|
الشـفاعة
قسم من الدعـاء والرجاء |
|
الشفاعة
-في الحقيقة- قسم من الدعاء والرجاء، ليس
من خواص الأنبياء والأوصياء، وليس لأحد
على الله قبول شفاعته، وإنما ذلك من
ألطافه ومننه، ولا شفاعة إلا بإذنه ورضاه،
والأخبـار فيها متواترة: -
روى محمد بن عمرو بن العاص، عن النبيّ صلى
الله عليه وآله وسلم أنه قال: من سأل الله
لي الوسيلة، حلّت عليه الشفاعة، رواه مسلم(صحيح مسلم (كتاب
الصلاة)، باب 11؛ أبي داود (كتاب الصلاة)،
باب 36؛ سنن الترمذي (كتاب المناقب)، باب 1؛
سنن النسائي (كتاب الأذان)، باب 37؛ مسند
أحمد بن حنبل (كتاب الثاني)، الباب 168).
-
وعن عبدالله بن عباس، عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم أنه قال: ما من رجل مسلم
يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا
يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه،
رواه مسلم(صحيح مسلم (كتاب
الجنائز)، باب 19 (من صلى عليه أربعون شفعوا
فيه)، حديث 59). -
وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما من ميت
تصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة، كلهم
يشفعون له إلا شفعوا فيه، رواه مسلم(صحيح
مسلم (كتاب الجنائز)، باب 18، حديث 58). -
وعن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أنه قال: أعطيت خمساً… (وعدّ منها
الشفاعة)
(صحيح مسلم (كتاب المساجد ومواضع الصلاة)،
باب 5، حديث3).
-
وعن إبن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم: أنا أول شافع وأول مشفع في القيامة
ولا فخر(صحيح
مسلم (كتاب الفضائل)، (باب - 2 - ، تفضيل
نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم - على جميع
الخلق)، حديث 2278). -
وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم: أنا أول شافع وأول مشفع. ونحوه عن أنس(صحيح
مسلم (كتاب الأيمان)، باب 330)، وأبي بن كعب(سنن
الدارمي (المقدمة)، الباب8). -
وعن جبير بن مطعم، عن عثمان بن عفان، عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
يشفع يوم القيامة ثلاثون (وعد منهم
الأنبياء). -
وعن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أن الشفاعة على مراتب الناس في
القابلية(سنن
ابن ماجه: 2/1443).
-
وعن عبدالله بن مالك عن أبيه، عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أنه أتاني آتٍ من ربي،
فخيّرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين
الشفاعة، فأخترت الشفاعة. -
وعن عبدالله بن أبي الجذعاء، عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم: أنه والدارمي يدخل
الجنة بشفاعة رجل(في المطبوع:"بشفاعتي
رجال")
من أمتي أكثر من بني تميم، رواه الترمذي
والدارمي(الترمذي:4/541).
-
وعن أنس قال: سألت النبي صلى الله عليه
وآله وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال:
أنا فاعل، قلت: فأين أطلبك، قال: أولاً على
الصراط، قلت: فأن لم ألقك؟ قال: عند
الميزان، قلت: فأن لم ألقك، قال: عند
الحوض، فأني لا أخطيء هذه المواضع، رواه
الترمذي(الترمذي
(باب صفة القيامة):4/537). -
وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم إن الله يقول بعد فراغ
الشافعين من الشفاعة: شفّعت الملائكة،
وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا
أرحم الراحمين(الترمذي:4/541).
-
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أنه يحبس المؤمنون يوم القيامة، فيقولون
لو استشفعنا، فيأتون (آدم)، فيعتذر
بخطيئته، ثم (إبراهيم) فيعتذر بثلاث كذبات
كذبهن، ثم (موسى) فيعتذر بقتل النفس، ثم
(عيسى)، فيقول: لست هناك، فيقول الله تعالى
بعد أن أسجد له: إشفع تشفع…(الخبر وهو
طويل)(الترمذي:4/537).
