مصحف فاطمة عليها السلام بين الحقيقة والأوهام
سماحة الشيخ مصطفى قصير

 

بسم الله الرحمن الرحيم  

مصحف فاطمة في أخبار أهل البيت عليهم السلام

لاشك أن أهل البيت عليهم السلام هم ورثة علم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم, والأمناء عليه, فقد تواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها))(1) وهو كالصريح بكونه عليه السلام عيبة علمه ومستودع المعارف الإلهية, وقد توارثها منه الائمة المعصومون المطهرون من ولده. فقد كانوا يتوارثون ما في القرآن الكريم وكتب الأنبياء السابقين، من دقائق المعارف والأحكام الشرعية. ومن جملة التراث العلمي الذي كان يتوارثه أئمة أهل البيت عليهم السلام "مصحف فاطمة" الذي دوّن فيه علم ما يكون، مما سمعته الزهراء عليها السلام  من حديث الملائكة بعد وفاة أبيه  ا صلى الله عليه وآله وسلم, كما سنرى من خلال النصوص الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة، وقد كانوا عليهم السلام يحدثون أصحابهم أحيانا عن تلك العلوم المدونة عندهم في هذا الكتاب، ويبينون حقيقته.

 

لقد أثار مصحف فاطمة حفيظة العديد من الكتاب، واتخذوا منه وسيلة للطعن والتشنيع على اتباع أهل البيت عليهم السلام

-       تارة باستغلال اسمه - باعتبار أنه يطلق عليه اسم ((مصحف ))- وجعله بابا لاتهامهم بأنهم لا يعترفون بالقرآن الموجود بين الدفتين، والمتداول بين المسلمين قاطبة، فيوقعون الناس في وهم بأن مصحف فاطمة المذكور هو القرآن الذي يعتقده الشيعة.

-       وتارة أخرى بأن الاعتقاد بمصحف فاطمة يعني الاعتقاد بنزول الوحي بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويرتبون على ذلك نتائج عديدة، منها:

إن الشيعة يعتقدون بنبوة فاطمة وعلي عليها السلام.

وفي هذا المقال نتعرض للبحث عن حقيقة مصحف فاطمة  سلام الله عليها، ونعالج الشبهات التي تثار حوله، والضجة المفتعلة التي يطلقها هؤلاء الكتاب الذين ينقصهم الاطلاع الكافي والدقة العلمية -إن أحسنا الظن بهم- أو تنقصهم الأمانة والإنصاف.

 

المصحف في اللغة

المصحف -مثلثة الميم، من أصحف بالضم- أي جعلت فيه الصحف(2)، وسمي المصحف مصحفا لأنه أصحف، أي جعل جامعا للصحف المكتوبة بين الدفتين(3) .

وبناء عليه، فالمصحف ليس اسما مختصا بالقرآن الكريم. ويشهد لذلك ما رووه في وجه تسمية المصحف مصحفا, فقد روى ابن اشتة في كتاب المصاحف أنه لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسما, فقال بعضهم: السفر, وقال بعضهم :المصحف، فإن  الحبشة يسمونه المصحف. قال: وكان أبو بكر أول من جمع كتاب اللّه وسماه المصحف(4). ونحن لا نوافق على مضمون هذه الرواية لأننا نعتقد أن القرآن جمع في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(5).

وكلمة المصحف من أصل عربي، فلا معنى للاتيان بها من الحبشة، لكن أوردناها لإقامة الحجة على من يقبلها. فالمصحف كل كتاب أصحف وجمع بين دفتين، لكن كثرة استعماله في القرآن الكريم أوجبت انصراف الأذهان إليه، وهو لا يكفي لحمل ما ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام التي تتحدث عن مصحف فاطمة على المصحف المعروف، خاصة مع وجود التقييد بإضافته إليها عليها السلام.

