرار التي لحقت بالفلاحين من المقاطعة الصهيونية لليد العاملة العربية وتعرضهم للتشرد كلما وضع اليهود أيديهم على مزيد من الأراضي علاوة على المعارضة الصهيونية لبرنامج القروض الزراعية للفلاحين رغبة في إفقار الفلاح الفلسطيني تمهيدا لإجلائه عن وطنه. ووجد هذا الشعور تعبيرا له على شكل هيئة نضالية سرية هي جمعية "الفدائية" هدفها الإعداد الشامل للثورة بما فيها ذلك "تسليح الأعضاء بالأسلحة الخفيفة وإعداد قوائم بأسماء اليهود البارزين والعناصر الموالية للصهيونية من غير اليهود مع تسجيل إقامة كل منهم. بث الدعاية بين بدو شرق الأردن ... وبذل الجهد لتركيز الضباط الفلسطينيين في عمان ثم تعليم عدد محدود من العملاء اللغة العبرية حتى يمكنهم متابعة ما يقال أو ينشر في الصحف العبرية، وتعيين عملاء لمراقبة كل ما يدور ويجري، بذل الجهد للاتفاق مع رجال البوليس والدرك على تسليم أسلحتهم أو على الأقل عدم وضع العقبات في الطريق إذا ما نشبت الثورة، تشريب الأطفال مبادئ الوحدة العربية ولا سيما طلاب مدرستي الرشيدية وروضة المعارف ".

وقد ساد الأوساط الوطنية شعور معاد للبريطانيين بحيث أصبح من الواضح في بداية العام 1920م أن انفجارا غدا أمرا وشيك الوقوع وفي شباط جرت تظاهرة عربية سياسية كبيرة أعقبها تظاهرة أخرى لمناسبة تنصيب فيصل ملكا على سوريا وفلسطين. وشن تشكيلان من الفلسطينيين المسلحين هجوما على اثنين من المستوطنات اليهودية قرب الحدود السورية وقتل في هذين الهجومين الكابتن جوزف ترامبلدور وستة يهود آخرين. وعلى رغم الأثر السلبي الذي أحدثه اقتراب العهد الفيصلي في دمشق من الانهيار، فإن حشود الزوار من المسلمين في القدس لمناسبة الاحتفال بموسم النبي موسى في نيسان كانت كافية لإشعال حريق انتفاضة 1920 التي استمرت طوال الفترة الواقعة بين الرابع من نيسان والعاشر منه وأعلنت خلالها الأحكام العرفية. ووصل مجموع الإصابات التي بلغ عنها 251 معظمهم من اليهود، وجرح سبعة جنود بريطانيين على أيدي المتظاهرين العرب بينما بلغت إصابات العرب 28 إصابة بينها 4 قتلى بالرصاص. وصدرت أحكام مختلفة بالسجن ضد 23 شخصا ونحي موسى كاظم الحسيني من منصبه برئاسة بلدية القدس بسبب اشتراكه في التظاهرات ضد سياسة بريطانية الصهيونية.

   

من انتفاضة إلى انتفاضة

وعلى رغم عنف المعارضة العربية، لم تغير بريطانيا سياستها بل بادرت إلى تعيين هربرت صموئيل اليهودي الصهيوني البريطاني البارز أول مندوب سام بريطاني في فلسطين. وواصل مؤتمر السلام تحيزه الفاضح ضد العرب وضد شعب فلسطين بالذات، فقد حدد واجبات بريطانيا كدولة منتدبة من خلال تكرار نص وعد بلفور في صك الانتداب مع أن ذلك يتناقض وحق الشعب فى تقرير مصيره وسيره نحو الاستقلال بموجب ميثاق عصبة الأم المتحدة وبموجب وعود الحلفاء في هذا الصدد. ولهذه الأسباب اتخذت السلطات البريطانية إجراءات أمن غاية في الشدة واضطر وجهاء فلسطين إلى مقاطعة بعض الاجتماعات التي دعاهم صموئيل إليها. إلا أن صموئيل أخذ ينفذ خطة بريطانية مؤداها إقناع عرب فلسطين من جهة إن إنشاء وطن قومي لليهود هو أمر مفروغ منه ومن جهة أخرى محاولة كسب تأييد الفلسطينيين المعتدلين وأصحاب المصالح من خلال المودة الشخصية و"عدم التحيز" ضمن إطار تصريح بلفور. وكانت حقيقة هذه الخطة هي التنفيذ التدريجي لخطة تهويد فلسطين عن طريق الهجرة والاستيطان وتعليق الحكم الذاتي الذي من شأنه لو تم أن يتيح للعرب عرقلة إقامة الوطن القومي اليهودي. وسارعت الصحف العربية إلى الاحتجاج في شدة على "عزل فلسطين عن أمها سوريا وجعلها وطنا قوميا لليهود، وأشارت إلى "أن إقامة وطن قومي لعناصر غريبة في بلادنا لا يمكن أن يتم من دون المساس بحقوقنا الدينية والمدنية".

 

ووضع المؤتمر الفلسطيني الثالث الذي انعقد (بعد سقوط الحكم العربي في دمشق ) في كانون الأول 1920 سياسة وطنية عامة التزمت بها المؤتمرات اللاحقة وانطلقت من رفض وعد بلفور وعدم الاعتراف بشرعية الانتداب البريطاني لمخالفته مشيئة سكان البلاد ولتضمنه وعد بلفور وسياسة الوطن القومي اليهودي علاوة على رفض مبدأ الهجرة اليهودية والمطالبة بحكومة تمثيلية وطنية. وعندما زار تشرشل فلسطين عام 1921 بصفته وزيرا للمستعمرات، جابه تظاهرات عربية كانت تنادي بسقوط بلفور ورفض الصهيونية. إلا أن الوزير البريطاني تمسك بالسياسة الصهيونية مما دفع العرب إلى التظاهر على رغم حظر الحكومة للتظاهرات فوقعت صدامات بين المتظاهرين والشرطة أصيب فيها من أصيب الأمر الذي مهد الطريق لاشتعال ثورة (انتفاضة) يافا في أيار 1921 التي سرعان ما امتدت إلى الريف، واضطرت السلطات البريطانية - على رغم محاولات الوجهاء تهدئة الوضع - إلى إرسال مفارز عدة من الجنود والسيارات المدرعة والطائرات والشرطة إلى عدد من الأماكن وإرسال السفن البحرية إلى يافا وحيفا. ومع أن ثورة يافا كانت في الأصل موجهة ضد المهاجرين اليهود والمستعمرات اليهودية فإن دور القوات البريطانية وهجماتها الشرسة على التجمعات العربية المهاجمة للمستعمرات أثبتت التطابق التام بين سياسة بريطانيا والصهيونية. وقدرت لجنة التحقيق البريطانية عدد القتلى في الثورة ب ه 9 قتيلا بينهم 48 عربيا و 47 يهوديا.

 

وأربكت الصلابة الوطنية لعرب فلسطين تشرشل الذي اعترف أمام مجلس الوزراء بأن البلاد بأكملها في حالة الغليان "ولا تلقى السياسة الصهيونية قبولا لدى أحد غير الصهيونيين أنفسهم وأن كلا الجانبين العربي واليهودي مسلح وماض في التسلح ومستعد للانقضاض على الجانب الآخر".

 

وأوفدت القيادة السياسية وفدا لزيارة لندن، لكن مجلس الوزراء البريطاني رفض قبول المطالب الفلسطينية التي تقدم بها الوفد. ولم تنتظر الحركة الوطنية عودة الوفد بل مضت في عقد اجتماعات سياسية سرية هدفها مقاومة الهجرة اليهودية بالعنف عن طريق القيام بسلسلة منظمة من الغارات على اليهود في فلسطين. وقد وقعت اصطدامات دموية في القدس في تشرين الأول 1921 ذهب ضحيتها خمسة قتلى من اليهود وثلاثة من العرب وأصيب 36 شخصا بجراح.

 

حاولت الحكومة البريطانية تهدئة الموقف عن طريق كسب صداقة الحاج أمين الحسيني، الشاب الذي كان يتمتع بسمعة وطنية ويحلم بعطف شعبي، وذلك بالتساهل معه في الانتخابات التي جرت لملء مركزي الإفتاء والمجلس الإسلامي الأعلى، وبإصدار كتاب تشرشل الأبيض للعام 1922 الذي أعلن فيه أن تصريح بلفور لا يهدف إلى إخضاع السكان العرب أو الثقافة العربية وأن على الهجرة اليهودية ألا تتعارض مع الطاقة الاستيعابية الاقتصادية في البلاد، وأن الحكومة البريطانية تعتزم تبني التطور التدريجي نحو الحكم الذاتي الكامل. لكن عرب فلسطين رفضوا كتاب تشرشل الأبيض لأنه ينطلق من وعد بلفور ومن مبدأ حق اليهود في الهجرة إلى فلسطين أي الحق في الغزو التدريجي والسيطرة على فلسطين .