-
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن
ملكاً غضب عليه، فأهبط من السماء، فجاء
إلى إدريس فقال له: إشفع لي عند ربك، فدعا
له، فأذن له في الصعود. وفيه دلالة على
الشفاعة في الدنيا. وستجيء في باب زيارة
القبور أخبار كثيرة عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم أنه قال: ((من زارني كنت له
شفيعاً))(سنن البيهقي:5/245).
وبيـان
الحال : أن
الشـفاعة 1-
إن كانت من قبيل الدعاء : فيرجع طلبها إلى إلتماس
الدعاء من الأنبياء والأولياء، فتكون
عبارة عن دعاء مخصوص لنجاة الغير، أو قضاء
حاجته في أمور الدنيا والآخرة، فلا كلام
ولا بحث في جواز طلبها من كل أحد، فهي كما
لو سألت إخوانك الدعاء. ويؤيد ذلك أنه لما
سئل إدريس عليه السلام الشفاعة دعا. ولا
فرق بين الأحياء والأموات، والأخبار
متواترة في أن الأموات يسمعون وينطقون،
لكن الناس لا يسمعون كلامهم. فالشفاعة
بهذا المعنى لا غضاضة في طلبها، إذ لسنا في
ذلك بمنزلة من قالوا لا طاقة لنا بعبادة
الله، ونحن نعبد الأصنام، وهم يوصلوننا
الى الله. 2-
وإن أريد بالشفاعة منصب أعطاه الله لنبيه
صلى الله عليه وآله وسلم وأوليائه فيدفعون
بالأذن العام عن الناس: بمعنى أن الله أذن إذناً
عاماً لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في
إنقاذ بعض أهل العذاب من العذاب يوم يقوم
الحساب، فبهذا المعنى تكون مخصوصةً في
الآخرة. ولا
ريب أن المستشفع بالنبي صلى الله عليه
وآله وسلم، والأولياء في دار الدنيا، يريد
المعنى الأول. فليت
شعري ما الذي ينكر من طلب الشفاعة؟ -
أمن جهة خطاب الموتى:
فلذلك لا يوجب كفراً ولا إشراكاً، لو كان
خطأ، فكيف لو كان صواباً. -
أو من جهة إسناد الأمر إلى غير الله
سبحانه: وهذا أعجب من
السابق، فإن الداعي والساعي في حاجة أحد
إلى مولاه لا يرتفع عن درجة العبودية،
ولاسيما إذا لم يحدث شيئاً إلا عن إذنه. ومن
البديهية(في
النسخة المطبوعة:"الأمور البديهيّة")
أن
العبيد والخدام القائمين بشرائط العبودية
والخدمة مع الأذن يشفعون عند مواليهم في
قضاء حوائج الناس، ولا يخرجهم ذلك عن
العبودية والخدمة، بل هذا نوع من
العبودية. وفي
أحاديث الشفاعة ما يدل على عموم الشفاعة
في دفع المضار الدنيوية والأخروية: وقد
نقل عن الصحابة بطرق معتبرة أن الصحابة
كانوا يلجأون إلى قبر النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، ويندبونه في الأستسقاء ورفع
الشدائد والأغراض الدنيوية: 1-
روى البيهقي بطريق صحيح عن مالك الدار
خازن عمر رضي الله عنه أنه أصاب الناس قحط،
فذهب رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم إستسق لأمّتك فقد هلكوا، فأتاه
النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام،
فقال له: قل لعمر: قد سقوا(البيهقي:3/344).
وقد
روي أنّ من رأى النبي صلى الله عليه وآله
وسلم في نومه فكأنما رآه في يقظته، لأن
الشيطان لا يتمثل به(صحيح
مسلم (كتاب الرؤيا)، باب1 حديث11).
2-
وروى البيهقي بطريق صحيح أن رجلاً في أيام
عمر رضي الله عنه جاء إلى قبر النبي صلى
الله عليه وآله سلم، فقال: يا محمد إستسق
لأمتك(البيهقي:3/350).
