القول المبين عن وجوب مسـح الرجلين
الشيخ العلاّمة القاضي أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي
رضوان الله تعالى عليه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد ورسوله خاتم النبيين وآله الطاهرين

 

سألت -أيدك الله تعالى- في أن أورد لك من القول في مسح الرجلين، ما يتبين لك به وجوبه وصحة مذهبنا فيه وصوابه، وأنا أجيبك إلى ما سألت، وأورد مختصرا نطلب به ما طلبت، بعون الله وتوفيقه.

اعلم أن فرض الرجلين عندنا في الوضوء هو المسح دون الغسل، ومن غسل فلم يؤد الفرض، وقد وافقنا على ذلك جماعة من الصحاية والتابعين:

كابن عباس(عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة، فلازم الرسول الاكرم صلى الله وآله وروى عنه الاحاديث الصحيحة، وشهد مع الامام علي عليه السلام الجمل وصفين، توفي مكفوف البصر بالطائف في سنة 68ه-. الاصابة 330:2، طبقات الفقهاء :48، اسد الغابة 192:3، حلية الاولياء 314:1، صفوة الصفوة 746:1 سير أعلام النبلاء3 / 133) رحمة الله عليه.

وعكرمة(عكرمة بن عبد الله البربري المدني، مولى عبد الله بن عباس، كان عالمأ بالتفسير والمغازي، روى عنه زهاء [300] رجل، توفي بالمدينة في سنة 105ه-ميزان الاعتدال 93:3، تهذيب التهذيب 234:7، حلية الاولياء 326:3، وفيات الاعيان 265:3، طبقات الفقهاء : 70)

وأنس(أنس بن مالك بن النضر البخاري الخزرجي الانصاري، صاحب رسول الله عليه وآله، روى عنه رجال الحديث زهاء 2286 حديثأ، ولد بالمدينة ومات بالبصرة في سنة 93ه-صفوة الصفوة 710:1 ، ‎اُ‎سد الغابة 127:1، تهذيب الاسماء واللغات 127:1، تهذيب التهذيب 329:1، سير أعلام النبلاء 33:5)

وأبي العالية(رفيع بن مهران الرياحي البصري، أبو العالية، مولى امرأة من بني رياح من تميم، أدرك الجاهلية وأسلم بعد رحلة الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله بسنتين، توفي في سنة 106ه- ، وقيل في 93ه-طبقات الفقهاء 88، تهذيب الاسماء واللغات 251:، حلية الاولياء 217:2، تهذيب التهذيب 246:3، سير أعلام النبلاء 207:4)

والشعبي(عامر بن شراحيل بن ذي الكبار الشعبي الحميري، راوية من التابعين يضرب المثل بحفظه، وهو من رجال الحديث، ولد ونشأ ومات فجأة بالكوفة في سنة 103ه-تهذيب التهذيب 57:5، وفيات الاعيان 12:3، حلية الاولياء 310:4، تاريخ بغداد 12 /227) وغيرهم(وإضافة إلى ما ذكره المصنف قدس سره، فقد حكي مسح القدمين عن قتادة، وعلقمة، وابن عمر، ومجاهد والاعمش، والضحاك، وابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو).

دليل وجوب المسح من الكتاب العزيز:

ودليلنا على أن فرضهما المسح: قول الله تعالى:

((يَا أيُّهَا الذَّينَ آمَنُوا إذا قُمتًم إلىَ الصَّلاةِ فاغسِلُوا وُجُوهَكُم وَأيدِيَكُم إلى المرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم وَأرجُلَكُم إلىَ الْكَعْبَين))(المائدة 6:5).

فتضمنت الآية جملتين، وصرح فيهما بحكمين.

هذا فضلا‎ً عمن قال بالتخيير بين مسح القدمين وغسلهما: كالحسن البصري وأبي علي الجبائي.

ومن قال بوجوب الجمع بين المسح والغسل: كناصر الحق من أئمة الزيدية وداودالاصفهاني.

ومن قال بالتخيير والجمع أولى: كابن العربي.(أُنظر: المبسوط -للسرخسي- 452:2، المجموع 417:1، البحر الزخار67:2، المغني150:1، الفتوحات المكية343:1، مصنف ابن أبي شيبة19:1، تفسير الطبري83:6، التفسيرالكبير للفخر الرازي 161:11، أحكام القرآن -للجصاص- 345:2، الجامع لاحكام القرآن -للقرطبي- 91:6، تفسير القرآن العظيم -لابن كثير- 27:2وانظر: الخلاف90:1، المعتبر148:1، التبيان - للطوسي- 2 : 452، مجمع البيان - للطبرسي 164:2)

بدأ في الجملة الأولى: بغسل الوجوه، ثم عطفت الأيدي عليها، فوجب لها من الحكم بحقيقة العطف مثل حكمها.

ثم بدأ في الجملة الثانية: بمسح الرؤوس، ثم عطفت الأرجل عليها، فوجب أن يكون لها من الحكم بحقيقة العطف مثل حكمها، حسبما اقتضاه العطف في الجملة التي قبلها(عطف النسق بالواو يقتضي التشريك في الحكم مطلقأ. رصف المباني: 473، الجنى الداني في حروف المعاني :158).

ولو جاز أن يخالف في الجملة الثانية بين حكم الرؤوس والارجل المعطوفة عليها، لجاز أن يخالف في الجملة الاولى بين حكم الوجوه والايدي المعطوفة عليها، فلما كان هذا غير جائز،كان الاخر مثله. فعلم وجوب حمل كل عضو معطوف في جملة على ما قبله، وفيه كفاية لمن تأمله.

تعـدّد قراءات آية الوضوء وآراء علماء اللغـة :

فإن قال قائل:

إنا نجد أكثر القراء يقرؤون الآية بنصب الأرجل، فتكون الأرجل في قراءتهم معطوفة على الأيدي، وذلك موجب للغسل.

