أدلة إيمـان أبـي طـالب عليه السلام

 
بسم الله الرحمن الرحيم

(وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً)(النساء/94)


كيفية التعامل مع الذين يريدون دخول الإسلام

في هذا المقطع الشريف من الآية المباركة تقرير لنداء قرآني ورباني، وحاصل هذا النداء دعوة الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالتعامل بصدور منشرحة وبانفتاح ومرونة مع من يريد الدخول إلى الإسلام ولا يكون الإنسان قصير النظر أو ضيق التفكير فيتعامل مع الآخرين بجدية وخشونة وبالتالي يؤدي إلى تنفير الناس من الإسلام.

فهداية الناس ليس بالضرورة أن تكون هداية كاملة في مرحلة واحدة، بل قد تكون الهداية على مراحل وفترات متعددة بحيث في كل مرحلة يؤدي دور معين ومع التدريج يصل الإنسان إلى النتيجة المطلوبة والكاملة.

ومن هنا ورد في آداب الدين:

"إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبث لا أرض قطع ولا ظهر أبقى".

ومعنى ذلك أنه يجب عليك أيها الإنسان أن تتوغل في الدين برفق ولا تكلّف نفسك فوق طاقتها حتى لا تنفر منه نهائياً.

إذن مبدأ التدرج في التعامل مع الآخرين والتدرج في دعوة الآخرين هو مبدأ ديني من جهة ومبدأ عقلاني من جهة أخرى فالدين الإسلامي دين عقل ومنطق وصواب.

فالذي يعلن إسلامه لا يكون قد بلغ مرتبة اليقين فهذه المرتبة لا يلقاها إلاّ الذين صبروا ولا يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم.

وبالتالي من يدخل إلى الإسلام يكون قلبه مملوء بالشكوك وبعد التمعن في الدين تزول هذه الشكوك تدريجياً ويستقر الدين في قلبه.

والقانون الإسلامي لا يفرق بين من كان ظاهر الإسلام ومن كان قلبه مليء بالإيمان في إطلاق لفظ المسلم عليه فكلاهما سيان في إطلاق الإسلام عليه. ولهذا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد عاتب بعض القادة العسكريين لأنهم قد قتلوا أناس قد أظهروا الإسلام بدعوى أن الإيمان لم يستقر في قلوبهم.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنى لم أؤمر أن أشق قلوب الناس.

فقالوا: يا رسول الله أنهم لم يؤمنوا الإيمان الحقيقي.

فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألم يشهدوا الشهادتين؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: إذن دخل في حوزة الإسلام والمسلمين.

فليس من وظيفة الإنسان ولا من وظيفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يدخل قلوب الناس ويعرف مدى إيمانهم بل يكفى الإسلام الظاهري، وقد تختلف هذه الموازين في الآخرة فرُبّ إنسان في ظاهره إيمان ويتعامل مع المسلمين وهو كالمسلمين ولكن يوم القيامة يُحشر مع الكافرين وهذا علمها عند رب العالمين.

طـرق إثبات إسلام المسلم المعاصر:

1)     الإقرار بأنه مسلم.

2)     الالتزام بظاهر المسلمين العامة.

3)     البيّـنة.

طـرق إثبات إسلام المسلم الغير معاصر

من خلال التبحّر في التاريخ نجد أن التاريخ يقبل الروايات في شأن إسلام الأفراد بدون سند وخبر مثال هو ما يروى عن إسلام أبو سفيان حيث يروى التاريخ أنه أسلم عام فتح مكة فجاء به العباس بن عبد المطلب وقال له:

أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلاّ الله.

فتوقف قليلاً فلزّه العباس وقال له ثانية: أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلاّ الله.

فقال له أبو سفيان: لو كان إله غير الله لأغنى عنّا يوم بدر.

فقال العباس: قل أشهد أن لا إله إلا الله، فقالها.

قال العباس: قل أشهد أن محمداً رسول الله.

فقال أبو سفيان: الأولى قلتها والثانية أعفني عنها.

فرد عليه العباس: هذا ليس هو الإسلام وإن لم تقل الثانية دقّ عنقك.

وهذه إحدى طرق قبول إسلام الأفراد ويرويه التاريخ ويقبله والجمهور ويعتبرونه من أكابر المسلمين!!

والقانون الشرعي الإسلامي يحث على التعامل مع ظاهر الإسلام مادام كان ملتزماً بضروريات الدين وبالأخص المتفقة عليها مثل التوحيد والنبوة والميعاد ولكن المختلفة عليها مثل العدل والإمامة من أنكرها لا توجب كفران المسلم.

