لا توحـيد من دون توسّــل
سماحة الشيخ إبراهيم الأنصاري


بسم الله الرحمن الرحيم

لا شكَّ أنَّ نظام الكون يحكمه قانون  العليَّة أي أنَّ كلَّ معلول لا بدَّ وأن تكون له علَّة وسبب، فأبى الله أن يُجري الأمور إلاّ بأسبابها. وهذا الحكم يجري على جميع الحوادث الطبيعيَّة فالأشياء لها تأثير وتأثُّر على مستوى الحوادث الطبيعية. والاعتقاد بمثل هذه القدرة العادية المتعارفة ليس من الشرك أصلاً بل ينسجم مع الروح التوحيديَّة. ويبقى سؤال في هذا المجال وهو:

هل الاعتقاد بقدرةٍ ما فوق الطبيعة يستلزم نوعاً من الشرك ؟

- أي أنَّنا لو اعتقدنا بقدرةٍ ما فوق القوانين العادية الطبيعيَّة لملائكةٍ ما أو إنسانٍ (كالنبي صلى الله عليه وآله أو الإمام عليه السلام) هل هذا من الشرك؟!

- وهل الاعتقاد بقدرة الإنسان  الراحل من عالم الدنيا وتأثيره على الأشياء يجرُّ الإنسان إلى الشرك بالله تعالى مهما كانت هذه العقيدة؟ وذلك لأنَّ الميت جمادٌ والجماد لا شعور له ولا قدرة ولا إرادة وبالنتيجة فإنَّ الاعتقاد بأن الميت يُدرك ويسمع ويرى، فالتسليم عليه واحترامه وتعظيمه وندائه والتوسل إليه وطلب الحاجة منه كل ذلك شركٌ بالله تعالى!! لأنَّه يستلزم الاعتقاد بقوة ما وراء الطبيعة لغير الله تعالى؟

- وأيضاً: الاعتقاد بتأثير تراب ما (كتراب قبر سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام) في شفاء المريض، أو تأثير مكان خاص (كحرم الرسول صلى الله عليه وآله) في استجابة الدعاء كلُّ ذلك من الشرك بالله تعالى؟

- وهل هناك دليلٌ شرعيٌّ من الكتاب والسنَّة يمنع من هذه الأمور؟


أقـول:

إن هذه النظرية، أعنى الاعتقاد بأن هذه الأمور من الشرك، هي المشتملة على أبرز مصاديق الشرك!

وذلك لأنَّ الذي يعتقد بأنَّ العلل الطبيعيَّة لها التأثير في معلولاتها وقع (ومن حيث لا يشعر) في ظلمات الشرك وتورَّط في الشرك والانحراف، حيث اعتقد بأنَّ الأشياء الطبيعيَّة لها استقلالها الذاتي وهذا يعنى أنه شكَّل قطباً مستقلاً في قبال الله تعالى وقدرةً منعزلة عن قدرته تعالى!


بـإذن الله ؟

فالموجود المرتبط به تعالى بجميع هويته الذي ليس له حيثية وهويَّة مستقلةٌ، فتأثيره غير الطبيعي كتأثيره الطبيعي لا يُستند إلى نفسه، بل كل ما يصدر منه فهو مستند إلى الحق تعالى، وليس له دور ومهمَّةٌ مستقلَّة إلاّ أنَّه يكون مجرىً لمرور فيوضات الحق إلى الأشياء الأخرى، وشأنه شأن الملائكة في أداء مهمَّتهم.

فهل الاعتقاد بأنَّ جبرئيل واسطة فيض الوحي والعلم، وميكائيل واسطة الرزق وإسرافيل واسطة الإحياء، وعزرائيل واسطة قبض الأرواح هـو شرك بالله تعالى؟


الوهَّـابيَّة والشرك بالله تعالى

إنَّ عقيدة الوهابية هي المشتملة على أقبح أنواع الشرك، وذلك حيث أنَّهم قد قسَّموا الأعمال بين الخالق وبين المخلوق، فالأمور التي هي ما وراء الطبيعة خصَّصوها بالله تعالى والأمور الطبيعية جعلوها للمخلوقات!

فكون المخلوقات لها نطاقٌ معيَّنٌ من الأفعال غير النطاق الإلهي هو نوع من الشرك في الفاعلية!

فما يتوهمه هؤلاء الشرذمة من الناس لا يعارض أصل الإمامة فحسب بل هو يعادى ويتعارض مع أصل التوحيد والإنسان.

- وأمّا تعارضه مع أصل التوحيد : فلأنَّهم قسَّموا الأعمال بين الخالق وبين المخلوق. حيث اعتقدوا أنَّ هناك من المخلوقات (وهي الموجودات الطبيعية) ما لها التأثير المباشر والمستقل في أعمالها وآثارها.