قيل له:

أما الذين قرأوا بالنصب من السبعة فليسوا بأكثر من الذين قرأوا بالجر، بل هم مساوون لهم في العدد. وذلك أن:

ابن كثير(أبو معبد عبد الله بن كثير الداري المكي، أحد القراء السبعة، ولد وتوفي بمكة في سنة 120ه-سير أعلام النبلاء 318:5، وفيات الاعيان 41:3، تهذيب التهذيب 321:5، تهذيب الكمال 468:15، النشر في القراءات العشر 120:1)

وأبا عمرو(زبان بن عمار التميمي المازني البصري، أبو عمروبن العلاء، من أئمة اللغة والادب، وأحد القراء السبعة، ولد بمكة ونشأ بالبصرة ومات بالكوفة في سنة 154ه-سير أعلام النبلاء 407:6، النشر في القراءات العشر 134:1، تهذيب التهذيب 12 : 197، وفيات الاعيان 466:3)

وأبا بكر(شعبة بن عياش بن سالم الازدي الكوفي، أبو بكر، أحد مشاهير القراء، وكان عالمأ فقيهأ، توفي بالكوفة في سنة 193ه-سير أعلام النبلاء 495:8‎، حلية الاولياء 303:8، ميزان الاعتدال 499:4، تهذيب التهذيب 37:12، النشر في القراءات العشر 156:1)

وحمزة(حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل التميمي، أحد القراء السبعة، توفي في سنة 56ه-سير أعلام النبلاء 90:7، تهذيب التهذيب 24:3، النشر في القراءات العشر 165:1، وفيات الاعيان 216:2)

عن عاصم(عاصم بن أبي النجود بهدلة الكوفي الاسدي بالولاء، أحد القراء السبعة، توفي بالكوفة في سنة 127ه-‎سير أعلام النبلاء 256:5، النشر في القراءات العشر 155:1، تهذيب التهذيب 35:1، وفيات الاعيان 9:3)

قرؤوا [وأرجلكم ] بالجر(الحجة للقراء السبعة 214:3، الكشف عن وجوه القراءات 406:1، السبعة في القراءات : 242، حجة القراءات : 223)

ونافعأ(نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي بالولاء المدني، أحد القراء السبعة المشهورين، انتهت إليه رئاسة القراءة في المدينة، وتوفي بها في سنة 169ه-النشر في القراءات العشر 112:1، وفيات الاعيان 368:5، سير أعلام النبلاء 336:7، الكامل - لابن عدي - 2515:7)

وابن عامر(عبد الله بن عامر بن يزيد اليحصبي الشامي، أحد القراء السبعة، ومقرئ الشاميين، توفي بدمشق في سنة 118ه-سير أعلام النبلاء 292:5، النشر في القراءات العشر 144:1، تهذيب التهذيب 156:2، الجرح والتعديل 122:5)

والكسائي(أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الاسدي بالولاء الكوفي، إمام اللغة والنحو والقراءة، ولد في إحدى قرى الكوفة وتوفي بالري في سنة 189ه-سير أعلام النبلاء 131:9‎، النشر في القراءات العشر 172:1، الجرح والتعديل 182:6، تأريخ بغداد 403:11، وفيات الاعيان 295:3)

وحفصأ(حفص بن سليمان بن المغيرة الاسدي بالولاء، قارئ أهل الكوفة، وأعلم الناس بقراءة عاصم، وهو ربيبه: ابن امرأته، توفي في سنة 180ه-النشر في القراءات العشر 156:1، ميزان الاعتدال 558:1، تهذيب التهذيب)

عن عاصم قرأوا [وأرجلكم] بالنصب(الحجة للقراء السبعة 214:3، السبعة في القراءات: 242‎. الكشف عن وجوه القراءات 406:1، حجة القراءات: 221)

وقد ذكر العلماء بالعربية أن العطف من حقه أن يكون على أقرب مذكور دون أبعده(الأكثر في كلام العرب حمل العطف على الأقرب من حروف العطف ومن العاملين، وإعمال أقرب العوامل في المعمول، والأمثلة على ذلك كثيرة لا يبلغها الإحصاء سيما في باب التنازع، كقوله تعالى من سورة الجن [72 : 7]:[وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً] حيث أعمل [ظننتم] في [أن] لقربه منه، ولو أعمل [ظنوا] في [أن] لوجب أن يقال : [كما ظننتموه]، ومثله قوله تعالى: [آتوني أفرغ عليه قطراً] الكهف [96:18] وقوله تعالى : [هاؤم اقرؤا كتابيه] الحاقة [69:19]. كما أن عطف الأرجل على الأيدي يترتب عليه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي بلا ضرورة، ويترتب عليه أيضاً إعمال البعيد دون القريب مع صحة حمله عليه، وهما خلاف الأصل. انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف 92:1، شرح الكافية 79:1، كتاب سيبويه 73:1، الحجة للقراء السبعة 214:3، الكشف عن وجوه القراءات 406:1)، هذا هو الأصل، وما سواه عندهم تعسف وانصراف عن حقيقة الكلام إلى التجوز من غير ضرورة تلجئ إلى ذلك، وفيه إيقاع اللبس، وربما صرف المعنى عن مراد القائل.

ألا ترى أن رئيسا لو أقبل على صاحب له فقال له: أكرم زيدا وعمراً، واضرب خالدا وبكراً، لكان الواجب على الصاحب أن يميز بين الجملتين من الكلام، ويعلم انه ابتدأ في كل واحدة منهما ابتداءً عطف باقي الجملة عليه دون غيره، وأن بكراً في الجملة الثانية معطوف على خالد، كما أن عمراً في الجملة الأولى معطوف على زيد، ولو ذهب هذا المأمور إلى أن بكراً معطوف على عمرو لكان قد انصرف عن الحقيقة ومفهوم الكلام في ظاهره، وتعسف تعسفاً صرف به الأمر عن مراد الآمر به، فاًداه ذلك إلى ‎إكرام من أمر بضربه.