3-
وروى الطبراني وابن المقري أنهم كانوا
جياعاً، فجاؤا إلى قبر النبي، فقالوا: يا
رسول الله الجوع، فأشبعوا. والغرض
أن ذلك ظاهر بين الصحابة والسلف، لا
يتناكرونه أبداً، وحيث كان لا يزيد على
سؤال الدعاء، واتضح في البحث الآتي أن
الأنبياء والأولياء أحياء، لا يبقى كلام
أصلاً. في
حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته ولا
ينافي ذلك إطلاق إسم الموت عليه، وأن
الحياة إنما هي وقت البعث، لأن المراد أن
عود تلك الأجسام على الحال السابق
والكيفية السابقة، إنما يكون في ذلك
الوقت، وإن ظهور ذلك للناظرين، إنما يكون
في ذلك الحين، ولابد أن تتلقّى ما ورد عن
النبي الكريم، بأشد القبول والتسليم: -
روي عن أمّ سلمة رضى الله عنه، قالت: رأيت
النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتراب
على شيبته، فسألته، فقال: شهدت قتل الحسين
عليه السلام. -
وعن ابن عباس أنه رأى النبي صلى الله عليه
وآله وسلم في المنام، وفي يده قاروة، فقلت
وما هذه. فقال هذا دم الحسين عليه السلام(تاريخ ابن
عساكر، ص263).
-
وقال المبارزي: نبينا حي بعد وفاته. -
وقال شيخ الشافعي(عبدالقاهر
بن طاهر البغدادي الأسفراييني، ولد ونشأ
في بغداد، ورحل إلى خراسان واستقرّ في
نيسابور، ومات في أسفرائين. له مؤلفات
كثيرة):
نبينا حي بعد وفاته، فإنه يستبشر بطاعات
أمته، ويحزن من معاصيهم، وتبلغه صلاة من
يصلّي عليه. -
وعن علي عليه السلام أنّ أعرابيا جاء إلى
قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:
يا رسول الله إستغفر لي، فنودي من داخل
القبر ثلاث مرات: قد غفر الله لك(كنز
العمال: 1/506).
-
وروى أبو داود في مسنده، عن أبي هريرة،
مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم، قال: ما من أحدٍ يسلّم عليّ إلاّ ردّ
الله روحي حتى أردّ عليه. -
وذكره إبن قدامة من رواية أحمد أنّ النبي
صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من أحد
يسلّم عليّ عند قبري إلاّ ردّ الله عليّ
روحي. وذكره بعض أكابر مشايخ البخاري. -
وفي خبر النسائي وغيره، عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، قال: إن لله ملائكة
سيّاحين في الأرض، يبلغونني من أمتي
السلام. فعلى
هذا لا فرق بين السلام من قرب، أو بعد. -
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أنه قال: من صلّى عليّ عند قبري سمعته(كنز
العمال في سنن الأقوال والأفعال: 1/488،
الباب السادس في الصلاة عليه وعلى آله،
حديث 2197).
-
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم أنه قال: من صلى عليّ عند قبري،
وكل الله به ملكاً يبلغني(كنز العمال، حديث2196). -
وروى إبن أوس مرفوعاً عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم أنه قال: أكثروا عليّ من
الصلاة يوم الجمعة، فأن صلاتكم معروضة
عليّ، قالوا: أو كيف تعرض عليك وأنت رميم؟!
فقال: إنّ الله حرّم على الأرض لحوم
الأنبياء(كنز العمال:ج1، الباب
السادس، حديث2141).
وهذا يعم الأنبياء (صلى الله عليهم). -
وروى الحافظ عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أنه قال: علمي بعد مماتي كعلمي في
حياتي(كنز
العمال:ج1، الباب السادس، حديث2242). -
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ
الله وكّل ملكاً يسمعني أقوال الخلائق،
يقوم على قبري، فلا يصلّي عليّ أحد إلاّ
قال: يا محمّد (فلان) بن (فلان) يصلّي عليك،
صلّوا عليّ حيثما كنتم، فأن صلاتكم
تبلغني. -
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ
أعمالكم تعرض عليّ(صحيح
مسلم (كتاب المساجد)، باب57؛ ومسند أحمد بن
حنبل، الكتاب الخامس).
والأخبار
في ذلك أكثر من أن تحصى، وفيها دلالة على
أنه صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب في
مماته كما يخاطب في حياته، بل يظهر من بعض
الروايات(في النسخة
المطبوعة:الأخبار) أنّ
كلامه يسمعه بعض الخواص. |