- وأما تعارضه مع  الإنسان : لأنَّهم نزَّلوا من مستوى الاستعداد الذاتي للإنسان فأوصلوه إلى حضيض الحيوانيَّة.. علماً بأنَّ الإنسان هو خليفة الله في الأرض، وقد نفخ الله سبحانه فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود له، فهو أفضل من جميع الملائكة.

مضافا إلى أن التفكيك بين الميت والحي وتوهُّم الفرق بينهما، يعني أن كلَّ شخصية الإنسان هو بدنه الذي ينقلب إلى جماد، وهي فكرة مادية بحتة تعارض المعتقدات الإلهية.

ومن هنا نصل إلى عمق كلام رسول الله صلى الله عليه وآله كما في الحديث التالي:

"قال النبى صلى الله عليه وآله وسلَّم: إن الشرك أخفى من دبيب النمل على صفوانة سوداء في ليلة ظلماء" (بحار الأنوار ج 18 ص 158 باب 1)


ما هو الميزان في التوحيد و الشرك ؟

ثم ينبغي أن يعلم أن الميزان في التوحيد والشرك هو:

1- إنَّـا لله :

أنَّه لو اعتقدنا أن الموجودات في ذاتها وصفاتها وأفعالها هي من الله (إنا لله) فنحن قد عرفناها من منظار التوحيد الحقيقي، سواء كان ذلك الشئ له أثراً أو آثاراً أو لم يكن كذلك، وسواء كانت الآثار طبيعيةً أو كانت ما فوق الطبيعة، فالله هو ليس إله الملكوت والجبروت فحسب بل هو إله العالمين، فهو قريب إلى الطبيعة بنفس المقدار (إن صحَّ التعبير) الذي هو قريب إلى ما وراءها وله معيَّةٌ  قيوميَّةٌ على الطبيعة وعلى ما وراء الطبيعة.

قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي}(المائدة110)

فهذا هو التعلق المحض وحقيقة "إنا لله" حيث لا استقلالية لأعمال الأنبياء ما وراء إرادة الله تعالى، فالاعتقاد بموجود ليس راجعاً إليه تعالى هو الشرك الحقيقي، كما إن الاعتقاد بتأثير موجود من غير إرادته تعالى أيضاً فهو من الشرك، سواء كان الأثر أثرا طبيعياً أم كان ما فوق الطبيعة فلا فرق بين خلق السموات والأرض وبين حركة ورق الشجر فكلُّها بإذن الله تعالى.

ومن هنا نشاهد التأكيد في كثير من الآيات على هذه الحقيقة، قال تعالى:

{تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(ابراهيم 25). وقال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}( الاعراف 58). وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ}(آل عمران 165). وقال تعالى: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}(الانفال 66).  وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}(الرعد 38).


2- وإنّا إليه راجعون
:

وأيضا من حدود التوحيد والشرك هو "إنا إليه راجعون"، فلو نظرنا إلى موجود ما أعم من النظر الظاهري أو النظر المعنوي، وكان نظرنا لأجل أن يكون ذلك الشئ وسيلةً للوصول إلى الله تعالى لا أنه هو المقصد والغاية، فهذا هو عين التوجه إلى الله تعالى.

فالأئمة المعصومين عليهم السلام هم السبيل إليه وقد ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة:

 ((أنتم السبيل الأعظم والصراط الأقوم وشهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء والرحمة الموصولة والآية المخزونة والأمانة المحفوظة والباب المبتلى به الناس، من أتاكم فقد نجى ومن لم يأتكم فقد هلك، إلى الله تدعون وعليه تدلُّون))(بحار الأنوار ج 102 ص 129 روايه 4 باب 8)

وهم علامات للمسير إلى الله ((ومنارا في بلاده وأعلاما لعباده)) (بحار الأنوار ج 102 ص 17 روايه 10 باب2) ((السلام على الأدلاء على الله)) (بحار الأنوار ج 102 ص 8 روايه 1 باب2)  

وهم الهداة والدعاة إلى الله ((السلام على الدعاة إلى الله))(بحار الأنوار ج 102 ص 8 روايه 1 باب2)


النتيجة :

إن التوسل بهم عليهم السلام وزيارتهم واستصراخهم والاستشفاع بهم وتوقُّع الكرامات منهم، التي هي أمور ما وراء الطبيعة، ليس من الشرك في شئ بل هي عين التوحيد.