ووجه آخر: وهو أن القراءة بنصب الأرجل غير موجبة أن تكون معطوفة على الأيدي، بل تكون معطوفة على الرؤوس في المعنى دون اللفظ‎‎؛لأان موضع الرؤوس نصب بوقوع الفعل الذي هو المسح، وإنما انجرّت بعارض وهو الباء والعطف على الموضع دون اللفظ جائز مستعمل في لغة العرب(من ذلك قول تأبط شراً -وهو من شواهد سيبويه-: هل أنت باعث دينارٍ لحاجتنا * أو عبد رب أخا عون بن مخراق، فعطف «عبد » على محل «دينار» وكان حقه الجر، ألا أنه نصبه عطفاً على الموضع، لان التقدير «باعث ديناراً» ومثله كثير. الكتاب 67:1،171، خزانة الادب 8: 215، الحجة للقرّاء السبعة215:3، التفسير الكبير - للفخر الرازي 161:11، كنز العرفان 12:1)

ألا تراهم يقولون: مررت بزيد وعمراً، ولست بقائم ولا قاعداً؛ قال الشاعر:

معاوي ‎إننا بشر فاًسجِح(أسجح، أرفق.«الصحاح -سجح- 372:1»)

فلسنا بالجبال ولا الحديدا(البيت لعقبة بن الحارث الاسدي، وهو من شواهد سيبويه، احتج به في نسق الاسم المنصوب على المخفوض، وتبعه في ذلك الزجاج، والبيت الذي يليه: أديروها بنو حرب عليكم * ولا ترموا بها الغرض البعيدا)

والنصب في هذه الأمثلة كلها إنما هو العطف على الموضع دون اللفظ، فيكون على هذا من قرأ الآية بنصب الأرجل كمن قرأها بجرها، وهي في القراءتين جميعاً معطوفة على الرؤوس التي هي أقرب إليها في الذكر من الأيدي، ويخرج ذلك عن طريق التعسف، ويجب المسح بهما جميعاً، والحمد لله.

وشيء آخر:

وهو أن حمل الأرجل في النصب على أن تكون معطوفة على الرؤوس أولى من حملها على أن تكون معطوفة على الأيدي؛ وذاك أن الآية قد قُرأت بالجر والنصب معاً، والجر موجب للمسح، لأنه عطف على الرؤوس، فمن جعل النصب إنما هو لعطف الأرجل على الأيدي أوجب الغسل، وأبطل حكم القراءة بالجر الموجب للمسح.

ومن جعل النصب إنما هو لعطف الأرجل على موضع الرؤوس أوجب المسح الذي أوجبه الجر، فكان مستعملاً للقراءتين جميعاً، غير مبطل لشيء منهما، ومن استعملهما فهو أسعد ممن استعمل أحدهما.

‎فإن قيل:

ما أنكرتم أن يكون استعمال القراءتين إنما هو بغسل الرجلين، وهو أحوط في الدين، وذلك أن الغسل يأتي على المسح ويزيد عليه، فالمسح داخل فيه، فمن غسل فكأنما مسح وغسل، وليس كذلك من مسح؛ لان الغسل غير داخل في المسح.

قلنا:

هذا غير صحيح؛ لأن الغسل والمسح فعلان كل واحد منهما غير الآخر وليس بداخل فيه، ولا قائم مقامه في معناه الذي يقتضيه. ويبين ذلك أن الماسح كأنه قيل له: اقتصر فيما تتناوله من الماء على ما يندى به العضو الممسوح، والغاسل كأنما قيل له: لا تقتصر على هذا القدر، بل تناول من الماء ما يسيل ويجري على العضو المغسول.(الإنصاف في مسائل الخلاف : 332، الكتاب 67:1، العقد الفريد 50:1‎، مغني اللبيب 621:2، شرح شواهد المغني 870:2، خزانة الادب 260:2)

فقد تبين أن لكل واحد من الفعلين كيفية يتميز بها عن الآخر، ولولا ذلك لكان من غسل رأسه فقد أتى على مسحه، ومن اغتسل للجمعة فقد أتى على وضوئه، هذا مع إجماع أهل اللغة والشرع على أن المسح لا يسمى غسلاً، والغسل لا يسمى مسحاً(المسح: مروراليد على الممسوح، والغسل: سيلان الماء على المغسول ولو قليلاً. ولو جاز أن يطلق المسح على الغسل مجازاً، كما قالوا: تمسحت للصلاة، وكقول أبي زيد: المسح خفيف الغسل، لو جاز ذلك لما جاز شرعاً، لان الشرع فرق بين الغسل والمسح، ولذلك قالوا: بعض أعضاء الطهارة مغسولة وبعضها ممسوحة: وفلان يرى غسل الرجلين وفلان يرى مسحهما. التعريفات - للجرجاني -:93، مفردات ألفاظ القرآن -للأصفهاني-:360، التبيان -للطوسي- 454:3. أحكام القرآن -لابن العربي- 567:2 و 562:2، تفسير الطبري 83:6)

فإن قيل:

لم زعمتم ذلك وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى قوله سبحانه: [فطفق مسحاً بالسوق والأعناق] (سورة ص 33:38) أنه غسل سوقها وأعناقها، فسمي الغسل مسحاً.

قلنا:

ليس هذا مجمعاً عليه في تفسير هذه الآية؛ وقد ذهب قوم إلى أنه أراد المسح بعينه(كابن عباس والزهري وابن كيسان وابن جرير الطبري وعلي بن أبي طلحة والنحاس ومجاهد والقاضي أبي يعلى . تفسير الطبري 100:23، تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - 37:4، التفسير الكبير - للفخر الرازي - 206:26، الجامع لاحكام القرآن ‎- للقرطبي - 195:15، أحكام القرآن - للجصاص - 382:3، تفسير البيضاوي 312:2، إعراب القرآن - للنحاس - 463:3، زاد المسير 131:7، مجمع البيا - للطبرسي - 475:4، لسان العرب 595:2)

وقال أبو عبيدة(معمر بن المثنى، التيمي بالولاء، البصري، أبو عبيدة، من أئمة العلم والادب واللغة، مولده، ووفاته بالبصرة، توفي في سنة 209ه- وفيات الاعيان 235:5، ميزان الاعتدال 155:4، تأريخ بغداد 252:13)