   

مطلب وطني أساسي

 وعند هذه النقطة بدأت تتكشف معالم تغيير مهم في الاستراتيجية الفلسطينية إذ تولد اعتقاد أن الطريقة الوحيدة لمقاومة الانتداب وسياسته الصهيونية إنما هي معارضة الانتداب البريطاني كمجموع والتحرك نحو الاستقلال التام وإقامة دولة موحدة تتألف من سوريا وفلسطين. وكان الاتجاه الأخير متجاوبا مع التضامن المتزايد بين الهيئات الوطنية في كل من سوريا وفلسطين ومصر وتجدد الدعوة إلى الاستقلال والوحدة في سوريا. وقد حثت الهيئات الوطنية الفلسطينية الفلاحين على الامتناع عن دفع الضرائب إلى الحكومة وظهرت تيارات شابة تدعو إلى انتهاج أساليب ثورية وتتبنى "الاستفادة من البدو للقيام بحرب عصابات ". غير أن وجهاء الحركة الوطنية آثروا الوسائل السلمية. وفي آب 1922 عقد المؤتمر الفلسطيني الخامس وتبنى 18 قرارا أهمها رفض الدستور الفلسطيني المقترح ومقاطعة انتخابات المجلس التشريعي الذي نص عليه كتاب تشرشل الأبيض ومقاطعة مشروع روتنبرغ والبضائع اليهودية ومحاربة بيع العقارات لليهود وتعميق الوعي الوطني في الريف.

وتبني المؤتمر "ميثاقا وطنياً فلسطينيأ يشدد على مقاومة الصهيونية والتمسك بالوحدة العربية تنهد المؤتمرون بالتمسك به وأقسموا اليمين الآتية على ذلك :

"نحن ممثلي الشعب العربي الفلسطيني في المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس المعقود في نابلس نتعهد أمام الله والتاريخ والشعب بأن نستمر في جهودنا الرامية إلى استقلال بلادنا وتحقيق الوحدة العربية بجميع الوسائل المشروعة وسوف لا نقبل بإقامة وطن قومي يهودي أو هجرة يهودية".

 

وتمكنت الحركة الوطنية من إحباط مشروع انتخاب المجلس التشريعي كما مارست اللجنة التنفيذية للمؤتمر الخامس ضغطا قويا على المرشحين المعينين من كبار الملاكين والوجهاء للمجلس الاستشاري (وهو بديل المجلس التشريعي) فاضطر هؤلاء إلى الاستقالة قبل موعد الجلسة الأولى. على أن الحركة الوطنية عجزت عن تصعيد الموقف مع الحكومة في المؤتمر الفلسطيني السادس الذي انعقد في حزيران 1923 نظرا إلى التدهور الذي طرأ على القضية العربية ونظرا إلى استفراد فلسطين من قبل البريطانيين والصهاينة علاوة على التركيب الطبقي والفكري للقيادة الفلسطينية العليا. ذلك أنه عندما ناقش المؤتمر مشروع الامتناع عن دفع الضرائب إلى الحكومة، أفاد العديد من الحاضرين -من اصحاب المصالح والمسنين- إنه من المتعذر تنفيذ ذلك من دون إحداث ثورة وأن من العبث أن يؤمل في نجاح ثورة ضد الحكومة البريطانية في بلد صغير وفقير كفلسطين.

 

وعندما وصل الانتداب الفلسطيني إلى مرحلة التنفيذ الكامل بناء على قرار مجلس عصبة الأمم الصادر في التاسع والعشرين من أيلول 1923، كانت مواقف أطرف الصراع الثلاثة قد تبلورت : فالحكومة البريطانية متمسكة في قوة بتصريح بلفور وسياسة الوطن القومي اليهودي. والحركة الصهيونية كانت مقتنعة بأن بنود الانتداب الصهيوني والسياسات البريطانية وجهود الحركة الصهيونية في الهجرة والاستيطان كفيلة بأن تؤدي إلى تحقيق هدفها فى الوصول بالبلاد إلى أكثرية يهودية وبالتالي السيطرة السياسية عليها. اما في صفوف الأكثرية العربية الفلسطينية فكان ثمة اقتناع بأن بريطانيا والانتداب هما الحاميان الفعليان للصهيونية وأن سياسة الوطن القومي إنما تمثل تلاحم المصالح الإمبريالية البريطانية في المنطقة العربية بالاستعمار الصهيوني فى فلسطين وأن هدف الحركة الصهيونية إجلاء عرب فلسطين عن ديارهم .

 

الهدنة الكبرى 1923-1929

شهد المسرح السياسي الفلسطيني خلال الفترة الواقعة ما بين 1924و1928 فترة فريدة من الركود والشلل لاسباب عدة أهمها:

أولا: التسوية النهائية لامر الانتداب في عصبة الأمم وتصميم بريطانيا الكامل على عدم الاستجابة لمشاعر الفلسطينيين وضغوطهم من اجل تعديل السياسة البريطانية.

ثانيا: انخفاض الهجرة اليهودية انخفاضا حادا (وكانت هجرة اليهود إلى خارج البلاد أكثر منها إلى الداخل في العام 927 م ) وإصابة الصهيونية مؤقتا بعجز عن التغلب على الصعوبات الناجمة عن ذلك.

ثالثا: ازدياد حدة التشرذم وهيمنة المنافسات والمصالح الشخصية والعائلية (بين آل الحسيني وآل النشاشيبي ) على مواقف الوجهاء والقيادات الفلسطينية طوال هذه الفترة.

   

ثـورة البـراق

وقبل نهاية العام 1928م كانت هناك علائم تشير إلى أن فترة الركود السياسي أخذت تشرف على نهايتها بتجدد البادرة الصهيونية وبالتالي بتجدد أعمال التحريض العربي الفلسطينى واتخاذ الإجراءات المعاكسة. فقد عمد الزعيم الصهيوني وايزمن إلى توحيد الحركة اليهودية الأميركية (من صهيونيين وغير صهيونيين) وتنشيط الجباية والتبرعات لشراء المزيد من أراضي الدولة وتخصيصها للاستعمار اليهودي والهيئات الزراعية الصهيونية. وإدراك وايزمن أن إثارة المشاعر اليهودية مرتبطة بتحريك الأحداث في فلسطين وطرح المطالبة بملكية اليهود لحائط المبكى، فأخذت الحركة الصهيونية تحاول تغيير الوضع الراهن بالنسبة إلى طقوس اليهود أمام الحائط الذي يشكل الحد الغربي من الحرم الشريف المعتبر من أهم مقدسات المسلمين على الإطلاق.

وعلى الرغم أن العامل الديني لم يلعب دورا رئيسيا في الصراع العربي-الصهيوني فإن استفزازات اليهود عززت الشكوك حول احتمال إعادة بناء الهيكل على أنقاض الحرم الشريف وأثارت ردة فعل عربية قوية. وكان لا بد من هذا التوتر أن يؤدي إلى اصطدامات دموية بين الفريقين في آب 1929 في القدس سرعان ما امتدت إلى المناطق الأخرى من فلسطين وإلى المستعمرات اليهودية نفسها، ودامت زهاء أسبوع. بلغ مجموع القتلى من اليهود 133 نسمة وبلغ عدد الجرحى  329 بينهم 198 إصابة بالغة استوجبت إدخال أصحابها إلى المستشفيات بينما استشهد 116 عربيا وجرح 2032 شخصا. وعرفت هذه الانتفاضة بثورة البراق.

   

 الكّـف الأخضـر

وكان من جراء أحداث 1929 أن اتجهت أنظار الشباب الفلسطيني إلى ضرورة توجيه المقاومة نحو الإنكليز لا نحو الصهاينة وحدهم. فعلى رغم جميع المساعي التي بذلتها الهيئات الوطنية في سبيل الاستعاضة عن أحكام الإعدام بالسجن المؤبد فقد صدر قرار رسمي بإعدام كل من عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي يوم الثلاثاء 17 حزيران وأبدى الشهداء من رباطة الجأش والتفاني في سبيل الوطن ما جعلهم مخلدين في قلوب أبناء الشعب وما دفع الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان إلى تخليدهم في قصيدة "الثلاثاء الحمراء". وشكا العرب من قسوة الشرطة التي وصلت إلى حدود لم يسمع بمثلها في بلد متمدن علاوة على الغرامات الجماعية على المدن والقرى التي أدينت بالهجوم المنظم على اليهود، والإجراءات القمعية في حق الصحف العربية.

 

ولم تقتصر ردة الفعل العربية على مقاطعة اليهود ردا على مقاطعتهم للعرب بل أخذ الشعور المرير بالعداء لبريطانيا كحامية للصهيونيين ينتشر في الريف وامتد هذا الشعور إلى الأقطار المجاورة ونشط تهريب الأسلحة إلى فلسطين وتعزز احتمال انضمام متطوعين عرب من سوريا والأردن ولبنان إلى أية ثورة قد تنشب في فلسطين. وفي أواخر العام نفسه جرى جمع التبرعات ووقع الاختيار على 400 عربي كنواة لقوة ثورية مسلحة بقصد مهاجمة اليهود والبريطانيين. وعلى الأثر قامت عصابة "الكف الأخضر"، المؤلفة في الأساس من عشرات الأشخاص الذين اشتركوا في ثورة البراق بقيادة أحمد طافش وعززت بعدد من ثوار جبل العرب في سوريا الذين حاربوا الفرنسيين في الثورة الشهيرة عام 1925، لتعمل على طريقة حرب العصابات في المناطق القريبة من الحدود السورية ولتشن هجمات على اليهود والشرطة والجيش البريطانيين في وقت واحد.. وقد أشادت التقارير البريطانية بكفاية الثوار وأشارت إلى تعاطف الكثير من القرويين معهم. إلا أن عدم تجاوب القيادة السياسية مع فكرة المقاومة المسلحة حصر نطاق عمليات الثوار في منطقة معينة سهل على الجيش البريطاني بمعاونة السلطات الفرنسية في سوريا محاصرتها وتطويقها والقضاء عليها في غضون شهور.