 

مصحف فاطمة في أخبار أهل البيت عليهم السلام

1-      عن أبي عبيدة عن أبي عبد اللّه عليه السلام: ((... أن فاطمة مكثت بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوما, وكان دخلها حزن شديد على أبيه  ا, وكان جبرئيل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيه  ا, ويطيب نفسها, ويخبرها عن أبيه  ا ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها, وكان علي عليه السلام  يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة سلام الله عليها))(6).

2-    عن أبي حمزة أن أبا  عبد اللّه عليه السلام قال: ((مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب اللّه وإنما هو شيء ألقي إليها بعد موت أبيه  ا صلوات اللّه عليهما))(7).

3-    عن عنسبة بن مصعب عن أبي عبداللّه عليه السلام: ((..ومصحف فاطمة، أما  واللّه ما أزعم أنه قرآن))(8).

4-    عن الحسين بن أبي العلاء قال: سمعت أبا  عبد اللّه عليه السلام يقول: ((إن عندي .. ومصحف فاطمة ما أزعم أن فيه قرآنا))(9).

5-    عن محمد بن عبد الملك عن أبي عبداللّه عليه السلام: ((..وعندنا مصحف فاطمة  سلام الله عليها أما  واللّه ما هو بالقرآن))(10).

6-    عن علي بن سعيد عن أبي عبد اللّه عليه السلام  قال: ((... وفيه مصحف فاطمة ما فيه آية من القرآن))(11).

7-    عن علي بن أبي حمزة عن الكاظم عليه السلام  قال: ((عندي مصحف فاطمة، ليس فيه شيء من القرآن ))(12).

8-    عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام أنه قال: ((..وإن عندنا لمصحف فاطمة  سلام الله عليها، ومايدريهم ما مصحف فاطمة  سلام الله عليها))؟ قال، قلت: وما مصحف فاطمة سلام الله عليها؟ قال: ((مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، واللّه ما فيه من قرآنكم حرف واحد))(13).

هذه الروايات وأمثالها تدل على أن مصحف فاطمة الذي يعتقد الإمامية أنه عند أئمتهم, وضمن ميراثهم العلمي، ليس المصحف الذي فيه القرآن الكريم، وأنه كتاب آخر يتضمن علما, لكن ما هو ذلك العلم ؟ تشير إليه بعض الروايات عن أهل البيت  عليها السلام  منها:

1-    سئل الصادق عليه السلام عن محمد بن عبد اللّه بن الحسن قال عليه السلام: ((ما من نبي ولا وصي ولا ملك إلا هو في كتاب عندي، يعني مصحف فاطمة، واللّه ما لمحمد بن عبد اللّه فيه اسم))((14)).

2-    روي عن الوليد بن صبيح أنه قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السلام: ((يا وليد, إني نظرت في مصحف فاطمة عليها السلام  فلم أجد لبني فلان فيه إلا كغبار النعل))((15)).

3-    عن فضيل بن سكرة قال: دخلت على أبي عبد اللّه عليه السلام فقال: ((يا فضيل، أتدري في أي شئ كنت أنظر قبيل))؟ قال: قلت، لا. قال: ((كنت أنظر في كتاب فاطمة عليها السلام، ليس من ملك يملك [الأرض] إلا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا))((16)).

4-    عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد اللّه عليه السلام: ((... وليخرجوا مصحف فاطمة فإن فيه وصية فاطمة...))((17)).

5-    عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام  يقول: ((إن اللّه تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا اللّه عز وجل، فأرسل اللّه إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها, فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين عليه السلام، يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا. قال: ثم قال: أما أنه ليس فيه شئ من الحلال والحرام ,ولكن فيه علم ما يكون))((18)).

يتبين من خلال هذه الروايات أن مصحف فاطمة عليه السلام  ليس قرآنا, وليس كتاب أحكام، فهو مغاير لكتاب علي عليه السلام الذي أملاه عليه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، والذي ورد ذكره في أخبارهم عليهم السلام إلى جنب مصحف فاطمة، وسموه بالجامعة تارة والصحيفة أخرى وكتاب علي عليه السلام غالبا.