والفراء(يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي، مولى بني أسد، إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو والفقه وفنون الادب، توفي في سنة 207ه-وفيات الاعيان 176:6، تهذيب التهذيب 186:11، سير أعلام النبلاء 118:10، تأريخ بغداد 149:14)

وغيرهما: أنه أراد بالمسح الضرب(ويضاف لما ذكره المصنف قدس سره: قتاده والزجاج وابن الاثير والسدي والحسن البصري ومقاتل والخليل ابن أحمد والكلبي وابن السائب وابن قتيبة وأبو سليمان الدمشقي. تفسير الطبري 100:23، الجامع لاحكام القرآن - للقرطبي - 195:15، تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - 37:4، زاد المسير 131:7، معاني القرآن - للفراء - 405:2، مجاز القرآن - لابي عبيدة - 183:2، الكشف عن وجوه القراءات 406:1، مجمع البيان - للطبرسي - 475:4، لسان العرب 595:2، العين 156:3)

وبعد: فإن من قال : إنه أراد بالمسح الغسل، لا يخالف في أن تسمية الغسل لا تخالف مسحاً مجازاً واستعارة، وليس هو على الحقيقة، ولا يجوز لنا أن نصرف كلام الله تعالى عن حقائق ظاهرة إلاّ بحجة صارفة.

فإن قال:

ما تنكرون من أن يكون جر الأرجل في القراءة إنّما هو لأجل المجاورة لا للنسق، فإن العرب قد تعرب الاسم بإعراب ما جاوره؛ كقولهم: جحر ضبٍ‎‎‎ خربٍ، فجروا خرباً لمجاورته لضبّ، وإن كان في الحقيقة صفة للحجر لا للضبّ فتكون كذلك الأرجل، إنما جرّت لمجاورتها في الذكر لمجرور وهو الرؤوس؛ قال امرؤ القيس:(امرؤ القيس بن حجر بن الحارث، أشهر شعراء العرب،يماني الاصل، نجدي المولد، من شعراء المعلقات، توفي في سنة 80 ق ه- طبقات فحول الشعراء 52:1 و 82، خزانة الادب 329:1، شرح ابن أبي الحديد 244:9)

 كأن ثبيراً في عرانين وبله * كبير ‎‎اُناس في بجادٍ مزمل(المعنى العام للبيت: كأن ثبيرا‎ً في أوائل مطر هذا السحاب سيد أناس، قد تلفف بكساء مخطط، شبه تغطيته بالغثاء بتغطي هذا الرجل بالكساء، وقد جر « مزمل » صفة لكبير، وكان حقها الرفع، وإنما خفض لمجاورته لبجاد عند بعض العلماء، ولأناس عند بعضهم وهو المرجح، وقال أبو عي الفارسي: إنه ليس على الخفض بالجوار، بل جعل مزملاً صفة حقيقية لبجاد، قال: لأنه أراد «مزمل فيه» ثم حذف حرف الجر فارتفع الضمير واستتر في اسم المفعول؛ كما أن الاقواء جار على ألسنتهم، فيمكن أن يكون حرف الروي مرفوعاً وجر إقواء، كما قال النابغة الذبياني: زعم البوارح أن رحلتنا غداً * وبذاك حدثنا الغراب الأسود -لا مرحـباً بغد ولا أهـلاً به* إن كان توديع الأحبة في غد، مغني اللبيب 669:2 و895، ديوان امرئ القيس : 62، المعلقات العشر : 92، خزانة الادب 98:5، لسان العرب 177:12)

فجرّ مرملاً لمجاورته لبجاد، وان كان من صفات الكبير، لا من صفات البجاد، فتكون الأرجل على هذا مغسولة، وان كانت مجرورة.

قلنا: هذا باطل من وجوه:

أولها: اتفاق أهل العربية على أن الإعراب بالمجاورة شاذ نادر ولا يقاس عليه، وإنما ورد مسموعاً في مواضع لا يتعداها إلى غيرها، وما هذا سبيله فلا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة تلجئ إليه(اتفق كثير من أئمة اللغة على أن الجر بالمجاورة ضعيف جداً ولا يقاس عليه، وأنكر البعض أن يكون الجر بالمجاورة جائزاً في كلام العرب، ومن جملة من أنكره السيرافي وابن جني، وقد تأولا«خربٍ» في قولهم: «هذا جحر ضبٍ خربٍ» صفة للضب لا للجحر، قال السيرافي: أصله «خربٍ الجحر منه» ثم حذف الضمير للعلم به، كما تقول:«مررت برجل حسن الوجه» بالإضافة، والأصل:«حسن الوجه منه». وقال ابن جني: الأصل:«خرب جحره» ثم أُنيب المضاف إليه عن المضاف فارتفع واستتر. وقال الفرّاء: لا يخفض بالجوار إلا ما استعملته العرب. وقال أبو إسحاق النحوي: الجر بالمجاورة لا يجوز في كتاب الله عز وجل، وإنما يجوز في ضرورة الشعر. وقال جل النحاة: إن المسموع من كلام العرب في «جحر ضبٍ خربٍ» وغيره الرفع والجر، والرفع في كلامهم أكثر وافصح. اُنظر: مغني اللبيب 894:2 و896، الكتاب436:1، لسان العرب 593:2، خزانة الأدب 91:5، التفسير الكبير ‎- للفخر الرازي- 161:11، كنز العرفان16:1).

وثانيها: أن المجاورة لا يكون معها حرف عطف، وهذا ما ليس فيه بين العلماء خلاف(خزانة الأدب 94:5و444:9، مغني اللبيب895:2، التفسير الكبير -للفخر الرازي- 11: 161)، وفي وجود واو العطف في قوله تعالى: [وأرجلكم] دلالة على بطلان دخول المجاورة فيه، وصحة العطف.

وثالثها: أن الإعراب بالجوار إنما يكون بحيث ترتفع الشبهة عن الكلام، ولا يعترض اللبس في معناه، ألا ترى أن الشبهة زائلة والعلم حاصل في قولهم: جحر ضبٍ خربٍ، بأن خرباً صفة للجحر دون الضب، وكذلك ما أنشد في قوله: مزمل، وأنه من صفات الكبير دون البجاد؟!