   

محـاولة عربية في لندن

وعلى رغم حالة الفلاحين المتردية نتيجة الضرائب المرتفعة التي من شأنها أن تجبر الفلاح العربي على بيع أرضه، وعلى رغم التهديد المتواصل الذي كان يتعرض له العمال العرب في المدن، أقدمت اللجنة التنفيذية على انتخاب وفد عربي مكون من الزعماء الرئيسيين في البلاد للتفاوض مع الحكومة البريطانية، وعندما وصل الوفد إلى لندن استقبله رئيس الوزراء واللورد باسفيلد وزير المستعمرات. وطلب الوفد حظر بيع الأراضي لعناصر غير عربية ووقف الهجرة اليهودية وإقامة حكومة برلمانية وطنية. وكانت النتيجة أن أصدر اللورد باسفيلد الكتاب الأبيض للعام 1930 وفيه وعدت الحكومة البريطانية بتخفيف الهجرة اليهودية وإقامة مجلس تشريعي وفق كتاب تشرشل الأبيض. وعارض اليهود في شدة كتاب باسفيلد ولم تهدأ حدة هياج الصهيونيين إلا بعدما بعث رمزي مكدونالد برسالة "سوداء" إلى وايزمن تبنى فيها جميع المطالب الصهيونية وذلك في مطالع العام 1931. وكانت هذه الرسالة بمثابة ضربة عنيفة لدعاة مهادنة الإنكليز وأدت إلى انتهاج استراتيجية جديدة تقوم على أساس تحالف وتعاون أوثق مع العالمين العربي والإسلامي بغية تحقيق "الاستقلال الفلسطيني ضس إطار الوحدة العربية".

   

 المؤتمر الإسـلامي العام

وفي شهر كانون الأول 1931 عقد في القدس المؤتمر الإسلامي العام الذي يعتبر من أضخم التظاهرات العالمية لمصلحة القضية الفلسطينية إذ حضر أبرز زعماء المسلمين السياسيين وكبار رجال الدين الإسلامي في العالم. إلا أن المؤتمر فشل في أن يترجم تضامنه مع عرب فلسطين واهتمامه بالمقدسات الإسلامية إلى خطوات عملية ملموسة وذلك بسبب نفوذ بريطانيا لدى أغنياء المسلمين في أقطار اسيا على وجه التحديد. وكان المؤتمر الإسلامي يضم عددا كبيرا من الأعضاء البارزين السابقين في جمعيتي العربية الفتاة والعهد وأقطاب العهد الاستقلالي في سوريا 1918 - 1920 المعروفين بالاستقلاليين، ممن يحملون وجهة نظر قومية عربية. وقد انتهزوا فرصة انعقاد المؤتمر للبحث في شؤون الوطن العربي ووضع خطة للعمل المنسق وأعلنوا الميثاق القومي العربي الذي أكد وحدة العرب ورفض الاعتراف بالتجزئة وضرورة توحيد الجهاد للنضال من أجل الاستقلال والوحدة ومحاربة الاستعمار بجميع أشكاله. وانبثقت من هذا الاجتماع لجنة تنفيذية معظم أعضائها من الفلسطينيين مهمتها نشر الميثاق القومي والإعداد لمؤتمر عام يضم مندوبين من جميع الأقطار العربية. وكان من جراء ذلك بروز أحزاب وطنية عدة في أقطار مختلفة باسم حزب الاستقلال من بينها فلسطين.

 

ساهم حزب الاستقلال في فلسطين في تحريك الرأي العام ضد الحكومة البريطانية في مطلع الثلاثينات. وكان تدفق سيل الهجرة الصهيونية في تلك الفترة موضع استنكار العرب الشديد مما دفع الأحداث في اتجاه صدام أكيد مع السلطات البريطانية، ونظم العرب سلسلة من التظاهرات العنيفة عام 1933 كانت أهمها تظاهرة يافا في تشرين الأول التي قتل خلالها واحد من أفراد الشرطة وجرح 25 فردا بينما استشهد 12 متظاهرا وجرح 78 وقبض على عشرات من المناضلين الشباب. وعند انتشار أخبار مجزرة يافا التهبت مشاعر الرأي العام الفلسطيني وأعلن الإضراب العام في البلاد ووقعت اصطدامات فى حيفا ونابلس مساء اليوم نفسه وأقيمت المتاريس في شوارع حيفا وهوجمت محطة سكة الحديد فأطلقت الشرطة النار على الجماهير وأصابت العشرات بجروح وفرضت السلطات منع التجول وأقفلت الميناء ثلاثة أيام.

 

وفي التاسع والعشرين من تشرين الأول وقعت اصطدامات جديدة قذف خلالها المتظاهرون العرب القنابل اليدوية على الشرطة التي فتحت النار على هؤلاء وأوقعت فيهم إصابات فادحة فأعلن الإضراب العام الذي استمر زهاء أسبوعين ولم يفك إلا بناءا على دعوة اللجنة التنفيذية. وكانت انتفاضة يافا دليلا قويا على عمق المشاعر العربية المناوئة للبريطانيين وعلى تصميمهم على استخدام العنف لمنع تنفيذ صك الانتداب. وفي هذا الجو اتخذ العرب بعض الخطوات للدفاع والتنظيم الذاتيين مدفوعين إلى ذلك بمحاولات "الهستدروت" (اتحاد العمال اليهودي ) لمنع أصحاب العمل اليهود من تشغيل الأيدي العاملة العربية بإرهاب أصحاب الأعمال والعمال العرب على حد سواء.

وهكذا تألفت في كل من القدس ويافا وحيفا حاميات عمالية عربية وظهرت لجان عمالية في مختلف المدن الفلسطينية وأثبتت وجودها في ذكرى وعد بلفور عام 1934 عندما نفذت إضراب المواصلات على صعيد البلاد كلها. كما قاوم الفلاحون العرب في الريف تنفيذ أوامر إخلاء الأراضي التي استولى عليها اليهود نتيجة صفقات شراء الأراضي من الملاكين الغائبين أما بواسطة أطراف ثالثة وبسب الضرائب والربا الفاحشة التي واجهها الفلاح العربي من دون معين. وفي كانون الثاني 1935 تصدى الفلاحون في أراضي وادي الحوادث المبيعة لليهود ونشبت معركة بين 43 شرطيا بريطانيا وفلسطينيا انتهت بقتل أحد العرب وإصابة سبعة من أفراد الشرطة البريطانية وخمسة من الشرطة الفلسطينية بجروح نتيجة قذفهم بالحجارة).

   

ثـورة القسّـام

وفي هذه الفترة أيضا تصاعد نشاط الشيخ عز الدين القسام السوري المولد الذي قدم إلى يافا عام 1921 بعد انهيار الثورات السورية ضد الاحتلال الفرنسي وهو كان فيها قائدا بارزا. وأتيح للشيخ القسام أن يتجول في قرى فلسطين بصفة كونه موظفا رسميا في المحكمة الشرعية، وفي مطلع الثلاثينات أخذ ينظم الخلايا ويجمع التبرعات لشراء كميات صغيرة من الأسلحة والتحضير للثورة في جو من السرية التامة. وكان معقل القسام هو الحي القديم من حيفا حيث يقطن الفقراء والفلاحون الذين نزحوا من قراهم الى المدينة واضطروا إلى أن يعيشوا في بؤس بسبب الهجرة اليهودية.

وفي العام 1935 بات خمس القروين العرب من دون أراضي ومالت البطالة بين العمال العرب الى الازدياد، وبلغ عدد المهاجرين اليهود رقما قياسيا ( 60 ألفأ) كما أن تدريب اليهود العسكري السافر ومهاجمة الفاشيين اليهود من أتباع جابوتنسكى للقرى العربية، كل هذه العوامل دفعت القسام إلى التعجيل في إعلان ثورته المسلحة ضد البريطانيين والصهيونيين.

وفيما كان القسام و25 من أنصاره المسلحين متوجهين إلى جنين لدعوة أهلها إلى حمل السلاح ومفاجأة السلطات باحتلال حيفا وقع صدام عرض بينهم وبين الشرطة نبه السلطات إلى وجود عصابات مسلحة فسارعت قوات الجيش والأمن الى ضرب نطاق حول المنطقة وعزلها. لكن القسام رفض الاستسلام وآثر الشهادة في معركة مواجهة مع القوات الإنكليزية وتمكن العديد من أنصاره من الاختفاء في الجبال. وكان لاستشهاد القسام البطولي أثره العميق في فلسطين كلها فأصبح رمزا للتضحية والفداء وشيع جثمانه في حيفا في تظاهرة وطنية كبرى نادت بسقوط الإنكليز والوطن القومي اليهودي ورجم المتظاهرون في أثنائها الشرطة بالحجارة وأصبح الوجهاء من قادة الأحزاب الفلسطينية في حرج لتخلفهم عن الاشتراك في الجنازة .