وذلك :

أوَّلاً: ينبغي أن نعلم بأنَّ الأنبياء والأولياء قد وصلوا إلى مستوى من القرب إلإلهى بحيث أن الله تعالى قد خصَّهم بهذه الموهبة الربانية؟ كما يدلُّ على ذلك القرآن الكريم.

وبالنسبة إلى أهل البيت عليه السلام قال تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا}(الإنسان 6) حيث أنَّ الآية تدلُّ على قدرتهم الإلهية المعنوية، حيث أنَّهم وبإرادتهم قد فجَّروا العين وذلك لوصولهم إلى مستوى من العبودية لله والتحرر من جميع القيود حيث {سَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}(الإنسان21) قال في مجمع البيان: (يطهرهم عن كلِّ شيءٍ سوى الله، إذ لا طاهر من تدنَّس بشيءٍ من الأكوان، إلاّ الله.  رووه عن جعفر بن محمَّد عليه السلام)(تفسير مجمع البيان ج10 ص223)


ثانيا:
إنَّ الذين يتوسلون بهم ويطلبون منهم قضاء حوائجهم إنَّما ينطلقون من الرؤية التوحيدية، أي من منطلق "إنا لله" فلا شك أنَّهم لا يتوسلون بهم إلا وهم موحدُّون، فالتوسُّل بهم عليهم السلام هو من شئون التوحيد وطاعة الله تعالى، فهم الحبل المتصل بين الأرض والسماء وهم العروة الوثقى التي لا انفصام لها.

وفي دعاء الندبة: (أين باب الله الذي منه يؤتى أين وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء أين السبب المتصل بين الأرض والسماء)(بحار الأنوار ج 102 ص 107 روايه 2 باب7)  

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(المائدة 35)  وفي تفسير علي بن إبراهيم القمِّي (تقربوا إليه بالإمام) (بحار الأنوار ج70 ص271 باب56).  


فمن تأمَّل في حقيقة التوسُّل عرف أنَّه هو المنطبق مع النظام الكوني وفطرة الإنسان، فالذي ينكره إنما هو في ضلال بعيد ومنحرف عن الصراط المستقيم، ومن هنا نشاهد بني إسرائيل يقولون {يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا  وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}
(البقرة 61) فيطلبون من موسى أن يدع لهم، وكذلك أولاد يعقوب عليه السلام يطلبون من أبيهم أن يستغفر لهم {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(يوسف 97 و98).


وفي خصوص الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلَّم قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}
(النساء 64) فالرسول له دورٌ رئيسي في قبول توبة العباد لوجاهته عند الله تعالى وقربه المعنويِّ، وهذا لا يختص بحال حياته بل يشمل حال مماته أيضاً بل في هذه الحال يكون المجيء إليه آكد، فلا فرق بين حضوره وغيبته. وفي زيارته صلى الله عليه وآله (اللهم وإنى أعتقد حرمه نبيك في غيبته كما أعتقدها في حضرته، وأعلم أن رسلك وخلفاءك أحياء عندك يرزقون، يرون مكاني في وقتي هذا وزماني ويسمعون كلامي في وقتي هذا ويردون على سلامي، وأنك حجبت عن سمعي كلامهم وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم)(بحار الأنوار ج 100 ص 160 روايه 41 باب2) فالمشكلة راجعة إلينا نحن المحجوبين لا إليهم عليهم السلام.


وأمّا بالنسبة إلى
الاعتقاد بتأثير تراب قبر سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام في شفاء المريض، أو تأثير مكان خاص كحرم الرسول صلى الله عليه وآله  في استجابة الدعاء، فالحديث عنه يتطلب بحثاً آخر إلاّ أننا نشير إلى ذلك بايجاز فنقول:

إنَّه ليس للتراب كتراب هذا التأثير، ولا القبر كقبر، بل الأثر كل الأثر يرجع إلى صاحبهما، وليسا هما إلا وسيلة للتقرُّب إلى من يرتبط بهما، وهذا يعني التقرب إلى الله الشافي الذي أفاض هذا الاسم في أولياءه فصاروا وجهاً له ومرآةً ينعكس فيها  ذلك الاسم.


وما أحسن ما قيل:

هنيئاً لمن زارَ خـير الورى     وحطَّ عن النفس أوزارها   

فإن السـعادة مضـمونةٌ       لمن حلَّ طيبة  أو  زارَها

وما أحسن ما قيل :

أمرّ على الديار ديـار ليلى     أقبل ذا الجدار وذا الجدارا 

وما حبُّ الديار شغفن قلبي     ولكن حبّ من سَكن الديارا

 

والحمد لله ربِّ العالمين وصلى الله على محمَّدٍ وآله الطاهرين


الكويت 9-3-1997 29 شوال 1417