وليس هكذا الآية، لأن الأرجل يصح أن يكون فرضها المسح، كما يصح أن يكون الغسل، فاللبس مع المجاورة فيها قائم، والعلم بالمراد منها مرتفع، فبان بما ذكرناه أن الجر فيها ليس هو بالمجاورة‎، والحمد لله.

فإن قيل:

كيف ادعيتم أن المجاورة لا تجوز مع واو العطف، وقد قال الله عزّ وجلّ: [يطوف عليهم ولدان مخلدون* بأكواب وأباريق] (سورة الواقعة 17:56،18) ثم قال: [وحور عين] (سورة الواقعة 22:56) فخفضهن بالمجاورة، لأنهن يطفن ولا يطاف بهن.

قلنا:

أول ما في هذا أن القراء لم يجمعوا على جر [حور عين] بل أكثر السبعة يرى أن الصواب فيها الرفع، وهم: نافع وابن كثير، وعاصم في رواية أبي عمرو، وابن عامر(الرفع على تقدير« وعندهم حور عين» قال الكسائي: من قال:« وحور عين » بالرفع وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في« فاكهة ولحم » لان ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاّ بالخمر وحدها. اُنظر: الكشف عن وجوه القراءات 304:2، السبعة في القراءات :622، حجة القراءات: 695). وإنما قرأها بالجر حمزة والكسائي وفي رواية المفضل(المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر الضبي، صاحب عاصم، كان راوية وعلامة بالشعر والادب وأيام العرب، من اهل الكوفة، قيل في وفاته: إنها في سنة 168ه- انظر: سير أعلام النبلاء 362:14، تاريخ بغداد 121:13، البداية والنهاية 228:10، لسان الميزان 81:6، ميزان الاعتدال 170:4) عن عاصم(الكشف عن وجوه القراءات 304:2، السبعة في القراءات: 622، حجة القراءات: 695) وقد حكي عن أبي(أبي بن كعب بن قيس بن عبيدة صحابي أنصاري، كان قبل الإسلام من أحبار اليهود، شهد كل المشاهد مع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وتوفي بالمدينة في سنة 21ه- انظر:سير أعلام النبلاء389:1، الجرح والتعديل29:1، أسد الغابة 49:1، حلية الأولياء250:1) أنه كان ينصب فيقرأ [وحوراً عينا](كما حكي النصب عن الأشهب العقيلي والنخعي وعيسى بن عمر الثقفي، وذلك على تقدير إضمار فعلٍ فكأنه قال:« ويزوجون حوراً عيناً » كما وجد في مصحف أبي. اُنظر: الجامع لأحكام القرآن -للقرطبي- 205:17، معاني القرآن -للفراء- 124:3، إعراب القرآن -للنحاس- 327:4)

ثم إن للجر فيها وجهاً صحيحاً غير المجاورة، وهو أنه لما تقدم قوله تعالى: [أولئك المقربون* في جنات النعيم] (سورة الواقعة 11:56،12) عطف بحور عين على جنات النعيم، فكأنه قال: هم في جنات النعيم، وفي مقارنة أو معاشرة حور عين، وحذف المضاف، وهذا وجه حسن، وقد ذكره أبو علي الفارسي(الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، الفارسي الأصل، أحد الأئمة في علوم العربية، وله فيها تصانيف قيمة، ولد في «فسا» من أعمال فارس، وتجول في كثير من البلدان وعاد إلى فارس ومنها إلى بغداد فتوفي بها في سنة 377ه- اُنظر: سير أعلام النبلاء 379:16، تأريخ بغداد 275:7، وفيات الاعيان 80:2، معجم الادباء 232:7) في كتاب الحجة في القراءات، واقتصر عليه دون ما سواه(قال قطرب: يجوز أن تكون «وحور عين» معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن عليهم، لأن لأهل الجنة لذة في التطواف عليهم بالحور. وقال النحاس: الخفض يحمل على المعنى بالعطف على أكواب، لأن المعنى ينعمون بهذه الأشياء وينعمون بحور عين، وهذا جائز في العربية كثير. كما وافق أبا علي الفارسي كثير من العلماء فيما ذهب إليه، فضلاً عن أنهم ذهبوا مذاهب شتى في التأويل بعيداً عن العطف بالجوار‎.اُنظر: الكشف عن وجوه القراءات 304:2، معاني القرآن -للفراء- 123:3، مغني اللبيب 895:2، خزانة الأدب95:5، حجة القراءات:695، الجامع لأحكام القرآن ‎-للقرطبي- 204:17)، ولو كان للجر بالمجاورة فيه وجه لذكره.

فإن قيل:

ما أنكرتم أن تكون القراءة بالجر موجبة للمسح، إلا أنه متعلق بالخفين لا بالرجلين(قال به الشافعي وبعض علماء الجمهور، والقائلين به يعولون على الخبر، لكن الرجوع إلى القرآن أولى من التعويل على الخبر الواحد سيما في هذه الآية، لوجهين: أولهما: أجمع المفسرون على أ‎ن هذه الآيات لا نسخ فيها، فامتنع أن يكون المسح على الرجلين منسوخاً بالمسح على الخفين.ثانيهما: إذا افترضنا تقدم خبر«المسح على الخفين» على النزول فإنه منسوخ بالقرآن بالمسح على الرجلين كما تبين، والأخبار المروية في المسح على الخفين مؤولة بالمسح على النعل العربي لأنه لا يحول دون مس ظاهر القدم، أو أنها قبل النزول، وقد روي عن ابن عباس قوله: المسح على الخفين منسوخ بسورة المائدة. اُنظر: الجامع لأحكام القرآن -للقرطبي- 93:6، التفسير الكبير -للفخر الرازي- 163:11، تفسير القرآن العظيم -لابن كثير- 27:2)، وأن تكون القراءة بالنصب موجبة للغسل المتعلق بالرجلين بأعيانهما، فتكون الآية بالقراءتين مفيدة لكلا الآمرين؟

قلنا:

أنكرنا ذلك لأنه انصراف عن ظاهر القرآن والتلاوة إلى التجوز والاستعارة من غير أن تدعو إليه ضرورة ولا أوجبته دلالة، ذلك خطأ لا محالة، والظاهر يتضمن ذكر الأرجل بأعيانها، فوجب أن يكون المسح متعلقاً(في الأصل: منغلقاً) بها دون غيرها، كما أنه تضمن ذكر الرؤوس وكان الواجب بها أنفسها دون أغيارها.