   

ثـورة 1936

وهكذا ألقت ثورة القسّام ظلا كبيرا على المسرح السياسي وكانت بمثابة النذير للعاصفة التي هبت رياحها القوية في نيسان 1936 والتي بدأت بإعلان إضراب في البلاد نتيجة حوادث اصطدام بين العرب واليهود وإعلان الحكومة حالة الطوارئ. وقد أعلنت اللجان القومية التي برزت لتنفيذ الإضراب في جميع المدن الفلسطينية أن إنهاء هذا الإضراب مرهون بموافقة الحكومة على مطالب العرب المعروفة : وقف الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي وإقامة حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس تمثيلي. وقبل نهاية نيسان كان الإضراب عن العمل والتجارة تامأ وشاملا وأدت الاصطدامات بين العرب والشرطة إلى قيام أعمال عنف في القدس.

 

وفي الثامن من أيار 1936 عقد في القدس أوسع الاجتماعات الوطنية وسمي مؤتمر اللجان القومية حيث هيمن الثوريون العرب فتبنى المؤتمر مبدأ "لا ضرائب من دون تمثيل " وطالب باستقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية. وعند هذه النقطة حاول المندوب السامي البريطاني تهدئة الموقف بإعلان تعيين لجنة ملكية للنظر في أسباب الغليان العربي إلا أنه سرعان ما اكتشف أن الوجهاء السياسيين وغير السياسيين لم تعد لديهم قدرة على الأمر بوقف الإضراب "بسبب قوة الرأي العام في جميع أنحاء البلاد".

 

وكان أن شهدت مدن فلسطين أطول إضراب سياسي في التاريخ دام ستة أشهر عمت خلالها التظاهرات التي كانت تهتف في حدة متصاعدة ضد بريطانيا والصهيونية وتصطدم بالشرطة. وساهم في إنجاحه نساء فلسطين وشبابها وجميع الفئات الوطنية. ونظم الشباب العرب الحرس الوطني لتقوية الروح المعنوية لدى الشعب والدفاع عن المخازن والسكان خلال إضراب طويل الأمد.

 

أما التعبير عن السخط في الأرياف فاتخذ شكلين : عدم دفع الضرائب والثورة المسلحة. وكتب القائد العسكري البريطاني يصف الحالة في الريف قائلا: "إن الشعور العام هو أن الوقت قد حان لحل المشكلة اليهودية مرة واحدة وإلى الأبد، وغدا من الضروري مواصلة النضال ضد الحكومة إلى أن يتم تحقيق الأهداف السياسية". وفي الثالث والعشرين من أيار قبض على 61 مناضلا عربيا من المشرفين على تنظيم الإضراب ولم تكد أنباء ذلك تنتشر حتى هرع المتظاهرون إلى الشوارع فأطلقت الشرطة النار فقتل أربعة أشخاص وجرح سبعة. وتوجه عدد من القرويين المسلحين إلى طولكرم فاصطدموا بالشرطة وجرح أربعة أشخاص بينهم امرأة كانت تحمل الماء للمقاتلين. وعند هذا الحد تحول الإضراب السلمي إلى ثورة كاملة سائرة. وبدأت التعزيزات العسكرية البريطانية تتدفق على فلسطين من مصر ومالطا وأخذت السلطات البريطانية تقوم بعمليات التفتيش لا بحثا عن السلاح فحسب إنما لتأديب القرويين، الذين كانوا يمدون عصابات الثوار بالتأييد والمساندة واتلاف ممتلكاتهم. بيد أن عمليات التفتيش والتعسف البريطاني زادت التلاحم بين القرويين والثوار وألهبت الثورة. وعلى رغم أن الثورة كانت ثورة فلاحين في الأساس إلا أن مدن فلسطين شهدت تصاعدا ملحوظا في أعمال العنف بعد أيار إذ نصبت المتاريس في شوارع نابلس وطولكرم وغزة وهوجمت سيارات الركاب الكبيرة اليهودية والسيارات المدرعة التي تعمل كدوريات في المنطقة وتعرضت مراكز الشرطة والجيش لنشاط القناصة العرب في جميع المدن والقرى.

 

وفي حزيران وتموز اتخذت عمليات الثوار أبعادا أكثر ثورية وفعالية ودرجة عالية من التنظيم والتدريب بفضل مشاركة بعض الثوار العرب من أمثال سعيد العاص ومحمد الأشمر وفوزي القاوقجي فيها. وكانت تشكيلات الثوار العسكرية التي تعمل على صعيد محلي تنقسم ثلاث فئات : الفئة الأولى تتألف من مجاهدين متفرغين معتصمين فى الجبال كانوا يشكلون عمود الثورة الفقري ويجابهون قوات الجيش البريطاني ويقومون بنسف خطوط البترول (أنابيب نفط العراق ) والمنشآت الأخرى. والفئة الثانية تتألف من فدائيي المدن الذين يمارسون حياتهم المدنية المعتادة ولكنهم ينجزون مهمات عسكرية محددة بناء على طلب قيادتهم (ولا سيما تصفية الجواسيس العرب والضباط الإنكليز الذين كانوا يغالون في تعذيب القرويين والمعتقلين ). أما الفئة الثالثة، وهي كبرى الفئات عددا، فهي الأنصار أو تشكيلات الريف التي كانت أكثريتها الساحقة تتألف من الفلاحين العاديين الذين يهبون إلى حمل السلاح ونجدة المجاهدين عندما تنشب معركة في منطقتهم.

 

وكان الثوار يعتمدون داخل القرى والمدن على اللجان المحلية لتزويدهم بالطعام والرجال والمأوى والمعلومات. وحاولت السلطات العسكرية البريطانية مواجهة تصعيد عمليات الثورة بنسف منازل المشتبه فيهم وتطويق الثوار وفرض غرامات جماعية على القرى المساندة للثوار. وعلى رغم تزايد قوة الثورة واستمرار سكان المدن في الإضراب العام، كان القادة السياسيون الفلسطينيون متلهفين للوصول إلى تسوية مع الحكومة وكانت بريطانيا تحاول استخدام نفوذ الحكام العرب لفك الإضراب ووقف الثورة. وفي الوقت نفسه قرر مجلس الوزراء سحق المقاومة العربية عن طريق تعزيز القوات البريطانية في فلسطين بفرقة كاملة وفرض الحكم العسكري العرفي .

   

إجهاض الثورة ووقف الإضراب

وبعد اتصالات مع القيادة السياسية الفلسطينية وطبقا لاستشارات مسبقة مع الحكومة البريطانية وجه الملك ابن سعود والملك غازي والأمير عبد الله في العاشر من تشرين الأول نداء مشتركا دعوا فيه إلى حل الإضراب ووقف الثورة. وفي اليوم التالي قررت القيادة السياسية للجنة العربية العليا دعوة "الأمة العربية الكريمة في فلسطين للعودة إلى الهدوء ووضع حد للإضراب ". وكان مجيء لجنة بيل الملكية للتحقيق في أوضاع فلسطين مناسبة لتثبيت التحالف البريطاني- الصهيوني "لأن القومية اليهودية لا تملك رفض التحالف مع الحكومة البريطانية فهي وحدها التي تستطيع حمايتها من عداء العالم العربي"، ولإعلان معارضة الحركة الصهيونية لاستقلال فلسطين "لأن إقامة فلسطين مستقلة في الظروف الراهنة يعني إقامة دولة عربية".

وكانت الثورة عاملا مهما في زيادة نفوذ الشباب الوطني وفي تحول الحاج أمين الحسيني الوجيه الفلسطيني الوطني من الاعتدال إلى التطرف. كما أن تفاقم مشكلة القرويين الذين طردوا من أراضيهم والعمال الذين باتوا بلا عمل والتمييز الذي كانت تمارسه الحكومة ضد العمال العرب (نصف أجر العمال اليهود)، كل ذلك جعل العرب في وضع يدفعهم إلى الثورة مجددا في حال صدور توصيات غير منسجمة مع الآمال العربية عن لجنة بيل. وفي السابع من تموز نشر تقرير اللجنة الملكية مرفقا بإعلان رسمي أن الحكومة البريطانية وافقت من حيث المبدأ على مضمونه.

 

وأوصى تقرير اللجنة بالتخلي عن الانتداب وتقسيم البلاد ثلاثة أقسام : دولة عربية تضم تلك الأجزاء التي تقطنها أكثرية ساحقة من العرب ودولة يهودية تضم الأجزاء التي تقطنها أكثرية من اليهود ومناطق معينة تضم الأجزاء ذات الأهمية الاستراتيجية أو الدينية الخاصة والتي ينبغي أن تبقى تحت الانتداب البريطاني. استقبلت الأكثرية الساحقة من عرب فلسطين التقرير والتوصيات بالاستياء الشديد لأنهم عارضوا خلق دولة يهودية فوق أرضهم العربية ولم يستطع حزب الدفاع (حزب آل النشاشيبي ) الموالي لبريطانيا أن يصدر بيانا صريحا يتضمن موافقته على المشروع بعدما لمس رد الفعل الشديد عليه لدى العرب. ورفضت اللجنة العربية مشروع التقسيم وطلبت من عصبة الأم إلغاء الانتداب البريطاني لتحل محله دولة فلسطينية مستقلة ترتبط مع بريطانيا بمعاهدة تضمن لها مصالحها المعقولة كما تتضمن مصالح الأقلية اليهودية .