وليس هناك أي رواية توهم كونه قرآنا, فضلا عن كونها ظاهرة في ذلك ليتمسك بها من يفتش عن المطاعن، وعلى فرض وجودها فإن الروايات المستفيضة الواضحة الصريحة والتي قدمنا طائفة منها تقتضي رفع ذلك التوهم أو الظهور لو تم وسلم.

 

فاطمة  سلام الله عليها  محدثة

قد يتوقف البعض عند قصة مصحف فاطمة سلام الله عليها، ويرفض مسألة تكليم الملائكة للسيدة الزهراء سلام الله عليها نتيجة توهم التلازم بين النبوة والوحي، أو بين النبوة وتحديث الملائكة. وعليه فإن كون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء والرسل يقتضي عدم نزول الملائكة بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا دليل على عدم صحة قصة المصحف المذكور, وقد اعتمد على هذا النحو من الاستدلال عبد اللّه القصيمي في كتابه [المعروف] بـ((الصراع بين الاسلام والوثنية)), متهما الشيعة الإمامية بأنهم يزعمون لفاطمة وللائمة من ولدها ما يزعمون للانبياء والرسل((19)).

كل ذلك اعتمادا على الملازمة المزعومة بين تكليم الملائكة وبين النبوة. وهذه غفلة ما بعدها غفلة.

تعال معي إلى كتاب اللّه عز وجل وهو يتحدث عمن كلمتهم الملائكة أو أوحى اللّه سبحانه وتعالى إليهم:

1-   (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن اللّه اصطفاك وطهرك على نساء العالمين ...)((20)).

2-   (إذ قالت الملائكة يا مريم إن اللّه يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح )((21)).

3-   (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا# قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا# قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا)((22)).

4-   (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ... وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب# قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب# قالوا أتعجبين من أمر اللّه..)((23)).

فهذه نماذج من النساء حدثنا القرآن الكريم عنهن ولم يكنّ نبيات، ومع ذلك شاهدن الملائكة وحدثنهم، أو أوحي إليهن بأسلوب آخر غير تحديث الملائكة، ولم يستنكرذلك أحد.

ففاطمة سلام الله عليها دلت النصوص على أنها كانت محدثة ولم تكن نبية، وكذلك تقول الشيعة الإمامية بالنسبة لائمة أهل البيت عليهم السلام دون أن يدعي أحد منهم لهم النبوة، إذ لا تلازم بينهما كما تقدم.

ثم إن الاعتقاد بنزول الملائكة على فاطمة الزهراء سلام الله عليها لا يعد غلّوا, ولا مبالغة في فضلها, فهي  سلام الله عليها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وأفضل من مريم بنت عمران ومن سارة امراة إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام، وقد ثبت بالنصوص القرآنية مشاهدتهما للملائكة وتكليمهما لهم، فأي غلو في نسبة مثل ذلك لمن هي أفضل منهما؟

روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((فاطمة سيدة نساء أهل الجنة))((24)) وروى مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لها: ((يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة))((25)) وهي سلام اللّه عليها ممن نزلت بهم آية المباهلة والتطهير وضمهم الكساء.

ومن الجدير بالذكر أن الوحي له أساليب وأغراض متعددة، ولا تلازم بين الوحي والنبوة, وإن كان كل نبي لابد أن يوحى إليه، وكذلك لا تلازم بين الوحي والقرآنية، فبالنسبة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم  لم يكن كل ما نزل عليه من الوحي قرآنا, فهناك الأحاديث القدسية وهناك تفسير القرآن وتأويله، والإخبار بالموضوعات الخارجية وأمثال ذلك، وكلها ليست قرآنا.