ولا خلاف في أن الخفاف لا يعبر عنها بالأرجل، كما أن العمائم لا يعبر عنها بالرؤوس، ولا البراقع بالوجوه، فوجب أن يكون الغرض متعلقاً بنفس المذكور دون غيره على جميع الوجوه، ولو شاع سوى ذلك في الأرجل حتى تكون هي المذكورة والمراد سواها، لشاع نظيره في الوجوه والرؤوس ولجاز أيضاً أن يكون قوله سبحانه: [إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ](سورة المائدة 33:5) محمولاً على غير الأبعاض المذكورة، ولا خلاف في أن هذه الآية دالة بظاهرها على قطع الأيدي والأرجل بأعيانها، وأنه لا يجوز أن ينصرف عن دليل التلاوة وظاهرها؛ فكذلك آية الطهارة لأنها مثلها.

فإن قيل:

إن عطف الأرجل على الأيدي أولى من عطفها على الرؤوس؛ لأجل أن الأرجل محدودة كاليدين، وعطف المحدود على المحدود أشبه بترتيب الكلام(ذهب إليه بعض اللغويين. اُنظر: لسان العرب 593:2، معاني القرآن -للزجاج- 154:2، الكشف عن وجوه القراءات 407:1، الحجة للقراء السبعة 215:3).

قلنا:

لو كان ذلك صحيحاً، لم يجز عطف الأيدي وهي محدودة، على الوجوه وهي غير محدودة في وجود ذلك، وصحة اتفاق الوجوه والأيدي في الحكم مع اختلافهما في التحديد، دلالة على صحة عطف الأرجل على الرؤوس، واتفاقهما في الحكم، وإن اختلفا في التحديد.

على أن هذا أشبه بترتيب الكلام مما ذكر الخصم؛ لان الله تعالى ذكر عضواً مغسولاً غير محدود، وهو الوجه، وعطف عليه من الأيدي بمحدود مغسول، ثم ذكر عضواً ممسوحاً غير محدود، وهو الرأس، وعطف عليه من الأرجل بممسوح محدود، فتقابلت الجملتان من حيث عطف فيهما مغسول محدود على مغسول غير محدود، وممسوح محدود على ممسوح غير محدود.

فأما من ذهب إلى التخيير، وقال:

أنا مخير في أن أمسح الرجلين وأغسلهما؛ لأن القراءتين تدلان على الأمرين كلاهما، مثل:

الحسن البصري(الحسن بن يسار البصري، كان إمام أهل البصرة، وهو أحد العلماء الفقهاء العظماء الشجعان النساك، ولد بالمدينة وشب في كنف الإمام علي عليه السلام، وسكن البصرة وتوفي بها في سنة 110ه- اُنظر: سير أعلام النبلاء 563:4، حلية الأولياء 131:2، وفيات الأعيان 69:2‎، تهذيب التهذيب 263:2)

والجبائي(محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي، من أئمة المعتزلة وإليه نسبت الطائفة الجبائية، اشتهر في البصرة وتوفي بها في سنة 303ه- وفيات الأعيان 267:4، الفرق بين الفرق :183، سير أعلام النبلاء 183:14، الملل والنحل 73:1، لسان الميزان 271:5)

ومحمد بن جرير الطبري(محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المؤرخ والمفسر، ولد في آمل بطبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها في سنة 310ه- سير أعلام النبلاء 267:14، تأريخ بغداد 162:2، وفيات الأعيان 191:4، تذكرة الحفاظ 710:2)

‎ومن وافقهم(وقد وافقهم أيضاً ابن العربي والأوزاعي والثوري، وأوجب الناصر للحق من أئمة الزيدية وداود الأصفهاني الجمع بين المسح والغسل. اُنظر: المبسوط -للسرخسي- 8:1، المجموع 417:1، المغني 150:1، البحر الزخار 67:2، الفتوحات المكية 343:1، الجامع لأحكام القرآن -للقرطبي- 91:6-92، أحكام القرآن -للجصاص- 345:2، تفسير الطبري 83:6، أحكام القرآن -لابن العربي- 575:2، التفسير الكبير ‎-للفخر الرازي- 161:11، الكشف عن وجوه القراءات 406:1. وانظر: الخلاف -للطوسي- 90:1، مجمع البيان -للطوسي- 164:2)

فيسقط قولهم بما قدمناه من أن القراءتين لا يصح أن تدلا إلا على المسح، وأنه لا حجة لمن ذهب إلى الغسل، وإذا وجب المسح بطل التخيير.

بطلان القيـاس في تفسير آية الوضوء :

وقد احتج الخصوم لمذهبهم من طريق القياس، فقالوا: إن الأرجل عضو يجب فيه الدية، اُمرنا بإيصال الماء إليه، فوجب أن يكون مغسولاً كاليدين.

وهذا احتجاج باطل وقياس فاسد؛ لأن الرأس عضو يجب فيه الدية، وقد اُمرنا بإيصال الماء إليه، وهو مع ذلك ممسوح.

ولو تركنا والقياس لكان لنا منه حجة هي أولى من حجتهم، وهي: أن الارجل عضو من أعضاء الطهارة الصغرى، يسقط حكمه في التيمم، فوجب أن يكون فرضه المسح، دليله الرأس(روي عن ابن عباس أنه قال: ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمم، وما كان عليه المسح اُسقط، وروي عن الشعبي مثله. اُنظر: أحكام القرآن -لابن العربي- 577:2، مجمع البيان -للطبرسي- 165:2)

فإن قالوا:

هذا ينتقض عليكم بالجنب؛ لأن غسل جميع بدنه وأعضائه يسقط في التيمم، وفرضه مع ذلك الغسل.