 

وعندما رفضت حكومة فلسطين طلب اللجنة العليا عقد مؤتمر عربي عام في فلسطين لدراسة الأوضاع السائدة فيها واتخاذ ما يلزم لحماية حقوق العرب الفلسطينيين بادرت "لجنة الدفاع عن فلسطين " في دمشق الى الدعوة إلى مؤتمر كبير عقد في بلودان في أيلول وحضره 411 مندوبا من مصر وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين. وأكد المؤتمر أن فلسطين عربية وأن للعرب الحق في الدفاع عنها بل من واجبهم أن يفعلوا ذلك. واعتبر المؤتمرون الدولة اليهودية تهديدا خطيرا للعالم العربي وقاعدة أجنبية دخيلة فيه. إلا أن المؤتمر لم يترجم قرارته إلى صيغ نضالية ملموسة. وانتهز المناضلون الفلسطينيون فرصة انعقاد المؤتمر لإجراء اتصالات مع الثوار السوريين الذين شاركوا في ثورة 1936 واتخذت الترتيبات لانتقال بعضهم إلى فلسطين وجمع الذخائر والأسلحة وتهريبها إلى منطقة نابلس .

   

تجـدّد الثـورة

 اتخذ البريطانيون إجراءين لحصر ردود الفعل العربية وقمعها، فقد بادروا من جهة إلى إعلان إيفاد لجنة إلى فلسطين لإعداد التفاصيل المتعلقة بالتقسيم عوضا عن مباشرة تنفيذه، أي احتمال التراجع عن التقسيم، واتخذوا إجراءات عسكرية لسحق الثورة الوشيكة التجدد من جهة أخرى. وعلى أثر اغتيال حاكم لواء الجليل وحرسه في عملية فدائية جريئة، اتخذت السلطات إجراء ات ضد القيادات والهيئات السياسية في البلاد وأقصت الحاج أمين عن جميع مناصبه ونفت عددا من السياسيين وقبضت على المئات من المناضلين والثوار المشتبه فيهم.

 

وفي ليلة 14- 15 من تشرين الأول شن الثوار العرب هجوما عاما في مختلف أنحاء البلاد شمل خطوط النفط والتلفون والسكك الحديدية وجرت غارتان على سيارات الركاب اليهودية في القدس وعلى دوريات الشرطة في جبال القدس والخليل. وفي الليلة التالية أحرق الثوار مرافق مطار اللد. وكان رد السلطات عنيفا ففرضت الغرامات الجماعية الباهظة وهدمت المنازل وأقامت مراكز للسلطة على نفقة السكان في قرى عدة. على أن الثوار تمكنوا من اجتذاب مزيد من المتطوعين وأحكموا تنظيم ثورتهم فشكلوا "اللجنة المركزية للجهاد" في دمشق وأقاموا صلات وثيقة بالفلاحين وأنشؤوا محاكم ثورية ومراكز إدارية ودوائر استخبارات في المناطق التي يسيطرون عليها وبدؤوا جباية الضرائب من السكان.

 

لجأت السلطات البريطانية إلى إجراء ات استثنائية في سبيل انتراع المبادرة من الثوار، مثل إقامة أسلاك شائكة على طول الحدود الشمالية والشمالية الشرقية من فلسطين وإنشاء الحصون ومراكز الشرطة وقوة حدود شرق الأردن لعزل الثوار وقطع طريق تموينهم عبر الأردن وتسليح اليهود والبدء باستخدامهم في العمليات العسكرية لا في العمليات الدفاعية فحسب كما كانت الحال حتى العام 1937. كذلك شن الجنرال هايننغ القائد البريطاني المعروف حملات عسكرية استخدم فيها الدروع والسلاح الجوي وعمد إلى احتلال القرى لحرمان الثوار من قواعدهم ولكن من دون جدوى إذ أن هؤلاء يكثفون أعمال التخريب في الطرق والمرافق العامة ويزيدون من هجماتهم على الدوريات العسكرية والمستعمرات اليهودية المعزولة. وكان تعزيز الجهود العسكرية ضد الثوار مصحوبا بإجراءات مشددة تعسفية جدا ضد المدنيين فكانت السلطات تعتقل المواطنين بالجملة وتفرض منع التجول لفترات طويلة جدا وتهدم البيوت وتجبي الغرامات الجماعية الأمر الذي زاد من بغض الشعب وحقده على الحكم البريطاني .. على أن زمام المبادرة بقي في أيدي الثوار في الأرياف والمناضلين في المدن وأدت أعمال التخريب وإلقاء القنابل إلى نشوب حرب شوارع في القدس ويافا وحيفا.

   

الثـوّار أسـياد الموقف

واعترف الجنرال هايننغ في تموز 1938 بأن عدد الثوار أخذ في الازدياد كما أن تنظيمهم أخذ في التحسن وأن قواته تواجه شعبا ثائرا يصعب معه السيطرة على المناطق الريفية حتى حين يكون عدد الثوار قليلا. فقد كتب إلى وزير الحربية يقول : "لقد بلغت سيطرة عصابات الثوار على جماهير الشعب حدا لم يعد معه مما تجانب الصواب أن يقال أن كل عربي في البلاد هو عدو كامن للحكومة مهما بلغت عواطفه الشخصية الخاصة من الاعتدال "، ونتيجة للتطورات طلب القائد البريطاني إرسال فرقة ثانية في تشرين الأول مما أدى إلى دعوة الاحتياط البريطاني إلى الخدمة. وقبل وصول القوات استطاع الثوار أن يستولوا فجأة على مدن كثيرة والسيطرة على شؤونها بحيث أصبحت الإدارة المدنية البريطانية غير موجودة عمليا .

   

مؤتمر المائدة المستديرة

ونظرا إلى تدهور الحالة في أوروبا بسبب السياسة الألمانية التوسعية قرر مجلس الوزراء البريطاني اتخاذ الإجراءات اللازمة لاحتواء الثورة وإقناع العرب بالتفاهم مع بريطانيا. وعلى أثر احتلال الثوار لمدينة القدس القديمة في تشرين الأول أعلنت السلطات الحكم العسكري في البلاد من جديد. وفي الشهر التالي ألغت الحكومة مشروع بيل للتقسيم باعتباره مشروعا غير عملي وأبدت رغبتها في الوصول إلى حل عن طريق مؤتمر للزعماء العرب واليهود تشترك فيه الدول العربية المستقلة .

 

اتفق زعماء فلسطين على أن يقدم الوفد العربي الفلسطيني المطالب المدرجة في الميثاق الوطني بما في ذلك المطالبة بدولة عربية (ثلثي سكان البلاد) على ألا يجلس العرب والصهيونيون معا وعلى أن تتصاعد حدة العمليات قبل المحادثات وفي أثنائها. وعلى هذا الأساس افتتح رئيس الوزراء البريطاني المفاوضات (المائدة المستديرة) بالوفود العربية صباح السابع من شباط 1939 وبالوفد الصهيوني بعد ظهر ذلك اليوم. وبمضي الوقت على المؤتمر أصبح واضحا أنه من المتعذر الوصول إلى اتفاق لأن العرب يشكلون الأكثرية ويريدون الاستقلال بينما يعارضه اليهود ما داموا أقلية، الأمر الذي مهد السبيل أمام البريطانيين لكي يعلنوا منفردين الحل الذي يرتؤونه للقضية. وهكذا أصدرت الحكومة بيان مكدونالد الأبيض الذي جاء فيه أن ما تريده الحكومة البريطانية هو أن تقام "في النهاية" دولة فلسطينية مستقلة يقتسم فيها شعبا فلسطين، العرب واليهود، السلطة الحكومية على نحو يصون المصالح الحيوية لكليهما وأن تقام في غضون عشرة أعوام دولة فلسطينية مستقلة ترتبط ببريطانيا بمعاهدة تصون على نحو مرض جميع المصالح التجارية والاستراتيجية لكلا البلدين. كما أعلنت الحكومة أن الفترة الانتقالية من حكم الانتداب ستخصص لتنمية الحكم الذاتي، أما الهجرة اليهودية في الأعوام الخمسة التالية فستبلغ 75 ألف نسمة تحظربعدها إلا بموافقة العرب. وفي بعض المناطق من فلسطين يحظر بيع أراضي العرب في حين يكون البيع في مناطق أخرى مقيدا. استقبل الصهيونيون الكتاب الأبيض بالاستياء والعداء وتعاهدوا على مقاومته حتى النهاية فقويت الدعوة في صفوفهم إلى التطرف والعنف، وبدؤوا يلتفتون إلى الولايات المتحدة الأميركية كحامية لمخططاتهم الرامية إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. لكن العرب، بدورهم لم يستقبلوا الكتاب الأبيض بالرضى، أما زعماء الثوار فقد رفضوا السياسة البريطانية لأنها لم تعدهم بالعفو ولم تظهر ميلا إلى المصالحة مع المفتي. ومع ذلك رحبت اللجنة العربية العليا باعتراف بريطانيا بحقوق العرب من حيث المبدأ ولكنها أعربت عن أسفها لتخلف بريطانيا عن منح الفلسطينيين استقلالهم الذي هو "أقدس حقوق الشعوب وأثمن مطامحها". واختتمت اللجنة بيانها برفض الكتاب الأبيض لكونه لا يحقق مطالب العرب التي تتلخص في أن "تظفر فلسطين باستقلالها ضمن اتحاد فيدرالي عربي وتبقى عربية إلى الأبد".

 

حاول الثوار تعزيز الجهود من أجل تصعيد الثورة إلا أن التعب من القتال والضغط العسكري المتواصل إضافة إلى استغلال بريطانيا للخلافات والحزازات العائلية العربية وإلى معاناة العجز في الأسلحة والذخائر، كل ذلك ساهم في عرقلة الثورة. ثم أن اقتراب العالم من حافة الحرب العالمية الثانية حمل الفرنسيين على قمع رئاسة الثوار في دمشق قمعا تاما. ولم تكد تعلن الحرب العامة حتى أخذت الثورة طريقها نحو الاضمحلال .