إذاً لماذا هذه الهجمة على أبي طالب؟

من أسباب التشكيك في إيمان أبو طالب :

1-   كتمان إيمانه:

كان أبو طالب لا يعلن إيمانه حتى يتمكن من الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كمؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف، وبتعبير الإمام الصادق عليهم السلام: كتموا إيمانهم فأثابهم الله سبحانه مرتين ثواب الإيمان وثواب الكتمان.

2-   الحقد على أبي طالب:

فقد كان يرى المشركون والمنافقون أن أبي طالب كان السبب في إقامة الدين وتقوية وحماية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

3-   الحقد على علي ابن أبي طالب عليه السلام:

فقد صرّح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي أنت مبتلى ومبتلٍ بك.

فقد أبتلى أمير المؤمنين عليه السلام وأبنائه ومحبيه وشيعته بكره المنافقين والمشركين فقد نسب الكفر إلى أبيه كما نسب صفة الخوارج لمحبيه وصفة الزنادقة لشيعته.

أدلـة إيمـان أبي طـالب

1-   من الأدلة الثابتة على إيمان أبي طالب ما يرويه ابن أبي الحديد من مصادر الجمهور عن العباس بن عبدالمطلب وعن الخليفة الأول:

"والله ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نفسه الرضا فشهد الشهادتين".

2-    شهادة أهل البيت عليهم السلام:

الشهادات التي قامت على إيمان وإسلام أبو طالب شهادات كثيرة ويكفيها فخراً شهادة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وقبل التطرق إلى شهادة أهل البيت عليهم السلام لابد من طرح أصل من الأصول العملية وهو حجية قول أهل البيت عليهم السلام.

لا يمكن لمسلم يعتقد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعتقد بأن أهل البيت هم كسفينة نوح كما روى ابن حجر من ركبها نجى ومن تخلف عنها هوى وأنهم ثاني الثقلين بنص حديث الثقلين الذي يرويه أحمد في سنده ثم يأتي ويقول أن قول أهل البيت ليس حجة.

ومن شهادة علي بن الحسين عليه السلام حيث سأله سائل عن إيمان أبي طالب وهل مات مشركاً: فقال عليه السلام:

"كيف يكون مشركاً وقد منع الله نبيه أن يفرق مسلمة تحت مشرك".

أي كيف تكون الزوجة المسلمة تحت المشرك؟

فمن الأحكام القانونية إذا أسلمت مسلمة فرّق الإسلام بينها وبين زوجها المشرك كما فرّق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته زينب من زوجها أبي العاص بن الربيع عندما أسلمت وبقي هو على كفره ولم ترجع إليه إلاّ عندما أعلن إسلامه.

فيجيب الإمام السجاد عليه السلام أن لو كان أبو طالب مشرك لفرّق الإسلام بينه وبين زوجته فاطمة بنت أسد. إذن مَن قَبِل حجية أهل البيت عليهم السلام فعليه أن يقبل شهادتهم في أيمان أبي طالب في قِبال قول المغيرة بن شعبة الذي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن أبا طالب في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه.

ولو تأملنا في سند هذه الرواية: فإن المغيرة بن شعبة لا يعتبر ثقة لا في علم الرجال ولا عند علماء الجرح والتعديل.

مضافاً لذلك إن هناك خلل في سند هذه الرواية: حيث عُرف المغيرة بعدائه لأهل البيت عليهم السلام ومبغض لعلي عليه السلام وبني هاشم وهذا سبب لعدم قبول روايته حيث لا يخفى على إنسان أنّ في الفقه الإسلامي في باب القضاء إذا كان هناك عداوة بين الشاهد والمشهود عليه تسقط شهادة الشاهد وهذا باتفاق جميع مذاهب المسلمين.

وإذا تأملنا في دلالة الرواية: فإن هذا الأسلوب ليس من أسلوب العرب وهم المبدعون في البلاغة العربية فكيف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى أن يأتي بهذا الأسلوب الضعيف. حاشا لرسول الله.

ومعنى الضحضاح: هو الحويض القليل من النار والعرب لم يرد لهم في اللغة أن جاءوا بهذا التعبير (نهر من النار).

إذن لا تُقبل بهذه الرواية لا من حيث السند ولا من حيث الدلالة.

بعض الآيات التي قيلت أنها نزلت في شأن أبو طالب

1- البعض قال أن قوله تعالى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ)(الأنعام/26). أنها نزلت في أبي طالب.

ولمناقشة هذا القول يجب أن نسأل: ما هو الدليل؟ يقولون: تفسير قتادة.