وقد احترزنا من هذا بقولنا:

إن الأرجل عضو من أعضاء الطهارة الصغرى، فلا يلزمنا بالجنب نقض على هذا.

فإن قال قائل:

فما تصنعون في الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله: أنه توضأ فغسل وجهه وذراعيه، ثم مسح رأسه وغسل رجليه، وقال:« هذا وضوء الأنبياء من قبلي، هذا الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به»؟

قيل له:

هذا الخبر الذي ذكرته مختلط من وجهين رواهما أصحابك:

أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وآله توضأ مرة مرة، وقال:«هذا الذي لا يقبل الله صلاة إلا به»(سنن ابن ماجة 145:1|419، مسند الطيالسي:260|1924، سنن الدارقطني 79:1و 80و81، كنز العمال 454:9|26938و457 / 26957 431|26831، المبسوط -للسرخسي- 1: 9، الفقيه 25:1|76) ولم يأت في الخبر كيفية الوضوء.

والآخر: أن النبي صلى الله عليه وآله غسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً، ومسح رأسه، وغسل رجليه إلى الكعبين، وقال:«هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي»(مسند الطيالسي: 260|1924، سنن الدار قطني 79:1و 80و81، كنز العمال 9: 454|26938 و 457|26957، المبسوط -للسرخسي- 9:1) ولم يقل فيه :«لم يقبل الله صلاة إلا به» فخلطت في روايتك أحد الجزأين بالآخر لبعدك عن معرفة الأثر.

وبعد:

فلو كانت الرواية على ما أوردته لم يكن لك فيها حجة، لأن الخبر إذا خالف ما دل عليه القرآن، وجب إطراحه والمصير -إلى القر‎آن دونه، ولو سلمنا لك باللفظ الذي تذكره بعينه، كان لنا أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وآله مسح رجليه في وضوئه، ثم غسلهما بعد المسح للتنظيف، أو تبريد ونحو ذلك مما ليس هو داخلاً في الوضوء، فذكر الراوي الغسل ولم يذكر المسح الذي كان قبله، إما لأنه لم يشعر به لعدم تأمله، أو لنسيان اعترضه، أو لظنه أن المسح لا حكم له، وأن الحكم للغسل الذي بعده، أو لغير ذلك من الأسباب، وليس هذا بمحال.

فإن قال:

فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:«ويل للأعقاب من النار»(صحيح مسلم 1 : 214 / 241، صحيح البخاري 51:1، مسند أحمد 201:2 و471، سنن أبي داود 24:1|97، سنن النسائي 77:1، مسند الطيالسي:217|1552، تفسير الطبري 84:6) فلو كان ترك غسل العقب في الوضوء جائزاً، لما توعد على ترك غسله.

قلنا:

ليس في هذا الخبر ذكر مسح ولا غسل فيتعلق به، ولا فيه أيضاً ذكر وضوء فنورده لنحتج به، وليس فيه أكثر من قوله:« ويل للأعقاب من النار».

فإن قال:

قد روي أنه رآها تلوح فقال :« ويل للأعقاب من النار»(صحيح مسلم 214:1|241، سنن النسائي 77:1، سنن ابن ماجة 154:1|450، تفسير الطبري 6 : 85)

قيل له:

وليس لك في هذا أيضاً حجة، ولا فيه ذكر لوضوء في طهارة.

وبعد:

- فقد يجوز أن يكون رأى قوماً غسلوا أرجلهم في الوضوء عوضاً عن (في الأصل: من) مسحها، ورأى أعقابهم يلوح عليها الماء، فقال:«ويل للأعقاب من النار».

- ويجوز أيضاً أن يكون رأى قوماً اغتسلوا من جنابة، ولم يغمس الماء جميع أرجلهم، ولاحت أعقابهم بغير ماء، فقال :« ويل للأعقاب من النار».

-       ويمكن أيضاً أن يكون ذلك في الوضوء لقوم من طغام(الطغام: أوغاد الناس.« الصحاح -طغم-5 : 1975» وفي الأصل: طغامة، وكلاهما بمعنى) العرب مخصوصين، كانوا يمشون حفاة فتشقق أعقابهم، فيداوونها بالبول على قديم عادتهم، ثم يتوضئون ولا يغسلون أرجلهم قبل الوضوء من آثار النجس، فتوعدهم النبي صلى الله عليه وآله بما قال‎، وكل هذا في حيز الإمكان.

ثم يقال له:

وقد قابل ما رويت أخبار هي أصح وأثبت في النظر، والمصير إليها أولى، لموافقة ظاهرها لكتاب الله تعالى.

بعض روايـات الوضوء البيـانية :

- فمنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قام(في الأصل: قال) بحيث يراه أصحابه، ثم توضأ فغسل وجهه وذراعيه، ومسح برأسه ورجليه [60] .

- ومنها: أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال للناس في الرحبة(سنن أبي داود 41:1|160، كنز العمال 476:9|27042، تفسير الطبري 86:6):«ألا أدلكم على وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله»؟ قالوا: بلى. فدعا بقعب(القعب: قدح من خشب مقعر. «الصحاح -قعب- 204:1») فيه ماء، فغسل وجهه وذراعيه، ومسح على رأسه ورجليه، وقال: «هذا وضوء من لم يحدث حدثاً»(تفسير الطبري86:6، تفسير القرآن العظيم -لابن كثير- 28:2، الدر المنثور262:2).

فإن قال الخصم:

ما مراده بقوله :«وضوء من لم يحدث حدوثاً»؟ وهل هذا إلا دليل على أنه قد كان على وضوء قبله؟

قيل له:

مراده بذلك أنه الوضوء الصحيح الذي كان يتوضأه رسول الله صلى الله عليه وآله، وليس هو وضوء من غير وأحدث في الشريعة ما ليس منها.

ويدل على صحة هذا التأويل، وفساد ما توهمه الخصم: أنه قصد ‎أن يريهم فرضاً يعولون عليه ويقتدون به فيه، ولو كان على وضوء قبل ذلك، لكان لم يعلمهم الفرض الذي هم أحوج إليه.