   

سـبع سنوات عجاف

على رغم البطولة النادرة وروح التضحية والفداء التي أظهرها شعب فلسطين وتقديمه آلاف الشهداء وأضعافهم من الجرحى والمصابين، انتهت الثورة الكبرى من دون أن تتمكن من تحقيق أهدافها الرئيسية واستطاعت بريطانيا نزع السلاح من أيدي العرب نزعا تاما بحيث ترك عرب فلسطين عزلا وبلا قيادة أو تنظيم سياسي أي بلا قدرة على المقاومة في المرحلة التالية. وحاول بعض الوجهاء التقرب من حكومة الانتداب على أثر نشوب الحرب لكن الحاج أمير الحسيني رفض الانحياز إلى جانب الحلفاء ونقل مقره من لبنان إلى بغداد، واستغلت ألمانيا حالة العداء بين العرب والاستعمار البريطاني فصرح هتلر أن انتصار دول المحور سوف يؤدي إلى تحرير منطقه الشرق الأوسط وإلى منح شعوبها حق تقرير ا لمصير.

ساد الجمود صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية طوال معظم سني الحرب على رغم النشاط الصهيوني (الإرهابي والسياسي والدولي ) ومحاولات المفتي الذي كان قد لجأ إلى ألمانيا إنزال بعض الثوار بالمظلات في فلسطين بواسطة طائرات ألمانية ولم يتحرك الجو السياسي العربي على نحو فعلي إلا عندما اقتربت الحرب من نهايتها وعلى أثر بدء المشاورات لإقامة الجامعة العربية بناء على تشجيع بريطانيا لهذه الفكرة لكسب الرأي العام العربي في أثناء الحرب واحتواء فكرة الوحدة العربية. أما الحركة الصهيونية فقد سجلت تقدما كبيرا خلال الحرب بدءا من تولي تشرشل مقاليد الأمور في بريطانيا وفتح باب التطوع وتنظيم كتائب وفرقة يهودية وتشكيل فيلق يهودي عام 1944 وتطوير مصانع غير علنية لصنع الأسلحة والذخائر وكسب الولايات المتحدة للتدخل المباشر في سبيل الدفاع عن مطالب الحركة في فلسطين والضغط على بريطانيا في سبيل ذلك.

   

فلسطين والجامعة العربية

ومع أن فلسطحين كانت تستأثر بمعظم أبحاث جلسات الجامعة العربية فإن الدول العربية أحجمت عن اتخاذ الخطوات العملية الحاسمة الموحدة لتقوية عرب فلسطين والضغط على الدول الكبرى ضغطا فعالا من أجل الحفاظ على عروبة فلسطين. ولم تحدث الجهود الحكومية العربية وقرارات الجامعة العربية تأثيرا يذكر في سياسة بريطانيا وأميركا. وكان تسلم ترومان المعروف بميوله للصهيونية سدة الرئاسة الأميركية إيذانا بتبني أميركا، قائدة المعسكر الغربي المنتصر للحركة الصهيونية تبنيا كاملأ.

 

وفي مطلع العام 1946 أعلنت بريطانيا أن باب الهجرة سيظل مفتوحا على رغم انتهاء المدة المحددة في الكتاب الأبيض وأن لجنة أنكلو - أميركية ستكلف التحقيق في القضية الفلسطينية. استاء العرب أشد الاستياء من إعلان استمرار الهجرة فأضربت فلسطين وتظاهرت واحتجت وتضامن معها العرب كافة، على أن مجيء لجنة التحقيق شغل الرأي العام عن ايجاد وسائل فعالة لدعم نضال فلسطين والدفاع عن عروبتها.. وفي نيسان 1946 نشرت لجنة التحقيق تقريرها الذي أوصى بإدخال مئة ألف مهاجر يهودي جديد وبرفع الحظر عن انتقال الأراضي إلى اليهود، وطالب بالإبقاء على الانتداب حتى يكون ممكنا قيام دولة أو دول فلسطينية.

 

كان للتقرير وقعه الصاعق على العرب مما أثار غضبة الرأي العام في كل أرجاء الوطن العربي، فعمت التظاهرات والاحتجاجات وأخذت الأصوات ترتفع بوجوب الاستعداد للمقاومة المسلحة الرسمية والشعبية.

وفي هذه الظروف عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعا استثنائيا في بلودان (حزيران 1946) للنظر في تقرير لجنة التحقيق والخطة العربية إزاء الوضع في فلسطين، وعقد المجلس اجتماعات سرية وعلنية عدة واتخذ مقررات أعلن بعضها وكتم ما اعتبر منها سريا فرفض التقسيم وأوصى بتنظيم لجان دفاع عن فلسطين في كل الدول العربية وحث أهل فلسطين على تنظيم أنفسهم في هيئة جديدة وأوصى الحكومات العربية بمدها بالمساعدات اللازمة. أما القرارات السرية فسجلت خطورة الحالة في فلسطين واحتمال تطورها إلى اصطدام شديد بسبب ما بدا عند الصهيونيين من استعداد عسكري وأعمال إرهابية واسعة النطاق، وسجلت أن قبول توصيات لجنة التحقيق الأنكلو - أميركية سوف يسيء إلى العلاقات القائمة بين العرب وانكلترا وأميركا بحيث ستضطر الدولى العربية إلى حرمان رعاياهما من الحصول على امتيازات اقتصادية جديدة والنظر في إلغاء الامتيازات القائمة ورفع شكوى إلى مجلس الأمن وهيئة الأم المتحدة.

وكانت ردة الفعل الصهيونية لتردد بريطانيا في تنفيذ جميع المطالب الصهيونية التمرد الشامل وإعلان الحرب على الإنكليز والتصميم على إقامة حكومة يهودية ووضع العالم أمام الأمر الواقع.

 

وقامت القوات الصهيونية بنسف الجسور العشرة التي تربط فلسطين بالأقطار العربية المجاورة ردا على اجتماع بلودان وإعلانا لعزل فلسطين عن سائر البلاد العربية. وعوضا عن تجهيز شعب فلسطين الأعزل وإعداده للقتال وعوضا عن وضع القوات العربية على أهبة الاستعداد، دخلت الحكومات العربية في مفاوضات عقيمة مع بريطانيا.

 

وعندما قررت هيئة الأمم إيفاد لجنة تحقيق أعلنت الهيئة العربية العليا مقاطعتها للجنة لأنها ليست مكلفة تحقيق مطلب العرب الأساسي وهو الاستقلال ودعت الشعب إلى إعلان الإضراب يوم وصول اللجنة. وفي أثناء إقامة اللجنة الدولية في القدس نظم العرب مهرجانا لمقاومة سياسة الاحتلال الخاصة بالأراضي وقرأت في الاجتماع رسالة من الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا أكد فيها أن الثورة لا بد واقعة في فلسطين إن لم تعترف هيئة الأمم وبريطانيا وأميركا بمطالب عرب فلسطين.

 

وهكذا وجد عرب فلسطين أنفسهم أمام حتمية الصدام مع الصهيونيين الذين كانوا يتمتعون بدعم أقوى دول العالم وأغناها وجهاز الحركة الصهيونية الذي استطاع أن يؤمن تدفق الأسلحة المهربة للتنظيمات العسكرية الصهيونية، في الوقت الذي كانت الحركة الوطنية تعمل من دون قاعدة تنظيمية صلبة ومن دون أن تتوفر لها فرصة التكافؤ في السلاح والتنظيم والقيادة مع عدوها الصهيوني. فعلى رغم أن مجلس جامعة الدول العربية كان قد قرر تقديم المال إلى الهيئة العليا لتكون قادرة على العمل في اجتماعاته المعقودة في اذار 1947، فإن معظم الدول الأعضاء تخلفت عن الدفع، بينما لم توضع القرارات الخاصة بإنشاء لجنة عسكرية من مندوبي الدول العربية لتشرف على شؤون تدريب الشباب الفلسطيني موضع التنفيذ السريع، وقبل أن تتمكن اللجنة من تخريج الضباط الفلسطينيين من معسكرات التدريب (وهؤلاء شكلوا نواة وقوات "الجيش المقدس" بقيادة الشهيد البطل عبد القادر الحسسيني ) كانت هيئة الأمم قد اصدرت قرارها بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني عام 1947م واعلنت بريطانيا انها ستنسحب من فلسطين في ايار 1948. وعلى كل حال اتخذت الجامعة العربية قرارا بإدخال جيوشها النظامية قبل نهاية الانتداب في 15 أيار بأسابيع وبالتالي أصبح زمام المبادرة كليا في يد الدول العربية التي كانت تنقسم دولا غير مستقلة الإدارة وأخرى ضعيفة وغير قادرة على تغيير ميزان القوى لمصلحة العرب.

 

ومهما يكن من أمر هزال الموقف العربي العام وعلى رغم عدم الاستعداد والتهيئة وغياب القيادة والتنظيم الموحد الفعال، فقد تطوع عشرات الألوف من عرب فلسطين للدفاع عن بلادهم بإمكاناتهم الضعيفة وواقعهم السلبي وتم إنشاء منظمة الجهاد المقدس وخاض المجاهدون معارك عدة غير متكافئة مع عدوهم المنظم المدعوم وقدموا التضحيات والشهداء في سبيل عدم الإذعان لسلخ قسم من بلادهم وتسليمه إلى غرباء معتدين .