فاتضح أن تحديث الملائكة للزهراء سلام الله عليها لم يكن من الوحي النبوي ولا من الوحي القرآني.

 

المحدثون عند أهل السنة

إذا كان تحدث الملائكة مع أهل البيت عليهم السلام الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا غلوا, فلنلق نظرة على كتب الحديث والسيرة والتاريخ عند أهل السنة، لنرى كيف يدعى تحدث الملائكة مع الكثير من رجالهم:

1-    أخرج البخاري في مناقب عمر بن الخطاب، وبعد حديث الغار، عن أبي هريرة ,وأخرج مسلم في فضائل عمر أيضا عن عائشة: أن عمر بن الخطاب كان من المحدثين. وقد حاول شراح البخاري أن يأولوه بأن المراد أنه من الملهمين، أو من الذين يلقى في روعهم أو يظنون فيصيبون الحق، فكأنه حدث .. وهو كما ترى تأويل لا يساعد عليه ظاهر اللفظ. ولأجل ذلك قال القرطبي: أنه ليس المراد بالمحدثين المصيبين فيما يظنون, لأنه كثير في العلماء, بل وفي العوام من يقوى حدسه فتصح إصابته، فترتفع خصوصية الخبر وخصوصية عمر.((26)).

2-    ممن ادعي أن الملائكة تحدثهم عمران بن الحصين الخزاعي المتوفى سنة52هـ. قالوا: كانت الملائكة تسلم عليه حتى اكتوى بالنار فلم يسمعهم عاما, ثم أكرمه اللّه برد ذلك.((27)).

3-    ومنهم أبو المعالي الصالح المتوفى سنة427هـ, رووا أنه كلمته الملائكة في صورة طائر.((28)).

4-    أبو يحيى الناقد المتوفى سنة285هـ, رووا أنه كلمته الحوراء.((29)).

وأمثال هذه المرويات في كتب السنة غير قليل، ولم يستنكر ذلك أحد ولم يتهم أصحابها بالغلو.

 

ومما يدل على عدم الملازمة بين تحديث الملائكة والنبوة:

ما رواه الكليني عن حمران بن أعين قال: قال أبو جعفر [الباقر] عليه السلام: ((أن عليا كان محدثا)), فخرجت إلى أصحابي فقلت: جئتكم بعجيبة، فقالوا: وما هي؟ فقلت: سمعت أبا  جعفر عليه السلام  يقول: كان علي محدثا, فقالوا: ما صنعت شيئا, إلا سألته من كان يحدثه، فرجعت إليه .. فقال لي ((يحدثه ملك)), قلت: تقول: أنه نبي؟ قال: فحرك يده هكذا.((30)).

 أو كصاحب سليمان أو كصاحب موسى أو كذي القرنين أو ما بلغكم انه قال: وفيكم((31)).

وفي ((بصائر الدرجات)) هذا الخبر هكذا: عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ألست حدثتني أن عليا كان محدثا؟ قال: ((بلى)) قلت: من يحدثه؟ قال: ((ملك)) قلت: فأقول: إنه نبي أو رسول؟ قال: ((لا, بل مثله مثل صاحب سليمان ومثل صاحب موسى ,ومثل ذي القرنين((32)). [أما بلغك أن عليا سئل عن ذي القرنين، فقالوا: كان نبيا؟ قال: لا, بل كان عبدا أحب اللّه فأحبه وناصح اللّه فناصحه]))((33)).

 

ولابد من الإشارة إلى بعض رواياتنا التي تتحدث عن مصحف فاطمة أنه من إملاء رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي عليه السلام:

1-    فعن علي بن سعيد عن أبي عبد اللّه  عليها السلام: ((... وعندنا واللّه مصحف فاطمة، ما فيه آية من كتاب اللّه وإنه لإملاء رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم  وخط علي  عليه السلام بيده))((34)).