- ومن ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من قوله:« ما نزل القرآن إلا بالمسح »(التهذيب 63:1|175، والحديث عينه مروي عن أنس والشعبي. انظر: الدر المنثور262:2) ولا يجوز أن يكون أراد بذلك إلا مسح الرجلين، لأن مسح الرؤوس لا خلاف فيه.

- ومنه: قول ابن عباس رحمة الله عليه: نزل القرآن بغسلين ومسحين(انظر: الدر المنثور262:2، تفسير الطبري 82:6، تفسير القرآن العظيم -لابن كثير- 27:2، التهذيب 63:1|176).

- ومن ذلك: إجماع آل محمد عليهم السلام على مسح الرجلين دون غسلهما(انظر: تفسير النيسابوري بهامش الطبري 73:6، تفسير القرآن العظيم -لابن كثير- 25:2، نيل الاوطار 193:1، سنن أبي داود 42:1|164، التفسير الكبير -للفخر الرازي- 161:11. واُنظر‎: التهذيب 1 : 65 / 184، الاستبصار 64:1|191، الكافي 24:3|1)، وهم الأئمة والقدوة في الدين، لا يفارقون كتاب الله عز وجل إلى يوم القيامة، وفيما أوردناه كفاية، والحمد لله.

دليـل تبعيـض مسح الرؤوس والأرجل :

سؤال: فإن قال قائل:

فلم ذهبتم في مسح الرأس والرجلين إلى التبعيض؟

جواب : قيل له‎:

لما دل عليه من ذلك كتاب الله سبحانه، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله:

أما دليل مسح بعض الرأس فقول الله تعالى: [وامسحوا برءوسكم](سورة المائدة6:5) فأدخل الباء التي هي علامة التبعيض، وهي التي تدخل على(في الأصل: في) الكلام مع استغنائه في إفادة المعنى عنها، فتكون زائدة؛ لأنه لو قال: وامسحوا رؤوسكم، لكان الكلام صحيحاً، ووجب مسح جميع الرأس‎، فلما دخلت الباء التي لم يفتقر الفعل في تعديه إليها، أفادت التبعيض.وأما دليل مسح بعض الأرجل: فعطفها على الرؤوس، والمعطوف يجب أن يشارك المعطوف عليه في حكمه(العطف بالواو يقتضي التشريك في الحكم مطلقاً. قال الشافعي وابن عمر وإبراهيم والشعبي: يجب أن يمسح من الرأس ما يقع عليه اسم المسح، واحتج المخالفون لقولهم، بأن الباء الداخلة على الرؤوس للإلصاق، والمعروف أن باء الإلصاق إنما تدخل على الأفعال غير المتعدية بنفسها، مثل: مررت بزيدٍ، وذهبت بعمرو، أما إذا كان الفعل متعدياً بنفسه كالمذكور في الآية، فلا مناص أن التبعيض هو المراد‎، كما قال جل وعلا في سورة الإنسان [6:76]: [عيناً يشرب بها عباد الله]. اُنظر رصف المباني:473، الجنى الداني في حروف المعاني: 158، التفسير الكبير -للفخر الرازي- 160:11، الجامع لأحكام القرآن -للقرطبي- 88:6، مجمع البيان -للطبرسي-164:2).

وأما شاهد ذلك من السنة: فما روي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله توضأ فمسح بناصيته، ولم يمسح الكل(أحكام القرآن -للجصاص- 342:2، الكشاف -للزمخشري- 610:1، مجمع البيان -للطبرسي- 164:2).

ومن الحجة على وجوب التبعيض في مسح الرؤوس والارجل:

إجماع أهل البيت عليهم السلام على ذلك، وروايتهم إياه عن رسول الله جدهم صلى الله عليه وآله(التهذيب 90:1|237، الاستبصار 61:1|182و 62|5، الكافي 25:3|5، تفسير العياشي 298:1|51)، وهم أخبر بمذهبه.

سؤال: فإن قال قائل:

ما الكعبان عندكم اللذان تمسحون إليهما؟

جواب: قيل له.

هما العظمان النابتان في ظهر القدمين عند عقد الشراك، وقد وافقنا على ذلك محمد بن الحسن(محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي شيبان، إمام بالفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، ولد بواسط وعاش في الكوفة وبغداد، ومات بالري في سنة 189ه- اُنظر: سير أعلام النبلاء 134:9، الجرح والتعديل 7 /227، وفيات الاعيان 184:4، تأريخ بغداد 172:2)، دون من سواه(اُنظر: المجموع 422:1، سبل السلام 62:1، فتح القدير 15:1، المغني 155:1، المبسوط -للسرخسي- 9:1، شرح فتح القدير 10:1، بدائع الصنائع 7:1، أحكام القرآن -للجصاص- 347:2، أحكام القرآن -لابن العربي- 577:2، التفسير الكبير -للفخر الرازي- 162:11، الدر المنثور 263:2، القاموس المحيط -كعب- 139:1، لسان العرب -كعب- 718:1).

دليلنا: ما رواه أبان بن عثمان، عن ميسر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال :«ألا أحكي لك وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله» فمسح رأسه وقدميه، ثم وضع يده على ظهر القدم». ثم قال ‎‎‎‎‎‎[:«هذا هو الكعب» قال: وأومأ بيده إلى أسفل العرقوب، ثم قال:«إن هذا هو الظنبوب»]. ما بين المعقوفين أثبتناه من التهذيب 75:1|190، إذ الظاهر أن بعد قوله: « ثم قال ...» سقطاً في النسختين -المخطوطة والمطبوعة على الحجر- بدليل عدم إكمال الحديث المروي عن أبي جعفر عليه السلام أولاً، ولأن العبارة التالية لقوله : «ثم قال...» في النسختين مقتطعة من حديث طويل من احتجاجات الإمام الصادق عليه السلام مع أبي شاكر الديصاني عن حدوث العالم مما لا يناسب المقام ... كما لا يوجد ما يدل على مقدار ما بقي من الرسالة أو على نهايتها.