   

تقـويـم

يتضح مما تقدم أن الفلسطينيين العرب فد قاوموا الصهيونية والهجرة اليهودية منذ أواخر القرن الماضي حتى إعلان دولة إسرائيل على أساس أنها خطر قومي يتهدد كيانهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وبالتالي فقد شاركت مختلف الطبقات، وبوسائل مختلفة متباينة الاندفاع والقوة، في التعبير عن معارضتها للغزو الصهيوني. كذلك يتضح أن عرب فلسطين رفضوا الاعتراف بشرعية الصهيونية أو ما تمخض عنها من نتائج وأمر واقع ورفضوا كل ما من شأنه أن يتضمن في شكل مباشر أو غير مباشر الاعتراف بالصهيونية حتى في أسوأ الظروف والأحوال. وهم دفعوا في سبيل مقاومة الغزو الصهيوني خسائر فادحة وتضحيات جسيمة تفوق تضحيات الشعوب المناضلة الأخرى في الفترة ذاتها وأجبروا بريطانيا، التي أدخلت الصهيونية إلى فلسطين في ظل حرابها، على أن تستدعي الاحتياط وتستخدم المدرعات والبوارج والطائرات وتعجز لفترة غير قصيرة عن إخماد ثورة شعب صغير مستفرد وفقير عندما كانت الإمبراطورية البريطانية في أوجها. ومن الواضح أن القيادة السياسية للشعب الفلسطيني كانت دون مستواه نضالا واندفاعا وتضحية إذ تحملت الطبقات الشعبية الفقيرة من فلاحين في الريفي وعمال في المدن وفئة الشباب القومي العربي المثقف الأعباء الأساسية في المجابهة مع العدو الصهيوني – إلبريطاني.

 

 ومن الواضح أيضا أن عرب فلسطين تمسكوا بالمبادئ التحررية ولم يكنوا بغضا دينيا لليهود بل حافظوا في شكل متواصل على أفقهم الحضاري ورغبتهم في إقامة مجتمع ديمقراطي للجميع ضمن إطار الوحدة العربية (علم فلسطين هو علم الثورة العربية ونشيدها هو النشيد العربي نفسه ) ولم يكن مستغربا والحال هذه أن يشارك الثوار العرب من كل الأقطار المجاورة في جميع الثورات والانتفاضات الفلسطينية وأن يكون شيخ ثوار فلسطين هو عز الدين القسام وأن يكون أبرر شهداء ثورة 1936 هو سعيد العاص السوريان. وفي المقابل رأينا كيف أن التجزئة والاحتلال في الأقطار المجاورة خنقا النضال الفلسطيني وسهلا محاصرته واستفراده وكيف أن الطبقات الحاكمة في تلك الأقطار كانت موالية للبريطانيين، ساهمت في إجهاض ثورات فلسطين وعجزت عن تحدي السياسة الاستعمارية الصهيونية لبريطانيا ولو مرة واحدة.

ومن هنا كانت هزيمة العرب في فلسطين وليدة القهر لا وليدة الاستسلام وحصيلة من محصلات الضعف لا التراخي متصلة بضعف البنية لا بفقدان الإرادة التورية.

 

ويمكننا أن نرد فشل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى الأسباب المحددة آلاتية :

أولا: كان توازن القوة بين عرب فلسطين وأعدائهم مفقودا، ذلك أثه كان من المسمتحيل على شعب فلسطين الفقير المتخلف الضئيل العدد مواجهة تحالف الإمبراطورية البريطانية وقوتها العسكرية الجبارة مع الصهيونية العالمية ذات النفوذ السياسي والمالي إضافة إلى قوة المستوطنين اليهود الذين كانوا يتمتعون بالتنظيم الشامل والتسليح الحديث والقيادة المصممة.

ثانيأ: إن فقدان التوازن في المجابهة مع الاستعمار والصهيونية في فلسطين كان مرتبطا بالأوضاع العربية. فقد رأينا أن النظرة الاستراتيجية الكامنة وراء تبني السياسيين الاستعماريين للفكره الصهيونية كانت مرتبطة أشد الارتباط بالرغبة في السيطرة على المنطقة والحيلولة دون قيام دولة موحدة مستقلة قوية تهدد مصالح الدول الكبرى. كذلك فإن التجزئة العربية جاءت ضمن خطة برزت معالمها في اتفاق سايكس - بيكو ووعد بلفور ومؤتمر السلام في باريس. إن العلاقة بين الدولة الصهيونية والتجزئة العربية علاقة عضوية فالتجزئة هي التي مكنت الاستعمار والصهيونية من استفراد شعب فلسطين وقهره كما أن قيام الدولة الصهيونية كقاعدة أمامية للاستعمار ساعد الدول العربية في الحفاظ على التجزئة والضعف العربي. ثالثا: إن قيادة الشعب الفلسطيني لم تكن في مستوى الأحداث فقد اتصفت بضيق الأفق ومحدودية الطموح والمهادنة ولم تستطهع مواجهة الحقائق المترتبة على تبني بريطانيا للصهيونية تبنيا كاملا فأحجمت عن محاربة بريطانيا إلى أن تمكنت الصهيونية من استقدام أعداد كبيرة من اليهود بحيث أصبح الوطن القومي اليهودي حقيقة قائمة عشية اندلاع الثورة الكبرى. كذلك فإن القيادة السياسية الفلسطينية كانت تغذي النزعات العائلية وتعارض تعبئة الجماهير وتنظيمها تنظيما ثوريا يتناسب مع المهمات المترتبة على طبيعة المجابهة مع الصهيونية والاستعمار كما أن القيادات لم تربط بين معارك الجماهير اليومية وترقية أحوالها وتقدمها الحضاري.

رابعا: كان من نتيجة تخلف القيادة وتخلف المجتمع غياب النظرية الثورية وغياب تنظيمات جماهيرية واسعة ثابتة ولم تكن هنالك معادلة تضع العمل العسكري الثوري في خدمة استراتيجية ثورية سياسية تحقق التحرر والاستقلال.

خامسا: إن الدويلات العربية المحيطة بفلسطين لم تكن كلها حرة الإرادة وكانت ضعيفة غير قادرة على تعبئة الشعب وتوحيد قواها وبالتالي لم تستطع الوقوف في وجه الخطر الصهيوني.

سادسا: إن الوضع الدولي في الفترة الواقعة بين الحربين لم يكن مؤاتيا لانتصار حركات التحرر الوطني في العالم. فالدول الاستعمارية كانت تهيمن على العلاقات الدولية كما أن الظاهرة الاستعمارية لم تكن قد بلغت مرحلة الانحسار. وكانت الصهيونية تحظى بتأييد إجماعي من الدول الغربية الاستعمارية بينما كان العرب في مواقع الصراع مع هذه الدول الأمر الذي اضطر عرب فلسطين إلى المراهنة على دول المحور التي منيت بهزيمة ساحقة في نهاية الحرب. وعندما وضعت الحرب أوزارها باتت مسألة انتصار العدو الصهيوني مسألة وقت نظرا إلى التصميم والتنظيم والدعم الهائل الذي كانت تخص به الحركة الصهيونية بينما كان عرب فلسطين معزولين ومجردين من السلاح والدول العربية المحيطة ضعيفة ومجزأة ومسلوبة الإرادة.

   

العرب وفلسطين عبر التاريخ

يشهد تاريخ فلسطين أن وضعها الجغرافي وصلتها الحميمة بالأراضي المجاورة حددا على مر الزمن تطورها ومصيرها. لقد كان مصير فلسطين دوما مرتبطا بأوضاع الجزيرة العربية ومصر وسوريا والعراق.

ففي أواخر الألف الرابع وأوائل الألف الثالث قبل الميلاد تعرضت فلسطين لموجة عربية سامية كبيرة هي الموجة المعروفة باسم الأمورية الكنعانية فنزل الأموريون داخل بلاد الشام وجنوبها الشرقي، واستوطن الكنعانيون ساحلها وجنوبها الغربي أي فلسطين. ونسبة لهؤلاء سميت فلسطين أرض كنعان، وكان أقدم اسم سميت به البلاد. وبقيت للكنعانيين السيادة ما يقرب من ألف وخمسمائة سنة أي من 2500 ق. م. إلى نحو1000ق م. حين تمكن اليهود من إعلان مملكتهم. وفي هذه الفترة توطنت عدة قبائل عربية أخرى اشتهرت بالتجارة.

وحدث أثناء فترة سيطرة الكنعانيين نحو عام 1805 ق. م. أن هاجر النبي إبراهيم إلى بلاد الشام واستقر بعد فترة في شكيم (نابلس ) في فلسطين. ثم ما لبث أن انتقل إلى بئر السبع. وفي نحو عام 1794 ق. م. رزق إبراهيم بولده إسماعيل جد العرب العدنانية. وبعد مولد إسماعيل بنحو أربع عشرة سنة رزق إبراهيم من زوجته الأولى سارة بولده الثاني إسحاق والد يعقوب الذي لقب بإسرائيل والذي أطلق اسمه على جميع ذرية يعقوب. ونزح يعقوب وأولاده الذين بلغ عددهم بضع عشرات إلى مصر نحو عام 1656 بسبب القحط الذي نزل بفلسطين وهناك استعبدهم فراعنة مصر فاضطروا إلى النزوح عن مصر بقيادة النبي موسى بعد إقامة دامت حوالي أربعمائة سنة. أما قصة نهجهم الحربي في فتح فلسطين على يد يوشع فمدونة في أسفار العهد القديم : "صعد الشعب إلى المدينة - أريحا - وأهلكوا كل من في المدينة من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف ".