2-    عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام ((... وخلفت فاطمة مصحفا ما هو قرآن ولكنه كلام من كلام اللّه، أنزل عليها املأ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم  وخط علي))((35)).

3-    عن علي بن أبي حمزة عن أبي عبد اللّه عليه السلام: ((... وعندنا مصحف فاطمة  سلام الله عليها أما واللّه ما فيه حرف من القرآن، ولكنه إملاء رسول اللّه وخط علي))((36)).

 أولا: هذه الروايات الثلاث تخالف الروايات المستفيضة المتقدمة في حقيقة مصحف فاطمة, حيث ذكرت أنه ((إملاء رسول اللّه)), والثانية منها لا تخلو من تهافت، حيث جعلته كلاما من كلام اللّه أنزل عليها, وفي عين الحال جعلته من إملاء رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ولو كان من إملاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على علي عليه السلام  وخطها بيمينه، وبين مصحف فاطمة الذي بينت الروايات أنه حدث الملك به فاطمة وكتبه علي عليه السلام، خاصة كون الاثنين واردين معا في نفس النصوص المذكورة.

ثانيا: ان يكون المراد من رسول اللّه في هذه الاخبار الملك الذي كان يحدث فاطمة سلام الله عليها, لا النبي صلى الله عليه وآله وسلم  (كما احتمله المجلسي).

ثالثا: كما يحتمل أن يكون مصحف فاطمة سلام الله عليها متضمنا لبعض المعارف التي تلقتها عن أبيها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة إلى ما تقدم من الأمور التي يحدثها بها الملك، ولعل الرواية التي تذكر شمول المصحف المذكور لوصية فاطمة سلام الله عليها تقصد هذا. فيصح عندئذ أنه من إملاء رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الاعتبار, واللّه أعلم.

وعلى أي حال فهذا لا يضر بمقصودنا, وهو نفي التهمة التي يتمسك بها المخالفون، حيث صرحت جيمع الأخبار  بما فيها هذه الثلاثة المتقدمة بنفي القرآنية عن مصحف فاطمة.

 

في نهاية المطاف نذكر أن المصحف المذكور بقي عند أئمة أهل البيت عليهم السلام، يتوارثونه مع بقية الكتب المتضمنة لعلوم الأنبياء والرسل الماضين، ومع صحيفة الأحكام الجامعة التي أملاها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على علي عليه السلام، وسنتعرض إن شاء اللّه في فرصة أخرى لهذه الصحيفة بشكل مستقل. وقد كان هذا الميراث العلمي يشكل أحد علائم الإمامة الكبرى.

المهم هو الإشارة إلى أن مصحف فاطمة كبقية الصحف والكتب لم تنتقل إلى غيرهم عليهم السلام, ولم تصل إلى شيعتهم، وليس هناك أي واقع لما يدعيه افتراء بعض الكتاب من كون هذا المصحف متداولا في بعض مناطق الشيعة، لا في بلاد الحجاز ولا في غيرها, والمؤسف أن أصحاب هذه الأقلام يطلقون العنان لأقلامهم دون تدبر ولا تثبت، ويأخذون معلوماتهم من العوام، ويصدقون كل مقولة للطعن والتشنيع، فيثبتونها في كتبهم لتصبح بعد ذلك مصادر يعتمد عليها المأجورون والساعون وراء تفريق المسلمين وزرع الفتن بينهم.


هوامـش:

1- راجع مصادرالحديث في الهوامش التحقيقية لكتاب المراجعات للسيد شرف الدين / هامش المراجعة رقم 48 ص 387 من طبعة المجمع العالمي لاهل البيت عليهم السلام

2-الفيروز آبادي: القاموس المحيط: مادة صحف .

3-الخليل، العين 3: 10, وابن منظور, لسان العرب مادة صحف .

4-السيوطي، الاتقان في علوم القرآن 1: 185, تحقيق محمد ابوالفضل ابراهيم .