وهنا نطرح سؤال هل قول قتادة كقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القبول؟ هل قول قتادة حجة؟ وهو القائل بأن يزيد مِن أولي الأمر.

وقتادة يروى عن سفيان الثوري الذي قيل عنه في علم الرجال كذاب وضعيف ويقول عنه آخر مغلط مخلط أي كثير الغلط والخلط.

2- في قوله تعالى: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(القصص56).

والرواية التي تقول أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يتمنى هداية أبو طالب ولكنه مات كافراً ويستدل بهذه الآية وهذه الرواية يرويها سعيد ابن المسين.

ونطرح التساءل مرة أخرى: هل قول سعيد حجة؟ وهو الذي قيل له أحضر جنازة علي أبن الحسين زين العابدين يقول: ركعتان أصليهم خير من تشييع جنازة علي ابن الحسين. وكان من الناصرين للحجاج.

3- آية: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)(التوبة/113).

قال فيها بعض المفسرين المقصود من المشركين أبو طالب وأن الرسول كان يستغفر لأبي طالب.

ويمكن مناقشة هذا الرأي من جهتين:

1- هذا الدليل على العكس، كيف؟ باعتراف الكل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استغفر لأبي طالب والاستغفار للمشرك غير جائز في الإسلام فكيف يقدم عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي كان يجسّد أحكام ومفاهيم الله في الوجود ولا يمكن عليه الخطأ والخطيئة على الأقل في التطبيقات المؤثرة على التشريع.

إذن استغفار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي طالب بذاته دليل على إيمان أبي طالب عليه السلام.

2- هذه الآية قد وردت في سورة التوبة وقد نزلت هذه الآية في عام 9 هجري وأبي طالب قد توفي 3 سنوات قبل الهجرة أي بين وفاة أبو طالب ونزول هذه الآية 12 سنة.

إذن ليس كل من فسر بالرأي أو التزم بطرق التفسير الصحيح أخذ بتفسيره إلاّ إذا استند إلى آية أخرى، أو اتبع الطرق الصحيحة في التفسير.

مواقف أبو طالب وتصريحاته النثرية والشعرية:

التاريخ ملئ بالتواتر المعنوي عن تصريحات أبو طالب النثرية والشعرية ومواقفه الدفاعية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن الرسالة الإسلامية.

فمن خلال أبياته الشعرية نلتمس ثبات موقفه وحبّه للرسول صلى الله عليه وآله وسلم كنبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى.

فيقول في أبياته:

يا شـاهـد الله عـليّ فاشـهـد

أنـي عـلى ديـن النـبي أحـمدِ

وفي بيت آخر:

والله لن يصـلوا إليـك بجـمعهم

حـتى أُوسّـد بالتـراب دفـيـنا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضـة

وأبشـر بذاك وقـرّ منك عيونـا

ولقـد عـلمت بأن ديـن محـمد

من خيـر أديـان البـرية دينـا

ألم تعـلموا أن وجدنـا محـمداً

نبيٌ كمـوسى خط في أول الكفد

ومن مواقفه ودفاعه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما ألقت قريش على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم العلهج وهو ساجد في الصلاة، فأحضرهم جميعاً وقبض لحاهم بالدماء وقال للرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

أنت النـبي محـمـد

قـرم أغـر مـسـود

لمسـود بـن أكـارم

طـابوا وطاب المـولد

مازالت تنطق بالصواب

وأنـت طـفـل أمـرد

وإصراره وقوله لابنه علي عليه السلام أن يقف بجانب ابن عمه ثم يقول:

إن عـليّـاً وجـعفـراً ثقـتي

عنـد ملّـم الزمـان والنـوب

لا تخـذلا وانصـرا ابن عمكما

أخـي لأمي من بيـنهم وأبـي

تـالله لا أخـذل النـبـي ولا

يخـذلـه من بـني ذو حسـب

وموقفه العظيم حين ينوم ولده علي عليه السلام في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة الشعب، حتى يحافظ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا من حيث الرابطة النسبية فالولد في الرابطة النسبية أقرب من ابن الأخ، ولكن من حيث الموقف العقائدي الذي يعتقد به أبو طالب حيث يقول لابنه علي عليه السلام:

أصبر يا بني فالصبر أحجى كل حي مصيره لشعوب

قد بذلنـا والبلاء شديد لفـداء الحبيب وابن الحبيب

كل حـيّ وإن تمـلّى زمان آخذ من حمام بنصـيب

ويرد عليه علي عليه السلام:

سأسعى بعون الله في نصر أحمد نبي الهدى المحمود