   

مملكة يهودية في فلسطين

وعلى الرغم من ذلك فإن سيطرة يوشع على فلسطين لم تكن كاملة إذ بقي الكثير من المدن الكنعانية خارج سيطرة اليهود كما أن استيطان الفلسطينيين وهم أول من نزل أرض كنعان من سكان أوروبا (كريت ) في غزة وجوارها وامتداد استعمارهم حتى الكرمل أخذ يهدد وجود القبائل اليهودية المتناثرة مما دفع هؤلاء إلى جمع كلمتهم في وحدة مؤقتة ونصبوا شاول بن قيس ملكا عليهم نحو عام 1520 ق. م. وقتل شاول بعد ستة عشر عاما من توليه الملك على يد الفلسطينيين في إحدى معاركه معهم. وتولى من بعده داود بن يسي فأدخل المركبات الحربية في الجيش وحارب الفلسطينيين وانتصر عليهم وعلى غيرهم من الأقوام التي كانت تقطن فلسطين وشرق الأردن وبطش بهم. وفي مطلع حكم داود كانت الخليل عاصمة ملكه لكنه انتقل إلى القدس إثر فتحه لها وجعل "جبل صهيون" مقرا لحكمه وبنى عليه قلعة وقصرا من خشب الأرز اللبناني.

وفي عهد داود بلغت المملكة اليهودية أقصى اتساعها فامتدت من جبل الكرمل وتل القاضي إلى جبل الشيخ شمالا وإلى حدود مصر ونهر الموجب جنوبا وإلى الصحراء شرقا ولكن الساحل الفلسطيني الممتد من شمالي يافا إلى جنوب غزة كان تابعا لمصر وبالتالي فإن عموم فلسطين لم تقع تحت حكم اليهود حتى في ذروة فتوحاتهم. وخلف داود ابنه سليمان الذي تميز عهده بالازدهار التجاري والعمراني وشيد المعبد المعروف بهيكل سليمان وذلك بمساعدة الفينيقيين إلا أنه لم يتمكن من المحافظة على جميع أجزاء المملكة التي ورثها عن أبيه. ففي أواخر عهده أدى التذمر من الضرائب المرهقة إلى انقسام اليهود فكان ذلك إيذانا بأفول عزهم الذي لم يدم أكثر من سبعين سنة.

 

انقسمت مملكة سليمان إلى قسمين : مملكة إسرائيل في الشمال ومملكة يهوذا في الجنوب. وقد نشبت بينهما حروب ونزاعات كثيرة ولا سيما فيما يتعلق بالشؤون الدينية. وعاشت المملكة الإسرائيلية نحو قرنين ( 923- 722 ق. م. ) وكان القسم الأكبر من أهالي المملكة وملوكها يعبدون الأوثان. . وكانت نهاية إسرائيل على يد الأشوريين الذين سبوا نخبة أهلها إلى بلادهم في العراق.

 

أما المملكة اليهودية فقد اشتملت على القسم الجنوبي من فلسطين وكانت أفقر من أختها في الشمال ودامت نحو 136 سنة بعد خراب المملكة الشمالية. وكانت المملكتان خاضعتين في معظم فترات حياتهما لنفوذ الدول القوية المجاورة في العراق ومصر. وكانت نهايتها على يد بختنصر الكلداني الذي فتح القدس وأحرق الهيكل وبيت الملك عام 586 ق. م. وسبى زهاء 50 ألف أسير نقلهم إلى بابل. مكث اليهود في بابل نحو سبعين سنة تغير خلالها لسانهم وتنوعت آدابهم، فلما استولى كورش ملك الفرس على بابل عام 539ق. م ومن ثم على بلاد الشام أمر بإرجاع اليهود الذين ساعدوه حين فتح بابل ولكن قسما من هؤلاء آثروا البقاء في بابل حيث كانوا يتعاطون التجارة.

وقد تمكن الذين عادوا إلى القدس من أن يعيدوا في عام 516ق. م بناء هيكلهم الذي تهدم في عام 586ق. م وجعلوا رئيس كهنتهم زعيما لهم. امتد عهد الفرس في فلسطين من 538 إلى 332 ق. م وكانت نهايته على يد الإسكندر المقدوني الذي نشر قواده الذين تولوا الحكم بعد موته الثقافة اليونانية بين اليهود وفرضوا عليهم آدابهم وحضارتهم فانقسم اليهود إلى قسمين : قسم اقتدى باليونان وحضارتهم الراقية واخر تعصب لعقائده الدينية وتشبث بأساليب الحياة اليهودية التقليدية. وكان من نتائج هذا التشديد على اليهود قيام ثورة بقيادة العائلة المكابية عام 167 ق.م ويعزو أرنولد توينبي نجاح الثورة المكابية إلى تأخر اجتياح الجحافل الرومانية للمنطقة على أثر ضعف الدولة السلوقية لا إلى قوة المكابيين الذاتية.

 

وسرعان ما تحول المكابيون من ثورة على الاضطهاد ومقاومة لفرض الحضارة الهيلينية (اليونانية) على اليهود إلى قوة اضطهدت الشعوب التي كانت تعيش في فلسطين وشرقي الأردن أبشع اضطهاد وفرضت الدين اليهودي عليها قسرا في الفترة الواقعة ما بين 102- 76.

 

ومن الخطأ الاعتقاد أن سيطرة المكابيين على المنطقة المشار إليها كان مطلقا فقد كانوا موضع تحدي العرب الأنباط. الذين بسطوا سيطهرتهم على جنوبي فلسطين عندما امتدت مملكتهم في أوج مجدها من سهل البقاع شمالا حتى مدائن صالح (شمالي الحجاز) جنوبا. وقد نشبت بين المكابيين والأنباط معارك عديدة كان النصر في معظمها للأنباط.

 

جاءت نهاية الأنباط على يد الرومانيين الذين بسطوا سيطرتهم على البلاد وعينوا "هيرودس بن أنتيباتر" الأدومي (وأمه من الأنباط ) ملكأ على اليهود عام 37 ق. م. وكان على صلة حميمة بالإمبراطور أغسطس وعلى الرغم من تهوده وإعادة بنائه للهيكل فقد كرهه اليهود لأنه لم يكن من جنسهم ولأنه نشر الحضارة الرومانية واليونانية التي كانوا يكرهونها فحقد عليهم.

 

وفي آخر سنة من حكم هيرودس (4 ق. م. ) ولد السيد المسيح في بلدة بيت لحم ونشأ في الناصرة وعاش المسيح طول حياته في فلسطين، وفيها نشر تعاليمه. وكان أكثر تلاميذه وحوارييه من الجليل.

   

نهاية صلة اليهود بفلسطين

وعلى الرغم من المعاملة المميزة التي منحها الرومان لليهود كإعفائهم من عبادة الإمبراطور وخدمة الجيش وبقاء أحكامهم الدينية في يد محاكمهم الخاصة، فقد استمر الاحتكاك بين الطرفين مما أدى في النتيجة إلى ثورة اليهود عام 66 م، وتم سحقها عام 75 م. علي يد طيطوس الروماني بمساعدة الفرق العربية والسورية والأرامية الموضوعة تحت قيادته. ولكن اليهود ثاروا مرة أخرى بقيادة سمعان المدعو أيضا بركوكب والذي ادعى أنه المسيح المنتظر. وتم القضاء على هذه الثورة على يد هدريان الذي نكل باليهود أشد تنكيل ومنعهم من دخول القدس والسكن فيها بل الدنو منها والجدير بالذكر أن ثلاثة أرباع اليهود كانوا يسكنون خارج فلسطين قبل سقوط القدس بمدة طويلة ولم يكن لجماهير اليهود المبعثرين في الإمبراطورية الإغريقية ثم في الإمبراطورية الرومانية إلا اهتمام ثانوي جدا بالمملكة اليهودية في فلسطين  وبثورة بركوكب انتهت صلة اليهود بفلسطين حتى القرن التاسع عشر وازداد تشتتهم في مختلف أقطار العالم في أوروبا واسيا وإفريقيا.

وهكذا نجد أن اليهود لم يدخلوا إلى فلسطين إلا في حقبة متأخرة من الزمن ولم يحكموا البلاد إلا مدة قصيرة نسبيا، ناهيك بأنهم لم يحكموا سوى أجزاء من فلسطين حتى في ذروة عزهم. ولقد تميزوا بالتعصب الشديد واستعداء الشعوب الأخرى التي كانت تقطن المنطقة. كذلك يلاحظ أنهم توزعوا في البحر الأبيض المتوسط في وقت مبكر سعيا وراء التجارة والرزق ولم يعد يربطهم بفلسطين سوى الحنين إلى جبل صهيون أي القدس.

ومن هنا لخص د. ج. ولز في كتابه "موجز التاريخ " تاريخ اليهود العبرانيين بما يلي :

"كانت حياة العبرانيين في فلسطين تشبه حالة رجل يصر على الإقامة وسط طريق مزدحم فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار.. ومن البدء حتى النهاية لم تكن ممتلكاتهم سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسوريا وأشور وفينيقيا ذلك التاريخ الذي هو أكبر وأعظم من تاريخهم".