5-راجع: كتاب حقائق هامة في القرآن الكريم، للسيد جعفر مرتضى العاملي -فصل جمع القرآن.

6-الصفار, بصائر الدرجات: 153, ط. المرعشي، والكليني، الكافي 1: 241,والمجلسي، بحار الانوار 26: 41, والقطب الراوندي، الخرائج والجرائح 2: 526, وفيه تخريج الحديث في مصادر عدة .

7-الصفار, بصائر الدرجات: 159 ط. المرعشي، والمجلسي، بحار الانوار 26: 48.

8- الصفار, بصائر الدرجات: 154, ط. المرعشي، والمجلسي، بحار الانوار 26:45.

9-الصفار, بصائر الدرجات: 150, ط. المرعشي، والمجلسي، بحار الانوار 26: 37.

10-الصفار, بصائر الدرجات: 151, ط. المرعشي، والمجلسي، بحار الانوار 26: 38,47: 271.

11- الصفار, بصائر الدرجات: 156, 160 ط. المرعشي، والمجلسي، بحار الانوار 26:43, 47: 272.

12-الصفار, بصائر الدرجات: 154 ط. المرعشي، والمجلسي، بحار الانوار 26: 45.

13-الكليني، الكافي 1: 239, الصفار, بصائر الدرجات: 152 ط. المرعشي ,والمجلسي، بحار الانوار 26: 39.

14-ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب 3: 249, والمجلسي، بحار الانوار 47: 32,والمراد بمحمد بن اللّه هو محمد بن عبد اللّه بن الحسن المثنى .

15-الصفار, بصائر الدرجات: 161, 170 ط. المرعشي، والمجلسي، بحار الانوار 26:48 و156.

16-الكليني، الكافي 1: 244, وقريب منه جدا نقله الصفار في بصائر الدرجات: 169ط. المرعشي، والمجلسي، بحار الانوار 26: 155 و47: 273.

17- الصفار, بصائر الدرجات: 157 ط. المرعشي، والمجلسي، بحار الانوار 26: 43.

18-الصفار, بصائر الدرجات: 157 ط. المرعشي، والمجلسي، بحار الانوار 26: 44,والكليني، الكافي 1: 240.

19-الاميني، الغدير 5: 50  51, نقلا عن الصراع بين والوثنية 1: 1 و2: 35.

20-آل عمران: 42.

21-ال عمران: 45.

22-مريم: 17  19.

23-هود: 69  73

24-صحيح البخاري 4: 209  219

25-صحيح مسلم بشرح النووي 16: 6  7.

27-صحيح البخاري 4: 200, وصحيح مسلم بشرح النووي 15: 166, وسنن الترمذي 5: 581 ,وراجع: ارشاد الساري، شرح صحيح البخاري 6: 99, و5: 431.

27-ابن سعد, الطبقات الكبرى 7: 11, و4: 288  289, ومعجم الطبراني الكبير 18:107, ح 203.

28-ابن الجوزي، المنتظم 9: 136, وصفة الصفوة 2: 280.

29-ابن الجوزي، المنتظم 6: 8, والخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 8: 362

30-لعل المراد انه اشار بيده نفيا, و((او)) لعلها من زيادة النساخ، ولعلها هو, وفي البصائر: وكصاحب سليمان

31-الكيني، الكافي 1: 271

32-الصفار, بصائر الدرجات: 323 ط. المرعشي

33-الاميني، الغدير 5: 48, عن بصائر الدرجات، إلا ان في البصائر المطبوعة سقطت هذه العبارة .

34-المجلسي، بحار الانوار 26: 41, 47: 271, والصفار, بصائر الدرجات: 153 ط.المرعشي .

35-المجلسي، بحار الانوار 26: 42, والصفار, بصائر الدرجات: 155 ط. المرعشي .

36-المجلسي، بحار الانوار 26: 48  49, والصفار, بصائر الدرجات: 161 ط.المرعشي.